
المفكر الذي كاد ينقطع عن الدراسة في نهاية الطور الإعدادي
أوالمكناسي الذي اكتشف سادية الصهيونية في سن مبكرة للذكـــــــرى
جاكوب كوهن
مـحـمد بـشـار*
سلسلة متواضعة عن أعلام مدينتي مكناس. أعدها تحت عنوان (علم من مدينتي) وذلك للتذكير بهم وبأهم منجزاتهم.
الكتابة عن العلم المكناسي جاكوب كوهن ميسرة نسبيا من خلال ما يوفره الأنترنيت من معطيات حول شخصه وأعماله ومواقفه، ومن خلال ما يغني به هو شخصيا، وما زال، مختلف وسائل التواصل والإعلام. فنشاطه مسترسل وحضوره شبه يومي على عدة واجهات (فايسبوك -مدونته الشخصية – محاضرات – مقابلات صحافية – ردود أفعال مسجلة – فيديوهات مباشرة…). لكني وتقديرا لوزنه الكبير ولمواقفه المشرفة، آثرت أن أتواصل معه شخصيا. لما اتصلت به لأخبره عن سلسلتنا المتعلقة بأعلام مكناس وبنيتي في إعداد ورقة عنه كشخصية مكناسية متميزة لصالح صفحة “مكناس التاريخ والعمران”، رحب بالفكرة واعتبرها تشريفا له وشكرني مخاطبا لي بمواطني العزيز. بعدها وافاني بمجموعة من المعطيات الخاصة بشخصه.
في ذات السياق وارتباطا بما سبق، لا أدعي بأني سآتي بأشياء استثنائية عن الرجل مما لا يعرفها المتتبعون عن قرب لمساره. ورقتي هذه، فيها تذكير، وقد تكون مفيدة أكثر لمن لا يعرفونه من المكناسيين وغيرهم، أو الذين لم يسبق لهم الاطلاع على سيرته الذاتية أو مواقفه من بعض القضايا المختلفة التي تهمنا كمغاربة.
كما هو معروف، جاكوب كوهن مفكر وكاتب يهودي ملتزم. كاتب مختلف عن الكثير من أصحاب القلم. فهو يتميز:
– بصراحة وجرأة قلما اجتمعتا في غيره، حتى أن هناك من يعتبر أن فيهما شيئا من الشطط.
– بكونه روائي قادم من فضاء الدراسات القانونية والسياسية.
– بأنه من أبرز المغاربة اليهود المناهضين للحركة الصهيونية، والذين يرفضون الدمج بين اليهودية كديانة وبين الصهيونية كإيديولوجية لأنهم يعتبرون الصهيونية، بكل وضوح، حركة عنصرية لا إنسانية.
بقناعاته ومواقفه الصريحة والشجاعة، فإنه يشكل أحد أعضاء تلك الكوكبة غير الموسعة من المغاربة، ذوي العقيدة اليهودية، أمثال المرحوم ابراهام السرفاتي وسيون أسيدون، الذين لم يتعبوا من نقد الصهيونية والذود عن القضية الفلسطينية في وقت أصبح فيه بعض عتاة العرب المسلمين من مدمني الانبطاح، يجتهدون من أجل إقبارها أو على الأقل تمييعها، ودفع الشعوب العربية الى التعامل معها كمجرد موضوع بدون قيمة .
ازداد جاكوب سنة 1944 بالملاح القديم بمكناس. أبوه كان بائعا للمواد الغذائية وكان يملك محلا تجاريا بالسكاكين. يذكر جاكوب بأن أباه كان متدينا متشددا. درس الأولي والابتدائي بنفس الحي ب “مدرسة تلمود التوراة”. وهي مؤسسة ضخمة كانت تحتوي على أكثر من 40 قسما، وكان كل قسم يضم ما بين 40 و50 تلميذ. وكان كل أبناء اليهود المكناسيين يسجلون بها. أما سنوات اﻹعدادي فقد قضاها ب “مدرسة ” التحالف الإسرائيلي العالمي” بالملاح الجديد. للتذكير، هذا التحالف هو منظمة غير حكومية فرنسية أسست سنة 1860 بهدف تمكين أبناء اليهود الفقراء عبر العالم -وخاصة في البلدان العربية والإسلامية-من الولوج للتعليم.
عن مدرسة الملاح الجديد، يقول جاكوب بأنها لم تكن في تلك الفترة تقوم بالترويج أو الدعاية للصهيونية. كانت تعتمد النظام التعليمي الفرنسي وكانت ترمي أساسا الى دمج تلامذتها اليهود المغاربة في المجتمع الفرنسي. مسار جاكوب الدراسي كاد أن يتوقف عند نهاية اﻹعدادي لأن والده المتشدد دينيا، رفض إلحاقه بإحدى ثانويات المدينة الجديدة (حمرية) بسبب الدراسة يوم السبت. ولأن الحظ كان بجانبه، فقد أتيحت له الفرصة ليمضي العامين الأولين من السلك الثاني بداخلية مؤسسة يهودية دينية بطنجة. بعدها عاد الى مكناس حيث التحق بثانوية مولاي إسماعيل بحمرية التي أمضى بها السنة النهائية من التعليم الثانوي، وحصل فيها على الباكالوريا شعبة الفلسفة سنة 1964.

عن حمرية يقول: بالنسبة لي كانت قطعة من الجنة التي يتعذر الوصول إليها. محلات جميلة، دور سينما، مقاهي. حمرية هذه، بمجرد ما ترتادها، تولد لديك سريعا الحلم بالرحيل إلى باريس.
على مستوى آخر، يحكي بأن عناصر الموساد الصهاينة كانوا نشيطين للغاية في مدينة مكناس. كانوا يقومون بالكثير من الدعاية لحمل اليهود على الهجرة إلى إسرائيل في واضحة النهار وفي حرية تامة. في البداية كان الأمر صعبًا بالنسبة لهذه الشريحة من المغاربة، لكن بداية من عام 1961 ارتفعت وتيرة تدافعهم نحو اسرائيل. بعد ذلك سيعلم الباقون في المغرب بأن مواطنيهم يتعرضون لسوء المعاملة في الكيان الصهيوني. وعليه بدأوا يغيرون الاتجاه نحو أقطار أخرى كفرنسا وكندا…
والدي، الذي كان موضع تقدير كبير من كل جيرانه التجار، كان يكره الصهاينة لأنهم بالنسبة اليه كانوا ملحدين، لم يكن يفكر بتاتا في مغادرة بلده. لكن في سنة 1967، بعد هزيمة العرب العسكرية الكبرى، وهي السنة التي حصلت فيه على شهادة الاجازة في القانون -شعبة العلوم السياسية-من كلية الحقوق بالدار البيضاء، وضع حزب الاستقلال، أياما بعد الهزيمة، أحد المنتسبين إليه أمام متجر والدي لحث المغاربة المسلمين على عدم التسوق من عنده.
ما تعرض له والد جاكوب لم يكن حدثا منفردا. عملية التحريض ضد اليهود هذه-التي كان مبتغاها إبعادهم بأي شكل عن وطنهم-كانت، حسب جاكوب، عملية واسعة مدروسة قادها حزب الاستقلال، وكان وراءها نخبة من أهل فاس التي كانت ترى في الكفاءات المتميزة من المغاربة اليهود منافسا مباشرا لها فيما كانت تطمح اليه من رقي اجتماعي واقتصادي.
قطع الأرزاق الذي عانى منه والدي أرغمه على الانتقال إلى إسرائيل سنة 1968. وذلك بعد أن أرسلني للدراسة بفرنسا في بداية الموسم الجامعي 1967-1968. أبي لم يكن سعيدا البتة في اسرائيل، وأنا كنت أعتقد بأنني لن أعود أبدا الى المغرب الذي غادرته غاضبا.
خلال الأربع سنوات التي قضاها في الدراسة بفرنسا، حصل جاكوب على شهادة في العلوم السياسية إضافة الى شهادتي ماجستير. في سنة 1971 انتقل الى كندا حيث قضى سنتين. عن هذه الفترة يقول: “كانت تجربة جيدة لكنني لم أقم خلالها بأي شيء استثنائي”. بعدها رحل الى برلين.
لظروف خاصة عاد جاكوب سنة 1978 الى المغرب حيث عمل أستاذا محاضرا بكلية الحقوق بالدار البيضاء حوالي 10 سنوات. سنة 1987غادر المغرب، مرة ثانية، غاضبا للاستقرار بباريس بفرنسا، وذلك بعد أن رُفِضت مناقشة أطروحته من طرف عميد الكلية لأسباب واهية لا علاقة لها بالأكاديمي. ولم يجد من يقف في صفه، ولا النقابة التي كان عضوا فيها.
رغم اﻹحباط ورغم تمتعه بجنسية فرنسا، فانه لم يتنكر لأصله المغربي ولم ينس بأنه ابن مكناس. على العكس من ذلك ما زال يعتبر بأن إقامته عقدا من الزمن بين مواطنيه، كانت غنية وسعيدة ويحتفظ عنها بذكريات جميلة لن تمحى. خلالها أعاد اكتشاف بلده وسعد بلقاءات رائعة مفعمة بالأحاسيس الصادقة شكلت بالنسبة اليه، فيما بعد، مادة خصبة لكتابات قيمة.
جاكوب، الذي غرر به من طرف الموساد، كما مجموعة كبيرة من أبناء الملاح القديم، انخرط في سن السادسة عشرة في منظمة صهيونية من المنظمات الأربع (التابعة للموساد) التي كانت تنشط في مكناس بداية الستينات. جاكوب القاصر هذا الذي كان مبتهجا بهذا الانخراط وبالمهام السرية التي سيمارسها لاحقا والتي سيتماهى فيها مع أبطال الروايات التي كان مدمنا على قراءتها، اعتبر هذا الانخراط إنجازا مهما في شبابه.
بعد زياراته للكيان الصهيوني واطلاعه، بصفة خاصة، على الأوضاع الكارثية التي يتخبط فيها اليهود المغاربة، سيغير رأيه وسيصبح من أشد المعارضين للصهيونية، والمنادين بفلسطين حرة وموحدة. وفي سن متقدمة سيصبح من أهم المنشقين – dissident-عن طائفته وعن الكيان الصهيوني وأحد المواجهين له دون هوادة.
من بين ما كتبه مؤخرا عن الصهيونية في مدونته الشخصية: “الصهيونية مدمرة. تستمتع بتدمير ممتلكات الآخرين. لقد هدمت 450 قرية فلسطينية بمزارعها ومتاجرها ومساجدها ومقابرها. كان أحد الشعارات المفضلة للمجمع العسكري الأمني الصهيوني في الستينيات هو: (سنعيد سوريا أو مصر إلى العصر الحجري). أطلق إيهود باراك على إسرائيل لقب “فيلا في غابة”. بتوقيع “السلام” مع مصر، كان على النظام الصهيوني إعادة سيناء. وبما أنهم كانوا قد بنوا بها بلدة يقطنها 10000 شخصا، ولكيلا يتخلوا عن هذه البلدة للمصريين وهي عامرة، قاموا بتفجيرها بيتًا بيتًا.”
الصهيونية هي ﺇذن وحش عالمي بقوة وفعالية ضخمتين، بها أصبحت إسرائيل في عالمنا الحالي دولة لا يمكن ﺇيذاؤها أو ﺇرغامها على الانصياع للقرارات الدولية، أيا كان مصدرها. إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تعاقب ولا تحاسب بسبب انتهاكاتها المستمرة للقانون الدولي (احتلال -ضم الأراضي بالقوة – اغتيالات – قتل وتعذيب الأطفال وسجنهم – هدم البيوت – سرقة المياه …).
في سبيل الحفاظ على هذا الامتياز اللا ﺇنساني الشاذ، لم تتواني الصهيونية في توظيف المحرقة (الهولوكوست) لهذا الغرض. وهكذا، كما يرى جاكوب، فرض العالم اليهودي دين المحرقة على العالم، فأصبح للمحرقة يوم عالمي لتخليدها كواقعة لا يجب نسيانها. للتذكير، أوروبا كانت الأولي التي أقرت، منذ عام 2002، يومًا دوليًا مخصصًا لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست المزعومين. وفي عام 2005، اعتمدت الأمم المتحدة القرار الأوروبي، وأكدت تأسيس هذا اليوم، الذي أصبح يحتفل به، منذ ذلك الحين، في 27 يناير من كل عام. خلال هذا اليوم تنظم زيارات للمواقع التي يزعم بأن المحرقة وقعت فيها، أو التي شهدت سجن اليهود، وتبنى المنشآت التذكارية التي تحيل دائما على وقوع المحرقة. أضف ﺇلى ذلك أن إسرائيل نجحت في أن تدفع إلى تدريس المحرقة في بلدان إفريقية وحتى في الصين، ونجحت في استصدار وسن قوانين تذكارية خاصة بالمحرقة، ومن يرفض ذلك أو يشكك فيه، فإنه يتعرض للتحرش والتشويه والإدانة.
المغرب نفسه كان سيقام به أكبر نصب تذكاري للمحرقة في العالم سنة 2019، وذلك في نواحي مراكش. انطلقت الأشغال بالموقع المختار يوم 17 يوليوز من نفس السنة على أن تتم في نهاية شهر غشت. لكن الصرامة التي واجه بها معارضو التطبيع مع الكيان الصهيوني المشروع، أرغمت الحكومة على التدخل وهدم ما تم بناؤه من طرف المنظمة الألمانية الصهيونية “بيكسيل هيلبير” يوم 26 غشت 2019. والى حدود الآن لم يعرف اسم المسؤول أو المسؤولين الذين رخصوا بالبناء ولم تتم محاسبة أو محاكمة أي أحد.
عن هذا المشروع، يقول جاكوب بأن اللوبي الصهيوني العالمي هو الذي كان وراءه، وبأن هذا اللوبي يعتمد سياسة بناء نُصُبٍ للهولوكوست أينما أتيحت له الإمكانية، حتى يُظهٍرَ للعالَم كم عانى الشعب اليهودي، وإلى أي حدّ معاداة السّامية ظاهرة سلبية يجب القضاء عليها. وكشف جاكوب القناع عن مشروع إسرائيلي يطلق عليه “علاء الدين”، يسعى اللوبي الصهيوني من خلاله ﺇلى جعل العالم العربي يعترف بالمحرقة. في إطار هذا المخطط وقع الاختيار على المغرب ليكون نقطة الانطلاق لهذه العملية، وذلك ببناء النصب التذكاري المذكور في مراكش. وكان من المفروض، لو أن العملية نجحت، أن يتم الانتقال ﺇلى دولة عربية ثانية.
بعيدا عن الصهيونية، يتبنى جاكوب موقف الأغلبية الساحقة من المغاربة المؤمنة بمغربية الصحراء دون مواربة. إلا أنه يعتقد بأن المغرب ارتكب خطأ جسيما حيث أنه لم يطالب بالتحرير الكامل. لقد كان في إمكانه أن يطالب باستعادة كامل ترابه من فرنسا وإسبانيا في حينه، وألا يقبل فقط باستقلال جزئي، لكنه لم يفعل لأن ذلك لم يكن من الأولويات في تلك الفترة.
عن علاقة المغرب بمواطنيه اليهود الذين هاجروه لأسباب معروفة، يعتقد جاكوب بأن ما يروج له رسميا عن ديمومة الروابط العميقة وجودتها بين الجانبين يجانب الحقيقة. في نظره، الارتباط الأسطورة، الذي يقف وراءه بعض الرسميين المغاربة، لأهداف دعائية، يبقى ذو سبغة فولكلورية محضة، فهو لا يتجاوز مثلا تنظيم زيارات لأضرحة الأولياء اليهود، حفاظ المهاجرين على بعض العادات كالحناء والموسيقى وغير ذلك، مما لا ينعكس ايجابا وبشكل ملموس على وطنهم الأم. لدى فهو ينصح بنسيانهم. فالمغرب الذي خسر كفاءات متميزة منهم نتيجة-في بعض الحالات-لتصرفات خاطئة، لا يمكن أن يسترجعهم، وهم لن يفكروا مطلقا في العودة وخاصة الأجيال الشابة منهم. في ذات الوقت يعتبر مناداة بعض المغاربة بإسقاط الجنسية المغربية عن اليهود المغاربة الذين يحملون الجنسية الاسرائيلية مطلبا تافها.
لحد الساعة أصدر جاكوب 12 مؤلفا تتوزع مواضيعها بين الاجتماعي والسياسي، وتحتل فيها القضية العربية/الإسرائيلية، في علاقتها بدور الموساد والصهيونية، حيزا مهما. آخر مؤلفاته -إصدار رقمي-يغوص في موضوع تغلغل الموساد في منطقة تنغير.
يحسب لجاكوب أنه لا يتوانى في الحضور لأي نشاط يهم القضية الفلسطينية وما يحيط بها عربيا، إقليميا ودوليا إذا دعي للمساهمة فيه أو تأطيره (محاضرات، ندوات …) بغض النظر عن التوجه السياسي أو الإيديولوجي من عدمه للجهة المنظمة. فجاكوب شارك في المغرب في عدة أنشطة لهيئات مغربية مختلفة. وحتى في فرنسا، حين قرر مغادرة الجمعية الفرنسية “مساواة ومصالحة” فإنه عبر للجمعية عن استعداده للاستمرار في المساهمة في أنشطتها من خارج اﻹطار الرسمي دون مقابل ودون شروط.
جاكوب، الأب لابنتين، يقول عن نفسه: “أحب السينما والمسرح والمقاهي واللقاءات غير المتوقعة. أحب القراءة والتسكع والطهي. أعتبر نفسي مثقفا معطاء وبويهميا بدون آفاق أو تطلعات مادية كبيرة”.
ملاحظة:
أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ جاكوب كوهن على استجابته لطلبي وعلى سعة صدره وتعاونه معي في إنجاز هذه الورقة.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي