
مقاربة نقدية في ديوان : ” عييت منّي ” للزّجّالة والشّاعرة مجيدة الفلاحي
بوسلهام عميمر
أصبح للقصيدة الزّجلية رئة أخرى للتّنفّس عندما اقتحمت المرأة هذا المجال الإبداعي في أواخر تسعينيات القرن الماضي ، بعد أن كان حِكرًا على الرّجل لسنين طويلة إن لم نقُل لقرون ؛ فاستطاعت بذلك أن تُشكّل إضافة نوعية وتُثبت جدارتها وأحقّيتها في وُلوج مملكة شعر الزّجل ، مُنتزِعةً بعد طول انتظار ، بطاقة الإقامة الرّسمية ، بفضل تجاربها ومنطلقاتها الثّقافية ، وانفتاحها على حقول معرفية متنوّعة ، كوّنت لديها رُؤْية شعرية واضحة وثريّة ، ممّا أعطى للقصيدة الزّجلية نكهة ومذاقا خاصّا ، ومنحها رواجا كبيرا من حيث الكمّ والكيف .
كانت بدايات الشّاعرات الزّجّالات الرّائدات تندرج باعتراف جلّ النّقّاد في إطار ما يُعرف بالنّصّ الزّجلي الغنائي ، إلّا أنّهنّ سرعان ما استجبن لنداءات الحداثة وتعميق مفهومها ، بالخروج بهذا النّوع من الشّعر من دائرته المُغلقة إلى الكونية ، وجعله يخترق قضايا تتجذّر في عُمق الإنسان وعلاقته بما يحيط به ، ممتطيات لغة يومية كسرت حدود المركز والهامش ، وأعلت صوت الصّراع الذي يطبع علاقة الذّات بالآخر .
في هذه الدّراسة أروم قراءة تجربة زجلية معاصرة لشاعرة لا تستهين بالقارئ ولا تُقدِّم له معنى جاهزا وصورا مُستهلكة وسطحية طاغية ، بل تقوم على تبادل الأفكار والمشاعر والتّجارب الإنسانية الجميلة والمُؤلمة ، فتتجسّدُ ما بين الشّاعرة والقارئ علاقة تفاعلية تقوم على فكّ التّشفير من جهة ، وعلى الثّقة والاحترام اللذين هما من أساسيات الشّعر أيّا كان نوعه كأداة وفنّ إبداعي .
في ديوانها : ” عييت منّي ” سنرصد تجربة مختلفة ، تُمثّل أُفُقا مفتوحا لترسيم معادلة التّغيير ، التي لم تصلها إلّا بالقول الشّعري الخلّاق و الرّاقي ؛ هذا العنوان الذي أعتبره سلاحا مُغريا يمتلك طاقة توجيهية وغواية متكاملة ومستفّزة لا يمكن تجاوز عتبته ، فهو ذو سِمة تبليغية ودلالات لا نهائية تساعد القارئ على اقتحام نصوص الدّيوان برؤية مسبقة ، دون منحه زمنا كافيا للتّفكير في تحديد نسله وإدراك تشعّباته . عنوان بحمولة لفظية ورمزية تكاد تطغى على معظم نصوص ديوانها في حديث ومناجاة مثمرة متمركزة حول الذّات وضجيج الحياة الصّارخ الذي لا تملك له قرارا . وعند الغوص في أعماق قصائدها قصيدة قصيدة ، نلمس حداثة القصيدة الزّجلية المعاصرة ، التي تقوم على تشكيلٍ ذي وجهين : _ تشكيل خارجي يعتمد على بناء القصيدة بناءً مُتلاحم الأجزاء . _ وآخر داخلي يعتمد على الفرادة في تطويع الموضوع وهي مُؤمنة بالتّجريب كأفق وملمح تَحوُّلي فرض ذاته في مُنْجَزِها النّصّي ، وهي تُعانِقُ حشدًا من التيمات ، وتوظّف الرّموز والأقنعة والتّناصّ والانزياح والاستعارة والصّورة الزّجلية بلغة مُكثّفة تُثري معجمنا الدّارجي المتجدّد بالدّلالات والمفردات النّقيّة التي لا تخدش السّمع ولا تمسّ بالحياء ، ما يجعل المعنى يرتقي ، والذّوق يعتلي إلى أفق أكثر بهاءً وخصوبة ، نص قصيدة ” عاوتاني عييت منّي ” كمثال
وعلى الرّغم من متاهة تحرّك الوجدان وتفجّر العمق الوجودي في زجل الشّاعرة مجيدة الفلاحي ، إلّا أنّها حرّكت في نص ” على غفلة ” سيكولوجيا غاضبة نافية منهوكة مغلوبة منكسرة ، وكلّما توغّلت في قصائدها ترسّخت لديك بما لا يدع مجالا للشّكّ _ أنّها نموذجا لشكل تعبيري يُلبّي حاجة ذاتية للشّاعرة _ فانشغالها بأنطولوجيا الموت _وقليلة هي النّصوص الشعرية التي تطرّقت للموضوع _وتوصيف طقوسه المُفجعة وعتمته وحوارها له مُبتغية كشف السّرّي ، وهو سؤال وجودي لفعل الموت بين الرّهبة والواقع ، حيث تتبدّى مُقلتاها دامعتان ، وفي صوتها حشرجة خافتة وفي لسانها ارتجافة وفي كلماتها قشعريرة .

وبما أنّ للزجّالة مجيدة الفلاحي باعا طويلا في قصيدة النثر وشعر الحداثة ، تجدها وقد اختارت لنفسها شكلا فنيا أقرب إلى الشّعر الحرّ ، وأثبتت أن القصيدة الزّجليّة يمكن أن تحقّق على مستوى الإبداع شكلا تعبيريّا جديدا ، ذا هوية جمالية ، هدفها روح الشّعر ، فاضحت الكتابة الشعرية لديها تضيف للزّجل الشّعري المغربي الشيء الكثير ، مستفيدة أيضا من تجربتها الأدبية في السّرد والوصف ، ومن فنون القصة والمسرح والرواية في استخدام التّقطيع الشّعري ، فاشتبكت تيماتها باليومي الشّخصي والعامي ، ومزجت بين الصورة المجازية المبتكرة بفنية عالية وبين الواقعية التي تستمدّ عناصرها من الواقع لتعيد بناءها وإنتاجها وتشكيلها حسب رُؤيتها .
ولأنّها مُصابة بمرض الكتابة الذي يلتهم حياتها ويُنْهِك قواها ، فهي كسائر الشّعراء والكتّاب تعيش حياتين : _حياة عادية كالآخرين ، _وحياة إبداعية مرهِقة تستنزف طاقاتها وتُشعِلها حماسا للتّعبير عمّا يختلج في ذاتها وتشعر بضرورة ملحّة في البوح به للنّاس ، بأسلوبها الخاص ، وتجربتها كمناضلة في مجال حقوق النّساء السلاليات ، وفي مجال العمل الجمعوي ، ولدورها ككاتبة أبدعت إلى جانب الشّعر نثرا لا يقل حبكة وحكمة يتّصل اتّصالا وثيقا بشخصيتها ، وعاطفتها المُتأجّجة في حال الحزن والفرح والحبّ والغضب .
كلّ هذه المؤثّرات وغيرها ساهمت في تكوين قِوام قصائدها وجعلتها أكثر مسؤولية ، فلم تكن القصيدة عندها مجرّد مغامرة من عدم تهيم في فضاء التّخيّل بلا هدف ، لاسيما وأنّ الشّاعرة ابنة بيئتها ، وكتاباتها مرآة تعكس موروثها برمّته من ثقافة مجتمعية وعقدية وإنسانية وقضايا وطنية وأعراف وعادات وتقاليد متداولة ؛ وهذا الفنّ عندها فنّ مثير كباقي الفنون الأخرى لا يعتمد فقط على إيقاع التّشكيل الجمالي وإنّما على إيقاع الشّعور الحسّي العاطفي في صناعة الدّفق الإبداعي واعتصار مكنون الذّات الإنسانية والدّخول في أتونها والشّعور بمعاناتها .وحظي موضوع الظّلم و”الحكرة ” الذي تعاني منه شرائح عريضة من النساء المغربيات ويُشكّل غصّة في قلم معظم الكاتبات المغربيات باهتمام لديها ، فتجدها تصدح في نص قصيدة “لسّاكنة كلبي ” كمناضلة لإسماع صوت المرأة التي تطمح للكرامة والحرية والمساواة ، وهو محطّة مؤلمة نستحضر فيها معها جميع أشكال الحيف والجور وأنواع الخيبة والانكسار التي عرفتها القضية النسوية في بلادنا ، حيث مازالت النساء تلاقي كلّ أنواع المعاملة الماسّة بكرامتها سواء داخل الأسرة أوفي الشارع أو داخل المؤسسات .
وتختم الشّاعرة ديوانها بقصيدة عن ” غزّة ” ومحنتها ، شأنها شأن الكثير من الشعراء المغاربة الذين جعلوا من دماء شهدائها مدادا لقصائدهم ، واعتبروها قضيتهم القومية الأولى ؛ يقول ” محمد علي الرباوي ” : ” إن المغربي عامة يعيش القضية الفلسطينية ، ربّما أكثر ممّا يعيشها الإنسان العربي في المشرق العربي .” ونصّ غزّة هذا أعتبره وثيقة تاريخية يمكن الرّجوع إليها في زمن من الأزمان للوقوف على كلّ أشكال القتل العنيف والتّدمير والحصار والإذلال والتّجويع والإستباحة التي تتجاوز حدود الإنسانية ، وجرائم حرب أبادت الشّيب والشّباب والنّساء والأطفال وحصدت الأخضر واليابس مدعومة بتواطؤ غربي وصمت عالمي حرب غزّة في نص الشاعرة يصوّر بدقّة نظاما استبداديا عالميا يقمع ويقتل باسم الدّيمقراطية ، وانتهاكا خارقا لحقوق الإنسان غير الغربي ، على الرّغم من المواثيق الدّولية والأممية التي يرفعون شعاراتها في كل مناسبة .
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي