
التمظهرات السردية بين السيرة الذاتية والغيرية:
من خلال نص: “ليتني لا زلت منسيا” للروائي الحسن الگامَح
عمرو گناوي*
من قبيل التوطئة:
يفتح الكاتب الحسن الكامح عمله السردي على عتبة مطلعها: “ليتني لا زلت منسيا”. هذه الرواية هي عبارة عن أوتوبيوغرافيا بدأت تتضح معالمها منذ العنوان، من خلال استعمال ضمير المتكلم (الياء والتاء) المقرونين بضمير الغائب، ككتابة سيرية تخص حياة الهادي وصيرورته، في علاقته بحيوات الأغيار من الأقربين والأبعدين، ممن يمثلون ضمير الغائب كما سيأتي توضيحه لاحقًا. وباعتماد السارد ضميري المتكلم والغائب، يكون التعاقب الزمني في الحكاية معتمدًا بالضرورة، لأن الحاكي فيها قد “يخرج في زاوية النظر عن سيرته إلى حكي سير أخرى، ثم يعود إلى سيرته الذاتية” (عبد القادر الشاوي. “الزاوية” الحكاية والكتابة. الرواية المغربية بين السيرة الذاتية واستيحاء الواقع. مجموعة من الدارسين. منشورات جريدة الاتحاد الاشتراكي. عدد…ص: 15). إنه نوع من التناص الحكائي باعتباره حدثًا جرى ضمن أحداث أخرى متزامنة مع أزمنة أخرى.
أما عنوان النص السردي، فقد جاء مكتوبًا بخط مضغوط وضاغط معًا، وبدت حمولته الدلالية، إلى جوار حمولة لوحة الغلاف، على درجة كبيرة من الأهمية والاهتمام، رغم ما يشوبه من غموض يقتضي بالضرورة قراءة تأويلية متأنية.
إن اختيار العنوان بهذه الصيغة موضوعًا للنص السردي، يؤشر على منتظر طبيعة العلاقة التي سوف تنشأ لاحقًا بين النص والمتلقي، حين يتولى تفكيك مستوياته التركيبية والبلاغية والدلالية.
وبانتقالنا لأعلى صفحة الغلاف، نكون قد ارتقينا إلى سلم المركب الاسمي الحسن الكامح، الجامح لأي انصياع محتمل، يتبنى عبره منظورًا سرديًا أساسه الرؤية من خلف، حيث السارد عالم بشخوصه، متحكم في مصائرهم، مدبر لشؤونهم باقتدار.
أما أسفل الغلاف، فقد ارتسمت معالم هوية النص بصيغة “نص سردي”، بغية إثارة انتباه القارئ إلى طبيعة النص، وما يلزمه من استحضار آليات التحليل والتذليل، وما يستلزمه الموقف من طرق التفكيك والإحاطة بعوالمه ومعالمه، والتمكن بالتالي من استجلاء محمولاته وخصوصياته الفنية. إلا أن اختيار العنوان بهذه الصيغة المدرجة، يشكل في حقيقته عصفًا ذهنيًا غاية في الاستفزاز، يستتبعه للتو سؤال أساسي حول سر عمد التباسه وغموضه.
ومن تداعيات قراءة العنوان، أنه ينقلنا من فضاء النص السردي إلى رحاب القرآن، لنستحضر بموجبه مجموعة من الآيات القرآنية الحافلة بمتمنيات لا حصر لها، لكنها تبقى بعيدة كل البعد عن التحقق. يقول تعالى في محكم كتابه: “يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا” (سورة مريم. آية: 23)، ويقول سبحانه في “سورة الفجر”: “يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي” (آية. 24)، تندمًا على ما لم يقدمه الإنسان في حياته لما بعد مماته. ويقول عز وجل، عن الذي يتمنى ألا يؤتى كتابه يوم لقاء ربه: “يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ” (سورة الحاقة. آية. 25-26). إنها مجموعة من المتمنيات المتعذرة، رغم إلحاح أصحابها على تحقيقها.
وبموجب هذه العلاقة غير المتكافئة بين سديم الواقع وإشراقة الحلم، تبدأ متمنيات السارد في التشكل رغم معيقات الطموح، فتكون مجموعة “ليتني لا زلت منسيا” قد نهجت تقليدًا سرديًا ورد مسطورًا في نصوص سردية كثيرة، استحسن أصحابها وصاحباتها وضع عناوين رواياتهم مصدرة بكلمة “ليت”، و”لات تنفع ليت”، كما يقول النحاة. يقول جميل بثينة في شأن ليت:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد القرى؟ إني إذا لسعيد
ويقول حسن برطال، في إحدى مجاميعه الق.ق. جدا، الصادرة سنة 2017:
“يا ليتني كنت غرابا”
ومن الروايات التي تصدرت عناوينها كلمة ليت، مقرونة بأماني عريضة مشوبة بكثير من الخيبة والضياع، نذكر:
رواية “ليتني مت قبل هذا” لهدى الزايدي ورواية “ليتني أبوح بسري” لهدى أيمن خلاف ورواية “لم أكن” لمروة علي ورواية “ليتني لم أفعل” لأمل صالح ورواية “ليتني لم ألتقيك” لآمال بن طراد ورواية “ليتني لم اذهب” لرحمة العواني ورواية “ليتني لم أولد” لزهرة صدام ورواية “ليتني لم أغفر له” للكاتبة صفا مسيرة.
وللإشارة فقط، فإن وقوع عيني على هذه الأعمال السردية النسائية تحديدًا لم يكن مقصودًا لذاتها، وإنما استحضرتها بمحض الصدفة، وفق ما تيسر لي من مفارقات التمني المقرونة بالنفي، كما جادت به قرائح صاحبات الروايات المذكورات، من مثل: (“ليتني لم أولد”، و”ليتني لم أفعل”)، بالرغم من أن الحدثين معًا قد حصلا بالفعل.
ومما يثير انتباه القارئ، ويزيد من إدهاشه وتعطشه لقراءة مجموعة “ليتني لا زلت منسيا”، كون صاحبها قارب الواقع بلغة راقية وحس جمالي مرهف وأخاذ، رغم ما يسم هذا الواقع من تعقيدات وما ينتشر فيه من أمراض اجتماعية، فضل الكاتب أن يتمرد عليها دون تردد. ونظرًا لما يكتسيه مطلع النص السردي “ليتني..” من حضور لافت، فقد تكرس ذكره ثماني مرات على امتداد صفحات الرواية: /279/251/181/140/131/101/71، قبل أن يكشف السارد في مختتم النص عن أمنيته بقوله: “ليتني لازلت منسيا لأرتاح من ذاكرة متعبة لا تقدر على مزاولة الحياة” (الحسن الكامح. “ليتني لا زلت منسيا”. ص: 279).
بالوقوف على علة هذه الأمنية الكامحية الطافحة بالأمل، الجامحة الكاسحة، يكون الخطاب السردي عند الكاتب قد تخلص من بعض اهتزازاته وارتجاجاته، ويكون متلقيه قد اهتدوا إلى مستحضر: “ليتني ما زلت منسيا”، كمخبوء ماضوي يخفي وراءه ذكريات شخصية “المنسي” بكل إحباطاتها وآلامها. من هنا يبدأ محكي النص في التشكل بصيغة المتكلم “أنا” في “ما زلت منسيا”، حاملًا معه بعضًا من راهن “لازلت منسيا”. يقول الكاتب محاولًا إيجاد نقط التماس بين “لا زلت” و” ما زلت”: “إني أتحدث عن الحاضر الذي أعيشه الآن بكل تناقضاته وآلامه وعيوبه، غير مهتم بالماضي لأن الماضي مضى ولن يعود، لكني أتذكره لعلي أستفيد منه” (ليتني لازلت.. ص: 12).
وبذلك يكون الراوي قد أحالنا على سيرة ذاتية تأبى النسيان، وتكون المحكيات شديدة الارتباط بالميثاق الذي تعهد فيه البطل أن يتقاسم أحداثها مع المتلقي، سيما وأن الأمر يتعلق بسيرة حبلى بشتى أنواع القمع والتنكير والإبعاد. الأمر الذي يفسر حضور صوت الراوي نيابة عن الكاتب، ورغبته الملحة في التحرر من قيود الكتابة، وتجاوز وسائل الرقابة وكثير من الطابوهات، في وضعية طالما ازدادت فيها معاناة البطل نفسيًا واجتماعيًا، كلما تمادى الأب في جوره وتعنته في أحكامه القاسية، حد اعتقاد الابن ألا قيمة للحياة في غياب إحساسه بكرامته أسوة بأقرانه.
ومما يميز طبيعة النص السردي “ليتني لازلت منسيا”، فضلًا عما سبق، تبني السارد الرؤية من خلف، التي جمعت في مسروداتها بين ضمير المتكلم (أنا) وضمير الغائب (هو)، حيث معرفة الراوي أكبر من معرفة الشخصية، كما ذهب إلى ذلك جان بويون وتودوروف وغيرهما. وبذلك تكون الرؤية أو زاوية النظر، قد جمعت بين جنس السيرة الذاتية التي تحكي عن حياة الهادي، والسيرة الغيرية التي تنسحب على محكيات الشخوص الأخرى، كالأب والمعلم ويحيى الغرباوي وباعلي حارس المدرسة وعائشة المجاطية وأحمد السوسي والطيب الكوردنيي.. إلخ. حيث السارد فيهما قد جمع بين جنسين أدبيين مؤتلفين ومختلفين في آن، بسبب ما يؤثث النص السردي من أحداث وشخوص وأزمنة وأمكنة، وغيرها من مقومات الكتابة السردية.

هندسة بناء النص السردي “ليتني لا زلت منسيا”:
تتألف الرواية أو النص السردي، كما حددته تسمية الغلاف، من عنوان مثير للفضول النقدي، وأربعة فصول كتبت على غير معتاد فن القصة أو الرواية. الأمر يتعلق بمجموعة من الحكايات التي تجسد شخوصها ضروبًا مختلفة من المآسي الاجتماعية، تؤلفها أربع إشراقات ومثيلاتها من الوجوه، وهي على التوالي:
1- للشمس أن تصعد كما قالوا 2 – للشمس ألا تغيب 3 – لي أن أشرق من جديد 4 – فعل الكتابة
ليسدل الستار عن عيون الشمس في علاقتها بفعل الكتابة، رمز الحرية والانعتاق. وقد امتدت هذه الإشراقات بمختلف وجوهها على 282 صفحة، تتوزع أحداثها بين نوعين من النصوص السردية: سيرة ذاتية وسيرة غيرية، كما أسلفنا الذكر، انسجامًا مع أنواع الضمائر النائبة عن شخوص مختلفة الأطياف والانتماءات، متباعدة الرؤى والمواقف، اقترابًا أو ابتعادًا من مركز الأحداث.
ومما يزخر به النص السردي “ليتني لا زلت منسيا”، ظاهرة التناص أو ما يسمى تداخل الأجناس الأدبية، غايتها الارتقاء بشكل النص والسمو بمعانيه. ومن أهم تمظهرات التناص، ورود مقطوعات من أغاني أم كلثوم انسجامًا مع إيقاع اللحن كمؤثر عاطفي، واستجابة لحاجة الأب النفسية والعاطفية، كما دأب على ذلك مرددًا ألحان أغنية “أروح لمين” وأغنية “الأطلال”، بعد أن يعود إلى بيته ثملاً من فرط تناول الخمرة:
أروح لمين … واقول يا مين ينصفني منك
ويقول بعد إحدى سكراته:
هل رأى الحب سكارى مثلنا *** كم بنينا من خيال حولنا
ومشينا في طريق مقمر *** تثب الفرحة فيه قبلنا
نشدانًا للراحة واستمتاعًا بنكهة شعر الغزل. قبل أن ينتهي إلى التساؤل مع إيليا أبي ماضي في طلاسمه مرددًا:
جئت ، لا أعلم من أين، ولكني أتيت
ولقد ابصرت قدامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟
كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري !(ص: 243)
وفي الأخير، سيضطر الكاتب في تضمينه إلى توظيف جمالية الصورة كلغة عالمية، مستفيدًا من شخصية أحمد السوسي في مجال تقنيات الفن السينمائي الذي يوائم بين إيقاع الواقع وإيقاع الفن. وأمام خبايا سوق النسا، وما يروج في حي العسكر ويمارس فيه، وأمام تدني أخلاق المرأة بتزامن مع انتشار ظاهرة اختلاط الأجناس، فقد ارتأى الكاتب استحضار جزء من مأثور سيدي عبد الرحمن المجدوب، مذكّرًا بحذره من سوق النسا قائلاً:
(سوق النسا سوق مطيار
يا لداخلو رد بالك
يوريوك من الربح قنطار
ويديولك راس مالك)
إلا أن أهم ما تقوم عليه هندسة النص السردي، فضلًا عما سبق ذكره، موقفان مركزيان على الأقل، لهما بالغ الأثر في حياة شخصية الهادي/ السارد، كابن منسي عانى من تبعات الإرهاب الطفولي، سواء داخل البيت أو خارجه:
1 – إرهاب الأب:
من مواصفات الأب أنه شخصية مضطربة وغير متوازنة، مارس مهنة الجندية في ثكنة عسكرية، قبل أن يركن في عقر الدار، ويستقر على إدمان تدخين السجائر والاستمتاع بأغاني أم كلثوم، بعيدًا عن أي اهتمام بشؤون البيت، بما في ذلك الوقوف إلى جانب ابنه الهادي في محنته. إنه رجل قاس ومتوحش، تربطه بعائلته علاقة متوترة على الدوام، لا تعرف سبيلاً إلى التصالح والانفراج. ومما زاد الطين بلة، موقفه الرافض لابنه بعد ولادته. يحكي السارد عن موقفه من هذه الولادة، ملقبًا إياه بـ “المنسي والمنقوص والمرفوض”، بل إن مواصفات التنقيص هذه ستتسع دائرتها لتشمل سكان الحي الذين لقبوه بالهادي “أبو عين واحدة.. وأبو رجل واحدة” (ليتني.. ص: 22).
وقد عبر الأب عن سخطه ورفضه القاطع لولادة ابنه، عبر مخاطبته زوجته قائلاً: “أهذا طفلك مسك الختام آخر العش منقوص برجل واحدة، لعنة الله عليه وعليك وعلى رحمك، هو ابنك وليس ابني.. ربيه أو ارميه في القمامة مع الأزبال.. إنه المرفوض الناقص الذي سيعكر حياتي..” (ليتني لازلت.. ص: 21)، قبل أن يرد الابن في أربعة نماذج من القول، على ما لحقه من صنوف الإرهاب، معبرًا عن حسرته وتذمره:
أ – كأني لست منه ولست من صلبه (ليتني. ص: 19)
ب – ولي أنا المرفوض أن أتنفس في عمق الماء الوسخ كما أريد وأن أختنق ولي أنا المنسي (ليتني.. ص: 5)
ج – ويد تبطش من هنا ويد تذبح من هناك وأنا بينهما أرثي وقتي (ليتني… ص: 37)
د – أما النموذج الرابع والأخير، فيقارن فيه السارد بين الواقعي والمتخيل، باسطًا فيهما الحدود بين الكائن والممكن قائلاً:
على مقربة من النار تحتار الضوء والظلام وبين النعيم الممتد في الخيال وبين الاحتجاج على الواقع بلا استسلام (ليتني.. ص: 9)
وقد قوبل موقف الأب، بعد نفاد صبر الابن، بانفجار شديد في وجه أبيه قائلاً: “أخرج من بيتي، لا أنا ابنك ولا أنت أبي… أنا بريء منك ومن أبوتك..” (ص: 217).
فإذا كانت ظاهرة النسيان قد طالت الابن الهادي، فإنها لم تكن لتخطئ نصوصًا منسية شكلت جزءًا لا يتجزأ من حياة الكاتب. يقول في شأن التذكير بها: “كتبت في الثمانينات وبقيت عقودًا منسية” (الحسن الكامح. مطوية دفة الكتاب). بعدها، سيعود السارد ليؤكد على أمنية عزيزة، تمنى فيها البطل نسيان ما رافقه من أحداث أليمة تمثلت في أزمات امتدت عبر أزمنة ثلاث: أزمة زمن مضت أحداثه، وراهن لصيق بحقيقة حياة البطل يؤشر عليها زمن لوحة الغلاف ومراميها، ومستقبل مظلم لا أمل يرجى منه. يقول السارد معلقًا على أحد أزمنته: “أنا مجرد ساعة، بلا هوية ولا وظيفة، وجدت هنا محض الأقدار، فلما توقفت عن تدقيق الوقت نسيت” (الحسن الكامح. ليتني لازلت..”(صفحة الغلاف الخلفي للكتاب).
من هنا نستطيع أن نفهم طبيعة العلاقة الجدلية القائمة بين زمن “لا زلت منسيا”، كتيمة أساسية تدور أحداثها في الحاضر، و”ليتني ما زلت منسيا”، كزمن ولى وانقضى، لا زالت خدوشه حاضرة في الحال والمآل. إنه نص مضمر، حابل بالأحداث المأساوية، يتضمنه النص الأول ويحتويه. وأهم ما يميزه إرهاب الأب وعنجهيته، وإقدامه على مصادرته حقوق أفراد الأسرة. قوله مخاطبًا الجميع: “أنتم هنا تطبقون قوانيني، لا حق لكم في الكلام.. لا حق لكم في رفض أي أمر.. أنتم هنا كالجنود في الثكنة وأنا الجنرال” (ص: 24).
2 – إرهاب المعلم:
من مواصفات المعلم السوي، إدراكه لأبعاد العملية التعليمية – التعلمية، وتربية المتعلمين، وتنشئة الأجيال الصاعدة على القيم النبيلة. على عكس المعلم الهادي، الذي يعد شخصية إرهابية، لا تفتأ تبسط سلطتها على التلاميذ، اعتمادًا على القمع والعصا، و”السب والنهر والطرد والعقاب” (ص: 46). يقول السارد متحدثًا بلسان الهادي، مبديًا موقفه من معلمه: “سعادة معلم العربية الإرهابي، الذي إن مرت ذبابة في الفصل نسمع طنينها، وما إن يهمس تلميذ بصوت خافت لصديقه إلا يسمعه، يرفض أن ينظر إليه أحد حين يخاطبه، لا يقبل التعقيب أو التعليق أو مقاطعته حين يشرح الدرس أو يعذب أحدًا من التلاميذ” (ليتني لا زلت.. ص: 38-39)، بالإضافة إلى ما تلقاه الهادي من سخرية مدير المؤسسة، الذي أوقفه يومًا “أمام الكل حتى يضحك الجميع” (ص: 47). الراوي والسارد اللذان ينوبان في الحكي عن شخصية الهادي، الابن الذي ولد معاقًا، فعانى كثيرًا من الإرهاب الطفولي داخل البيت وخارجه. فقد عامله أبوه بنوع من القسوة والازدراء، “كأنه ليس منه وليس من صلبه” (ليتني لازلت.. ص: 19).
3 – صورة المرأة في ظل زمن الإرهاب:
يتوزع حضور المرأة بين أنماط مختلفة سلوكًا وموقفًا. وتكفينا الإشارة إلى نموذجين مختلفين من النساء:
- الأم فاطنة الحليب: التي تتصدر الأحداث، والتي ارتبط لقبها بماعزة صغيرة بيضاء، ابتاعتها لتحلبها وتسقي من حليبها أفراد الأسرة، بعد أن ربتها كما ربت الأبناء تمامًا. فهي أم حنون على مستوى عال من الطيبة، تسهر على تدبير شؤون البيت، وتربية الأبناء وتوفير حاجاتهم المادية من مدخول الخياطة. وهي الأم الفاضلة العاملة، الواعية بمستقبل أبنائها. يقول الهادي مشيدًا بها، معتزًا بدورها: “زرعت فينا حب الحياة وقوة الصمود ضد كل التيارات الجارفة” (ص: 70). وتقول مخاطبة زوجها، معبرة عن مدى اهتمامها بمستقبل أبنائها: “أبنائي ما خلقوا للخياطة ولا للنجارة ولا للحدادة ولا للبناء.. أبنائي خلقوا لكي يتعلموا ليوظفوا في مراتب عليا” (ص: 71)، هذا فضلًا عن دورها في التخفيف من التوتر القائم بين الأب والابن. إنه موقف ينم عن وعيها بجسامة مسؤولياتها داخل البيت. إلا أن موقف الزوج منها لا يرقى إلى مستوى الاعتراف برسالتها النبيلة. فهي في نظره “مجرد خادمة في البيت، أو فراش يأوي إليه متى شاء” (ص: 22). بل إن ما صدر عن الأب إزاء الزوجات أغرب مما يتصور. يقول بلغة صادمة تسيء إلى مكانة المرأة: “هل تساءل أحد يومًا من قبل: لماذا.. نضاجع نساءنا بلا حميمية كأننا نضاجع إنسانًا غريبًا لا علاقة لنا به؟” (ص: 11).
- عائشة المجاطية: زوجة العربي الكابران التي عانت من تعسف زوجها. إذ لطالما أغلق الزوج الباب في وجهها من الصباح إلى المساء، حتى تحولت إلى امرأة عصبية معاندة، ذات لسان طويل، لا ترحم أحدًا ولا تبالي بأحد. لها سلوك عدواني مع زوجها العربي السكير. لا يمر يوم دون أن يضربها أو يطردها من البيت. امرأة تدخن السجائر، ومن حين لآخر تشرب الخمر مع زوجها حين يرغمها أن تسقيه (ص: 109. بتصرف)، ما جعلها امرأة متمردة على سكان الحي، حتى شُبهت بـ “القنبلة الموقوتة القابلة للانفجار في أي وقت..” (ص: 69)، فضلًا عن قنابل أخرى ممثلة في معتقد النساء “أن هذه الأيام (أيام عاشوراء) ملائمة للسحر والشعوذة أو إزالة النحس عنهن وعن أولادهن” (ص: 15).
إشراقات فعل الكتابة:
يستهل الكاتب في الوجه الأول من الإشراق الرابع، بالحديث عن جدوى فعل الكتابة، يقول الهادي بضرورة “تعري كل شيء”، وهي دعوة لتكريس وصية الراوي القائلة: “أوصيك يا الهادي أن تكتب عن هذا الحي اللعين الذي أخذ منك عمرك وحياتك… واقتحم البياض ولا تخف منه.. ستبدو الورقة في أول وهلة شاسعة لا حدود لها.. خذ قلمًا واكتب” (ص: 237). ويستمر في حثه على الكتابة ناصحًا إياه بالقول على امتداد صص: 238-240:
- اكتب بقلبك لا بعقلك..
- اكتب عن طفولتك التي أتعبتك من لوم وسب ولعن…
- اكتب عن شبابك الذي ضاع بين الدراسة واليأس.
- أكتب عن أمك النور الذي لفك سنوات وعنك رحل..
- واكتب عن أبيك الذي طوقك بالرفض ورماك في سلة النسيان..
- أكتب عن إخوتك من حملوك على أكتافهم وفي قلوبهم ولم يتعبوا منك..
- أكتب عن كل شخص في الحي ولا تخش أحدًا كان قريبًا أو بعيدًا، غائبًا أو حاضرًا، حيًا أو ميتًا فحين نكتب نكون أسياد أنفسنا لا عبيد القلم والبياض.. (ص: 238)
- شق هذا البياض اللعين..
- حين نكتب نتوجع ونتألم..
- أكتب ولا تيأس، فلن يشفي غليلك إلا الكتابة (ص: 239).
- قاوم ظلمات الماضي الذي يشدك للوراء، واكتب..
- أكتب ففعل الكتابة هو سبيلك للخلاص من ماض يقتلك ويؤرقك..
- بالكتابة ستحيا من جديد بعدما لازمت الفراش سنة لا تذكر منها إلا قليلاً (ص: 240).
من خبايا ساكنة القشلة:
بهذا الإنجاز الروائي، يكون الراوي قد حقق وصية الكاتب، ونبوءة الراوي دفعة واحدة، بعد أن أعلن عن تفاصيلها في المشهد الرابع من الفصل الثالث من النص السردي، بقوله: “قنبلة في الحي قابلة للانفجار” (ص: 217)، وهي القنبلة التي ساهمت الأحداث المطردة في تأجيجها وفرقعتها، مما زاد من توتر علاقات الشخوص: الابن / الأب، المعلم / المتعلم، الزوجات / الأزواج، وهكذا.. مما أسفر عن ظهور آفات اجتماعية مدمرة. يقول الطيب الكمانجي، شاهدًا على هذه المرحلة: “لي ابنان يا ولدي يحملان نفس الاسم وليس ابنًا واحدًا، ولي ابنتان كذلك يحملان نفس الاسم، وزوجتك ليلى أختك شئت أم أبيت” (ص: 218)، هذه المشاهد المروعة ستتلوها مشاهد أكثر روعة، يشهد على ذلك مشهد خامس هو أشد وأنكى. يقول عنه الراوي بلغة حزينة متحسرة: “هذا ما أنتجه الحي من مهازل ومآسي، كل بيت مأساة اجتماعية، كل بيت غارق في تناقضات لا حد لها..” (ص: 220).
تجب الإشارة، في آخر هذه المقاربة، إلى أن المبدع الحسن الكامح قد استطاع أن يكشف بدقة متناهية عن خبايا واقعه العجيب، متسلحًا بأسلوب فني ذائق ورائق، ينعش القراء المتعطشين لمعرفة هذه الخبايا والاستمتاع بفسحة الخيال.
باحث وناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي