أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / مقدمة ملف الشاعر محمد عنيبة الحمري – المختار النواري

مقدمة ملف الشاعر محمد عنيبة الحمري – المختار النواري

مقدمة ملف الشاعر محمد عنيبة الحمري

المختار النواري*

 

سُنّة حميدة هاته التي اعتزمت مجلة “مدارات الثقافية” انتهاجها بالاحتفاء بأعلام الثقافة في بلادنا، شعراء كانوا أم ناثرين أم كتاب أم فنانين أم إعلاميين أم صناع فرجة. والأحمد منها لو كنا نسابق القدر، فنستعلي بالمحتفى به، ونستعلي مسيرته، ونستغلي فضله، قبل أن يستأثر به القدر علينا. ولكن الإنسان بطبعه نَسّاء، مفتون منغمس، يجعله ذاك يقبل أن يخضع في الاحتفاء بأعلامه للائحة، التي يكتبها القدر، وينتظمها طابور الاختفاء، لنبني القاعدة اللئيمة: “ألا احتفاء إلا بعد الاختفاء”.

ندرك كل هذا، ويتكرر علينا مرات ومرات، من خلال عدد المختفين – المحتفى بهم ، و وعلى الرغم من إدراكنا أن من بيننا – نحن المحتفين – على الدرب، من سيغدون مختفين عن قرب، ومع ذلك نسلم الأمر، ونتقبله تقبل العاجز المستكين.

في خضم كل هذا ها نحن نقيم احتفاء آخر عقب الاختفاء، وكأن جمال الحياة، وتعدد الفرص المتاحة فيها، لا يغرينا بالاحتفاء؛ وعلى شناعة الموت، وتوحد الفرصة المتاحة، ها نحن ننساق، ونكرر السلوك نفسه، ليستقر عادة، تخترق الثقافي إلى المجتمعي فالوجودي.

وعلى عكس كل هذا تكون حصائل الاحتفاء، وتتحدث لغاتها، وتصبو إليه إرادات أصحابها. فنصوص الاحتفاء تتحدث عن حصيلة الوفاء، والاحتفاظ بالذكرى، والاعتراف بالأثر، ورصد القيمة. وتحديد المعيار، والترتيب ضمن المسارات المماثلة، للحقيقة وللتاريخ.

انها على قدر ما تقدمه من شهادة ثقيلة ووازنة، على قدر ما تعكسه من مسؤولية، وازدواجية في التقدير، تقدير المحتفى به، وتقدير مدى التزام المحتفي بالحقيقة، واحترامه للإنصاف، وكونه على قد المسؤولية التاريخية، التي هو بصدد القيام بها

شجن والله عميق وعاصف. لا يترجمه أبدا هذا السكن.

على ان يتواصل النزف، نزف الرصيد الثقافي، الذي كافح الأفراد لبنائه على عقود وأجبال، وأفنوا في سبيله الأعمار، حتى إذا توضح وبان، واستوى المسار، أتى المترصد القهار، المختلس الجبار، حركته حركة اللصوص، و ثباته ثبات الأمناء، وتحديه تحدي الشجعان، وإن كان فعله فعل الجبناء.
على هذا أُخذ منا الشاعر الفاره، والرصين البارع، المذكور بالحسنى، والمحمود بالمثنى، المشمول بالرحمة، المكنوف بالمغفرة، الجميل النبيل، الفتي النقي، البهي الندي، الهدي الرضي، الخير الطيب، المعطاء الصيب، السموح الربوح، النصوص الفصوح، محمد عنيبة الحمري تغمده الله برحمته، وجعل عزاءنا فيه حسن سيرته.
على هذا أُخد منا شاعرنا، فتواصل به سرب المختفين، وتكثف بنا جميع المحتفين، ولكن العزاء عن كل هذا أمران :
الأول : أن الرجل قام بأعمال وأدوار ومهام على صعيد ما يخلد ويبقى، وينفع الأقاصي والدواني، والحاضر والغابر، و يُعترف له بذلك، إن لم يكن بالعلن ففي السر؛ وإن لم يكن في المجالس التي تطوى، ففي كتب التاريخ التي تنشر.

الثاني: أن أصدقاءه ومعارفه ومن شاركوه حب الحرف المموسق، يتسابقون ليقولوا في حقه ما يستحق، ولينصفوه بالذي يجب، وليشهدوا له بما يشهد عليهم، وليؤدوا الذي عليهم ، لعله يُؤدَّى إليهم. فتتوالى الكتابات، وتتزاحم الصفحات، لتختصر القول في أن الرجل كان حيا ولا يزال، كان فوق الارض، يضرب فيها بالطول والعرض، ويشهد على نفسه متحدثا، وإن صمت شهد عليه عمله، وينطق عنه إخوانه. ويخلده التاريخ.
ندرك كل هذا، وفي النفس مرارة، وفى القلب حرارة، وفي الحلق غصة، وفى الخاطر ندبة، ولكن ذلك لا يشغلنا عن شكر الإخوان المحتفين، الباذلين الفرهين، شعراء ودارسين، وراصدين وشاهدين.
من نواياكم الحسنة، ووفائكم الرصين، ونبلكم الكريم، وطهركم الثمين، نفتل هذه الباقة، التي لن تزال يانعة، خضرة نضرة، شهية بهية، لنهديها لروح الشعر، وعبق العطر، وحسن الذكر، أخينا وحبيبنا، وكبيرنا وملهمنا، وحاضرنا وراعينا، سيدي محمد عنيبة الحمري رحمه الله بما رحم به سيد المحمدين، وأكرم مثواه بما أكرم به المنعميت، المبشرين المرضيين، آمين.

طاب الاحتفاء، وفي كل احتفاء لنا موعد مع اختفاء.

 هيئة تحرير 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً