أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / المشدات العشر في دبوان: “ألم… يروي غابة شعر” المختار النواري

المشدات العشر في دبوان: “ألم… يروي غابة شعر” المختار النواري

دراسات:

المشدات العشر في دبوان: “ألم… يروي غابة شعر”

المختار النواري*

 

يشدك ديوان حكم حمَدان (ألم… يروي غابة شعر، 2020)، والذي حظي باحتفائية جميلة مؤخرا (9 ماي) من طرف مجالس أكادير ومجلة مدارات الثقافية بفضاء “تادلسا ـ كيلتيرا فونتي” الثقافي، بمشدات، تُحْكِم خِناق الانتباه فلا تطلقه، وتقبض على زمام الانشداد فلا تفلته، ولا ينال الشرود في حضرتها شأفة رحمة، ولا تُسقط سماء رحمتها على السهو والتغافل عصرة قطرة.
وتتمثل مشدات الديوان في عشر:

 

1ـ غلاف الديوان:

الديوان منشطر بين لونين، يتوزعان بين الغموق والنصوع، ويجمعان بين الأرضية السوداء ـ الأصل ـ والبياض المغالب الآتي من جهة اليمين ـ الدخيل ـ وبينهما تستقر صورة الشاعر، بما يعنيه ذلك من تجادب وشد طاحن، وتنازع وصراع قاتل،  يعكس ما في نفسية الشاعر من تلبد لوني كثيف، تحمل عيناه آثارا غائرة منه، وأحزانا عميقة منحشرة فيهما.

 

2ـ عنوان الديوان: “ألم… يروي غابة شعر”

عنوان صادم لمتوقع من يبحث في الشعر عن الفرح والمسرة والبشرى، ولكنه يعبر عن جانب من حقيقة الشعر، بل عن جوهر الشعر، المتمثلة في ارتباطه بالمعاناة الإنسانية، والعمل على رصدها وحصرها، وبذلك يسجل الأدب فضله، وينشر ظله عليها. كما أن التخلص من تلك المعاناة لا يكون إلا بإخراجها ـ التعبير عنها ـ وتفجير كوامن النفس منها، مما يرقى بالتجربة الإنسانية، ويقتنص روائعها ويخلدها.

ولعل كل ذلك يجليه هذا العنوان، الذي يقرن في بدايته (ألم) ونهايته (شعر)، بالتنكير، مما يفسح المجال أمام التعميم، وبينهما لفظتان توازيانهما بالتقابل السيميائي (الألم والغابة والشعر وتروي)، وما تستجمعه لفظتا الإحاطة في العنوان وكَمَّاشَتاه من إغداق وإشباع، وانفساح وامتداد.

ولقد حاول مؤلف العنوان أن يخفي الدينامية القوية، التي تسكنه وراء التماهي خلف الجملة الإسمية، المتدثرة  بردائها، المتقنعة بقناعها، إذ يبقى الفعل المتواري بنائيا، والمتراجع مكانيا مع ما يخلقه لنفسه من فسحة (نقط البتر) كافية لذلك، هو محور الجملة، ومنبع حركيتها، ومحقق وجودها.

 

ويمكن أن نستنبط من هذا الهرم المتمحور الدلالات التالية:

فالألم يروي الغابة..
والألم يروي الشعر..
والغابة تروي الشعر      ..
والغابة تروي الألم..
والشعر يروي الألم..
والشعر يروي الغابة..

إن الألم، وكما يتجلى من خلال هذا الهرم المتمحور، مجال للإحساس لا حد له، جوهره معاناة، وأوله وخز، وآخره فظيع لا يحتمل، ولعله يستحضر الإنسان.

والغابة مجال للحياة شاسع وعميق، أوله ساحة صغيرة معشبة، وآخره امتداد ومتاهة، ولعلها تستحضر الطبيعة.

وأما الشعر فهو مجال الكتابة، يرصد الحياة، وما تعج به من أحداث وتناقضات، ويقرب الإحساس بما يفيض به من تجاذب وتضارب.

والخلاصة أن الشعر يتغنى بالإنسان والطبيعة.

ومن خلال هذا كله يوصلنا العنوان إلى أن الألم والشعر هما طرفا العملية الجوهريين، وتيمتا الديوان الأساسيتين، وركيزتا الحياة من وجهة نظر الأنتليجنسيا الثقافية، وخلاصة التجربة الإنسانية. وما الحياة ـ الطبيعة أو الغابة ـ إلا ميدان يتجسد فيه الألم، ويتولد عنه، ويُعتَّق، ويستخلص، ليولد شعرا.

 

3ـ الإهداء:

تفتح الاداءات في غالب الأحيان بالحرف “إلى“، الذي يفيد عند النحاة الغاية والتحصيل، غير أنه يجب أن نفهم بأن التوظيف اللغوي لأي لفظة، واشتراطات ذلك التوظيف وسياقاته، هي التي تحدد، وقد تجدد، الإفادة، يتوافق النحاة، أو تُوسَّع الدلالة، التي توصلوا إليها، أو تُغيَّر. وينطبق هذا على الحرف “إلى“، الذي تفتح به الكثير من البدايات، فيبدأ مع تحديد الغاية، ولا يقف عندها، لأن الغاية تحديد وحصر، وتحصيل وتوصيل، غير أن “إلى” في الإهداء تفيد الولادة، وتفتح المسار، ولا تؤمن أبدا بأن له غاية، أو نهاية، بل إن غايته تتجدد وتتطور، ونهايته تتبدل وتتغير، بتجدد المُهدى ومحتواه وتطوره واغتناء دلالاته وتبدلها وتغيرها محكومة في كل ذلك بنوع القارئ وسياقاته وخلفياته وغاياته من القراءة وأفق توقعه ومضاري وسعه. وهي أمور تتغير، إن قليلا أو كثيرا، مع كل قارئ.

ويأتي الإهداء في ديوان حكم حمدان هذا موزعا على سطرين، يتربعان على طول الصفحة، تفرق بينهما مسافة، تزيد على ثلاثة أسطر. وصورته:

إلى روح نعيمة حمدان..شقيقتي في الحياة…والموت..

هذا الديوان….

وهكذا فالتفاعل الروحي (إلى روح) مع المهدى إليها (الشقيقة نعيمة)، ورسم مساحات ذلك التفاعل (الحياة والموت)، واغتناء المهدى (الديوان) بعدد نصوصه الستة والخمسين (56)، ومقاطعه المائتين والسنة والتسعين (296)، وسطوره الألف والمائتين والأربعين، يفتح آفاقا رحيبة، ولا متناهية، بسبب التجدد والتغير والتطور، الذي يطال الأطراف الأربعة كلها ـ روحا وحياة وموتا وديوانا.

وتزيد من شساعة الفتح وقوته نقط البتر، التي رصفت أربعة مقاطع من الإهداء، وبأحجام مختلفة ـ نقطتان ثلاثة أربعة ـ ولا أدري أيصح أن نسمي غير الثلاث نقطا للبتر؟! وماذا سيُسمى غيرها: الاثنان والأربع؟! وهل هي متواضَع على استعمالها؟ أم أنها من اجتهاد المؤلف؟! وماذا يعني النقصان والزيادة في النقط؟ هل هو تقليص وتمديد للبتر وللحجم المبتور المفترض؟!
لن أغادر الإهداء دون أن أشير إلى اللغة الشعرية والبناء التأليفي وطريقة الرصف والتصفيف والعرض، وما تسطره من مخالفة للمتعارف ـ النثري والشعري ـ لأنه وبالمناسبة فللإهداء لغة قارة، تُستعمل مع فنون التصنيف المختلفة و ألوانه، بشكل يجعل له ـ أي للإهداء ـ اعتبارا خاصا، يحوز الاعتراف المعلن والمادي من خلال تخصيصه بصفحة مستقلة.

4ـ العناوين أرقام:

لا أدري أي سبب يجعل الشاعر حكم حمدان يصر على الانفلات من قواعد العنونة، والتملص من تقاليدها؟ أيبني تقليده الخاص ربما؟!

حسب علمي فهو تقليد غير مسبوق في الشعر، على الأقل. فقد جرت العادة أن تعنون القصائد باللغة، وهو الغالب، وحتى حينما يتم اللجوء إلى طرق أخرى للعنونة، وهي نادرة، يكون ذلك ضمن التنويع مع العنونة اللغوية الغالبة، كأن تُعنون بالرقم المكتوب باللغة، أو بالرقم، أو بعلامة الترقيم ـ ؟ ـ أو بفراغ ـ دون عنوان ـ غير أن حكم حمدان كانت له وجهة نظر أخرى، ثورية إلى حد ما، بترقيم قصائده من 1 إلى 56 بالأرقام. ولعل في هذا نوعا من الإصرار على تشيئ القصائد، وإفقادها هويتها اللغوية، ومنحها هوية رقمية، تتحدث لغة أو نظاما إشاريا، لا تحمله لغة القصائد ـ الرقم ـ ولا تفيد أية دلالة لغوية خارج دلالة الترتيب والتنظيم، التي يمكن أن تساعد على القراءة، وأن توجهها في اتجاه معين، أو أن ترجح لها منحا دلاليا ما.

وأقل ما يقال عن عناوين قصائد هذا الديوان بخاصيتها الرقمية، أنها تعرضت للتجريد من هويتها اللغوية، وأسقطت عناوينها بالتعمد، وصُودر حق من حقوقها الأساسية. إنها قصائد معراة مما يمكن أن تُعرف به ويُعَرِّفها، وتتعرض لاعتداء على خصوصيتها.

إن حكم حمدان، وهو يخرج هذه القصائد إلى الوجود، يحرمها مما يمكن أن تُعرف به وتُسمى، وتحمله معها، وهي تخرج من عهدة الشاعر، ويرافقها في كل مسارها الوجودي، وهي تنتقل بين القراء من عهدة إلى عهدة. لقد أوغل في حرمانها من قرابتها من خصوصيتها الإنسانية، وإغراقها في التشيئ وإكسابها الطابع المادي، لتصبح رقما، بما يعنيه الرقم حين يُطلق على الأشخاص في المعاملات الإدارية والأرشيفات والسجون والمستشفيات والمصحات والمقابر، في مؤسسات همها الأكبر تسجيل الإنسان، وإفقاده خصوصيته وهويته الآدمية.

إن الرقم، الذي تحمله كل قصيدة من قصائد الديوان، لا يساعد، ولن يساعد، على استذكار النص الوارد تحته، ولن يخلق تلك العلاقة الحميمية، وذلك التقارب في الهوية، التي تنتج بين هويتين: هوية الشاعر وهوية النص، وبعدهما هوية القارئ وهوية النص، وتنجح في خلق ترابط روحي ومعنوي، وتواصل وتعالق على مستوى الوجودين: المعنوي ـ الفكري والروحي ـ والمادي ـ التشكل اللغوي والتصفيف الشكلي.

إن الشاعر وهو يقوم بدور ترقيم القصائد، يعتدي على دور من أدوار القارئ والناشر والدارس، وينازعهم فيه. هؤلاء الذين عادة ما يمنحون أرقاما للقصائد، وهم يتحدثون عنها، لتبيان موقعها في الترتيب، وتقديم مزيد من المساعدة لتيسير ضبطها، والتعريف بها، ويتخلى عن دوره الأساس، الذي لا يزاحمه عليه أحد، ولا ينازع فيه، ذلك هو العنونة اللغوية للقصيدة.

 

5ـ إسقاط أرقام الصفحات:

لم نسترط بعد تجريد القصائد من عناوينها اللغوية، وما فيه من إفقادها هويتها، وإطمار ذلك الترابط المعنوي بينها وبين منشئها وقارئها ـ الكائن الآدمي ـ حتى سقطنا في مطب أدهى وأمر، اذ أصر الشاعر على ألا يرقم صفحات ديوانه، مما يضع القارئ والدارس أمام صعوبة إحالية، لن يعرف طريقا للخروج منها، لأن معظم القصائد أتى في صفحتين، ومنها ما أتى في ثلاث وأربع، فكيف ستكون الإحالة عليها؟

 

6ـ غياب فهرس الديوان:

دأب الشعراء على إحكام توثيق دواوينهم بوضع فهرس لها، يتضمن عناوين القصائد، وأرقام صفحات تواجدها من الديوان، يلحقونه بأول الديوان، أو بآخره، ولا ضير، فالأهم وجود الفهرس للاسترشاد به في التعامل مع الديوان. ولم تخل منه إلا “الدواوين ـ القصيدة”، ذلك أن القصيدة الواحدة وفي غالب الحيان لا تحتاج إلى فهرس.

غير أن الشاعر حكم حمدان، وإن لم يكن ديوانه قصيدة واحدة، بل كان ستا وخمسين قصيدة، فقد أراد أن لا يوجد لنا فهرسا، وأن لا يساعد القارئ به، وربما اعتقد أن ترقيم القصائد يجعله في غير ما حاجة إليه؛ كما أن وضع عناوين بدون صفحات يفقد الفهرس أية فاعلية. وهنا نتساءل: ألم يكن الشاعر يدرك تقاليد التصنيف وأساسيته؟ ألم يكن يقدر أهمية الفهرس في كل تصنيف؟ هل كان يصعب عليه إنشاء فهرس؟

الجواب عن كل ذلك بالنفي، ولذلك فإنه يجب أن يفهم أن كل غير المتوقع ذاك، الذي صدر عن الشاعر المؤلف والمصنف، إنما صدر منه تعبيرا عن موقف، وعكسا لرد فعل، ربما يكون سببه رفضا لتقاليد التصنيف والتأليف، والثورة عليها، برفضها أولا، وتقديم بدائل عنها. فصفحات بدون ترقيم بديل، وديوان خال من الفهرس بديل، وكل قصائد الديوان معنونة بأرقام بديل كذلك. ولا أرى داعيا للرفض، وتقديم البدائل، سوى حجم الألم والمعاناة الداخلية ـ النفسية والوجودية ـ والمعاناه الفكرية ـ الإبداعية ـ والمعاناة الواقعية ـ الأوضاع المعيشية، وتقلبات الأمور ومجرياتها، داخليا وخارجيا ـ التي تدفع الشاعر إلى النظر إليها باستغراب غير المتعود عليها، وتشكيل جبهة داخلية لرفضها، والتصدي لها.

وفي حال غياب الموقف الجماعي، الذي يطبعه الاستنكار المشوب بالخذلان، والمحبوك بمؤامرة الصمت، والتواري خلف تكتيك التهرب، وتحطيم أرقام قياسية في الهروب إلى الأمام، والتباهي بالمواقف الجبانة والصادمة، وإتقان مهارات المخادعة والمخاتلة.

إنه واقع ينسف أبسط المبادئ، ويخلخل أساسيات القناعة، مما يدفع الشاعر إلى الاستهتار بأبسط مبادئ التأليف، وأوليات التصنيف، قياسا على استهتار الواقع، لعله يعبر عن شيء من اللاستقرار، والتشكيك العارم، وخلخلة الثوابت.

 

7ـ العبث بتقاليد الإخراج والتصنيف:

كل غياب للاستقرار يتولد عنه الاستهتار والعبث، وما نسجله مرة ثانية على مستوى الإخراج التصنيفي للديوان، ذلك أن أساسيات التصنيف ونظمه وتقاليده، قد عبت بها حكم حمدان، وقدمها على هواه، لعل ذلك يحمل عنه بعضا من الألم الكافي لروي غابة من الشعر. فقد زحزح صفحة الغلاف الداخلي عن موقعها، وقدّم عليها صفحة المعلومات التقنية ـ صفحة الحقوق ـ وجعل صفحة الغلاف الداخلية تالية لها، وجعل الإهداء في ظهر صفحة الغلاف الداخلية، مع أن العادة جرت بأن يخصص بورقة وحده، يحتل وجهها، ويسود البياض في ظهرها.

ومن هذا الرصد نصل إلى أن الألم لم يكن فقط كافيا لروي غابة شعر، وإنما ليروي كل عوالم الشاعر، بما في ذلك عالم التأليف والتصنيف، وليس المقصود بالروي دائما المد بأساس الحياة، فالروي قد يكون مضرا، وقد يكون سميا حتى.

 

8ـ حجم القصائد:

يحتوي الديوان على ست وخمسين قصيدة، تختلف أحجامها بسبب هذه المقاطع المكونة لها، والتي تتراوح بين ثلاثة مقاطع كحد أدنى وإلى خمسة عشر مقطعا كحد أقصى.

عدد المقاطع 3 4 5 6 7 8 9 13 15
عدد القصائد 2 19 20 8 3 1 1 1 1

 

ومن هنا يتبين أن معظم القصائد تراوح حجمها بين أربعة مقاطع وخمسة وستة، فهذا هو الحجم السائد عند حكم حمدان في هذا الديوان، وهو أمر يحكم عليه بالتوسط، فلا هو بمن قصّر النفَس، ولا هو بمن أطاله، مما يقصي صورة الغابة، التي أطلت علينا منذ الصدام الأول مع الديوان ـ العنوان ـ ولا يسمح لها بالتمدد على مستوى الحجم، بل إنه يحاصرها، ويضغط حجمها حتى تستطيع أن تستوعبه هذه الأحجام المتوسطة لقصائده.

وكل ذلك لا ينفي قدرة القصائد على احتواء غابة من الألم، مما يجعل كل مقطع، وكل سطر فيه، وكل لفظة داخله، وكل علامة ترقيم، تفصيلها شجرة وارفة من الألم.

 

9ـ الشكل الكتابي:

مرت القصيدة العربية في تاريخها الطويل، الممتد لعشرات القرون، من محطات، حكمت شكلها الكتابي، إذ كانت بدايتها مع البيت (القصيدة)، ثم الشطر (الرجز)، فجمعت بين التوحيد وبين التنويع بالجمع بين البيت والشطر مع المطلع والغصن والدور والقفل أو الخرجة ومع الأقسام أيضا (الموشح). ولعل هذا التنويع في الأشكال، والتقسيم في الموشح، والذي كان وراء بداية تأسيس النظام المقطعي، ثم ليصل إلى شعر التفعيلة، أو ما أفضل تسميته ب”الكتابة السطرية”، وضمنها ندرج كل الكتابات ذات الشكل السطري، وزنية كانت أم غير وزنية (قصيدة النثر).

وأما حكم حمدان فقد اعتمد في هذا الديوان الكتابة السطرية، وحاول أن يدخل من خلالها شيئا ما من التحديث على مستوى الشكل الكتابي، بتحويل الكتابة البيتية والشطرية إلى كتابة سطرية، تستند إلى الوحدة السطرية، وإدراك مختلف لهذا المفهوم، والشكل الكتابي المعتمد على السطر، الذي يعتبر أصغر تشكل كتابي، عليه، وبكم معين، يُبنى الشكل المقطعي، وبعزله موقعا، وفصله ببياض كتابي، يتقدمه ويتخلف عنه، ترسم حدوده، ويحد حجمه، ويتحول المقطع بدوره بحجم وكم معينين إلى أساس بناء شكل القصيدة، وهو ما حاولت النقطة السالفة ـ حجم القصيدة ـ مقاربته من زاوية مختلفة.

ويتكون الديوان ـ “ألم… يروي غابة شعر” ـ من ألف ومائتين وأربعين (1240) سطرا، تشكل مائتين وستة وتسعين (296) مقطعا، هي عماد ست وخمسين (56) قصيدة، التي تشكل مجموعة قصائد الديوان، ويمكن أن نميز في الديوان بين ثلاث مستويات:

أ ـ بين النص والمقطع:

يجمع هذا الديوان بين ست وخمسين (56) قصيدة، أصغرها حجما القصيدة “43”، المكونة من ثلاثة مقاطع بعشرة أسطر؛ بينما أكبرها حجما القصيدة “48” بخمسة عشر مقطعا وبأربع وستين سطرا.
ومعظم النصوص هي ما تشكلت من خمسة مقاطع: 20 قصيدة (6 ـ 9 ـ 10 ـ 12 ـ 17 ـ 20 ـ 21 ـ 26 ـ 32 ـ 33 ـ 35 ـ 37 ـ 38 ـ 39 ـ 41 ـ 42 ـ 44 ـ 45 ـ 50 ـ 54)؛ وبعدها من أربعة: 19 قصيدة (2 ـ 4 ـ 5 ـ 8 ـ 13 ـ 18 ـ 19 ـ 24 ـ 25 ـ 27 ـ 28 ـ 29 ـ 36 ـ 46 ـ 47 ـ 49 ـ 51 ـ 53 ـ 55)؛ ومن ستة: 8 قصائد (3 ـ 11 ـ 16 ـ 22 ـ 23 ـ 31 ـ 40 ـ 52)؛ والباقي لا يكاد يتجاوز ثلاث قصائد: سبعة مقاطع (1 ـ 14 ـ 30)؛ والأغلبية جاءت في قصيدة واحدة (ثمانية مقاطع (القصيدة “7”)، وتسعة (القصيدة “34”)، وثلاثة عشر 13 (القصيدة “56”)، وخمسة عشر (القصيدة “48”).

ولعل الشكل الكتابي للنصوص لا يكاد يتجاوز نمطا عنوانيا واحدا (الرقم بالعدد)، وتشكلا من مقاطع، يغلب عليها التوسط، مما يسمح للشاعر ألا يأخذ وقتا كثيرا في القراءة، ولكنه سيأخذ كل الوقت في شحن القارئ بجرعات، تجمع بين الجمال المكاني الطبيعي ـ الغابة ـ وبين الجمال الفكري التعبيري ـ الشعر ـ وبين التراكم النفسي الكبير، الذي يأبى إلا أن يبقى حبيس الذات، مضاعفا المعاناة ـ الألم ـ ويقاس وقت شحن القارئ، وتفاعله مع النص، وانفعاله به، بما أخذه من الشاعر من وقت لترويض الألم، وحصر المعاناة، وإحكام القبضة عليها، من أجل الاقتدار على نقل صورة عنها إلى خارج الذات بواسطة الشعر.

ب ـ بين المقطع والسطر:

إذا كان البناء المقطعي للقصيدة يستمد جذوره الأولى من شعر الموشحات في البيئة الأندلسية والمغربية من الغرب الإسلامي، ثم يلفته الشعر الغربي إلى ما فيه من تقسيم مقطعي معتمد في قصائده، وينقل عنه بدايات محتشمة مع الشعر الكلاسيكي النهضوي العربي، ويعمق حضوره مع شعراء الرومانسية العربية بتجارب متنوعة وغنية، ثم يترسخ مع شعر التفعيلة والتقسيم المقطعي تقليدا فنيا، لا يمكن تجاوزه من لدن الشعراء، الذين أتوا بعده، وقد اجتهد الشعراء في حجم المقاطع، ولم يكن له سقف أدنى ولا أعلى يحده. كما اجتهدوا، واجتهد معهم الناشرون، في إيجاد ما يفصل بين كل مقطع وآخر (بياض ـ نجمات ـ زخارف ـ رقم…). كما أنه لا يجب أن ننسى بأن التصفيف المطبعي قد ساعد على الاستجابة لدواعي التقسيم المقطعي للقصائد، وساعد على إبرازه، ويسر سبل تنفيذه. فمتصفح دواوين الشعراء قد لا يعدم أمثلة كثيرة على ذلك، نذكر من بينها ما ورد في ديوان محمود سامي البارودي وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي ومطران خليل مطران وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمه وأبي القاسم الشابي وإيليا أبو ماضي وعلي محمود طه وبدر شاكر السياب وغيرهم.

وبرز التشكل المقطعي داخل القصائد الشعرية بشكل خاص لدى الشعراء الشباب، الذين تصدروا الساحة الشعرية العربية خلال التسعينات، وما بعدها وإلى يومنا هذا، وخاصة الذين حافظوا على الإيقاع الخليلي، وتشبتوا به، وآمنوا بأن له من القدرات ما لا يستطيع الشعر الحر، أو قصيدة التفعيلة، تجاوزه، وأحرى طمسه. وتبقى مهمة ذلك منوطة بالشعراء، الذين لهم من القدرات الفنية، والطاقات الإبداعية، ما يستطيعون به إضفاء لمسات حداثية، تجعله قادرا على مسايرة متطلبات العصر، واشتراطات الحداثة، وإثبات جدارته في هذا الجانب، بالقدر الذي لا يستطيعه غيره من متزعمي الحداثة، ومستصدري حق التحلي بصفاتها، والانتماء إلى مسارها، من غيرهم.

وهو ما نجحت طائفة من الشعراء الشباب في الفترة المذكورة على النهوض به، والعمل على إبرازه، وابتكار وسائل وأساليب لا تتعارض مع الإيقاع التفعيلي، وإنما تطوره، وتولد منه إمكانات، تجعله مسايرا للعصر، قادرا على منابذة أنداده، وإثبات قدرته على التجدد والتطور والتغير والخلق والإبداع.

فكان أحد تلك الأساليب هو المقطع الشعري، الذي غدا وحدة إيقاعية جديدة، قادرة على التلون في حجمها وشكلها ونظامها، ومن خلال ذلك اختلقت قواعدها، ووضعت قوانينها، وما يزت بين قدرات الشعراء بهذا الصدد فكان تفوقهم رهينا ببراعاتهم في توظيف المقطع، ومهاراتهم في تلوينه وتنويعه.
إن البناء المقطعي تصور بنائي وأداة تشكيلية، تلعب دورا مهما في وضع أسس جديدة للنص، وتبنى على خلفية تصورية له، لم يكن يوفرها البناء التقليدي التقصيدي، ولا الرجزي، ولا التوشيحي، خرج من حفريات الشاعر الحديث والمعاصر، وجاء نتيجة لبحثه المتواصل عن إمكانيات بنائية، تساعده على التعبير مما يوافق حاجياته ومتطلبات عصره، والتي لا يمكن أن تكون متوافقة مع حاجيات ومتطلبات من تقدموه، ولن تسعفه في نقل تطلعاته، وعكس ما في دواخله.

على هذا يجب أن يُفهم البناء المقطعي، وتلك هي الحاجيات التي أراد الشاعر من خلاله أن تُلبى، ويُعبر عنها من خلال البناء المناسب لها.

ومن هذه المنطلقات بعث الشاعر المغربي حكم حمدان في اختياره للبناء المقطعي لقصائد ديوانه، فهل سيكون موفقا في اختياره؟ وهل ستسعفه طاقاته الإبداعية على بلورة أنظمة مقطعية، تكون أكثر تعبيرية، وتعكس الروح الجمالية والفنية، التي أرادها لها؟

ذلك ما سنرى من خلال تتبع التشكلات المقطعية في مجموع قصائده الست والخمسين، التي حواها ديوانه “ألَمٌ… يروي غابةَ شِعر”.

تراوح عدد المقاطع في القصيدة الواحدة، وكما سلفت الإشارة، بين ثلاثة و خمسة عشر، وبلغ مجموع مقاطع الديوان مائتين وستة وتسعين (296)، موزعة على ست وخمسين (56) قصيدة، وتنوع تشكل المقطع من حيث الأسطر، التي تكونه، فكان ما بين السطرين والستة أسطر. ومن القصائد ما توحد حجم مقاطعها، فتشكلت كلها من حجم مقطعين واحد، تكرر على طول القصيدة، وتحقق هذا في المقاطع ذات السطرين في قصيدتين (“45” ـ “50”)؛ والمقاطع ذات الأربعة أسطر في ثلاث قصائد (“11” ـ “49” ـ “54”). ويدل هذا على نوع من الوعي العميق والمقصود بمكون المقطع كتشكل للقصيدة، وأهمية توحيده، ليعطي القصيدة انسجاما مقطعيا.

غير أن هذا التوحد كان قليلا، إذ لم يكد يتجاوز عُشر قصائد الديوان، فاقتصر على خمس قصائد، ولكن الغالب هو التنويع في المقاطع وبالأحجام المختلفة، فجمع التنويع بين الحجمين والثلاثة والأربعة.

ففيما يخص التنويع المقطعي بين الحجمين المتقاربين بين الثلاثة والأربعة (2 ـ 3 ـ 5 ـ 25 ـ 43 ـ 47)، وبين الأربعة والخمسة (4 ـ 6 ـ 9 ـ 15 ـ 16 ـ 18 ـ 21 ـ 24 ـ 26 ـ 27 ـ 29 ـ 31 ـ 33 ـ 34 ـ 35 ـ 36 ـ 37 ـ 38 ـ 39 ـ 40 ـ 42 ـ 44 ـ 46 ـ 53 ـ 55)، وبين الخمسة والستة (“28”). وقد يخفف هذا التنويع، وبهذا التقارب، من قوة النقلة، وشساعة الفارق، فيخفف من طول نفس القارئ. وتحقق التنويع المقطعي بين الحجمين المتباعدين، ومن خلال تجميعين: الثلاثة والخمسة (23)، والأربعة والستة (51). وقد زاد استعمالهما على قلتهما من تكريس عمق الوعي بالتنويع وشروطه.

وأعطانا هذا التجميع نظاما مقطعيا جاء على صورة:
وأما التنويع المقطعي بين الثلاثة أحجام، فكان على ثلاثة تشكلات، كلها متقاربة:

ـ بين الاثنين والثلاثة والأربعة، في قصيدة واحدة (“1”)؛

ـ وبين الثلاثة والأربعة والخمسة، في سبع قصائد (“12” ـ “13” ـ “14” ـ “19” ـ “20” ـ “48” ـ “56”)؛

ـ وبين الأربعة والخمسة والستة، في سبع قصائد أيضا (“10” ـ “17” ـ “22” ـ “30” ـ “31” ـ “32” ـ “41”).

ويزيد هذا التقارب الحجمي، وبهذا الترتيب التصاعدي الرياضي الممكن، من تعميق شدة الوعي عند الشاعر بالمكون المقطعي في القصيدة، والقواعد التي تحكمه، والإواليات التي يشتغل بها، فإن لم يكن للشاعر بذلك وعي نظري، ولا قدرة على ترجمته وتبليغه، فذاك دور الدارس والناقد.

وللتنويع المقطعي درجة قصوى عند حكم حمدان، يجمع فيها بين أربعة أحجام ـ الثلاثة والأربعة والخمسة والستة ـ ولم يتحقق ذلك إلا في قصيدتين (“7” ـ “52”). ولم يكن لحجم القصيدة دور كبير في ذلك، لأنه تحقق في ذات الطول النسبي: (قصيدة (“7”) بثمانية مقاطع: 4. 4. 4. 3. 5. 4. 4. 6)؛ وفي ذات التوسط الحجمي: (قصيدة (“52”) بستة مقاطع: 3. 4. 5. 6. 5. 5) .

وأما التنويع في الحجم المتباعد فلم يكن له أي حضور.

لقد فتح التنويع الحجمي في المقطع إمكانية منحه هوية مقطعية خاصة بكل قصيدة، يختار لها بنيتها التشكلية التي تناسبها وتفرضه، مما يجعلنا أمام تشكلات عديدة، قليلا ما تتكرر في قصيدتين، ويمكن ان نميز في هذه التنويعات المقطعية بين مستويين:

ـ مستوى الانتظام المقطعي، الذين نجده في نظام التناوب، ويأتي بتشكلات تناوب متعادل متجمع بكم ثنائي، وقد ورد عند الشاعر في القصائد ذات المقاطع الرباعية: القصيدتان “24” و “36” (5.5. 4.4)؛ ثم “46” و “53” (4.4. 5.5). ويمكن ألا يتحقق الا في القصائد ذات المقاطع بعدد زوجي.
وفي مقابلها التشكلات المقطعية المتناوبة بشكل غير متعادل، ويمكن أن يتحقق في القصائد ذات المقاطع بعدد فردي وبعدد زوجي. من ذلك ما جاء في قصيدة ثلاثية المقطع “43” بصورة (3. 3. 4). ومنه ما جاء في قصائد رباعية المقطع على صورة: (3. 3. 3. 4) في القصيدتين “2” و “25”؛ وعلى صورة (4. 4. 4. 3) في القصيدة “47”؛ وعلى صورة (5. 5. 5. 4) في القصيدة “4”، وغير ذلك مما لا يسمعه المجال. كما تحقق بصورتين معكوستين في قصيدتين خماسيتي المقطع: “38” (4. 4. 5. 5. 5) و “26” (5. 5. 5. 4. 4).

وقد نجح الشاعر في خلق تشكيلات مقطعية كثيرة، اعتمدت التناوب بشكل فردي او بشكل ثنائي، ليس هذا محل استعراضها.

ج‍ ـ في السطر بين الكلمة والعبارة والجملة:

تأسس الشكل الكتابي في شعر التفعيلة، أو ما سُمي بالشعر الحر، على الفلسفة السطرية، التي حررت الشعر من الكتابة الشطرية، لتدخله في دائرة من التنويع لا حصر لها، ولتولد أحجاما من السطر، عليها انبنت المقاطع.

ولم يكن المقطع، وكما يتوهم الكثيرون، إجراء تقطيعيا للمادة الشعرية، وخاصة البيت، أو المجموعة المحدودة من الأبيات، وتقديمها بصورة سطرية، محاصرة بين علامتين مميزتين لها، تحصران بدايتها ونهايتها، وتصفيف تلك المادة تصفيفا سطريا تقنيا، أقل ما يقال عنه أنه غبي، وإنما هو إعادة تشكيل المادة الشعرية، وإكسابها ولادة جديدة، وخلقها خلقا آخر، مختلفا عن الأشكال القديمة، بروح تسكن الشاعر، ويستمدها من سياقات عصره، وتحكمه، وتنعكس لديه مهارة مقننة بمجموعه من الضوابط، التي يمكن الاحتكام إليها، لقياس مدى نجاح الشاعر في تنزيلها، أو فشله. ومن تلك الضوابط اختلاف حجم الأشطر، وأولاها بالأهمية تحكيم ضابط المعنى، والاحتكام لتفاصيله وجزئياته، وإخضاع السطر لها، الذي يولد متلبسا بالمعنى، مقاسا بقياسه، فلا يزيد عنه ولا ينقص، ولا يفيض ولا يغور.

وثاني الثوابت اختلاف حجم الأسطر، وتباين درجة اختلافها، بدءا من السطر البياض، إلى المكتفي بعلامة الترقيم، فالكلمة، ووصولا إلى الاشتمال على الوزن التام، وربما بزيادة عليه. وقد لا ترقى إلى هذا المستوى تلك التقطيعات السطرية الخاضعة للتشكلات الإيقاعية التقليدية ـ جزءا من شطر أو شطرا ـ ولا تلك المتساوية الأسطر، المتعادلة الأحجام. وقد تزل عنه زللا فادحا تلك التقطيعات العشوائية، التي تتوقف عند نهاية الكلمات والعبارات، وربما حتى الجمل، دون إقامة أي اعتبار للمعنى، ولا لفلسفة بنائه، ودونما اعتبار لأهمية الوقفة، ودورها في تعديل المعنى والدلالة، التي تكون بغيابها، وفي حال الاسترسال القرائي، لأن الوقفة تضع الكلمة، أو العبارة، أو الجملة، في سياق قرائي جديد، ما كان لها ساعة الاسترسال.

وتأتي الكتابة السطرية، أو نظام السطر، مكونا رئيسيا من مكونات تشكل القصيدة عند حكم حمدان، بحيث تراوحت أحجام قصائده ما بين عشر أسطر، كحد الدين ادنى “43”؛ وأربعة وستين سطرا، كحد أقصى “48”. وتراوح حجم السطر بين الكلمة الواحدة (متى “1” س 9)، وهو كثير، وبين سبع كلمات: ولا عيش أحلى.. من الغوص حرا (“50” س 3)، وهو نادر جدا. وقد أتت العديد من الأسطر عبارة عن كلمة، وكانت لها جمالية خاصة بفرادتها وعزلها، ودلالتها وهي معزولة تصوح بذاتها يمينا وشمالا، وتخرج كل ما بداخلها، ثم تقاس إلى ما فوقها وتحتها، وتتشابك لتجدد ذاتها ودلالتها، وتقول أشياء لم تكن قد قالتها وهي معزولة. يقول في “12” م 2:

“أعيدي على مسمعي…
جملة…
تهدئ كينونتي الجامحهْ”

وقال في “27” م 2:

“وغرفةٌ..
وَسِعتْ حُلما يراودني..
وقهوةٌ..
تنتشي.. إن قبَّلتْ سُكّرْ..”

ومن هذا يتبين أن الولادة الشعرية تتحقق من الأدنى إلى الأعلى الكلامي، ومن البسيط إلى المركب التركيبي، فيرى القارئ كل قصيدة تنبع من خلال شظايا اللغة، فتتكاثر وتتكاثر، وتبني ذاتها فرادى وجماعات، وتسبل خيوطها حتى يكتمل نسيجها، يرفوه الشاعر بحسن سهره عليه، ولطيف رعايته له، وشدة اهتمامه به. فتنتهي رداءا جميلا، يتباهى به الديوان، وتتزين به صفحاته، التي تريد ان تكون واحدة، لا تتكرر، ومستقلة غير تابعة، وأبية غير خاضعة. ولذلك رفضت أن تحمل رقما، يجعلها تابعة خاضعة.

ولم تكن بعض التقطيعات موفقة، فكان يبدو منها اختلالا على مستوى تساوق التراكيب، وانسجام أجزاء المعنى، وتناغم التقسيم. ومن الأمثلة على ذلك:
يزداد..
فوق الذي..
ينتابك الشبق (“33” م1) ـ
ومثال آخر:
لنا موعد..
بعد شهر..
ونيّفِ..
ليُكمل نصفُكِ..
بالحب..
نصفي.. (“41” م 1)، وغيرهما.

وقد ارتبطت الكتابة السطرية بعلامات ترقيم  كالفاصلة (“46” س 2 ـ “48” س 4 ـ “52” س 5 ـ “56” س 1، 4، 6، 8، 10، 15، 16، 18، 21، 23، 24، 26، 30، 31، 34، 35، 37، 39، 40، 43، 45، 50، 52)، ولا أدري لِمَ لَمْ ينتبه الحس بها إلا في نهايات الديوان، وخاصة في القصيدة الأخيرة منه؛ والنقطتان التفسيريتان (“23” س 4، 6 ـ “46” س 6 ـ “47” س 5 ـ “48” 17، 33، 49 ـ “51” س 13 ـ “52” س 2)، والقوسان (“15” س 13 ـ “16” س 7)، والمزدوجتان (“23” س 5 ـ “24” س 4 ـ “27” س 17 ـ “30” س 30 ـ “46” س 7، 8 ـ “47” س 6 ـ “48” س 17، 33، 50، 55 ـ “51” س 15)، والخط المائل (“17” س 11)، وعلامة الاستفهام ( “11” س 5 ـ “34” س 3، 8 ـ “43” س 5 ـ “44” س 1 ـ “47” س 2 ـ “52” س 5)، وعلامة التعجب (51 س 4)، وبكم قليل جدا، ومنها النقطة ()، والنقط المتتابعة بشكل لافت، فاستعملت منها النقطتان والثلاثة والأربعة، وإن كنا نعرف أن الثلاثة للبتر، فلازلنا نحتاج إلى معرفة موجب استعمال الاثنين والأربعة. وكانت تتخلل السطر، أو تختمه، في الغالب، وكان النص متخما بها، ولم تعف منها إلا نهاية بعض المقاطع (“1” م 21 ـ “3” م 3 ـ “4” م 1 ـ “5” م 2 ـ “11” م 2، 3 ـ “12” م 1 ـ “14” م 1 ـ “30” م 6 ـ “45” م 1، 2، 3، 4، 5 ـ “46” م 2 ـ “48” م 2، 3، 4، 5، 6، 9، 10، 11، 12 ـ “49” م 1 ـ “50” م 1، 2، 3، 4، 5 ـ “52” م 2، 3 ـ “53” م 2، 3 ـ “55” م 1، 2، 3 ـ “56” م 1 إلى 12).

وأما نهايات القصائد فكان الإعفاء نادرا (“5” ـ “53” ـ “55”).

فهل بعد كل هذا التتبع نقل بأن النقطة كانت سيدة علامات الترقيم في قصائد حكم حمدان، وهي كذلك في الكثير من الشعر الحر والمعاصر، ألا تستحق من القارئ التوقف؟ ثم التساؤل؟ وهل نعيد إلى الواجهة طرح الأسئلة حول علامات الترقيم في الشعر أية ضرورة؟ وما دواعيها إن كانت؟

وبالانتقال إلى مستوى العبارة بعد اللفظة في السطر الشعري نسجل أن للعبارة حضورا كثيرا في أسطر القصائد الستة والخمسين، إذ قد تحتل المقطع أحيانا كله، جاء في القصيدة “38” م 4:
أعيد اكتشافي..
وفي البال..
يغفو
جواب ..
يضاجع فوضى سؤالك..

ومثال من القصيدة “44” م 3،:

“ورغم…
فرصة ترويضي..
لدهشتها..
أجلت ذلك حتى…
موعدي العاشر…”

وقد يكون السطر جملة تامة، كما في المقطع الحادي عشر من القصيدة “48” م 11:

“لا تقتلوا..
لا تسفكوا دم حرّة..
أنّتْ…
لكي تلد العراق…
وترضعه”.

كانت هذه الوقفة الطويلة مع ألوان الكتابة الشعرية عند حكم حمدان باعتماد القصيدة والمقطع والسطر، المشتمل على العبارة واللفظة، وحاولت أن تبرز هذه الأشكال الكتابية مع الشعراء العاصرين، ودرجة وعيهم بها، وإتقانهم لها، فكان لحمدان من ذلك نصيب.

 

10ـ فواتح القصائد السياقية:

تحاول قصيدتان من الست والخمسين أن تتخذ لها فواتح سياقية نثرية تتربع على أول القصيدة وتنتحي إلى جانبها الأيسر لا أدري أإحتراما؟ أم تركا للمجال ـ الشعر ـ  الذي ليس هو مجالها؟ أم إصرارا على التفرد والتميز؟

وكيفما يكون الحال فإنها تسجل حضورها، وتتخذ موقعها، وتجعل من نفسها إحدى بوابات النص الأساسية، التي لا يمكن اقتحامه دون المرور عليها، والدخول عبرها، فما الذي تقوله تانك الافتتاحيتان؟

جاء في افتتاحية القصيدة “11” هذا الافتتاح: “بمناسبة الفلنتاين…إهداء إلى حبيبة القلب دوما..”

وفي مستهل القصيدة “48” كان الافتتاح بنغمة مخالفة تماما: “إلى العراق…….”

والافتتاحان معا يعطيان للقصيدتين اللتين يترأسانهما سياقا محددا، يجعل القصيدة الآولى تتميز عن كل الغزليات بمناستها، وما يحيط بتلك المناسبة من مقبول ومرذول؛ وتتميز بصاحبتها، التي خُصّصت بها، وتعليها في مكانة خاصة، وتطبع لها الضمان الدائم، فتَغرق القصيدة في الذاتية. ويجعل السياق القصيدة الثانية تسمو عاليا على القصائد السياسية ـ القومية والوطنية ـ فتضمد ندبا غائرا من ندوب العربية والعروبة، وهي تحاول تضميده تنكأه، فيزداد غورا مع كل قراءة، وصراخا موجعا مع كل نبرة.

لقد حاول الشاعر بالإصرار على وضع افتتاحيتين لهاتين القصيدتين لا أن يميزهما فحسب، وإنما أن يميز صفحتي وجهه الأساسيتين، وأن يثبت بأن شعر حَمَدان لا يُصرف إلا في وجهين: إذا ما شغلته ذاته، وليكن أحيانا بالحب والمناسبة، وإذا شغلته الأمة وليكن غالبا بأوجاعها وآلامها، وفي كلتا الحالتين فهو لا يكتب إلا ألما بما يكفي ليروي غابة شعر.

 

كلمة أخيرة:

لقد كانت هذه المشدات التي شغلتني وشغلت بها القارئ هي محاولة لتقريب تجربة من تجارب الشعراء المغاربة المعاصرين والمجايلين لعلنا نلفتهم إلى ما لم يأبهوا له كثيرا، ولعلنا نعمق بعض ما نال اهتمامهم، ولعلنا ـ وهذه هي الغاية ـ نسهم ولو بقدر إن لم يكن في تطوير عملهم الشعري، فعلى الأقل في ترسيخ المسار، وتعميق الرؤى، وبناء المعالم.

 

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً