الشعر والتشكيل بين التجاور والتنافر
محمد سعود*
ظهرت مؤخرا أنشطة فنية وأدبية تحتفي بعلاقة الفن بالشعر ونظمت تظاهرات لتسليط الضوء على هذه العلاقة ، ولكن للمؤسف جدا أن هذه التظاهرات الفنية لا تشيرإلى من خاضوا هذه التجربة منذ عقود خلت سواء في المغرب أو البلدان العربية وحتى في البلدان الأجنبية ،
ولا بد الإشارة إلى أن للمد القومي العربي تأثيرا بالغا في ظهور أرضية خصبة للإقلاع الثقافي والفني في العالم العربي ، ونتيجة لهذا المد حاول الفنانون خلق نوع من التحرر في الفنون التشكيلية عن الأساليب الأكاديمية السائدة في الغرب، ولعل أهم ما استرعاهم في خلق تيار فني هو استلهام التراث خاصة الخط العربي وعند فنانين أخرين الحرف الأمازيغي ، لأنهم وجدوا فيه بعض مقومات الفن التشكيلي خاصة بعد استلهامه من الفنان السويسري ” بول كلي ” واعتبروه مفتاحا للحداثة والهوية معا ..
ولم تكن هذه الموجة من الحروفيين التي نراها سائدة بنوع من الاحتشام خاصة في توظيف الحرف لخدمة الشعر والتشكيل إلا امتدادا لتجارب الفنانين العراقيين خاصة بعد ظهور بيان ” نحو الرؤية الجديدة ” الذي كان ينص على أن ” الماضي ليس شيئا ميتا ندرسه بل هو موقف يتخطى الزمن ليوجد تدليلا إنسانيا شاملا ، له جانباه التشكيلي والنفسي في آن واحد ، وبهذا فان دلالة الماضي تُرى وتجدد في ضوء الحاضر ، واعتبار الماضي كرواية ثابتة ليس إلا خدعة يراد بها تجميد التجربة المعاصرة في قوالب استنفذت تاريخيتها ”
ومن بين أبرز التجارب في علاقة الشعر بالتشكيل نكر ببعض التجارب المحلية والعالمية بعض التجارب ومن بينها أرتور رامبو في «استنارات»، ورسومات بودلير لقصائده وتجربة مالارميه في التشكيل الطباعي التي استفاد منها الشعراء المغاربة خاصة محمد بنيس وأفرد له حيزا كبيرا في كتابه ظاهرة الشعر المغربي المعاصر
وفي العالم العربي لا بد أن نذكر ببعض التجارب المهمة كقصيدة سعدي يوسف «تحت جدارية فائق حسن» التي نقتطف منها هذا المقطع :
إن الحمامات مذبوحة، والجدار الذي قد بنيناه بيتا وغصنا،
ينزف دما أسودا، ويهز يدا مثقلة.
وقلنا لسعف النخيل وللسنبل الرطب: هذا أوان
الدمـوع التي تضحك الشمس فيها، وهذا أوان
الرحيل إلى المدن المقبلة.
ولكننا يا بلاد البنادق كنا صغارا، فلم نلتفت
لإله الجنود، ولم نلتفت للحقائب مثقلة
نحن كنا صغارا… أقمنا جدارا ونمنا على مضض،
وطني، زهرة للقتيل، وأخرى
لطفل القتيل، وثالثة للمقيمين تحت الجدار.

ونذكر كذلك أعمال ضياء العزاوي المشتركة مع محمود درويش، في مجموعة من القصائد . وسنأخذ لوحة من ” أشعار أبي الطيب المتنبي “نموذجا للتحليل وهي للفنان العراقي ضياء العزاوي الذي اشتهر في أعماله الفنية في الاشتغال على نصوص أدبية موظفا الخط العربي دون التقيد بقواعده مركزا على أبعاده الدلالية بتطويعه للتعبير عن النصوص التي اشتغل عليها خاصة الشعرية ..
لقد مر ضياء العزاوي بعدة مراحل في تجربته الفنية، وان أعماله بتعدد مراحلها تحتاج الى اكثر من وقفة ، لان كل صلة فنية هي خلاصة التحام فكري فني بمعطيات تجربة إنسانية فنية ، فاستحالة القفز الى المعاصرة دون النهل من التراث هو ما ألح عليه الفنان في جل أعماله ، خاصة أعماله الأخيرة التي تبدو محاطة بإضاءات وومضات من الشعر العربي القديم، حيث حاول أنسنة الخط لعربي بتصويره لبعض الأعمال الأدبية الخالدة كالمعلقات وأشعار المتنبي والحلاج، ولكن كيف تمكن ضياء العزاوي من استحضار هذه القصائد من عصور مختلفة وبالتالي تحويلها من لغة الأصوات إلى لغة الألوان ؟
تبدو هذه اللوحة بخلفيتها الموحدة الألوان كوثيقة قديمة مستمدة من قعر التاريخ ، ويبدأ ضياء العزاوي هذه اللوحة بكتاب عبارة (من أشعار المتنبي ). وتتميز هذه العبارة باختلاف أشكال وأنواع الخطوط، فتارة تكتب بخط الثلث وتارة أخرى بخط حر .
ويركز الفنان في هذه العبارة على أبي الطيب المتنبي وذلك بإعادة اسمه مرتين وكتابته باللون الأحمر مرة واحدة لإبراز قيمة هذا الشاعر دلاليا والمحافظة على التوازن بصريا ، وتحت هذه العبارة نجد شكلا يشبه ورقة متآكلة ومحاطة بكتابات من كل اطرافها، كما آن داخلها يحتوي على عدة أبيات شعرية وبدأها الفنان بكتابة البيت الشعري التالي
اذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون هم .
إن ضياء العزاوي يقسم هذا البيت إلى قسمين، القسم الأول هو جزء من صدر البيت ويشتمل على الكلمات التالية ( اذا ترحلت عن قوم )، أما القسم الثاني فيبتدئ من ( وقد قدروا) إلى اخر البيت ، فالأول كتب بخط غليظ وبارز وتبدو فيه تاء الضمير من كلمة ( ترحلت) ممدودة وكأنها بدورها تريد الرحيل ، ولكنها تنزلق في الأخير وراء الورقة كي لا تتصل بكلمة (قوم)، فالتاء أي الضمير غير راغبة في بقائها مع القوم .
اما القسم الثاني من البيت فإن الفنان يتعمد فك إدغام كلمة (ألا) لتصير (أن لا). وقد فك هذا الإدغام عن قصد ليترك مكان (لا) فارغا) والغرض من هذا هو قراءة البيت على هذا الشكل
اذا ترحلت عن قوم وقد قدروا أن تفارقهم فالراحلون هم
وبعد كتابة الفنان البيت الشعري على هذا الشكل يوهمنا بانه قد استدرك كلمة (لا) في الأخير، وذلك برسم سهم طويل يشير اليها.
وفي اللوحة أبيات أخرى متناثرة تعيش حالة من الشتات الذي يرتبط دلاليا بالرحيل ،وإضافة إلى هذه الفوضى الخلاقة نجد بيتا شعريا كتب بطريقة دوران الثور ( من اليمين إلى اليسار) وهذا البيت الشعري هو:
روح تردد في مثل الخلال اذا أطارت عنه الثوب لم يبن
وتحت الشكل الذي يشبه الورقة او الوثيقة كتبت أبيات بخطوط رقيقة بألوان خافتة، إن ضياء العزاوي في هذه اللوحة يجرد الخط العربي من التجويد ويؤكد على المعاني ويضعه في سياقه الأدبي، عكس الكثير من الفنانين الذين اشتغلوا على الخط في معزل عن أي مدلول لغوي أو أدبي، وتبرز أهمية اشتغال الفنان ضياء العزاوي على الخط في السياق المذكور من خلال حجمه او لونه، ويحرص ضياء العزاوي على منح اللوحة ابعادا جديدة تخدم في بنائها الكلي موروثه الثقافي الذي وظفه بالكثير من التبصر الفني واستطاع أن يوازن بينهما بطريقة جعلت أعماله تحظى بالكثير من الاحترام والتقدير .
إلا ما استعرضناه في هذه النموذج لا يمكن أخذه معيارا لنجاح الكثير من التجارب الأخرى لأن هذا التوظيف الذي يعتبره البعض حداثة هو مجرد وهم. لأن معظم من الفنانين لم يكونوا واعين بأن تجاربهم ستصادفها عدة عراقيل وصعوبات، وفي مقدمتها مشكلة المعنى الأدبي للعبارات المستخدمة ، لأن توظيف الخط في اللوحة سيجعل المشاهد مقيدا بالمعنى المعروف للعبارة أو اللفظ ، وبذلك ستخرج اللوحة عن إطارها التشكيلي، إضافة إلى الطريقة التي سيجردون بها الخط العربي من إطاره الزخرفي، وهذه المشاكل جعلت الكثير من الأعمال الفنية تعاني اختلالا في بنائها الفني . وكانت جل المحاولات فضفاضة اقتصرت على الجانب التزييني والزخرفي والالتزام بقواعده وبنسبه الجمالية وتجويده واعتباره وسيلة للمحافظة على الهوية. ولذلك خلت هذه الأعمال من أية وثبة جديدة في الفنون البصرية، ولم تحاول تأسيس اتجاه قوي باستطاعته الصمود طويلا وتكون له تأثيرات كبيرة على الأجيال اللاحقة ويخلق تراكما هاما في الأعمال الفنية والكتابات النقدية ، إلى درجة أن هذا الاتجاه يتم تجاهله أثناء الكتابة عن الفن التشكيلي في المغرب. ولازال إلى حد الآن بعض الفنانين لا يشكل لهم هذا التوظيف خدمة للبناء الكلي للوحة فهو مجرد مفردات يتم حشوها ولصقها لا تضفي أية قيمة بصرية ولم تستطع الانصهار في رؤى التشكيل المعاصر ، كما أن الحامل يبقى دائما هو القماش ، ولم يتم تجريب أشكال جديدة من التعبير
فنان تشكيلي وباحث من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
