
قراءة في كتاب: مواويل لم تحظ بالمعنى… للشاعر مهند الشاوي
صالح شرف الدين*
“عندما يتألق الشعر الحر جدا…”
أولا: على سبيل التقديم
الشعر شعر، ولا نحسب أنه يُعد من الشعر النص الذي لا ينضح بالشاعرية، الفكرة الإنسانية، الصدق الوجداني، الخيال المبدع، الموسيقى الظاهرة والخفية.. وإذا كان الشعر العمودي قد غلب على نصوص العرب قديما، واستمر إلى الآن.. فإن تطور الشعر لا يتوقف.. فظهر شعر المقطوعات، والشعر المعد للغناء مسبقا، وظهرت الموشحات، وتنوعت القوافي، وسرت في القصيدة الوحدة العضوية والموضوعية واستمر التطور، وكانت أقوى موجاته موجة الشعر الحر في العصر الحديث الذي حباه الزمن مجموعة من الرواد الموهوبين منهم: نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، والفيتوري. وجرف تيار الشعر الحر كل دعاوى الرفض غير الإنساني وغير العلمي، وصارت له مدرسة تدرس أسسها في المدارس والجامعات، ومع استمرار التطور ظهر النص الذي يكتب كالنثر في أسطر مثل الشعر الحر، ولا يلتزم ببحر شعري محدد، لكنه يلتزم بموسيقى تختلف عن موسيقى “الخليل” سمي في الغرب بـ: “قصيدة النثر” وفي تعريفها الغربي تأكيد على أنها شعر: “شكل تأليفي كالنثر لكنه يتسم بعناصر شائعة في الشعر مثل: إيقاعاته المعقدة، ومحسناته البديعية، وقافيته، فضلا عن قوافيه الداخلية وصوره المفاجئة المدهشة، وسمة التآلف فيه” لذلك ظهر مصطلح: الحر جدا، ليبقى الشعر شعرا، ويفارق النثر بما يحمله من أسس الشاعرية التي لا يُختلف حولها. وبين الحين والآخر نقابل نصوصا تفارق الشعر العمودي، والشعر الحر، وتتألق شاعرية، فلا نملك إلا أن نحتفل بها على أنها شعر حر جدا، ومن هذه النصوص الملهمة، هذه النصوص التي حواها كتاب: “مواويل لم تحظ بالمعنى…” الصادر في بغداد عن دار السرد العراقي في شارع المتنبي، والتي نحن بصدد قراءتها، وتدوين ما تيسر لنا من خواطر حولها في الأسطر القادمة.

ثانيا: العتبات
أ- العنوان:
“مواويل لم تحظ بالمعنى…” العنوان جاذب مراوغ، فلا كلام لعقلاء لايحمل معنى، وهنا تكمن المراوغة فالمعنى الذي يقصده الكاتب يختلف عن المعنى الدارج، وعلينا أن نجتهد كي نصل إليه، فنشعر بالجمال أكثر.. ثم يأتي عنوان فرعي أسفل غلاف الكتاب: “بوح نايات…” أكثر وضوحا، وفي عمقه يدل على الحزن الذي ينبع من النايات، وهي مُعَرَّفة لأنها تخص الكاتب، وجمع لتشير إلى الكثرة، فالحزن ليس حزنا واحدا، ولكنه أحزان يبوح بها .
ب- الغلاف الأمامي..
لون أسود يلائم صوت النايات، ولوحة حداثية “من أعمال الشاعر التشكيلية” فيها عمق، وكأنها متاهة مهما تأملناها لن تهدينا إلى المعنى الذي فارق المواويل.
ج- الغلاف الخلفي
لون فاتح في خلفيته علامة مائية هي جزء من لوحة المقدمة والعنوان بتصميم مختلف يصنع ذلك مع الغلاف الأمامي مفارقة جاذبة للانتباه.. ثم تسعة عشر سطرا تعد مفتاحا غاية في الأهمية، فهي تضوي على الهدف، وعلى المضامين، والغايات من التدوين، وتقول لنا بوضوح: أنتم أمام إبداع مميز !إذ يقول فيها:
كان بودي أن..
أكتب كلمات لا تشبه الكلمات..
ومفردات لا تشبه المفردات..
أشياء لم تُكتب
لامرأة من قبلك
ولن تكتب لأي امرأة من بعدك..
كلمات تسير بهديها !!
تتحدث وحدها..
هي من تصف وتعلق
تشرح وتبوح إحساسا
لم يمنح لغيرك.. ولن يُمنح لغيرك
شعرا.. نثرا.. وربما يكون هذيانا
تكون كلمات..
تكتب لأول مرة
لامرأة واحدة
لإنسانة واحدة
لسيدة واحدة هي أنت..
كان بودي ولكن..
ضاع المعنى فتهنا…!
لن تمنحك القراءة الأولى لهذا النص الكثير من الفهم، ومن أراد أن يفهم عليه أن يعيد القراءة مرة بعد مرة، وسيجد في كل مرة جديدا تبوح به دلالات الكلمات، ويبوح به ما بين السطور.. كان بودي أن أكتب كلمات لا تشبه الكلمات ومفردات لا تشبه المفردات رغبة حميمة من الكاتب أن يكون متفردا بصنع المختلف الجميل، لا يريد أن يكون شبيها لأحد اعتزازا بالنفس، وتأكيدا على ذاتية التجربة، وأن الكلمات والمفردات التي ندونها جزء منا، وكما نكون تكون.. أشياء لم تكتب لامرأة من قبلك ولن تكتب لأي امرأة من بعدك.. كلمات تسير بهديها!! تتحدث وحدها.. هي من تصف وتعلق.. تشرح وتبوح إحساسا لم يمنح لغيرك.. ولن يمنح لغيرك شعرا.. نثرا ..وربما يكون هذيانا.. يواصل الرغبة في التفرد، فتأتي كاف الخطاب لتنقل السياق إلى ما يشبه السرد، ويأتي نفي المستقبل (لن تُكتب..) ليؤكد الذاتية والرغبة في التفرد، وسيطرة الأنا الساردة، ويؤكد على تفرد الكلمات فيؤنسن كلماته( تسير بهديها.. تتحدث وحدها.. هي من تصف وتعلق.. تشرح وتبوح..) ثم يدون وجهة نظره في تصنيف ما يبدع (شعرا.. نثرا.. وربما يكون هذيانا) ..ثم يستقصي المعنى، ويواصل وصف الكلمات التي يريد أن يدونها: تكون كلمات تُكتب لأول مرة لاٍمرأة واحدة.. لإنسانة واحدة.. لسيدة واحدة.. هي أنت.. يتمنى كلمات لم تستهلك، ويبوح لنا بتفسير للضمير (هي) فهي امرأة، إنسانة، سيدة.. وهذا الانتقال المبدع الذي يقول الكثير، الإنتقال من الغائب إلى المخاطب: هي أنت. ثم يختم النص ختاما يفتح آفاق التلقي، ويدعم المراوغة والغموض الذي يسري في نصوص فيما بعد بعد الحداثة يقول: كان بودي ولكن.. ضاع المعنى فتهنا…! مابين الاستدراك (لكن) وضياع المعنى، والتيه توجد مساحات للجمال تشير إليها الضمائر: ياء المتكلم في (بودي) ثم نا الفاعلين في (تهنا) هذا في الختام، وتتبع نسق الضمائر منذ البداية يأخذنا إلى الإحساس أكثر بما يكتنزه النص من جمال: ياء المتكلم (بودي) والأنا في (أكتب (وضمير الغائب (هي) الأكثر ترددا، وكاف الخطاب (قبلك – بعدك – لغيرك) ثم ضمير المخاطب) أنت) ..ومن أسرار الجمال في النص ذلك التجدد والاستمرار النابع من سيطرة الفعل المضارع على النص: أكتب – تشبه – تكتب – تسير – تصف – تعلق -تشرح – تبوح – يمنح – يكون – تكون (وعندما أراد التأكيد جاء الفعل المضارع على استحياء ثلاث مرات: كان – ضاع – تهنا – هذا النص يؤكد تلك الشاعرية القوية حيث المعاني الإنسانية السامية: الرغبة في التفرد، والإخلاص في الحب، والوفاء لما يحبه ومن يحبه، والإحساس الصادق في التعبير عن: الحزن، الأمل، الضياع والخيال المبدع في أنسنة الكلمات، والموسيقى الظاهرة في: النبر، والمفارقات، والقوافي، والخفية في اتساق عناصر التجربة، فكرا وإحساسا وخيالا وموسيقى وصياغة لفظية. ثم العنصر الأخير على الغلاف الخلفي: صورة للكاتب بنظارة سوداء تأكيدا لكون الغموض جزءا من الجمال.
د- الإهداء:
الإهداء يدعم التفرد، ويؤكده، فالجزء الأول منه يعد من قبيل الاستهلال يقول فيه: كان بعدا خامسا ضج بالأسئلة ضج بالحب بالفلسفة ماهمني الورد.. قد همني.. من كان يسقيه.. فقد رحل.. فكانت النهاية.. إذا كان بعدا خامسا، فما الأبعاد الأربعة التي سبقته؟، وما الأسئلة، ولماذا ضج بالحب والفلسفة؟ وإذا لم يهمه الورد، فما الذي همه؟ لماذا رحل، ورحل لأين، وهل هو رحيل لا عودة بعده؟ النهاية نهاية ماذا ونهاية من؟ أحسبها أسئلة مشروعة لقاريء يريد أن يفهم، والجزء الثاني إهداء فعلي: إليها.. إلى تلك التي ارتسمت على بقايا المعنى أهدي ما قالته ثقوب النايات ومواويلها.. وهنا نتساءل لمن كان الإهداء، ومن تلك التي ارتسمت على بقايا المعنى؟ وبين ال (هي) المُهدى إليها، وال (أنا) التي تهدي نصوصا تخرج من ثقوب النايات ومن مواويلها.
هـ – العناوين الداخلية:
يضم الكتاب “74” عنوانا داخليا تغلب عليها العناوين القصيرة حوالي “57” عنوانا يتكون من كلمة واحدة أو كلمتين، والباقي يتكون من أكثر من كلمتين، والعناوين القصيرة تحث على التخيل وإعمال العقل، وهناك ارتباط قوي بين العناوين، والنصوص.
و- السيرة الذاتية:
على عكس ما قاله صاحب نظرية موت المؤلف في بداية حياته، فالسيرة الذاتية تدعم وتؤكد ما ذهبت إليه النصوص، فالنصوص تكتب أصحابها قبل أن يكتبها أصحابها.. نقرأ السيرة الذاتية فنجد أنفسنا أمام واحد من المتألقين في الإبداع التشكيلي، والإبداع القولي، وفي ميدان الإعلام والتعليم والأدب والثقافة.
ثالثا:
المتن يقع الكتاب في “140” صفحة، ويضم – كما أسلفنا – “74” نصا حداثيا هو الأقرب إلى نصوص ما نسمية حديثا: الشعر الحر جدا. ورغم أن كل النصوص حتى القصير منها تستحق القراءة المتأنية وتستحق أن نبرز ما نراه فيها من روعة وجمالا وهو كثير، رغم ذلك سنتناول عددا محدودا من النصوص لضيق المقام والوقت، وحتى لا نختصر اختصارا مخلا فكل نص يستحق الكثير على كل المستويات:
أ- النص الأول:
ص7 أي معنى؟
على حافة المعنى..
تركت مواويلي !!
ولم يعد للمعنى معنى…
نص قصير قال الكثير، إجابة السؤال صعبة، وتؤكد أن المعنى رمز يفسر ولا يحل، ويؤكد ذلك (لم يعد للمعنى معنى…)، ومع التأمل نجد أن المعنى الأولى يختلف عن المعنى الثانية، وهنا تتداخل نظريات الفنون التشكيلية مع نظريات الأدب خصوصا نظرية: اللامعقول.
النص الثاني:
ص10 ما عادت هي..
لم تعد تكرث
ألف ألف
من يشتري لها مرحا
يشتري لها فرحا
قمرا يزين ليلها..
ومروحة يهديها…
بدءا من العنوان تبدأ القضية (ما عادت هي)، وتتأكد القضية (لم تعد تكترث)، ثم تأتي (ألف ألف من (لتؤكد صعوبة القضية، ثم تأتي المفارقة: (يشتري لها مرحا، فرحا، قمرا، ويهديها مروحة) – السؤال الأصعب :من هي؟ -ولماذا لم تعد تكترث؟ -ولماذا ألف ألف من؟ هذه الأسئلة وغيرها تقول: إننا أمام نص منفتح على تأويلات بلا حدود ويفيض بكل عناصر الشاعرية الفكرة الإنسانية الراقية: أن يقف الإنسان مع من يحب، والإحساس: حب الخير وإسعاد الآخرين، والخيال: تجسيد الفرح والمرح والقمر، والموسيقى الخارجية: فرحا – مرحا – قمرا والموسيقى الداخلية: رتم داخلي ينبع من اتساق عناصر التجربة، إنه أنموذجا للشعر الحر جدا، ولا غرو.
النص الثالث:
ص132 هذيان
قالت:
لو حذفتك ألف مرة من طريقي..
من حياتي من ذكرياتي..
فلن أستطيع الاستغناء عنك
لأني أحبك..
قال: ولو حذفتك ألف مرة من طريقي..
من حياتي من ذكرياتي..
فلن أستطيع الاستغناء عنك
لأني أحبك..
قالاها معا وهما يفترقان!
العنوان هذيان، والنص يفيض عقلا وشاعرية، فالجملة المحورية: لأني أحبك تؤكد روعة التدوين، وهذا الحوار البديع الذي يقوم على المفارقة، وعلى عبقرية) ياء المتكلم: طريقي، حياتي و(كاف الخطاب: حذفتك، عنك، أحبك… ) ثم الختام المبدع في) ألف الاثنين: قالاها، يفترقان (يختم الكتاب بهذا النص الروعة (هذيان) فكرة، وإحساسا، وخيالا، وموسيقى.
رابعا الختام :
هذه قراءة مختصرة لكتاب من أهم الكتب التي قرأتها في النسق الشعري الحديث جدا )الشعر الحر جدا)، وقد حرصت على ذكر بعض النماذج من نصوص الكتاب كبرهان ساطع على ذلك، وبعد أن ذكرت تعريف قصيدة النثر الذي ورد في المعاجم الأجنبية، لكي تتضح المسألة فهذا الشعر الحر جدا شعر ملهم يبتعد عن الرتابه وعن التقليد والتكرار. إن هذه النصوص ستتجاوز حدود الزمان والمكان لأنها امتلكت سر الخلود: الأفكار الإنسانية الراقية، والصدق الإنفعالي، وانضباط الصياغة، وهي أسس متجذرة في نصوص هذا الكتاب، نتمنى أن نوفق لقراءة المزيد من إصدارات الأديب، ونجد وقتا وجهدا لإبراز أنساق الجمال في هذه الإصدارات في تستحق ذلك.
ولكم تمنيت أن تكون عناوين النصوص من جسم النصوص، ولا تشير للمضامين فوصول التلقي للمضامين بنفسه يضيف للجمال جمالا.
ناقد من مصر
مقرر شعبة أدب الرحلات بنقابة اتحاد كتاب مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي