الرئيسية / الأعداد / ديوان الشاعر شوقي بزيغ: سراب المثنى – إسماعيل محمد فال هموني

ديوان الشاعر شوقي بزيغ: سراب المثنى – إسماعيل محمد فال هموني

ديوان الشاعر شوقي بزيغ: سراب المثنى

إسماعيل  محمد فال هموني

مقدمة:

أن تجالس كتابا؛ معناه؛ أن تعيش الترحال… والسفر… والمتعة… وأناقة التفكير. مجالسة الكتاب فتح في العتمات؛ وسعى في اللامعلوم حتى تتبين الخيوط، أبيضها من أسودها. حين تسمع للكتاب، فأنت تسمع التعدد؛ وترى بأذنك ما لا تراه عينك. ترى جيشا من التفكير مدججا بالمعاني التي عكفت عليها لن تجمعها بوحدك. على حد التخوم تجد ما فاتك من الفواصل؛ وتقبض ما ظل هاربا من وعيك. حين تتخطى تلك التخوم يتربص بك اللاوعي فتغشاك عوالم التخييل ولا ترى سوى ما غمغم فيك وأنت طفل؛ ولا تسمع سوى من تراسل فيك وأنت أبعد من طفولة.

أن تقرأ كتابا، تستعيد الأصوات التي انطمرت في شقوق غائرة؛ وتسترد اللحون التي دهستها الألسن حتى تشابهت كالحجر.

ههنا نجلس لنقرأ؛ ندع الكتاب يقودنا إلى حيث يريد؛ نشخص بأبصارنا؛ نتبعه ونحن نتحسس وعينا؛ ندرك المسافات الفاصلة بيننا وبينه؛ وندغم أشكال الوعي التي تتفارز في صيغ التواشج أو التوالج من الأساليب؛ وأفانين التبالغ الجمالية.

عندها فقط؛ ندرك / نعلم أننا نقرأ، وأننا في جلسة لا تنتهك حرماتها إلا صمتا؛ وأنفاس صاعدة نحو الأعالي؛ وأخرى هابطة نحو أعماق في قاع الوقت.

كأننا في صلاة مقدسة؛ متمرسة بالخشوع؛ والامتثال النقي لصوت القداسات. نعيش النداء؛ ونقيم في الاصطفاء؛ ونولد مرات في البهاء.

نأتي من المستقبل؛ ونحن نقبض يد الحاضر غير خائفين ولا خائبين…

ديوان الشاعر شوقي بزيغ: سراب المثنى

من الشعرية الفارهة يأتي هذا الديوان يشخص فرادة الكلمة  الشعرية ؛ ويفتقها من أخيلة متفردة ؛ وشبهات لا يوفيها المعنى ملاحقة أو أسرا.

شوقي بزيع جامح متفرد في شاعريته  لا يتبع خطو أحد ؛ يخرج من أمشاج تأصلت في ذاته ؛ واخرجت ثمارها من معراجه . من ندامة اللاشيء تأتي نواته إلى الرؤيا الممعنة في المغايرة  والمخالفة . ترى من وراء الحجاب ؛ لا تضاهى في الإيحاء أو التوارد؛ أو التطفيف. يتبعه السراب ؛ و لا يتيه بين الهودج وجمر الخطيئة. يمتد بين الحرف والحرف بما يضاهي الظن أو يفوق. مراياه فاتنة لا تتشابه؛ يركب غنائية ندية متفردة في التثنية ؛ وثنائية التفرد. تجترح ما لم تأته الأوائل؛ و يقود معانيه إلى ما تجهله القوافل.

على مهل وروية يعلم السراب الطواف من بيت إلى بيت؛ ومن أرض إلى أرض كاشفا لغز المثنى ؛ يعربه موسيقى لا يدركها غير الشعراء.

يمد الكلمات من شرفات النساء ؛ ومن حكايات العابرين . لا تجف الكلمات بين يديه .كأنها نسوة قادمات من أرخبيل المسافات.

لك أن تتأمل بعض شذرات شعره من هذا الديوان الفاتن :

 

–  كلما ملت هب نحو إلتياعي

كهبوب التاءات نحو المؤنث. ( ص: 40)

 

–   نحن( الرجال الجوف)

حطابي دم الهذيان في المعنى

سعاة بريده الملتاع

في نفق القصيدة. ( ص:36)

 

–  كل رسم عروج

إلى حيث لا تبلغ العين

أو يصف الواصفون .      ( ص: 44)

 

–  الحقيقة صنو الجنون

نحن لم نبصر النهر يوما

ولا عاد من سفر .        ( ص: 47)

 

–  كان لابد من جنة أو جحيم

لأدرك أني ظهير لعفراء

في غابة الدمع ؛

لا بد من آية مثلها

كي أدل على عفتي

في المدائن . ( ص: 51)

 

–  مسراي في مرتقى الطين

ناري المصفاة من كل عيب

ومعراج قلبي

إلى سدرة لا يضاء بهاة

غير زيت الأنوثة . (ص:53)

 

–  أنثت كل ما عداي

وحينما حدقت في صباي

لم يكن يروق لي

سوى انعكاس صورتي كنرجس

في الماء . ( ص: 61)

 

–  كم أنت أجمل في الحنين إليك ؛

كم ذكرى النساء

أشد سحرا في حساب العاشقين

كم أنت بالغة الخفاء . ( ص: 70)

 

–   قبل عامين تماما

أنشبتني (تاء)كالشهقة

في خاصرة الوقت

وراحت تترامى

مثل برق مبهم الأجراس. (ص: 96)

 

–  ولدت على صورة النهر

بيضاء مثل النعاس

وصافية كاعتلال الصنوبر تحت المطر

ولدت على صورة النهر

لكنني مثله

لم تصلني جذوري بفاكهة

غير فوضاي. (ص: 104)

 

قراءة ممتعة

شوقي بزيع : سراب المثنى دار الآداب – بيروت . الطبعة الأولى / 2003

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً