الرئيسية / الأعداد / جدلية الألم والإبداع: قراءة في ديوان حكم حمدان: “ألمٌ… يروي غابة شعر”- الحسَن الگامَح

جدلية الألم والإبداع: قراءة في ديوان حكم حمدان: “ألمٌ… يروي غابة شعر”- الحسَن الگامَح

الدراسات

 

جدلية الألم والإبداع: قراءة في ديوان حكم حمدان: “ألمٌ… يروي غابة شعر”

الحسَن الگامَح*

 

بادئ ذي بدء:

تُقدم هذه القراءة لديوان “ألمٌ… يروي غابة شعر” للشاعر حكم حمدان نافذةً فريدة على عوالم شاعريته، ليس من منظور نقدي أكاديمي، بل من خلال عدسة شاعر يلامس روح الكلمات.

فالديوان، وهو الإصدار الرابع للشاعر، يُعد تتويجًا لمسيرة شعرية بدأت ب:

1- على صهوة المجد – 2004

2- نوتات عاشقة – 2015

3- غيوم تقتفي أثر النهر – 2016

4- ألمٌ… يروي غابة شعر 2020

 

1. مقدمة:

ديوان “ألم… يروي غابة شعر” للشاعر حكم حمدان هو عبارة عن تجربة شعرية تمزج بين الألم الشخصي والتعبير الفني، ويضم 56 نصًا قصيرًا يعكس شجنًا عميقًا. تهدف هذه القراءة إلى تحليل الديوان من رؤية شاعر مع التركيز على المضامين والأسلوب، بالإضافة إلى قراءة العنوان والغلاف والإهداء.

 

2. العنوان: مفتاح الدخول إلى غابة الألم والشعر

عنوان الديوان “ألم… يروي غابة شعر” يجمع بين مفهومين متناقضين: الألم والشعر. الألم يمثل التجربة الإنسانية القاسية، بينما الشعر يمثل التعبير الفني الراقي. هذا الجمع يشير إلى أن الشعر في هذا الديوان ينبع من الألم ويتحول إلى وسيلة لتجاوزه والتعبير عنه. وصورة “غابة الشعر” تشير إلى كثافة الشعر وتنوعه في الديوان، حيث يصبح الشعر غابة وارفة الظلال، غنية بالصور والاستعارات. والفعل “يروي” يضفي على الألم صفة الإيجابية، فالألم يروي غابة الشعر ويمنحها الحياة.

 

3. الغلاف والإهداء: مرآة للذات ونداء للروح

يُشكل غلاف الديوان، بصورة الشاعر الهادئة والمتأملة، دعوةً صامتة للتعمق في روحه. الألوان الهادئة واسم الشاعر وعنوان الديوان بالخط الأخضر الواضح، كلها عناصر تُشير إلى أن الديوان هو مرآة لذات الشاعر وتجربته. هو ليس مجرد مجموعة قصائد، بل هو جزء من كيانه، يعكس جمالية فنية تجمع بين الصورة والكلمة في وحدة عضوية.

أما الإهداء لروح الشقيقة نعيمة حمدان، فهو بمثابة شرارة الانطلاق العاطفية للديوان. هذا الإهداء يكشف عن بعد شخصي عميق، ويُشير إلى أن الفقد والحزن هما جزء لا يتجزأ من النسيج الشعري. إنه يمزج بين الموت والحياة، ليُقدم رؤية الشاعر للوجود الإنساني كدورة مستمرة من الفقد والتجدد، حيث يُصبح الألم جسرًا نحو الخلود.

4. المضامين والأفكار: نسيج من الألم والشوق والوطن

الديوان ينغمس في بحر من المشاعر الإنسانية، حيث يشكل الألم والمعاناة محورًا أساسيًا. سواء كان ألمًا نفسيًا، وجوديًا، أو صراعًا مع تفاصيل الحياة الباردة، فإن الشاعر يعبر عنه بصدق لافت، كما يتجلى في النص رقم 1 الذي يرسم صورة امرأة تائهة بين حلم تهاوى وشعر بلا فائدة:

“تفاصيلها دائما بارده

ونظرتها في المدى شارده

وفي عينها نصف حلم تهاوى

وحزمة شعر بلا فائدهْ”.

الشوق والفقد يتجليان بوضوح، لا سيما في النصوص التي تُحلق حول ذكرى الشقيقة الراحلة. ومع ذلك، لا يخلو الديوان من خيوط الحب والعاطفة، التي تنسج صورًا حسية للمحبوب، كما في النص رقم 2، حيث يُصبح مجرد تحديق المحبوبة واحتسائها لقهوتها رمزًا للرغبة العميقة في القرب:

“تحدق بي…

أشتهي نظرتك …

وأنت معي …

تحتسي قهوتك …”.

تُقدم بعض النصوص تأملات في الذات والوجود، مُسلّطة الضوء على الصراع الداخلي الذي يُعاني منه الإنسان. كما تُبرز مكانة الشعر والشعراء كملاذ ومصدر إلهام، حيث يُصبح الشعر وسيلة للتعبير عن الذات والعالم، وهو النبراس الذي يُضيء ظلمات الإنسان.

ولكن ما يرفع الديوان إلى مستوى أعمق هو تضمنه لقضايا الوطن والعروبة. النصان 10 و 48 هما بمثابة صرخة مدوية في وجه الضياع. يُرثي الشاعر حلب ودمشق كرموز للأمة الممزقة، معبرًا عن الحسرة والألم على صمت العرب:

“ضيعناكِ يا حلب” و “ناحت دمشق ودمع العين دثرها” و “لم يعترض عرب … لم ينتفض عرب”. (النص 10)

وفي المقابل، يُقدم تحية للعراق، واصفًا إياه بالوطن الذي يعاني ولكنه يظل قويًا وعريقًا، ويُحذر من فتنة تُثخن جراحه:

“وطن يعض من الفجيعة أصبعه” و “يُدعى: ‘بلاد الرافدين’…. إذا سما بدرا .. فلا بدر يطاول موضعه” و “لا تثخنوا … جرح العراق … بفتنة”. (النص 48)

هذه النصوص تُضيف بعدًا قوميًا وإنسانيًا للديوان، مُتجاوزة الهم الذاتي إلى الهم الأكبر.

كما في المقاطع:

“وطن يعض من الفجيعة أصبعه”

و “يُدعى: ‘بلاد الرافدين’….

إذا سما بدرا ..

فلا بدر يطاول موضعه”

و “لا تثخنوا … جرح العراق … بفتنة”.

الأسلوب الفني: بساطة عميقة وإيقاع مؤثر

يتميز شعر حكم حمدان بـلغة سهلة، سلسة، وعذبة، قادرة على التعبير عن أعمق المشاعر بدقة متناهية. لغته شفافة، خالية من التعقيد، لكنها مشحونة بعاطفة قوية تُلامس الوجدان مباشرة.

في النص رقم 2، يقول الشاعر:

“تحدق بي…

أشتهي نظرتك …

وأنت معي …

تحتسي قهوتك …”.

هنا، اللغة بسيطة ومباشرة، لكنها تحمل شوقًا ورغبة عميقة في القرب من المحبوبة.

الصورة الشعرية:

يعتمد الشاعر على الصورة الشعرية في التعبير عن أفكاره ومشاعره، مثل صورة “غابة الشعر”. يستخدم الشاعر الصور الحسية والمرئية لتجسيد المعاني المجردة. والصورة الشعرية تساهم في إثراء النص الشعري وجعله أكثر تأثيرًا في المتلقي. وصورة “غابة الشعر” هي استعارة مبتكرة تعبر عن كثافة الشعر وتنوعه.

فعنوان الديوان نفسه “ألم… يروي غابة شعر” هو أبرز مثال على استخدام الصورة الشعرية. فالشعر هنا ينمو وينتشر كالغابة، والألم هو الذي يروي هذه الغابة ويغديها.

الإيقاع:

يحرص الشاعر على تنويع الإيقاع في قصائده. إذ  يهتم الشاعر بالموسيقى الداخلية للقصيدة، وذلك من خلال استخدام التكرار والتوازي والتناغم الصوتي. والإيقاع الشعري يضيف إلى القصيدة جمالًا وجاذبية.

ففي النص رقم 1، هناك تكرار لكلمات مثل “شوق” و “أشواق” ، مما يخلق إيقاعًا موسيقيًا هادئًا يعبر عن الشوق والحنين.

الوحدة العضوية:

يحافظ الديوان على وحدة عضوية في الموضوعات والمشاعر.

رغم تنوع الموضوعات في الديوان، هناك خيط ناظم يربط بين النصوص، وهو تجربة الشاعر الذاتية ورؤيته للعالم. والوحدة العضوية تجعل الديوان عملًا فنيًا متكاملًا.

فالإهداء إلى روح الشقيقة يضفي على الديوان وحدة عاطفية، حيث يتكرر موضوع الفقد والحزن في العديد من النصوص.

الرمزية التاريخية:

في قصائد حلب ودمشق والعراق، يستخدم الشاعر الرمزية التاريخية للإشارة إلى عراقة هذه المدن.

يستحضر الشاعر تاريخ هذه المدن العريقة للإشارة إلى هويتها الثقافية والحضارية. والرمزية التاريخية تضفي عمقًا على القصائد وتجعلها تتجاوز اللحظة الراهنة.

مثلا في النص رقم 48، يشير الشاعر إلى العراق باسم “بلاد الرافدين” ، وهو اسم تاريخي يرمز إلى الحضارات القديمة التي قامت في هذه الأرض.

المباشرة والعاطفية:

في التعبير عن مشاعره تجاه هذه المدن، يميل الشاعر إلى المباشرة والعاطفية.

يعبر الشاعر عن مشاعره بشكل صريح وواضح، دون مواربة أو تورية. والعاطفية الصادقة تزيد من قوة تأثير القصيدة في المتلقي.

إذ في النص رقم 10، يقول الشاعر: “ضيعناكِ يا حلب” ، وهو تعبير مباشر عن الفقد والحسرة.

يربط الشاعر بين تجربته الذاتية والأحداث التاريخية، مما يضفي على شعره بعدًا قوميًا وإنسانيًا. وذكر أسماء المدن والأماكن التاريخية يستحضر صورًا وأحداثًا معينة في ذهن القارئ.

كذكر دجلة والفرات في النص رقم 48 هو توظيف للجغرافيا للإشارة إلى هوية العراق وخصوبته.

الرثاء والنداء: في قصائد حلب ودمشق، يبرز أسلوب الرثاء والنداء المباشر.

يرثي الشاعر المدن التي فقدت جمالها وتاريخها، ويناديها مباشرة للتعبير عن حبه وحزنه. وأسلوب الرثاء يعكس الألم العميق الذي يشعر به الشاعر تجاه هذه المدن.

“ناحت دمشق ودمع العين دثرها” هو مثال على الرثاء، حيث يصف الشاعر دمشق في حالة حزن شديد. و “يا حلب” هو مثال على النداء المباشر.

الفخر والأمل: في قصيدة العراق، يبرز أسلوب الفخر بالوطن والأمل في مستقبله.

يعبر الشاعر عن اعتزازه بالعراق وتاريخه، وعن أمله في أن يستعيد العراق عافيته ودوره في المنطقة. وأسلوب الفخر والأمل يعكس الإيجابية والتفاؤل. “يُدعى: ‘بلاد الرافدين’…. إذا سما بدرا .. فلا بدر يطاول موضعه” هو مثال على الفخر بتاريخ العراق ومكانته.

التناقض:

في قصيدة العراق، يجمع الشاعر بين تصوير العراق كوطن يعاني ووطن عظيم.

يعكس الشاعر الواقع المعقد للعراق، الذي يجمع بين الألم والمعاناة من جهة، والتاريخ العريق والمكانة المتميزة من جهة أخرى. واستخدام التناقض يضفي على القصيدة عمقًا وواقعية.

“وطن يعض من الفجيعة أصبعه” يعبر عن الألم، بينما “يُدعى: ‘بلاد الرافدين’…. إذا سما بدرا .. فلا بدر يطاول موضعه” يعبر عن العظمة.

البعد القومي والإنساني:

تضيف القصائد التي تتناول حلب ودمشق والعراق بعدًا قوميًا وإنسانيًا إلى الديوان.

تتجاوز هذه القصائد الهم الذاتي إلى الهم القومي والإنساني، وتعبر عن تضامن الشاعر مع قضايا أمته ومعاناة الإنسان في هذه البلدان. والبعد القومي والإنساني يثري الديوان ويجعله أكثر شمولًا.

القصائد تعبر عن وحدة المصير العربي، وعن الأمل في تجاوز المحن والنهوض من جديد

 

الخاتمة: بصمة شاعر في وجدان الأمة

يُمثل ديوان “ألم… يروي غابة شعر” لحكم حمدان إضافة قيمة للمشهد الشعري المعاصر. إنه ليس مجرد ديوان، بل هو بصمة شاعر يلامس الوجدان الإنساني بصدق تجربته وعمقها، ويُعبر عن قضايا الوطن العربي بأسلوب شعري متميز يجمع بين الذاتي والقومي والإنساني. هذه القراءة، التي جاءت بعين شاعر شغوف لا بعين ناقد، تُؤكد على موهبة الشاعر وقدرته على أن يكون صوتًا لعصره ولأمتّه. فهل يمكن اعتبار “ألم… يروي غابة شعر” دعوةً إلى إعادة تقييم دور الألم في صياغة التجربة الإنسانية والإبداعية؟

هذه مجموعة من النقط التي سجلتها حين قرأت الديوان عدة مرات متتالية، قدني شغفي بالشعر إلى محاولة كشف أسرار الديوان كأني أقرأ ديوانا لي، وأسجل ما يمكن تسجيله بعد أن أنتهي منه.

على أي هي قراءة بعين شاعر لا بعين ناقد.

شاعر من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً