الرئيسية / الأعداد / ” الحوارية في رواية” الزيني بركات” لجمال الغيطاني – خالد عبداللطيف

” الحوارية في رواية” الزيني بركات” لجمال الغيطاني – خالد عبداللطيف

الحوارية في رواية” الزيني بركات” لجمال الغيطاني

خالد عبداللطيف*

 

مقدمة:

لقد شكل ظهور الرواية تحولا كليا في مسار الثقافة العربية وإبداعها،وموازاة مع تطور الرواية  رافقتها حركة نقدية كبيرة،شدت الرحال الى هذا الجنس الأدبي الفريد المتميز بقوة مضامينه،وتعدد التقنيات المستعملة فيه،وخصوبة تيماته،وتفرده في نقل آلام وآمال الشعوب والأمم،وتتمثل قوتها في بعدها الجمالي والفني،واستلهام كل القضايا الكبرى للمجتمعات من خلال تبني مشروع ابداعي ينهل من قضايا القومية العربية وقضاياها الاجتماعية والسياسية والتاريخية،وإعادة النظر في التراث العربي من خلال استثمار تجلياته الايجابية  المشبعة بعبق التاريخ،وأصالة القيم،والمحملة بإرهاصات ذات خلفيات فلسفية وفكرية ،والتي تجد لها صدى واسع في المجتمع،وقد كان من فضائل هذه النشأة للرواية العربية ارتباطها القوي بكل القوى الفاعلة، والمؤثرة في صناعة رأي عام له مرتكزاته المعرفية،وأسسه الثقافية،ودعاماته السيكولوجية ،ولبناته المشبعة بنفحات ثورية ،وأصبح الروائيون العرب يبحثون في الطارف والتليد من تراثنا العربي لاعتبارات متعددة نذكر منها:

ـ رد الاعتبار لهذا التراث من خلال النبش في خصوصياته،وتعميق النقاش حوله.

ـ محاورة آليات وجوده وعرضها  والكشف عنها،ضمانا لاستمراريته .

ـ تأكيد شرعيته وصلاحيته في التوظيف  الايجابي،وشرعنة خطابه.

ـ الرغبة في ربط جسور التواصل مع هذا التراث العربي بكل مصادره وغنى مفاهيمه ،وثراء معانيه وتيماته.

لقد ساهمت الأحداث السياسية التي عرفتها مصر ،والتحولات المتتالية التي عرفها النظام بمصر بدء ب( ثورة  يوليو 1952 ،وهزيمة 1967 ،الى تفكير الروائيين للبحث عن أشكال فنية تساير مقتضيات واقعهم الاجتماعي،ويعتبر جمال الغيطاني  أحد الروائيين من جيل الستينات في مصر،والذي سعى الى توظيف التراث في عمله الروائي” الزيني بركات” وتوسيع دائرة الأسئلة القلقة والمستفزة حول واقع المجتمع المصري، وتحولاته الموسومة بالفقر والاضطهاد والقهر والاستعباد والتي لاتختلف  عن واقع الماضي وأحداثه المتسمة بالظلم والجور.

وفي هذا السياق جاءت رواية”الزيني بركات” لجمال الغيطاني لتقدم توصيفا للواقع العربي من خلال أشكال تعبيرية تنهل من (التاريخ والأدب والفن والمعمار ،والدين والرمز والأسطورة والأمثال والمأثورات) لتؤسس لوعي نقيض يراهن على مجابهة ومواجهة الثقافة السائدة بكل تجلياتها،ومحاولة  إضعافها وإنهاكها عبر آليات جديدة تكمن في تمرير خطاب توعوي جديد  مجسد في رواية” الزيني بركات” وبذلك يكون الأثر الفني الجاد  متناغما ومنسجما مع التصور العام الذي راهن عليه الروائي جمال الغيطاني  في روايته،وخلق امتدادات مع التراث العربي بكل مكوناته.

 

1 ـ مفهوم الحوارية:

أ: لغـــة

يعد مصطلح الحوارية من المصطلحات النقدية التي استثمرها ووظفها الناقد المعاصر في تحليلاته،وهو مصطلح ينحدر من مـــــادة(ح ور) والتي جاءت في لسان العرب بالمعنى” حور: الحور: الرجوع عن الشيء والى الشيء،حار الى الشيء وعنه حورا ومحارا ومحاورة وحوورا: رجع عنه واليه.

والحور: ماتحت الكور من العمامة، لأنه رجوع عن تكويرها ،وكلمته فما رجع إلي حورا وحوارا ومحورة،بضم الحاء،بوزن مشورة  أي جوابا ،وأحاز عليه جوابه: رده،وأحرت له جوابا وما أحار بكلمة،والاسم من المحاورة ،والمحاورة الحوير،تقول سمعت حويرهما وحوارهما،والمحاورة : المجاوبة،والتحاور: التجاوب،ونقول: كلمته فما أحار إلي جوابا، وما رجع إلي حويرا ولا حويرة ولا محورة ولاحوارا، أي مارد جوابا،واستحاره أي استنطقه.

وأصل الحور: الرجوع…..

والمحاورة : مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة،وقد حاوره.والمحورة / من المحاورة مصدر كالمشورة من المشاورة كالمحورة..(1)

ب: اصطلاحا:

1 ـ الحوارية عند ميخائيل باختين:

كانت البداية لمصطلح الحوارية على يد المنظر الروسي ميخائيل باختين (1975 ـ 1895) ،وهو مصطلح له مع (الحوار) جذر مشترك،وهو ما لا يعزب عن ذهن مبدعه ميخائيل باختين حين وصفه للدلالة على العناصر المتابينة داخل الأثر الروائي،فوجود هذه العناصر المشترك، وتفاعل بعضها مع بعض حسب نظام بعينه من شأنهما إنشاء كيان فني واحد هو الرواية” (2) .

فالحوارية إذن مأخوذة من الحوار،وهو الشيء الذي انتبه اليه باختين حين اكتشافه للحوارية.

وفي موضوع ذي صلة ،يقول فيصل دراج عن نشأة الحوارية” ينشئ باختين نظرية  الرواية على نظرية اللغة الحوارية،وما يقول به متوقع منذ رأى في الرواية صورة عن اللغة، ورأى في اللغة صورة حوار لاينقطع،تأخذ الرواية في هذه الرؤية صفات الحوار،وتكون تجسيدا له، أي  كتابة ديموقراطية،إن صح القول تتعامل مع الانسان العادي الذي لامعجزة لديه ولاينتظر فوارق قادمة،ولأنها على ماهي عليه يكون المبدأ الحواري…” (3).

وهذا يعني أن مفهوم الحوارية يعطي أهمية كبرى للأجناس الأدبية،خاصة منها الرواية،وهذا على حد رأي مبتدعه باختين،”وانتبه باختين لمفهوم الحوارية عندما درس الرواية باعتبارها ملافيظ لغوية قصصية في الآن نفسه،فالرواية باعتبارها ظاهرة لغوية ماهو كيان لغوي مجرد، وماهو كيان لغوي يتنزل المقام” (4)  .أي أثناء دراسته للرواية والتعمق فيها، تنبه باختين لمصطلح الحوارية،

حيث قام بوضع تعريف شامل له،كما وقف على أهم القواعد والأسس التي يقوم عليها هذا المصطلح انطلاقا من كتابه” الماركسية وفلسفة اللغة” الصادر سنة 1929 باللغة الروسية،والذي أعيد نقله الى اللغة الفرنسية عام 1977 ،لكنه لم يطلق عليه مصطلح التناص،بل أطلق عليه اسم “الحوارية”

ان انشغال  ميخائيل باختين بمفهوم الحوارية، كان نتيجة الاجتهادات التي قام بها حيث ” ركز بدرجة أولى على مقومات الإبداع،وهذا من أجل تتبع مجريات هذا المفهوم المبتكر،كما ركز على الخطاب ،إذ نجد أن هذه الأخيرة تستعمل كثيرا في تحليل الخطاب،ذلك أن مصطلح الحوارية يدل بلاغيا على الإجراء القائم على إدخال حوار متخيل في ملفوظ ما،وقد استعمل في تحليل الخطاب تبعا لباختين، للإحالة على عمق البعد التفاعلي للاستعمال اللغوي (الشفوي أو المكتوب)، انطلاقا من أن مستعمل اللغة لايستعملها لذاته في مناجاة ذاتية دائمة،كما أنه ليس أول من استعملها،إن المتكلم ليس آدم على حد تعبير باختين” (5).

بهذا المفهوم تقوم الحوارية عبر مزج حوار متخيل في ملفوظ ما،كما أن هذه الأخيرة تستعمل كذلك في تحليل الخطاب للإشارة الى البعد التفاعلي للاستعمال اللغوي،سواء أكان هذا الاستعمال شفوي أو مكتوب.

ـ مفهوم الحوارية عند جوليا كرستيفا:

لقد اصطلحت الباحثة “جوليا كرستيفا” على مفهوم الحوارية مصطلح آخر هو التناص ،وعرفته قائلة بأنه:” جملة المعارف التي تجعل من الممكن للنصوص أن تكون ذات معنى،وما أن نفكر في معنى النص اعتباره معتمدا على  النصوص التي استوعبها وتمثلها،فإننا نستبدل مفهوم تفاعل الذوات بالتناص” (6)  سلام سعيد،التناص التراثي الرواية الجزارية نموذجا،عالم الكتب . أي أنه يتغاير.إذن “واعتمادا عن مفهوم الحوارية  التي تنطلق من التفاعل بين صوتي المتكلم والسامع،أقامت جوليا كرستيفا أسس بنائها النظري لمفهوم التناص ،وتفاعل الخطابات والنصوص بعضها مع بعض ” (7) .

وقد عرفت هذه الاخيرة التناص على النحو التالي:” إن كل نص يتشكل كفسيفساء من الاستشهادات ،وكل نص هو امتصاص وتحويل لنصوص أخرى” (8) .

وعموما، فمصطلح التناص في النقد الحديث،يعني ذلك التفاعل القائم بين النصوص،فكل نص مهما كان صنعه أو نوعه،لابد أن تكون له علاقة بغيره من النصوص،سواء أكانت هذه العلاقة تأخذ شكلا ضمنيا أو صريحا،فكل نص ذا صلة بالنصوص الأخرى،وليس منحازا عنها.

ـ مفهوم التناص عند ميشال أريفي:

ومن النقاد الذي قاموا باحتضان مصطلح التناص،وأسهم بقوة في بلورة تعريف شامل وجامع لهذا المفهوم،هو الناقد ميشال أريفي،إذ يعرف التناص بأنه عبارة عن ” مجموع النصوص التي تدخل في علاقة مع نص معطى،هذا التناص يمكن أن يأخذ أشكالا مختلفة،الحالة المحدودة هي بدون شك مكونة من مجموع المعارضات،حيث التناص يكون مجموع النصوص المعارضة” (9).

فالتناص إذن ينتج من خلال العلاقة القائمة بين مجموع النصوص ونص معطى.

ـ مفهوم التناص عند رولان بارت:

يعتبر رولان بارت من النقاد الذين اهتموا بالحوارية أو بمعنى التناص،(1915 ـ 1980) حيث يعرفه على الشكل التالي:” كل نص هو تناص ،والنصوص الأخرى تتراءى فيه بمستويات مختلفة،وبأشكال ليست عصية  على الفهم،بطريقة وبأخرى..فكل نص ليس إلا نسيجا من استشهادات سابقة” (10) . بمعنى أن تناص مأخوذة من لفظة نص،وأن أي نص هو عبارة تناص،وكل نص لابد أن ينحدر من استشهادات سابقة.

 

2 ـ الحوارية لدى تزيفيتان تودوروف:

يعد الناقد البلغاري تزفتيان تودروف (1939 ـ2017) من أبرز النقاد الذين اهتموا بمصطلح الحوارية، إذ خصص له كتابا يحمل فيه أهم الخصائص التي يقوم عليها هذا المصطلح،وهذا مع بداية الثمانينات،حيث وضع هذا الأخير كتابا عن اللغوي والناقد الروسي”ميخائيل باختين والمبدأ الحواري” الصادر سنة 1981، تعرض فيه لأهم الأمور التي تتعلق بالحوارية،كما تضمن تعليقات خاصة عما غفل من أفكار باختين.

يقول تودروف”لايوجد تعبير لاتربطه علاقة بتعبيرات أخرى،وهذه العلاقة جوهرية تماما…والمصطلح الذي يستخدمه باختين للدلالة على العلاقة بين أي تعبير، والتعبيرات الأخرى هو مصطلح الحوارية،ولكن هذا المصطلح المفتاحي،كما يمكن أن يتوقع مثقل بتعددية مربكة في المعنى،ولذا فضلت أن أفعل مافعلته سابقا عندما ترجمت مصطلح « الى Translinguistices metalinguistices

(11) traslinguistices إلى Metaliguistices

فكل التعبيرات إذن لابد أن تكون له علاقة مع غيره من التعبيرات الأخرى ،وأنه يمكن استبدال مصطلح الحوارية بمصطلحات أخرى،تكون أقل إرباكا في المعنى،أي تكون ذات بساطة في المعنى،وفي هذا السياق يؤكد تودروف أن ميخائيل باختين” من الشخصيات الأكثر فتنة ،والأكثر لغزا في ثقافة منتصف القرن العشرين الأوروبية،من خلال ماقدمه من مقترحات وأطروحات نظرية تتعلق بجمالية جديدة في دراسة النص الروائي،فالبتوازي مع حركة النقد الاجتماعي والنقد الشكلاني،كان هناك تيار آخر ظل مجهولا لسنوات طويلة،بسبب المضايقات التي تلقاها الأوائل،هذا التوجه هو مايمكن أن نسميه بسوسيولوجيا النص الروائي” (12) .

كما ميز تودروف أيضا بين كل من الحوارية التي تندرج ضمن النثر الغير الادبي ،والحوارية في النثر الأدبي،حيث عدد بعض خصائص التي تميز كل واحدة عن الأخرى” إذا كانت الحوارية في النثر غير الأدبي (الكلام اليومي،النثر البلاغي،النثر المثقف) تنفرد عادة بوصفها نوعا مميزا من الفعل ،ويترسخ وجودها في صورة الحوار العادي البسيط ،أو في صورة أشكال أخرى،وتكون واضحة ومعينة الحدود… أما في النثر الأدبي ،وبخاصة في النثر الروائي،فإن الحوارية تعمل بنشاط داخل الصيغة الفعلية التي يستمد منها الخطاب غايته ووسائله… هنا يصبح التوجيه الحواري المتبادل حديثا خاصا بالخطاب….” (13) .

فالفرق هنا يتمثل في كون الحوارية التي تدخل ضمن النثر الغير الأدبي تتجسد في الحوار العادي،وهي جزء من الفعل،بينما تتميز الثانية بأن نشاطها يقوم في لب الصيغة الفعلية،التي يأخذ منها  الخطاب مادته الخام،وهذا مايجعل الخطاب يلعب دورا أساسيا في توجيه الحوار المتبادل.

بالاضافة الى هذا،فقد شرح تودوروف  المبدأ الحواري من منظور التناص،وهذا في فصل خصه بالتناص،في كتابه” باختين والمبدأ الحواري” حيث شرحه على النحو التالي:

أولا .يقول باختين:” يمكن قياس هذه العلاقات (التي تربط خطاب الآخر بخطاب الأنا) بالعلاقات التي تحدد عمليات تبادل الحوار(رغم أنها بالتأكيد ليست متماثلة)، ويدخل فعلان لفظيان ،بتعبيرين اثنين في نوع خاص من العلاقة الدلالية،ندعوها علاقة حوارية،فالعلاقات الحوارية هي (علاقات دلالية بين جميع التعبيرات التي تقع ضمن دائرة التواصل اللفظي) (14) .

يتضح من خلال هذا القول النقدي أن عمليات تبادل الحوار،هي المسؤول الأول عن مدى قياس الرابط الذي يجمع بين كل من خطاب الآخر بخطاب الأنا،بالرغم من أن هذه العمليات هي في حقيقة الأمر غير متشابهة،وهذا ما يجعل فعلان لفظيان بتعبيرين اثنين،يدخلان ضمن صنف معين من العلاقات الدلالية،يطلق عليها علاقات حوارية،مما يعني أن العلاقات الحوارية هي علاقات دلالية ،تجمع بين كل التعبيرات المتواجدة في صلب حيز للتواصل اللفظي.

ثانيا.كما سبق الذكر أن التناص ينتسب الى الخطاب،ولاينتسب الى اللغة،وبالتالي يجب إزالة العلاقات المنطقية من نطاق الحوارية.

ثالثا. ” … التوجيه الحواري هو بوضوح ظاهرة مشخصة  لكل خطاب ،وهو الغاية الطبيعية لكل خطاب حي…

رابعا:…الرواية وفق باختين تظهر فيها عملية تناص بصورة حادة وقوية،عكس الشعر…” (15) .

مما يعني أن التناص يظهر بصورة جلية وواضحة في النثر أكثر ن الشعر.

 

3ـ مفاهيم حوارية باختين:

أ ـ البوليفونية( تعددية الأصوات)

يعد مصطلح البوليفونية من أهم المصطلحات والمفاهيم التي ناقشها المنظر والناقد الروسي ميخائيل باختين منذ 1930 خاصة فيما يتعلق بأسلوبية الرواية و” يقصد بالبولوفينية  (لغة تعدد الاصوات)،وقد أخذ هذا المصطلح من عالم الموسيقى،ليتم نقله الى حقل الأدب والنقد…” (16) .وهذا يثبت أن مصطلح البوليفونية كان مخصصا في بادئ الأمر في مجال الموسيقى،لكن فيما بعد انتقل ليظهر بصورة جلية وواضحة في مجال النقد الأدب.

إن أبرز اشكالية تعالجها البوليفونية هي اشكالية اللاتجانس الخطابي” إن اشكالية تعدد الأصوات تلخص وحدة الذات الناطقة،وندرج إذن في صلب اشكالية أوسع هي إشكالية اللاتجانس الخطابي،وطرحت من قبل باختين في أعماله حول الأدب لتوصف هذه الآثار من ذلك مثلا روايات دوستويفسكي(باختين 1970) حيث يعبر العديد من (الأصوات) دون أن يطغى أي صوت على الأصوات الأخرى.(17).

مما يعني أن البوليفونية تطرح إشكالية واسعة،وهي اشكالية اللاتجانس الخطابي،والبوليفونية كما هو معروف أول من جاء بها هو باختين،وهذا من خلال أعماله المتعلقة بالأدب،وأبرز هذه الاعمال روايات دوستيوفسكي،حيث يكون هناك مجموعة من الأصوات،مع حصول تكافؤ بين هذه الاصوات.

لقد ابتكر ميخائيل باختين الرواية البوليفونية ،وهذا بعد أن كانت الرواية قبل دوستوفسكي،هي عبارة عن رواية مونولوجية بحتة يسودها خطاب واحد،له الفضل في توجيه خطابات وحوارات أبطال الرواية،والعمل الابداعي الروائي عند دوستوفسكي حسب رأي باختين،ينبني أساسا على إعطاء الحرية المطلقة لأبطاله للتعبير عن كل ما يختلج في نفوسهم.

وبناء على ماسبق، فإن قراءة النص الروائي من خلال تعددية الأصوات،هو تعبير خالص عن الاتجاهات المنهجية والإديولوجي.

ب: التهجين:

يشكل التهجين أحد أهم عناصر ومظاهر حوارية باختين،والتهجين كما يعرفه باختين هو عبارة عن مزج لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ واحد،وهو أيضا التقاء وعيين لسانيين مفصولين بحقبة زمنية وبفارق اجتماعي،أو بهما معا داخل ساحة ذلك الملفوظ،وهذا المزيج من لغتين من لغتين داخل الملفوظ،هو طريقة أدبية قصدية (بدقة أكثر،نسق من الطرائق… (18).

إن التهجين إذن ينطوي وينبني على الجميع بين لغتين في عمق ملفوظ واحد،ووعين لسانيين تحدهما فترة زمنية وفارق اجتماعي،والتهجين عموما هو ” أن يصحب اللفظ والمعنى لفظ آخر ومعنى آخر يزري به،ولايقوم حسن أحدهما بقبح آخر” (19)

بمعنى أن التهجين يتكون من لفظ ومعنى ويتبعهما لفظ ثان ومعنى يتيعهما لفظ ثان ومعنى ثان يلحق به،حيث لا يتأثر حسن اللفظ الأول  والمعنى الأول بقبح اللفظ الثاني والمعنى الثاني.

ج: التعدد اللغوي وحوارية الخطاب.

لاتعرف الرواية سلطة لغة واحدة ،تؤول مباشرة وبطريقة بسيطة الى “الروائي” بل تعدد اللغات المرتبط بتعدد الشخوص الروائية وتصادم وجهات نظرها حول العالم”ففي هذا الإطار ،إن مستويات التعدد اللغوي لاتظهر  فاعليته وإجرائيته في لغة الرواية،إلا إذا صيغ بطريقة حوارية،أي بواسطة نقل ملفوظات الآخرين،وإعادة إنتاج اللغات السائدة في المجتمع،وينعكس ذلك على أسلوب الرواية:

فعندما  تنقل الرواية كلام الشخوص الروائية،أو تتخللها أجناس تعبيرية،فإنها تمكن الروائي من انجاز سرد ثنائي الصوت،يخلص الرواية من السرد الاحادي الصوت والنبرة لذلك يمكننا الذهاب الى أن تنوع اللغات وتعدد الأساليب في الرواية،لايصبح تعدد لغويا،بالمعنى الباختيني إلا إذا شخص حواريا”  (20)

ـ الحوارية  في رواية”الزيني بركات”

تعتبر رواية “الزيني بركات” لجمال الغيطاني مادة دسمة تستلهم التاريخ والتراث وعبق الماضي من خلال استحضار أحداث ووقائع تستثير ذهن المتلقي،وتحرك دواخل القارئ لعدة اعتبارات فنية وجمالية  وماضوية.

وإذا عدنا للرواية سنجدها تنبني على مجموعة من الأحداث المتعلقة بالزيني بركات يمكن توصيفها على الشكل التالي:

1 ـ تعيين الزيني بركات واليا للحسبة الشريفة بعد إعدام  علي بن أبي الجود.

2 ـ الزيني بركات يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.

3 ـ الزيني بركات يخطب كل مرة في المسجد لتبرير ولايته وأعماله.

4 ـ الزيني يعلق الفوانيس في القاهرة.

5 ـ الزيني ينضم بتنسيق مع منافسه زكرياء بن الراضي الى جهاز البصاصة.

6 ـ حدة الصراع بين الزيني ونائب الحسبة وكبير البصاصين زكرياء بن الراضي حول التفرد بالسلطات.

7 ـ مظالم الزيني بركات وقمعه لإرضاء الرعية لإرضاء السلطان والأمراء.

8 ـ ازدياد سلطات الزيني بركات الدينية والمدنية والعسكرية على حساب الشعب.

9 ـ هزيمة السلطان الغوري أمام السلطان سليم  قائد الجيش العثماني.

10 ـ موالاة الزيني بركات للعثمانيين ومساندة الأمير خايربك خائن سلطان الممالك والخروج عن طاعة الامير طومانباي.

11 ـ تعيين الزيني بركات بن موسى محتسبا للقاهرة من جديد في عهد الدولة العثمانية واحلال العملة العثمانية الجديدة بدل العملة المملوكية القديمة.

ويمكن تكثيف هذه اللحظات السردية في الأفعال الحدثية التالية:

1 ـ تعيين.

2 ـ حكم.

3 ـ لقاء.

4 ـ صراع

5 ـ ظلم.

6 ـ خيانة.

ـ حكم.

ويحمل عنوان الرواية مفارقة بين الشعار الاسمي(الزيني بركات) والممارسة الفعلية.

فالزيني لقب أطلقه السلطان على موسى بن بركات ليصاحبه طيلة حياته دلالة على الوفاء والاخلاص،وتيمنا بهذا اللقب استشرافا لمستقبل زاهر لدولة مبارك سلطانها،مضمون أمنها وأمانها،والخير موسوم في شخص “موسى بن بركات” كونه امتنع عن تولية الحسبة  الا بعد جهد جهيد وتدخل من علي بن أبي الجود باعتباره شيخا عارفا بالأصول والفروع ويمثل السلطة الدينية والصوفية.

وتعتبر تزكية علي بن أبي الجود شهادة كبرى في حق تعيين موسى بن بركات واليا للحسبة على القاهرة.ومع ذلك نجد أن هذا الامتناع الوهمي الذي شاع بين الناس ،يغطي حقيقة أخرى لايعرفها العامة وهي أن الزيني بركات اشترى هذا المنصب بثلاثة آلاف دينار رشوة بعد أن تدخل له أحد الأمراء عند السلطان.

وبالتالي فكل أعماله الدالة في الظاهر على الخير كتعليق الفوانيس وتسعير البضائع،والضرب على يد المحتكرين والوسطاء وازالة الضرائب،وتثبيت الاستقرار والأمن،والتي تزين صورته بين الخلق حتى اعتبر  شخصية أسطورية خارقة مثالية،انقلبت الى الشر والظلم،وإيذاء الرعية وتخريب بيوت الأبرياء،وتعذيب الفلاحين،ونشر الرعب والخوف والارهاب السياسي والعنف. وان الناس بجهازه الخطير في البصاصة وقمع المثقفين(سعيد الجهيني) والتنكيل بالكادحين والمستضعفين بدون قضاء ولامحاسبة ،كونه رمز السلطة القمعية،والارهاب السياسي والاستبداد والتضحية بالشعب من أجل خدمة السلطان، والمصالح الشخصية.

وقد بني المتن الروائي على سبع سرادقات ومقدمة وخاتمة. (21)

ويتبين أن الغيطاني لم يقسم روايته الى فصول،بل اختار السرادقات بمثابة لوحات فنية مستقلة،يمكن بسهولة تقطيعها وتركيبها في مونتاج روائي يخلخل السرد،ويكسر خطية الزمن واستمراريته الرتيبة لخلق أفق جديد لقارئ الرواية.

وقد أخذ الغيطاني طريقة تقسيم المتن الى السرادقات من ابن اياس الذي وزع كتابه تاريخ مصر المشهور باسم”بدائع الزهور في عجائب الدهور” حسب السرادقات .

وقد اختار الغيطاني بن اياس دون غيره من المؤرخين لمحاكاته وتقليده فيما دونه وكتبه لسببين:

ـ الأول: أن ابن اياس كان يتمتع باستقلال الرأي نظرا لأنه كان ميسور الحال،كما أنه كان ينحدر من أصل جركسي ماسهل له الاتصال برجال الدولة وكبرائها.

ـ الثاني: أن ابن اياس”ينفرد عن غيره من مؤرخي ذلك العصر في أنه عاش عصرين ،وشهد أحداث جيلين: أواخر العصر العثماني،وكان شاهد عيان لما وقع فيهما من أحداث،وتمتد الفترة التي أرخ وقائعها  من سنة 872 م/1468 هـ الى سنة 928 م/1522 هـ .

إذا فقد اختار الغيطاني كتاب ابن إياس للتفاعل معه،حوارا ومساءلة،قصد بناء تاريخ حقيقي،لفهم الحاضر،وذلك بالسفر الى قلب الزمن المملوكي،لتصوير المجتمع والانسان والتاريخ في علاقة بالسلطة لمعرفة أوجه التشابه بين الماضي والحاضر،ومن هنا يسقط الروائي الماضي على الحاضر،ويقرأ الماضي بالحاضر والعكس صحيح،مادامت هناك جدلية الأزمنة وتقاطعها وظيفيا.

حيث استعار الغيطاني من ابن اياس المادة التاريخية المتعلقة بالهزيمة،ومعركة مرج دابق،كما أخذ منه البنية السردية التراثية لغة وبناء وتركيبا وتفضية زتزامنا.

ويقوم التفاعل بين النصين: النص الأصلي(كتاب ابن اياس حول تاريخ الديار المصرية) والنص الفرعي (الزيني بركات لجمال الغيطاني) على المحاكاة الساخرة،والباروديا والتهجين،والتناص والحوارية والمفارقة،والمعارضة والسخرية والتحويل،والتشرب الاديولوجي من خلال استعارة التركيب،والصيغ المسكوكة للبنية السردية التراثية.

وهو بذلك لايعيد كتابة تاريخ مصر المملوكية،بل يسائل هذا التاريخ ويبين فجواته وتغراثه،ويقرأ لاشعور السلطة،وخلفيات الاستبداد،ويفترض الأسئلة والاجوبة من خلال منطق الافتراض والتصور والتقدير على الرغم من حقيقة الأحداث،والشخصيات التاريخية،ودقة صحة المعلومات الواردة في متن الرواية.

ويختلف هذا النمط من الكتابة عن الرواية التاريخية المعروفة كما هذا النص”يقيم موازاة نصية من خلال المعارضة الشكلية اللغوية للنص التاريخي،أي أنه لا يلجأ الى استخدام محتوى” تاريخي يصوغه في لغة عصره،بل ينتقل بنصه الخاص الى الحقبة التاريخية السالفة.

ومن تم فرواية الزيني بركات رواية تستلهم التاريخ عبر تقنية التخييل ،لتسليط الضوء على حقبة تاريخية  تتناول علاقة الحاكم بالمحكوم عبر وسائط استبدادية،وسلوكات مخزنية قهرية تستهدف العامة من (فلاحين وحرفيين وكادحين …) والوقوف من زاوية نفسية محضة على سلوكات السلاطين والأمراء،وبوقائع وقضايا ماخفي منها كان أعظم عبر استحضار الجوانب الجنسية والشذوذ والتدين المزيف والمنحرف التي لاتذكر في التاريخ الرسمي وإنما نجدها مبثوثة في التاريخ الشعبي.

لذلك كان التحاور بين  مادة ابن اياس ورواية”الزيني بركات” لها مايبررها من زوايا الانتقاء والاختيار،والوعي بهذين المفهومين في تمرير مجموعة من الرسائل السياسية والاديولوجية في حقبة زمنية حرجة م عن غيرها في  مصر، عايشها الروائي جمال الغيطاني،واختار عمله الابداعي لكي يكون وثيقة أو شهادة تكشف عن عدة حقائق لم يذكرها التاريخ،وكانت الفرصة سانحة امام الروائي للكشف عنها.

ـ التناص الديني في رواية”الزيني بركات”

أما بالنسبة للتناص الديني،فيأتي استخدام النصوص القرآنية في مستهل البيانات والمراسيم السياسية في إطار تداخل الاجناس في عالم الرواية.ولكن ترد هذه النصوص في الرواية للتعبير  عن مدى استغلال  الاجناس في عالم الرواية للتعبير عن استغلال  الدين من قبل السلطة  المملوكية للظهور بمظهر المحافظ  على العدل في المجتمع،.على سبيل المثال يبتدئ بعض المراسيم بقوله تعالى” ولتكن منكم أمة  يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”  (    ) آل عمران : آية 104 . (وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الإثم والعدوان) (المائدة آية 2) . (22)

وهكذا يبرر الزيني بركات سعيه  الى انشاء نظام تجسس يتناسب  كل فئة من من فئات الشعب المصري بتوظيفه الآية” ورفع بعضكم فوق بعض درجات” (الأنعام: الآية 165 ) الغيطاني ص 102 (23)

أما زكرياء  بن الراضي فإنه يستهل تقريره الى مؤتمر زملائه  المنعقد في القاهرة بالأيات  القرآنية ،ويزيح هذه الآيات عن معناها الحقيقي،ويجعلها دليلا  شرعيا  على سياسة الرقابة  التي ينهجها” لإن ربك لبالمرصاد”(الفجر: 14 ) و”الله علام الغيوب” (التوبة : 78 )(وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)  (24)

إن توظيف الغيطاني للمعطى الديني في رواية الزيني بركات ،إنما ليعبر من خلاله عن التناقضات التي يعيشها المجتمع،سواء في العصر المملوكي، وماجرى فيه من أحداث تاريخية طبعت  طبعت هذه المرحلة من تاريخ مصر،أو من خلال التناص القائم مع المرحلة الناصرية ومابعدها،وماحدث لمصر من هزات ومن نكسات نتيجة الأنظمة  القمعية التي صادرت الحريات،وأمعنت في ملاحقة المعارضين لسياستها،مما نتج عنه انغلاق المجال الفكري والثقافي الا مايخدم توجهات النظام،فظهر أدباء البلاط الذين يمجدون الانظمة والحكام إما خوفا أو طمعا،وكذلك الحال في شخصيات الرواية الذين انقسموا فريقين،فكل من “سعيد الجهيني”  والزيني بركات استعملا  الآيات القرآنية  لتوعية الناس بما يحصل، فمدوهما بالصبر، وساعدوهما على الوقوف في وجه القهر.

ـ إحياء الذاكرة:

إن في احياء الذاكرة إحياء لترات الأمم السابقة وإحياء لقيمها الحضارية التي سادت في أزمانها، وبعث لمنظوماتها الثقافية التي أسست لمجتمعات غابرة،وبهذا تكون الذاكرة مصدرا لعبقرية المبدع، لأنها تمكنه من  أن يصل  لحظة الادراك الراهنة باللحظات الماضية التي حملت اليه أفكار سابقيه ، وتمكنه من أن يخلق تأليفا عبر الزمن  يتناغم فيه الماضي بالراهن،ومسؤولية المبدع هو في الاستفادة من هذا المخزون الثر ،وربطه بالحاضر والاستفادة منه في بناء نصوص ابداعية  تصب فيها الذاكرة كل ما تحتويه من كنوز إبداعية،لأن المبدع لاينطلق من العدم، بل هو مأسور بعبق التراث ،مفتون بعطر الحاضر،والاغتراف من الثقافات المختلفة هو الذي يمنح  للنص مزيدا من التجدد.

وبهذا فإن تحقق النصوص الجديدة يكون على إثر النصوص الغائبة ،وبهذا تكون عملية الانتاج مستمرة متواصلة لأن  في إحياء الذاكرة  استدعاء لنصوص غائبة  مع إعادة بلورتها،

وتعد رواية “الزيني بركات في معظمها رواية ذاكرة ،ويتجلى ذلك من خلال دلالة العنوان الذي يرتبط  بشخصية تاريخية جاء ذكرها في كتاب ابن اياس.”بدائع الزهور في عجائب الدهور”(25)

ـ إضاءة:

قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الخليفة لما ألزم أحمد الدنف بإحضار العجوز قال له: ضمانها عليَّ يا أمير المؤمنين. ثم نزل هو وأتباعه إلى القاعة، فقالوا لبعضهم: كيف يكون قبضنا إياها؟ وكم عجائز في البلد؟ فقال واحد منهم يقال له علي كتف الجمل لأحمد الدنف: على أي شيء تشاورون حسن شومان؟ وهل حسن شومان أمر عظيم؟ فقال حسن: يا علي، كيف تستقلني؟ والاسمِ الأعظمِ لن أرافقكم في هذه المرة. وقام غضبان. فقال أحمد الدنف: يا شبان، كل قيِّم يأخذ عشرة ويتوجَّه بهم إلى حارة ليفتشوا على دليلة. فذهب علي كتف الجمل بعشرة، وكذلك كل قيِّم، وتوجَّه كل جماعة إلى حارة، وقالوا قبل توجُّههم وافتراقهم: يكون اجتماعنا في الحارة الفلانية في الزقاق الفلاني. فشاع في البلدان: أحمد الدنف التزَمَ بالقبض على دليلة المحتالة. فقالت زينب: يا أمي، إن كنتِ شاطرة تلعبي على أحمد الدنف وجماعته. فقالت: يا بنتي، أنا ما أخاف إلا من حسن شومان. فقالت البنت: وحياة مقصوصي لآخذن لك ثياب الواحد والأربعين. ثم قامت ولبست بدلة وتبرقعت، وأقبلت على واحد عطار له قاعة ببابين، فسلَّمت عليه وأعطته دينارًا، وقالت له: خذ هذا الدينار حلوان قاعتك، وأعطنيها إلى آخِر النهار. فأعطاها المفاتيح وراحت أخذت فرشًا على حمار الحمار، وفرشت القاعة، وحطت في كل ليوان سفرة طعام ومدام، ووقفت على الباب مكشوفة الوجه، وإذا بعلي كتف الجمل وجماعته مُقبِلون، فقبَّلَتْ يده، فرآها صبية مليحة فحبَّها، فقال لها: أي شيء تطلبين؟ فقالت: هل أنت المقدم أحمد الدنف؟ فقال: لا، بل أنا من جماعته، واسمي علي كتف الجمل. فقالت لهم: أين تذهبون؟ فقال: نحن دائرون نفتش على عجوز نصَّابة أخذت أرزاق الناس، ومرادنا أن نقبض عليها. ولكن مَن أنتِ؟ وما شأنك؟ فقالت: إن أبي كان خمَّارًا في الموصل، فمات وخلف لي مالًا كثيرًا، فجئت هذا البلد خوفًا من الحكام، وسألت الناس مَن يحميني؟ فقالوا لي: ما يحميك إلا أحمد الدنف. فقال لها جماعته: اليوم تحتمين به. فقالت لهم: اقصدوا جبر خاطري بلقيمة وشربة ماء. فلما أجابوها أدخلتهم، فأكلوا وسكروا وحطت لهم البنج فبنَّجتهم وقلعتهم حوائجهم، ومثل ما عملت فيهم عملت في الباقي.

فدار أحمد الدنف يفتش على دليلة فلم يجدها، ولم يَرَ من أتباعه أحدًا إلى أن أقبل على الصبية، فقبَّلت يده، فرآها فحبها، فقالت له: أنت المقدم أحمد الدنف؟ فقال لها: نعم، ومَن أنتِ؟ قالت: غريبة من الموصل، وأبي كان خمَّارًا، ومات وخلف لي مالًا كثيرًا، وجئت به إلى هنا خوفًا من الحكام، ففتحت هذه الخمارة فجعل الوالي عليَّ قانونًا، ومرادي أن أكون في حمايتك، والذي يأخذه الوالي أنت أولى به. فقال أحمد الدنف: لا تعطيه شيئًا ومرحبًا بك. فقالت له: اقصد جبر خاطري، وكُلْ طعامي. فدخل وأكل وشرب مدامًا فانقلب من السكر، فبنَّجته وأخذت ثيابه وحملت الجميع على فرس البدوي، وحمار الحمَّار، وأيقظتْ عليًّا كتف الجمل وراحت. فلما أفاق رأى نفسه عريانًا، ورأى أحمد الدنف والجماعة مُبنَّجين، فأيقظهم بضد البنج، فلما أفاقوا رأوا أنفسهم عرايا. فقال أحمد الدنف: ما هذا الحال يا شباب؟ نحن دائرون نفتِّش عليها لنصطادها، فاصطادتنا هذه العاهرة، يا فرحة حسن شومان فينا، ولكن نصبر حتى تدخل العتمة ونروح، وكان حسن شومان قال للنقيب: أين الجماعة؟ فبينما هو يسأله عنهم وإذا بهم قد أقبلوا وهم عرايا، فأنشد حسن شومان هذين البيتين:

وَالنَّاسُ مُشْتَبِهُونَ فِي إِيرَادِهِمْ

وَتَبَايُنِ الْأَقْوَامِ فِي الْإِصْدَارِ

وَمِنَ الرِّجَالِ مَعَالِمُ وَمَجَاهِلُ

وَمِنَ النُّجُومِ غَوَامِضُ وَدَرَارِي

فلما رآهم قال لهم: مَن لعب عليكم وعرَّاكم؟ فقالوا: تعهَّدنا بعجوز نفتش عليها، ولا عرَّانا إلا صبية مليحة. فقال حسن شومان: نِعْمَ ما فعلتْ بكم. فقالوا: هل أنت تعرفها يا حسن؟ فقال: أعرفها وأعرف العجوز. فقالوا له: أي شيء تقول عند الخليفة؟ فقال شومان: يا دنف، انفض طوقك قدامه، فيقول الخليفة: مَن يتعهَّد بها؟ فإن قال لك: لأي شيء ما قبضتَ عليها؟ فقل: أنا ما أعرفها وألزم بها حسن شومان. فإن ألزمني بها فأنا أقبضها. وباتوا، فلما أصبحوا طلعوا إلى ديوان الخليفة، فقبَّلوا الأرض، فقال الخليفة: أين العجوز يا مقدم أحمد؟ فنفض طوقه، فقال له: لأي شيء؟ فقال: أنا ما أعرفها، وألزِمْ بها شومان، فإنه يعرفها هي وبنتها. وقال: إنها ما عملت هذه الملاعب طمعًا في حوائج الناس، ولكن لبيان شطارتها وشطارة بنتها لأجل أن ترتِّب لها راتبَ زوجها، ولبنتها مثل راتب أبيها، فشفع فيها شومان من القتل وهو يأتي بها. فقال الخليفة: وحياة أجدادي إن أعادتْ حوائجَ الناس، عليها الأمان وهي في شفاعته. فقال شومان: أعطني الأمان يا أمير المؤمنين. فقال له: هي في شفاعتك. وأعطاه منديل الأمان، فنزل شومان وراح إلى بيت دليلة، فصاح عليها فجاوبته بنتها زينب، فقال لها: أين أمك؟ فقالت: فوق. فقال لها: قولي لها تجيء بحوائج الناس وتذهب معي لتقابل الخليفة، وقد جئتُ لها بمنديل الأمان، فإن كانت لا تجيء بالمعروف لا تلوم إلا نفسها. فنزلت دليلة وعلقت المحرمة في رقبتها، وأعطته حوائج الناس على حمار الحمَّار، وفرس البدوي، فقال لها شومان: بقي ثياب كبيري وثياب جماعته. فقالت: والاسمِ الأعظم إني ما عرَّيْتُهم. فقال: صدقتِ، ولكن هذا منصف بنتك زينب، وهذه جميلة عملتها معك. وسار وهي معه إلى ديوان الخليفة، فتقدَّمَ حسن وعرض حوائج الناس على الخليفة، وقدَّمَ دليلة بين يديه، فلما رآها أمر برَمْيها في بقعة الدم، فقالت: أنا في جيرتك يا شومان. فقام شومان وقبَّلَ أيادي الخليفة وقال له: العفو، أنت أعطيتَها الأمان. فقال الخليفة: وهي في كرامتك، تعالي يا عجوز، ما اسمك؟ فقالت: اسمي دليلة. فقال: ما أنت إلا حيالة ومحتالة، فلُقِّبْتِ بدليلة المحتالة. ثم قال لها: لأي شيء عملت هذه المناصف وأتعبتِ قلوبنا؟ فقالت: أنا ما فعلت هذه المناصف بقصد الطمع في متاع الناس، ولكن سمعت بمناصف أحمد الدنف التي لعبها في بغداد، ومناصف حسن شومان، فقلت: أنا الأخرى أعمل مثلهما، وقد رددتُ حوائجَ الناس إليهم. فقام الحمَّار وقال: شرع الله بيني وبينها؛ فإنها ما كفاها أخذ حماري حتى سلَّطَتْ عليَّ المزين المغربي، فقلع أضراسي وكواني في أصداغيهم  كيتين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتَتْ عن الكلام المباح. (26).

لقد تمت الاحالة على هذا النص المأخوذ من كتاب” ألف ليلة وليلة للإشارة على أن البصاصين الذين ذكروا  عند ابن اياس والذين أشار اليهم  جمال الغيطاني،وجدوا قبل كتاب”بدائع الزهور في وقائع الدهور” حيث تم ذكرهم في الدزء الرابع من الف ليلة وليلة ونذكر مهم(علي الزيبق وحسن شومان وأحمد الدنف،وهي شخصيات معروفة كانت من أكثر البصاصين الذي اعتمد عليهم نظام الخليفة العباسي هارون الرشيد،فهل أغفل جمال الغيطاني وجود هؤلاء البصاصين،أم انه تجاهلهم، أم أنه كان لايعرفهم.خصوصا شخصية علي الزيبق وهي شخصية حقيقية ذكرت في السير الشعبية وعرفت بمقاومتها للظلم في مصر.

“وعلي الزيبق روت بطولاته الاجيال حتى القصص بالواقع،حيث واجه الزبق الاستبداد وظلم الحكام بمصر المملوكية،وبدأت حكايته بعد مقتل والده حسن رأس الغول على يد المقدم صلاح الكلبي بعدما حل مكانه في منصبه،وكان الكلبي قد أرسل له جارية دست له السم في الطعام فقتله،فجاء علي بالحيل والألاعيب الفردية ليثأر لأبيه وللمجتمع كله من الظلم،وقد عرف بنصير الشعب الذي انتقم من السلطة للمصريين،واحتل مكانا مميزا في ذاكرتهم،فخلد في وعيهم باللص الشريف لما فعله بالسلطة ولقبوه” بروبين هود العرب” (27)

وقد كان الشطار والعيار من الشخصيات التي اعتمدها بعض الملوك والخلفاء وتوظيفهم كبصاصين لامتلاكهم لذكاء خارق،وخفة في الجسد، وقدرة على اختراق أصعب الأماكن،وتوفرهم على شجاعة نادرة.

 

 

خاتمة:

لقد شكلت رواية “الزيني بركات”  لجمال الغيطاني منعطفا أساسيا في تاريخ الرواية المصرية خاصة والعربية عامة،وذلك بفضل التفرد الذي ميز هذه الرواية في  سبر أغوار الواقع المصري بتنوع طبقاته وفئاته الاجتماعية،محاولا استثمار الثرات المحلي (ابن إياس وكتابه”بدائع الزهور في  غرائب الدهور” وفق رؤية   فنية تمس في العمق تحاور النصوص وتداخلها وكذا انجذاباتها في استنطاق الوقائع والأمكنة  والأزمنة والشخصيات ،وماينتج عن هذه التجاذبات من امتدادات على مستوى  الرؤية الجمالية والفنية من جهة،وتعدد المواقف الاديولوجية من جهة أخرى،وتعدد التناصات ،وما ينتج عنها من قدرة جمال الغيطاني على تعميم ثقافة متعددة المعاني مختلفة المرجعيات،منفتحة على مواقف وآراء كثيرة.وهو مايؤكد  أن رواية”الزيني بركات خلقت عالما روائيا يتميز بتعدد الأصوات، ومحاورة نصوص أخرى  دينية  وتوظيف أسلوب النداءات.

 

“لائحة المراجع والمصادر”

1 ـ ابن منظور ،لسان العرب،مادة (ح ور)،دار صادر للطباعة والنشر،بيروت،لبنان،ط1،ص 264

2 ـ القاضي محمد وآخرون،معجم السرديات،الرابطة الوطنية للناشئين المستقلين،ط1 ،2010،ص 161

3 ـ دراج فيصل،نظرية الرواية والرواية العربية،المركز الثقافي العربي،بيروت،لبنان ،ط1 ،1999، ص |72

4 ـ القاضي محمد وآخرون،معجم السرديات ص 161.

5 ـ وغليسي يوسف،إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث،منشورات الاختلاف،الجزائر،ط1 ، 1430 هـ .2009 م ،ص 391 .392.

6 ـ   سلام سعيد،التناص التراثي الرواية الجزارية نموذجا،عالم الكتب الحديث،إربد،الأردن،ط1 ،1431 هـ2009 م ،ص391 ـ 392.

7 ـ القاضي محمد وآخرون،معجم السرديات،ص162.

8 ـ الأحمر فيصل،معجم السيميائيات،الدار العربية للعلوم نشرون،بيروت،لبنان،ط1 ،1431 هـ 2010 م، ص146؟

9 ـ  سلام سعيد،التناص التراثي الرواية الجزائرية انموذجا،ص 119 .

10 ـ الأحمر فيصل،معجم السيميائيات،ص 146.

11 ـ تودروف تازفيتان،باختين والمبدأ الحواري،ترجمة فخري صالح،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت،ط2،1996 ،ص16.

12 ـ عيلان عمر،في مناهج تحليل الخطاب السردي،منشورات اتحاد الكتاب العرب،دمشق،2008،ص 269 .

13 ـ مرجع سابق ص130.

14 ـ المناصرة عز الدين،علم التناص المقارن،ص 140 .

15 ـ مرجع سابق،ص 140.

16 ـ حمداوي جميل،البولوفينية في الأدب والنقد،شبكة الألوكة،2015،ص5

17 ـ مانغو دومينيك،المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب،ترجمة يحياثن محمد،الدار العربية للعلوم ناشرون،بيروت،ط1 ،1428 هـ.2008 ، ص98.

18 ـ باختين ميختئيل،الخطاب الروائي،ترجمة  برادة محمد،دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع،1987 ،ط1 ،ص120.

19 ـ وهبه مجدي،المهندس كامل،معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب،مكتبة لبنان،ط2 ،1984 ،ص 124 .

20 ـ رشيد ودجى ـ التعدد اللغوي وحوارية الخطاب في الرواية عند باختين،التجليات والدلالة ـ مقال منشور بمجلة “تبين” (دورية محكمة تعنى بالدراسات الفلسفية والنظريات النقدية.العدد 31 ،المجلد الثامن ـشتاء 2020.

21 ـ الزيني بركات: جمال الغيطاني.ط1 1989 .

22 ـ الزيني بركات: ص 29.

23 ـ نفسها: ص 102.

24 ـ نفسها: ص  223.

25 ـ بدائع الزهور في وقائع الدهور” ابن اياس.

26 ـ ألف ليلة وليلة ج 4 الليلة 707

27 ـ نقلا عن موقع ساسة الالكتروني.

 

ناقد من المغرب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً