الرئيسية / الأعداد / جمالية المثير التراكمي  في ديوان( ما قالت الريح لليل) للشاعرة لهيب عبد الخالق – عصام شرتح

جمالية المثير التراكمي  في ديوان( ما قالت الريح لليل) للشاعرة لهيب عبد الخالق – عصام شرتح

جمالية المثير التراكمي  في ديوان( ما قالت الريح لليل) للشاعرة لهيب عبد الخالق

عصام شرتح*

 

يعد المكون التراكمي من المثيرات الشعرية التي دخلت فضاءات القصيدة الحداثية بمكوناتها الجمالية وطاقتها الخلاقة، إذ إن ظاهرة [التراكم] من الظواهر الأسلوبية المهمة التي دخلت أتون التجارب الشعرية المعاصرة، سواء أكانت هذه التجارب تنضوي تحت ما يسمى بـ(قصيدة التفعيلة)، أم قصيدة العمود، أم قصيدة النثر الشعرية بدوافع إبداعية تفرضها طبيعة التجربة، ومتغيراتها الأسلوبية، ومستجداتها الرؤيوية”(1).

أما ما نقصده بـ«التراكم»: فهو الآلية اللغوية الضاغطة على ذهنية المتلقي، إزاء حدث ما أو موقف شعوري محتدم؛ يحاول الشاعر إبرازه، بحشد لغوي متتابع من الصيغ والأنساق اللغوية، بغية تمثيله للقارئ بكل ما يتطلبه الموقف، من تأمل، وانشداه، وتركيز، وما ينضوي عليه الموقف من حرارة التجربة، وطزاجة اللحظة العاطفة المحمومة التي يريد القارئ تمثيلها للقارئ. وقد برزت هذه الظاهرة- بوضوح- في نتاجات الكثير من شعراء الحداثة، وتعددت أشكالها، وطرائقها، تبعاً لمستويات إثارتها، وتحفيزها الجمالي.

وبتقديرنا: إن ظاهرة التراكم فنياً أو جمالياً تتحدد في مدى فاعلية التراكم في الضغط على فكرة معينة أو موقف شعوري محدد؛ يحقق قيمة جمالية في تعميق الرؤية، وترسيخ الموقف الشعوري في ذهن المتلقي، وهذا يعني ان الهاجس التراكمي يتبع الحالة الدرامية الشعورية المحتدمة في النفس الشعرية، لتحقق تكاملها الفني ونبضها الشعوري المتدفق الذي يرصد توتر الذات الشاعرة واغترابها النفسي في الكثير من الأحيان.

ومن يطلع على ديوان ( ما قالت الريح لليل) للشاعرة المتألقة لهيب عبد الخالق يلحظ غنى قصائدها بتقنية ( التراكم) هذه التقنية التي تمتاز بالمثيرات النصية التي تبرز حجم الاغتراب والإحساس العاطفي المتوتر، وهذا يعني أن تقنية التراكم ليست انعكاساً شعورياً لاغتراب قصائدها فنياً او جمالياً فحسب، وإنما هي تبرز الطيف الإيحائي والدلائلي للكثير من توجهات الرؤى الشعرية في قصائدها على المستوى الفني، لتشكل علامة أيقونية  في شعريتها وتحولاتها الجمالية والرؤيوية من قصيدة إلى قصيدة، من حيث الرؤية الشعرية والفاعلية النصية.

ولو بحثنا في الحيزات الجمالية التراكمية في قصائدها لوجدنا انها متراكمات اسمية أو مجموعة من المصفوفات الاسمية يتبعها كم تراكمي من الأفعال الشعورية التحولية التي ترصد حرارة النبض الشعوري، وترسيخ الحالة الاغترابية الحزينة التي تعيشها، أو تشكل الأيقونة التحولية في مجرى تركيز الرؤى وإثبات مقوماتها اللغوية الجمالية التي تعيشها، كما في قولها:

 

 

“في لحظةِ شوقٍ غائمةٍ

تنثرنا الأزمانُ

تبعثرنا،

أوراقاً بين منافي الدهر

نغادرُ في صمت

لانورس يحملنا

 

نحملُ ذاكرةً ظمآى

وملامحَ شطَّت من طينٍ غابر

كلمات وداع بارد..”(2).

هنا، لابد من الإشارة إلى أن المتحول التراكمي الجمالي  في قصائد لهيب عبد الخالق يتبدى في تعميق المتحول اللغوي المثير من خلال فاعلية الصور المثيرة، واقتناص ألقها الرومانسي الساحر، لتشكل صورها الرومانسية مصفوفات متراكمة من الجمل الشعرية المثيرة، كما في الجمل التالية:[ تبعثرنا اوراقاً بين منافي الدهرـ نحملُ ذاكرة ظمآى/ وملامح شطت من طين غابر]،فهذه المتآلفات الجمالية بين لفظة الطين، ولفظة غابر  تثير الالق الشعري المثير في تحفيز الشعرية، وخلق مؤشرها الجمالي، وهذا ما ينطبق شعرياً أو جمالياً على المكون التراكمي المثير بسلاسته وشعريته[ منافي الدهر]، وكان الشاعرة تتصيد مثل هذه المتراكمات الاسمية الوصفية المتتابعة، لتخلق قيمة انزياحية شعرية ترتقي بالأسهم الشعرية إلى أوج تحفيزها ومكونها الجمالي، وهذا يؤكد أن البنية التراكمية في انساق قصائدها ليست رسماً توصيفياً للدلالات والرؤى بقدر ماهي ممانعة جمالية قادرة على إدهاش المتلقي بالمثير الشعري عبر بلاغة المسندات اللغوية، وانزياح صفاتها عما هو معتاد في موصوفاتها، وهذا ما يضمن لقصائدها الألق الشعري، ودفقها الشاعري الرومانسي.

واللافت كذلك في سلسلة  متراكمات مصفوفاتها الاسمية التي تنطوي عليها قصائدها انها بلاغية اقتضائية او فنية انزياحية تظهر  عبر تراكم الجمل الوصفية  المنزاحة فنياً أو جمالياً، إذ تعتمد الكلمات المتوترة فنياً، أو التشكيلات الصادمة التي تخلق الانس الجمالي  في تحريك الشعرية، والارتقاء بها جمالياً، وكأن الشاعرة ترسم المشهد الرومانسي رسماً شاعرياً يقتنص حرارة التجربة وعمقها الشعوري العاطفي  المحموم بالعشق، والوله، والصبابة لدرجة التصوف المطلق، على شاكلة قولها:

” عاشقانِ  أنا  وأنتَ

نلفُّ بعضاً مثلما تلتفُّ أغصانُ الغروب

على شواطئ أسرفت  في قهرها

أو هاجرت مثل الطيور إلى اقاصي الذاكرة.

تنسلُّ من طينِ الخلقةِ

مثل جرحٍ نافرٍ

أو نهدتين تغشيان بريق ذاك الوجدُ”(3).

هنا، لابد من الإشارة إلى أن القيمة التراكمية لغوياً أو جمالياً تتحدد في فاعلية التراكم ومؤثراته في تحفيز الشعرية، وإثارة الصورة العاطفية، وتحريك مؤشراتها الجمالية، وأي ارتقاء  في الشعرية يعود إلى فاعلية المؤشر الجمالي اللغوي التراكمي الذي تثيره القصيدة في الكثير من تحولاتها الفنية والجمالية. وهاهنا استطاعت الشاعرة ان تجعل التراكم قيمة تحفيزية في التنفيس عن  الكثير من حرقتها الغزلية التي تصل درجة الوله، والتصوف بالمطلق، لتجمع المشهدين معاً المشهد الحسي: [نلف بعضاً مثلما تلتفُّ أغصانُ الغروب]، والمشهد الروحي الذي يصل حد الوله والذوبان والالتصاق بالمطلق:[أو نهدتين تغشيان بريقَ ذاك الوجد]، وكان الشاعرة بأسلوبها الرومانسي الساحر تنقل القارئ من محفز رومانسي لغوي تراكمي ضاغط على مشاعرها وأحاسيسها الداخلية لترسم صدى إيقاعاتها الشعورية التي تصل حد التماهي مع المطلق، وهذا الأسلوب التصوفي العميق مرده  فاعلية المكون التراكمي اللغوي في تعميق الحالة الشعورية التي تعيشها، وتجعل منها قمة تحولية استشرافية تثير الشعرية وتحرك إيقاعاتها الجمالية، ومتحولها النفسي الشعوري العاطفي المحموم الذي تعيشه بطزاجة الرؤية، وعمق المتغير الفني الجمالي الذي ترسمه ببلاغة، وفنية، وإدهاش رومانسي يجري ناعماً بملمسه الحرير(تنسل من طينِ الخلقةِ/ مثل جرحٍ نافرٍ/ أو نهدتين تغشيان بريق ذاك الوجد)،

وهكذا، تؤسس الشاعرة متراكمها اللغوي وفق مقتضيات بلاغة الرؤية، ومؤشرها الفني الدقيق. لتحقق قصائدها بفضاء متخيلها الجمالي بعدها الشاعري العذب الرقيق.

واللافت كذلك في شعرية المتراكمات اللغوية في قصائد(ما قالت الريح لليل)للهيب عبد الخالق أنها ذات ألق فني جمالي لاسيما في التعبير عن مشاعر الاغتراب والقلق الوجودي، فتجد في المكون التراكمي قيمة بؤرية شعورية في التنفيس عن  الكثير من الرؤى الدالة على الوجاعة والألم والحسرة والحنين، أي إن المقوم التراكمي ينبع من متطلبات الإحساس الاغترابي ومقتضياته اللغوية وانعكاساته الشعورية المأزومة، وكأن الشاعرة تعبر بالمكون التراكمي عن المكون النفسي الشعوري الاغترابي الذي تعيشه بحيثيات شعورية تنبع من عمق الكلمة الشعرية ومصفوفاتها التراكمية في السياق الشعري، كما في قولها:

” تردنا الأقدارُ من دربٍ إلى دربِ

ومن قفرٍ إلى قفرٍ

ومن بردٍ إلى بردٍ

ومن جوعٍ إلى خوفٍ،

ندورُ كما تدورُ مياهنا

نسلاً كبا دهراً

وطوَّف في شراعِ الريحِ

أوراقاً

بلا

وطن”(4).

هنا، نلحظ المكونات التراكمية التي تعتمد تراكم الصور والكلمات والحروف والصيغ في بث الحرقة النفسية والشعورية والحنين إلى الوطن، لتعيش الحالة الشعورية المأزومة بكامل تفاصيلها وأحاسيسها المتوترة، وهذا يعني أن الأفق الجمالي للمكون التراكمي ينبع من حراك الذات الشاعرة واغترابها على شاكلة قولها :[ وطوَّف في شراع الريح أوراقاً بلا وطن]، وهذا دليل أن المنعكس الاغترابي في قصائدها منعكس تراكمي تكراري متوتر أو مأزوم يعكس صراع الذات وحراكها الدرامي المتوتر شعورياً:[ تردنا الأقدار من درب  إلى درب ـ ومن قفرٍ إلى قفرـ ومن برد إلى برد]،فهذا المكون التراكمي الاغترابي ما جاء إلا تنفيساً عن حرقتها الاغترابية وإحساسها الوجودي المأزوم ، وكان الذات الشاعرة تعيش المرارة والوجاعة الداخلية بإيقاع شعوري متوتر أو مأزوم لاتجد طريقة في التعبير عنه إلا عبر كسر رتم ما هو معتاد في التراكم اللغوي إلى شعرية المتراكمات بإسناداتها الصادمة وحراكها الفني الجمالي.

 

واللافت أن المكون التراكمي في قصائد لهيب عبد الخالق مكون بنائي تأسيسي شاعري يظهر من خلال فاعلية المكون اللغوي، ومهارة الشاعرة في إنتاج الشعرية، وخلق قيمها الجمالية، التي تنبع من فاعلية المكون اللغوي، وبلاغة المثير النصي التفاعلي الذي تثيره هذه التقنية في السياق الشعري، لدرجة يمكن القول معها: إن المنعكس الاغترابي في قصائد لهيب هو منعكس لغوي تتابعي ومكون لغوي تحفيزي في التعبير عن قلق لذات وحنينها ومشاعرها وعواطفها الجياشة، فالمكون التراكمي ليس مكوناً لغوياً فحسب، وإنما مكون تحفيزي خلاق مثير للشعرية في أرقى تجلياتها الفنية. كما في قولها:

” يا ليلُ،

كن مثلَ البنفسجِ،

لا يبوحُ بعطرهِ إلا إذا رفّت قلوبُ العاشقين

أنا ألاحقُ ذلكَ العطرَ المسافرَ في البراري

بين أوراقِ الخريفِ

وشقشقاتِ الياسمين”(5).

لابد من الإشارة بداية إلى أن اللعبة الفنية أو الجمالية في قصائد لهيب عبد الخالق تتبدى في حراك الرؤى الشعرية، وتناغم مؤشراتها الفنية، وهذا يعني ان التناغم الشعري يظهر من خلال فاعلية المكونات النصية عبر تلاحم المكون اللغوي التراكمي مع السياق الشعري، على شاكلة قولها: [ يا ليلُ، كن مثل البنفسج لا يبوح بعطره إلا إذا رفت قلوب العاشقين]، فهذا الربط التكاملي المتناغم فنياً بين قوله:( قلوب العاشقين) و(شقشقات الياسمين) يخلق تعادلاً فنياً موازياً في الأنساق الشعرية ويحقق قيمة تكاملية تثير الشعرية وتنتج مؤشرها الجمالي البليغ.

ووفق هذا التصور في المقتضى البحثي نقول في شعرية المكون التراكمي الذي تنبني عليه قصائد(ما قالت الريح لليل) للشاعرة لهيب عبد الخالق أن هذا المكون التراكمي يسهم بشكل واضح في   الكشف عن الكثير من توجهات البنى الدالة والبنى التشكيلية في  هذه القصائد التي  تظهر من خلالها حنكة الشاعرة في نقل المتراكم اللفظي إلى متراكم فني جمالي يعزز الشعرية، ويرتقي بها فنياً، أي استطاعت الشاعرة ان  تحول المكون التراكمي  من طاقة سلبية ( طاقة التمطيط والعبء على النص) إلى طاقة جمالية بنائية ترتقي بشعرية القصيدة، وترتقي  بأسهمها الجمالية؛ بمعنى أدق : استطاعت الشاعرة أن تقلب الموازين في خرقها لما هو معتاد  في المكون التراكمي من قيمة انكسارية عبثية تشتت الرؤى والمنظورات إلى قيمة جمالية بؤرية تعبر من خلالها عن الكثير من مشاهرها الاغترابية المأزومة، وهذا مكمن الدهشة وتناغم القيم الجمالية ومستوياتها التحفيزية في قصائدها على المستوى الفني.

 

الحواشي:

  • شرتح، عصام،2021ـ التراكم في بنية القصيدة الحداثية، مجلة الكلمة ، ع ، الرابط الالكتروني:
  • عبد الخالق، لهيب،2024- ماقالت الريح لليل، دار الأهلية، الأردن، عمان، ط1،ص15.
  • المصدر نفسه، ص20.
  • المصدر نفسهن ص40.
  • المصدر نفسه، ص43.

 

ناقد من العراق

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً