
التشكيل الفني والرؤى في قصص:
الأديب الأردني نايف النوايسة
كامل الطراونة
تشكل الرؤية في الفضاء القصصي لدى الأديب الباحث نايف النوايسة ومضة مدهشة في بنائه الأدبي، فمن رؤيته الثاقبة ينحت من التأمل فضاءات مبدعة يطوف محلقًا فيها؛ ليكتشف عالمه الجديد؛ ولعل تطور الوعي والنضج الفكري والثقافي، وفهم هذا الأديب الأردني لحركة المجتمع، ومطالعاته العميقة منحته طاقة معرفية في المعنى والمبنى، راح ينثرها بروائح الحروف وجواهرها في فضاء قصصي آسر.
يفكر أديبنا القاص النوايسة خارج المعتاد بإضاءة ثرائه الفكري، فذاته نافذة رائية المكان والحياة، في تثوير الحادثة القصصية في مشاهد من النسيج النصي القصصي بقوة العاطفة والفكر والتخييل، وبجماليات بناها بتحولات مدهشة، وكثيرًا ما كان يغامر باعتقال لحظات هاربة يتجول فيها مفكرًا متأملاً بتجليات فكرية وإرهاصات؛ ليشكل من خلالها روائع القص المحمل بشذراته الموحية.
لم يغفل الأديب النوايسة عن توظيف جماليات التناص، التي اتخذها آلية من بين آليات وفيرة وظّفها في استنطاق الموجودات، مؤسسًا لفضاءِ دلالي مكثف، ومدلول مكتنز بدلالات رمزية يحملها بإيجاز، يغني نفسه من الاستطراد الذي يتنافى وطبيعة القصة القصيرة، ويفتح نصه القصصي على عوالم من الدلالات، التي ما كانت لتكون بدون التناص.
إن المتأمل لتقنية التناص في قصص النوايسة يجده بوساطتها قد خصّب نصوصه ولقحها بثقافة كثيفة نشلتها من السطحية، وحلقت بها في آفاق أرحب في معمارية مدهشة تناولها من موروثه، وأعاد إنتاجها في دلالات طريفة، فبنائه القائم على الإيجاز يعد الوسيلة الأقوى لكسر آفاق التوقع لدى المتوقع، والتناص ركيزة مهمة في البنية السردية يصبح بها النص السردي أكثر ثراءً في دلالاته.
إن نظرة متأملة في البنى السردية في الأعمال الأدبية لنايف النوايسة في قصصه القصيرة، وفي إطارها التنظيمي، الذي يشمل تسلسل الأحداث، وتنامي الشخصيات بتناسقها لسرد متماسك، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا القاض وظف التناص باستجابات واعية بما ينسجم والسياقات المطروحة في النص، وقد يبدو التناص الموظف في النص أحيانًا خفيًا، وغير مباشر، الأمر الذي يخلق تحدياً للقارئ في اكتشاف التعالق النصي لدى القاص، وكثيرًا ما أبدع القاص النوايسة في استحضاره الذهني لموروثه في تناص متناثر هنا وهناك.

ومما زاد نصوصه القصصية ألقًا ودهشة وغنى براعته الفنية والإبداعية، وتفاعله مع المؤثرات، وخروجه عن الأطر الضيقة المحدودة إلى فضاءات أرحب، وتحمل في طياتها دلالات تمنح القارئ المتذوق الولوج إلى عوالم النص الرحبة، من خلال كفايات قادرة على أن يمارس تطويع لغته، فاللغة طينة المبدع يشكلها كيفما شاء، يمارس في تطويعها تشكيلاته الموحية، فتخطف في حسنها ذائقة المتلقي في كشفه لتشابكات النص وأبعاده.
يلجأ النوايسة بتشكيل نصه القصصي عادة للرجوع إلى ذاكرته الحاضنة ثقافة وتاريخًا، ومما يختلج بروحه من مشاعر أشعلها ذلك المخزون، فهو القاص المبدع حقًا بتشكيل تركيبات فسيفسائية من حاضنة مخزونه الأدبي الناضج فنيًا والثري معنويًا، فغالبًا ما ينسج النص القصصي بتلميحات مدهشة واقتباسات يصهرها بتأملاته العميقة من مشاهد الحياة.
هذه العلاقات النصية المتداخلة التي يصهرها الأديب النوايسة يتم امتصاصها وتوسعتها لفضاءات دافئة حينًا وثائرة حينًا آخر، فتبدو متوشحة أكاليل العمل الفني البارع لدى هذا المبدع.
فالأديب القاص النوايسة يدرك تمامًا جمالية ترحال النصوص واحتضانها معًا لفضاءات دافقة بحسها الجمالي، فالنص لديه يكاد يكون كائنًا لغويًا يحتضن تجربة جمالية تشرق بسمات الإبداع، فيكتب لها الخلود.
وعلى العموم لقد كنت محظوظًا بقراءة الكثير من النتاج القصصي البارع في محتواه ومبناه لهذا لأديب، وإذ يقف القارئ وقفة تأمل باستطلاع هذا النتاج الوفير الذي نيّف على عشر مجموعات قصصية ليجد من الصعوبة بمكان دراسة هذا الوفر الثري بشموليته؛ كون النتاج ينحت من مخزون الأديب المتمرس المطلع على ثقافات الشعوب وعلى مرور سنوات طويلة من الدرس الثقافي الإبداعي، لكن سيقف على بعض التقنيات البارزة كجمالية التناص، الذي نجده شديد الحضور والوضوح بأنواعه المختلفة، بحيث يسمح للنص الدخول والتعالق بنص آخر؛ ليشكل فضاءات جمالية تنعش المتلقي، وهو يعيد تجربة المبدع من ثنايا سرده القصصي.
إن توظيف التناص في السرد القصصي يحتاج دربة وقدرة وكفايات ومخزون ثري بالمعلومات وقراءات مستفيضة في القص العالمي، وهذا ما امتاز به أديبنا النوايسة، وحين تغوص في سيرته الأدبية الشائقة والثرية في تنوعها ومصادرها وتواصلها مع الآخر وتفاعلها مع الإنسان بشمولية، الأمر ستقف على أنه قادر على توظيف موضوع التناص في سرده القصصي، فضلاً عن أنه دائم التواصل مع التراث الإنساني وأنه يشرع أبوابه ليجد المساحات في متناوله، فيعيد الموروث بتعالقه مع الحاضر بصورة منسجمة، وهنا تظهر الإبداع في مواقد صهر التجربة الشعورية؛ ليتداخل المبنى في المعنى فيشكلا وحدة عضوية للنص القصصي.
ويمكنني في عجالة أن أتتبع بعض الشواهد المنتقاة؛ كي أدلل على بعض أنواع التناص التي وظفها في سرده القصصي البارع، فأول ما ألاحظه هو التناص الديني، فالآيات القرآنية تتداخل في السرد البنائي في قصصه؛ لتضيف كفاءة على السياق الذي وردت فيه، مستفيدة من بلاغة القرآن الكريم وقوة تأثيره في الوجدان، وسرعة نفاذه للروح، ومن ذلك ما جاء في قصة” ذات الودع”، إذ فيها تناص واستشهاد بيّن مع قصة سيدنا نوح عليه السلام، فالقصة تبدأ من نقطة، ثم تفترق في مشهدين: ” أم الودع ” و” ذات الودع ” وتعود لتلتقي في النهاية مرة أخرى، فأم الودع طوفان مباغت اخترق الآفاق، ووطّن العرى، وأشعل فضائحه في النفس… الدم يحلق فوق القلب، وأنا للتو أبعد عيني عن[ يام ] الذي ولّى هاربًا حين رفعت ذات الودع قلاعها.. جره الوادي بعيدًا…
وينقل النوايسة السرد بعد ذلك في مشاهد متبادلة بين ذات الودع التي ينغمس العابثون في ملاحقتها، وبين السفينة التي تحاول أن تقنع الساخرين منها من الانضمام إلى ركوبها للنجاة، ثم تنتهي عندما ترسو السفينة على ” الجودي” ويفاجأ الذين أفنوا أوقاتهم بملاحقة أم الودع بحقيقتها المشوّهة.
لقد حمل التناص رؤية الأديب النوايسة، باتخاذه زمنين ومكانين” شملا الأماكن كلها.. أكدت أن الناس كانوا وما زالوا يغرقون في عبثهم وزيفهم، ولا يرون إلا المظاهر التي تخدعهم، فتجرهم خلفها ولا يجدون للنجاة سبيلاً بعدها.
وأكاد أن لا أنسى أيضًا في معرض قراءاتي المتواصلة لنصوص القصة القصيرة عند النوايسة أن الأديب وظف أنواعًا أخرى مختلفة من التناص، ويكفيني هنا أن أذكر التناص الداخلي والخارجي والتاريخي والأدبي، وهذه الأنواع تحتاج إلى وقفات متأنية ومستفيضة وتحتاج إلى التوسع، بحيث لا يسمح عرضها والتفصيل بها في هذا المقام الموجز بصفحاته القليلة، وتحتاج إلى كتاب يحضن مضامينها الواسعة.
التشكيل النصي
أما عن التشكيل النصي فأكاد أجزم أن الرؤى في النصوص القصصية للقاص النوايسة رؤى نامية ومستدامة، ويعود هذا النمو في دوامه إلى مجموعة العناصر الشكلية، التي يوظفها القاص النوايسة بقدراته وخياله الواسع في استحضار المشاهد الفاعلة في إطار مكاني شائق، وغالبًا ما يثرى القاص نايف تفاصيل المكان، بحيث يجعلها أكثر وضوحًا وامتلاءً بالألوان بحيث تعود بالقارئ إلى عالم الواقع، وقد يلجأ القاص أحيانًا بالابتعاد عن الواقع برسم إطار مكاني، لا لشيء من أجل خلق عالم جديد متخيل بعيد عن الواقع.
يمتلك القاص نايف النوايسة قدرة فائقة بتشكيل المكان، الذي يعد من العناصر الشكلية الفاعلة والمهمة في القصة، فأصالة نصوصه تعود إلى التشكيل المكاني المبدع، الذي يستحضره من خياله النافذ ليوائم حركة الأحداث والشخوص في البناء القصصي، فيجعل الأحداث تتنامى فيه، والشخوص تتحرك فيه ، فربط الشخصية في المكان يعكس حقيقتها ويشكلها بالصورة التي يريدها القاص.
وتسعفني نظرة عميقة وأنا ألمح جمالية معمار البناء القصصي عند القاص، إذ أجد بعض الملامح الجمالية في البناء القصصي، منها أنه يرى بأن الفن القصصي يجب أن يتسم بتصوير الواقع في نسيج دقيق، وهذا النسج الدقيق الذي يمارسه في البناء الفني للقصة، يتأتى له مما يملك من قدرة فائقة في تعامله مع تقنيات الكتابة، وهو الخبير بحق في كشف أسرار اللعبة الفنية إن جاز التعبير، فصياغة المعمار القصصي لديه لا تخضع لمقاييس رياضية ثابتة، بل تخضع لخلق فني يحقق الثراء، فجمالية هذا المعمار أراها تتسم بالوضوح؛ لأنه يرى أن ما يجسده من أعمال لا بد أن تكون واضحة للمتلقي الذي يعيد في قراءته تجربة المبدع فيعيشها حزنًا أو شوقًا أو أملاً… وبالتالي تتضح رؤية الكاتب.
وما أراه من وضوح في التشكيل النصي لنايف النوايسة أجزم بأن يعود إلى وضوح في الرؤية، وهذا يعني أن البناء القصصي في تشكيلاته النصية جاءت متماسكة البناء، وأن العلاقات والروابط بين عناصر البناء قد حققت في تشابكها وحدة عضوية في المبنى والمعنى، وتداخلت لتكون أعمالاً فنية يكتب لها الخلود.
وإذا تناولنا واحدًا من عناصر البناء في المعمار البنائي لأعمال الأديب القصصية، ولتكن الشخصية، فإنني أرى ملمحًا جليًا في بنائها لديه، أن شخصياته تكاد تكون منتقاه للإمتاع والتشويق، وذلك لعدة أسباب أجدها تؤكد قدرة الأديب نايف على تحليل شخصيات القصة وانتقائها لتكثيف جمالية النص القصصي، فاختيار الشخصية ورسمها وتحميلها رسائل البوح والاعتراف، فضلاً عن لذة القارئ إلى التعرف على شخصيات جديدة لا سيما إذا كانت من النوع الذي يعكس بعض القيم.
إن من يتأنى في قراءة النتاج القصصي الوفير لدى الأديب النوايسة، ليجد يترك لخياله القيام بدور مهم في رسم شخصيات القصة في المعمار البنائي، وهذا ما نعزوه إلى الفهم الدقيق للشخصية في أبعادها، وما أصل إليه أن الإبداع لدى النوايسة هو هوية ثابتة، ونبع يخوض غماره هذا الأديب البارع حين يعيد تشكيل الواقع في ذهنيته، بما يمتلك من خيال ولغة ومكتسبات عقلية، ضمن تقنية تجيز له الخروج من حيز الأنا.
وميزة أخرى ألمحها في تشكيل القاص النوايسة لشخصياته النامية في معماره الفني للقصة القصيرة، هي أن هذه الشخصية التي يشكلها لا تظهر للقارئ معالمها وأبعادها إلا في نهاية العمل القصصي، وتتعامل مع الأحداث فتسيّرها وتسير معها، وهي ليست مجرد أدوات لتحريك القصة؛ بل تمثل أحيانًا رموزًا تعكس صراعات داخلية، وأبعاداً اجتماعية، وثقافية محيطة بزمان ومكان تجري فيه.
إذاً، لا تغيب جمالية الكتابة القصصية للنوايسة في تميزها النصي عن الخصائص البنيوية المتنوعة، ولا عن الأساليب المحكمة البناء، والطرائق المبدعة المستحدثة، ناهيك عن جمالية اللغة في التشكيل النصي القصصي لديه، وجمل البداية الإبداعية في التشكيل القصصي، والعناية التامة بجمل النص الاسمية والفعلية، ومكونات البناء القصصي.
أما اللغة في النسيج القصصي لدى النوايسة فليست مجرد وسيلة اتصال حسب، بل هي أيضًا وسيلة تعبير مكثفة، وحين يوظف التكثيف في اللغة، فإنه يحقق القصر المطلوب في الحديث والحوار والفكرة والزمان والمكان، وهذا هو المطلوب في القصة القصيرة، والذي يحول دون الإطالة، وعليه فلغة التكثيف في البناء المعماري عند القاص النوايسة تعمل على توجيه الفكرة، وتعميقها، ناهيك عن فيض المعنى من خلال ما يوظفه الأديب من الكلمات المقتضبة المستخدمة في القصة، وهذا ما يعطي تكثيفاً للحياة بكلمات فيها إدهاش ومثل ذلك في جملته القصصية، كي يحافظ على متانة النص والبناء القصصي له.
وعليه، يمكنني أن أقول: أن الأديب النوايسة يجيد التكثيف، وهو فن ليس بسهل وظّف فيه الإيحاء والرمزية، فهو الأديب المشحون بالدلالة والإحساس، فلغته الموجزة والمكثفة هي بلاغة تصنع الإحساس وتوصل أفكاره في القصة، موظفًا التلميح لا التصريح.
ناقد من الأردن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي