حوار مع المبدع حميد الحريزي – أسئلة حول كتاب “الرواية القصيرة جداً: إضاءات نقدية”

حاوره الشاعر الحسَن الگامح
أولاً: الأبعاد النظرية والتأصيل للرواية القصيرة جدا:
1.ما هي المعايير المحددة التي تستخدمها لتعريف “الرواية القصيرة جداً”، وكيف تميزها عن “القصة القصيرة” أو “الرواية القصيرة”؟
الرواية القصيرة جدا فن سردي ، يعتمد أسلوب ما قل ودل ، وعدم تعريف المعرف ، الإيجاز في التوصيف والتعريف ،ذكر العلامات الفارقة فقط وترك العام لمخيلة القارئ.
القصة القصيرة لا تحتمل تعدد الشخصيات ، ولا تعدد الحوارات ، تبنى شخصية واحدة منذ البداية حتى النهاية ، وتحبذ القفلة او النهاية غير المتوقعة للحدث.
أما الرواية القصيرة فنميزها بالحد الأعلى للكلمات 3000-5000 كلمة ، اعتماد مقولة الجرجاني (جوع اللفظ واشبع المعنى)، ترك فراغات افتراضية أثناء السرد يختزنها المتلقي ضمن ثقافته العامة ليكون مؤلفا ثانيا للنص ، فلا حاجة مثلا لذكر صفات الشخصيات العامة المعروفة مثل ترامب أو ماكرون وبوتين والممثلين المشهورين، ولا الى ذكر مواصفات البنايات الشهيرة مثل برج إيفل أو الساحة الحمراء …وهنا الأمر يعتمد على مدى سعة ثقافة الكاتب والمتلقي في طبيعة الفراغات المتروكة من قبل الروائي ، ومدى سعة ثقافة وإطلاع المتلقي في ملأ الفراغات ليكتمل النص في مخيلتها.
2.تذكر أنَّ “الرواية القصيرة جداً” شكل أدبي جديد. ما هي العناصر ألأساسية التي تساهم في حداثتها؟ وظهورها في المشهد ألأدبي الحالي؟
من أهم تمظهرات حداثتها هو قصرها غير المسبوق بحيث لا تزيد كلماتها على 5000 كلمة. مع احتفاظها بكل اشتراطات الرواية .
– تناولها هموم عصرية للإنسان .جمالية السرد وغنى المفردات لتدل على المعنى المطلوب ، الزمن القصير لقراءتها وخفة حملها ، إشراك المتلقي في اكتمال وبناء النص السردي مما يضيف متعة للقارئ بدلاً من التلقين للروايات التقليدية .
3.بما إنَّ الرواية القصيرة جدا ً تقوم على التكثيف والإيجاز الشديد، فما هي التحديات الفنية والجمالية التي يواجهها الكاتب في تحقيق العمق السردي وتطوير الشخصيات والأحداث ضمن هذا الإطار المحدود؟ وكيف يمكن للكاتب تجاوز مجرد الاختصار ليقدم نصا ً ذا قيمة فنية؟
من أهم التحديات التي يواجها الكاتب هو الكيفية التي يمكنه توصيل الفكرة الى المتلقي بأقل الكلمات، وهنا يفترض أنْ يكون الكاتب يمتلك ثروة لغوية كبيرة ليتمكن من اختيار أفضل وأجمل وأكثر الكلمات غنى بالمعنى لإيجاز المعنى وغنى المضمون.
كما على الكاتب أن يكون عارفاً لمن يكتب ،ليكون المتلقي قادرا ًعلى ملء فراغات النص التي يتركها الكاتب للمتلقي لتناسب ثقافته ومخزونه اللغوي والمعرفي ليكتمل النص في مخيلته وهذا أمر ضروري جداً ،القدرة على التلميح المعبر الموجز بدلا من الإسهاب والتصريح، الكفاءة والقدرة في استخدام الرموز المعبرة والدالة المختزلة للكلام مع توصيل الفكرة ، وبذلك يتمكن ممن تقديم نص رشيق غني بالمضمون وجمالية الصورة ، وهذا الأمر يحتاج الكثير من الخبرة والمطالعة والدربة والتأني والدقة في اختيار العبارات .

4.كيف يمكن للرواية القصيرة جدا ً أنْ تخلق “إيقاعا ً سريعا “ًوفي الوقت نفسه تترك أثرا ً عميقا؟؟ ومستداما ً لدى القارئ، مقارنة بالرواية التقليدية التي تعتمد على الإسهاب والتفصيل؟
بمقدر امتلاكها لجمال المفردة ،وجمال الثيمة، وحمل العبارة لغنى المضمون، وجمال الصورة. مما يوفر للمتلقي نص مكثف غني المعنى جميل الشكل ، له علاقة بحياة المتلقي .
5.ذكرت أن خروج الرائد عن المألوف يجب أن يصاحبه “التأصيل والتنظير”. كيف ترى دور التنظير؟؟ النقدي في ترسيخ الرواية القصيرة جدا ً كجنس أدبي مستقل، وما هي أبرز النظريات النقدية التي يمكن أن تسهم في تأصيل هذا الفن؟
لا شك إنَّ للتنظير دور كبير في تقويم، وتقييم ،وترصين، وتقعيد النصوص الروائية ، طبعا التنظير يأتي بعد النص ويتابعه ، فبقدر اهتمام النقد والتنظير للرواية القصيرة جداً بقدر نضوج وثبات وشرعنة النص الإبداعي وتطوره، نرى إنَّ الرواية القصيرة جدا ًبحاجة الى هذا الجهد النظري من قبل النقاد من أكاديميين وأدباء للنهوض بهذا الوليد الجديد ليرتقي نحو الأفضل . ليكون نوع راسخ من أنواع جنس الرواية وليس جنساً مستقلاً بذاته كما تفضلتم به ، فالرواية القصيرة جداً نوعاً جديداً من أنواع جنس الرواية وليس جنسا ًجديداً مما يستوجب مراعاة ذلك .لم نعثر على الدراسات والكتب المهتمة بالتنظير للرواية القصيرة جداً سواء في الأدب العربي أو الأدب العالمي ، مع ما يحدث من دمج غير واعي بين مفهوم الرواية ومفهوم (النوفيلا) الغربي ، وهذا سيكون أحد اهتماماتنا النقدية والتنظيرية في الجزء الثاني من كتاب (الرواية القصيرة جداً اضاءة نقدية ).
6.في ظل غياب تعريفات واضحة في المكتبات العربية والعالمية للرواية القصيرة جداً، ما هي الخطوات العملية التي تقترحها لتوحيد المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بهذا النوع الأدبي على نطاق أوسع؟
أرى أولاً أن يكرس الأساتذة الأدباء وعلى وجه الخصوص النقاد وقتاً كافياً للتأمل والتفكر لهذا النوع الجديد من انواع جنس الرواية ، وأنْ يكون الناقد والبحث منفتح الفكر ورياضي الروح لتقبل ما هو جديد ، وعدم الرفض غير الموضوعي وغير المدروس لهذا الجديد ، لا لشيء إلا أنه لا يمتلك حضوراً في الأدب الغربي ، مستكثرا على الأديب العربي أو من بلدان الأطراف القدرة على الابتكار وتخليق الجديد ، نصبو الى عقد مؤتمر عربي موسع للرواية القصيرة جداً تقدم فيه البحوث المختلفة بعد الاطلاع على ما هو مطروح من قبل الرواد من روايات قصيرة جداً ومن محاولات تنظيرية ، من أجل إغنائها وتطويرها لتصبح شائعة قارة ومعتمدة في العالم العربي الإسلامي وغير ه وفي العالم الأول .
7.توصف الرواية القصيرة جدا ً بأنها “النص السردي الذي يتوسط القصة القصيرة والرواية القصيرة”. كيف يتم الحفاظً على “منحى روائي معروف يتمثل بتعدد الشخصيات وحرية الحركة زمانيا ً ومكانيا “دون أن تذوب في القصة القصيرة؟ وما هي الخطوط الفاصلة الدقيقة بين هذه الجناس من وجهة نظرك؟
الرواية القصيرة جدا تتواشج في العديد من الصفات مع القصة القصيرة والرواية القصيرة من حيث الحجم والاختصار والتكثيف في المفردات ، ولكنها تتميز عن القصة في الطول وفي تعدد الشخصيات ، والحوارات والزمكان وتبدلاته ، في حيث تفترق عن الرواية القصيرة جدا في شدة التكثيف والاختزال وترك الفراغات الوصفية والسردية لأشراك المتلقي في ملئها من قبله ، نبذ التكرار والتلميح قبل التصريح ، واستخدام الرمز مع اشتراكها مع الرواية القصيرة جداً في امتلاكها كل مقومات الرواية واشتراطاتها ، وقد لا تزيد عدد صفحاتها على 25-40 صفحة .في حين تمتد الرواية القصيرة الى 100 صفحة أو أكثر .
8.كيف يمكن للرواية القصيرة جدا ً أن تستفيد من فلسفة التكثيف والإيجاز الموجودة في القصة القصيرة ًجدا دون أن تفقد “روح الرواية”؟
نعم يمكن لكاتب الرواية القصيرة جداً أنْ يستفيد كثيرا من تجربة كتابة القصة القصيرة جدا في إجادة تكثيف العبارات واختيار الجمل القصيرة المشبعة بالمضمون ، والكلمة الرامزة الغامزة بدلا من العبارة الطويلة ، على شرط ان يبقى متمسكا بخطته في كتابة رواية تتعد فيها الشخصيات والأحداث والحوارات ، ولا يبلغ بها القصر حد القصة القصيرة جداً المكونة من عدد من السطور فقط، وعدم الوقوع في فخ (النوفيلا) وتوصيفاتها الوهمية ك ( مايكرو نوفيلا) أو (الشورت نوفيلا)، فالنوفيلا هي نوفيلا فقط شكل من أشكال السرد تتماهى مع الرواية ولا تطابقها ، ولا تنقسم الى شورت ، ومايكرو كما يصفون .وقد يبدو هذا الكلام غريبا على السائد من التوصيفات التي تساوي بين الرواية والنوفيلا دون فهم خصائص وميزات كل منهما .

ثانياً: التأثيرات والتحديات الثقافية والاجتماعية:
1.تحدثت عن أن “تغيرات سياسية واجتماعية متسارعة تلقي بظلالها شئنا أم أبينا على المنتج الأدبي ًكما ً وكيفا ً ونوعا ً وشكلا ً وأسلوبا”. كيف تعتقد أن الرواية القصيرة جدا ً تعكس أو تتفاعل مع هذه التغيرات بشكل خاص، وما هي الرسائل الاجتماعية أو الثقافية التي يمكن أن تحملها بفعالية أكبر من الأشكال السردية الأخرى؟
الأدب هو انعكاس للوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وللتقدم العلمي والحضاري للمجتمع ، وان لم يكن انعكاساً مباشرا جليا في وقته ، ولكن تأثيرات هذه الأوضاع وتبدلاتها تظهر بشكل تدريجي كحاجة لابد من تلبيتها ، فبعد الملحمة للعصور الوسطى ظهرت الرواية كأحد متطلبات النهوض الملحوظ للبرجوازية الصناعية معبرة عن تطلعاتها وطموحاتها ، ففي البدء كانت الرواية طويلة تهتم كثيرا بتوصيف وتعريف أدق الأشياء ورسم ملامح جميع الصور كتابيا ً، وذلك بسبب غياب الصورة المرئية كالتلفزيون والسينما ، وبطيء وسائل التواصل ، وسعي البرجوازية لمعرفة كل تفاصيل حاجات الناس والمجتمعات في البلدان المختلفة من أجل تصنيعها وتصديرها حسب الأذواق والرغبات والعادات ، وبعد التطورات التقنية والسرعة في التنقل وتطور وسائل الاتصال ، ولدت الرواية القصيرة جداً لأن هناك الكثير مما أصبح معلوما ولا حاجة الى تكرار ذكره ، العادات والتقاليد والعمارة والملبس والمأكل ، ثم دهمنا عصر العولمة عالم السرعة الفائقة في كل شيء النقل والخبر والصورة ، مما أدخل الانسان في سباق غير مسبوق مع الزمن لإنجاز حاجاته ومتطلباته الحياتية المتزايدة دوما ، فكانت مثلا الأكلات السريعة أنت وماشي لتلبية حاجات الأنسان الغذائية ،وتطلب التنقل الدائم الى الاختصار في الحجم والوزن والحاجة الى دمج اكثر من جهاز في جهاز واحد فكان الموبايل متعدد الأغراض فهو هاتف ومسجل وكاميرا وتلفزيون وراديو ووو في جهاز واحد يزداد صغرا مع الزمن ، فكانت الحاجة ماسة الى غذاء روحي سريع للإنسان يتناسب مع وقته وزمنه فولدت الرواية القصيرة جدا لتؤمن للإنسان هذه الحاجة عبر كتيب صغير يوضع في الجيب ويقرأ في جلسة واحدة خلال ساعة او اكثر بقليل ، وكذلك كان الفلم القصير ، والأغنية الخفيفة الراقصة ، والمترجم المحمول …الخ
2.هل ترى أن قبول الرواية القصيرة جدا ً في الوسط ألأدبي يعكس تحولا ً في ذائقة القارئ المعاصر، أم أنه استجابة لضرورات العصر المتسارعة التي لا تتيح الوقت لقراءة الروايات الطويلة؟ وهل هذا التحول قد يؤثر على مكانة الأجناس الأدبية التقليدية؟
كلا الأمرين مترابطين ترابطاً جدليا ًفيما بينهما ذائقة القارئ وضرورات العصر المتسارعة تتطلب هذا النوع الجديد من أنواع جنس الرواية ، الذي يتميز بالسرعة والتكثيف والجمالية وعمق المعنى بالإضافة الى متعة مشاركة القارئ في بناء وإكمال النص السردي…
مجلة مدارات الثقافية العدد الثاني والستون السنة السادسة2025

1.تشجع كتاب الرواية القصيرة جدا ً الطموحين على تجنب التقليد لما هو شائع والسعي لإبداع. ما هي المجالات التي ترى فيها أكبر إمكانية للابتكار والتجريب في الرواية القصيرة جداً، وما هي المخاطر التي قد تواجه هذه المحاولات التجريبية؟
الرواية القصيرة جدا بنت العصر ، هذا العصر الملال والمتنوع ،عالم الفرد وليس الجماعة ، مما يتطلب ثيمات خاصة تعالج الكثير من المعاناة النفسية للإنسان ، وحالة القلق الوجودي المعاشة في ظل عالم مرعب لا يرحم ، تزويده بجرعة من الفكاهة والطرافة مما يخفف عن كاهله حالة الجفاف وتصحر العلاقات الإنسانية ، أحذر كثيرا من ظاهرة استسهال كتابة الرواية القصيرة جدا فتبدو أحيانا بعمق معنى ضحل، ولا تضم شيئا من الأسئلة الفلسفية الوجودية حول مصير الكون والأنسان ضمن وحدة المصير المفروضة من قبل العولمة الرأسمالية ، أسئلة تقف بوجه الحروب المدمرة والمرعبة ، وتلوث البيئة ، والأوبئة الخطيرة …كما ظهرت أشكال وأساليب متعددة لكتابة الرواية القصيرة جدا ، ومنها طريقة القلادة السردية لمقاطع يصل بينها خيط السرد لتشكل بالنهاية رواية قصيرة جدا لا تزيد على 5000 كلمة مخزنة من عدد من حبات يربطها خيط واحد ، وغيرها من الأساليب مع حفاظها على اشتراطات جنس الرواية ونوع الرواية القصيرة جدا .
2.كيف يمكن للكاتب أن يحافظ على “أفكار جديدة “ويقدم نصوصا ً مبتكرة في ظل ضيق المساحة، دون أن يقع في التكرار أو النمطية؟
عالم اليوم متخم بالكثير من الثيمات الجديدة التي يفرزها الواقع سريع التحول والتبدل في زمن الرأسمالية المتوحشة ، وتغريب الانسان وعزلته في عالم التزاحم والضجيج ، حيث يعيش صراع دامي وحشي من أجل البقاء والأمان والتطور ، على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمم. حيث يسود مبدئ البقاء للأقوى…
3.ذكرت أن حميد الحريزي مُنح الريادة في هذا اللون الأدبي الجديد. هل يمكنك توضيح الإنجازات والمساهمات المحددة التي أدت إلى هذا التقدير، وخاصة فيما يتعلق بالنقاط الخمسة لتحديد الريادة الدبية؟
نعم
– إن حميد الحريزي كان صاحب السبق في تعليم وتوصيف رواياته بالرواية القصيرة جدا ومنذ 2015 والتي كتبها منذ عام 2009.
– واصل كتابة هذا النوع وبلغ عدد رواياته القصيرة جدا 7 روايات لحد الآن .
– تبعه العديد من الروائيين في العراق والوطن العربي في كتابة هذا النوع من الرواية وقد بلغت عشرات الروايات المصنفة كروايات قصيرة جدا.
– أهتم النقاد بهذا النوع الجديد وكتبوا حول الروايات القصيرة جدا له ولغيره العديد من الدراسات والمقالات النقدية
– أول من بادر الى تأليف كتاب تنظيري حول الرواية القصيرة جدا في الوطن العربي على اقل تقدير ، ولم يقع تحت نظري لا في معارض الكتب ولا في البحث كتاب لمؤلف اجنبي أو عربي يهتم خصيصا بالرواية القصيرة جدا .
4.في سياق الحديث عن الريادة، وكيفية تحديدها، هل تعتقد أن هناك حاجة إلى مؤسسات أو آليات محددة في العالم العربي للاعتراف بالريادات الأدبية الجديدة وتوثيقها بشكل رسمي؟
نعم من المهم وجود مثل هذه المؤسسات لحفظ حق الأديب في مجال الريادة في أي نوع أو جنس أدبي جديد لم يسبقه اليه أحد …

5.ما هي المعوقات التي قد تواجه الاعتراف بالرواية القصيرة جدا ً كجنس أدبي قائم بذاته، وكيف يمكن التغلب عليها لضمان نجاح هذا المشروع الأدبي على المدى الطويل؟
– كونه نوع جديد من أنواع الأبداع الأدبي يواجه في العادة الصدود والنكران وبالخصوص في عالمنا العربي الذي غالبا ما ينظر بعين الريبة لكل ما هو جديد ويظل متمسك بالقديم .
– العداء اللاموضوعي واللاعلمي من قبل البعض حتى دون الاطلاع على المنتج الإبداعي ودراسة ميزاته وخواصه ، وهذا يأتي أحيانا بسبب الجهل أو العجرفة وأحينا للأسف بسبب الشعور بدونية المبدع العربي وعدم قدرته على الأبداع ـ فالأبداع غربي ابن العالم الأول ولا يمكن تجاوزه .
– عدم اهتمام المؤسسات المختصة كاتحاد الأدباء والكتاب ووزارة الثقافة بالمنتج الإبداعي الجديد والتداول مع رواده والسير به نحو الأفضل والأكمل وليس تجاهله ، فمثلا أنا نشرت وطبعت الرواية القصيرة جدا منذ 2019 عبر كتيب بأربع روايات قصيرة جدا ، وأقيمت لي العديد من الندوات في داخل العراق وخارجه ، وكتبت حول هذا النوع العديد من الدراسات الأدبية ولكن للان لم تعمل لي جلسة نقدية واحدة من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق .ناهيك عن عدم تناول هذا النوع في بعض الندوات والمؤتمرات النقدية عراقيا وعربيا .
– خارج نطاق الإخوانيات والمعارف وبذل المال لم تهتم القنوات الفضائية والإعلامية القاء الضوء على أي منتج ابداعي أدبي أو غير أدبي جديد ، بسبب تكاسل مديري هذا البرامج ومنفذيها .
من أجل التغلب على هذه الصعاب والمعوقات على المبدعين الرواد متابعة إنتاجهم الإبداعي والسعي لنشره في بلدانهم وفي العالم العربي وعموم العالم بالصير والمثابرة والتعاون مع من احتضن هذا النوع ووقف بجانبه ، ومنهم مثلا مبادرتكم هذه في نشر الدراسات النقدية والمقالات الأدبية والمقالات التعرفية بهذا النوع ، وما حصل في مصر العزيزة حيث تبنى ( منتدى النقد العربي المعاصر) بإدارة الأستاذ محمد البنا هذا النوع وسانده وعمل مسابقة كبرى كانت ناجحة جدا شاركت فيها عشرات الأقلام الروائية من مختلف البلدان العربية مما اعطى دفعة كبيرة لهذا النوع الادبي الوليد وقد تناولته العديد من الأقلام النقدية المصرية والعربية بالتحليل والتأويل والتبصير والتنوير، وكان مثل ذلك في تونس وفي فرنسا وفي الأردن ، ومبادرا تستحق التقدير من قبل بعض المؤسسات الثقافية العراقية غير الرسمية حيث إقامة منصة الأستاذ الدكتور سعد التميمي ندوة موسعة حول الرواية القصيرة جدا على هامش معرض بغداد الدولي للكتاب ، وإقامة المؤسسة الثقافية بإدارة الناقد والاديب حسن الموسوي ندوة مهمة موسعة في مكتبة البيت الثقافي في المتنبي … ويمكنني الاعتزاز بالمواقف المساندة من قبل الكثير من الناقدات والنقاد العرب في الوطن العربي وبلدان الهجر مثل الأستاذ الدكتور حسين المناصرة من الأردن، والأستاذ الدكتور سعد التميمي من العراق والأستاذ الدكتور سمير الخليل ، والاستاذة الدكتورة نجلاء منصور من القاهرة ،والاستاذة فتحية دبش من تونس والاستاذة حبيبة المحرزي من تونس، والاستاذة سمية إسماعيل ، وسمية جمعة من سوريا وعدد اخر من الأدباء والنقاد والكتاب في تزايد ، واخذ عدد كتاب الرواية القصيرة يتزايد أيضا في كل ارجاء الوطن العربي…
6.ما هيً توقعاتك للتطور المستقبلي للرواية القصيرة جدا ً وقبولها كنوع أدبي متميز ومترسخ، إقليميا وعالميا
نعم أتوقع لها مستقبلا زاهرا كنوع مهم وراكز في كل العالم باعتبارها منجز إبداعي عربي بامتياز ، وهذا التوقع يشاركني به العديد من الزملاء النقاد والكتاب .

1.ما الذي دفعك تحديدا ً للتوجه إلى كتابة الرواية القصيرة جداً؟ هل كانت هناك لحظة معينة أو تجربة شخصية ألهمتك الاكتشاف هذا الشكل الأدبي؟
حقيقة انا كتبت الرواية القصيرة جدا دون تخطيط مسبق ولكن هناك هاجس داخلي حثني على الاختصار والاختزال وعدم التكرار، وكتابة الجمل القصيرة بفعل ضغط الزمن وهذا حدث لي مع روايتي القصيرة الأولى أرض الزعفران التي نشرته عام 2009 – الفائزة بالمرتبة الثانية ضمن مسابقة اقامتها دار حروف منثورة على نطاق الوطن العربي-، وبعدها روايتي الثانية القداحة الحمراء ، وبعدان استعرضتهما وفكرتها قررت أنْ أعلمها بالرواية القصيرة جداً حيث وجدتها ليست قصة وهي ليست رواية قصيرة ، وهكذا نظرت لهما أول مرة عام 2015 عبر مقال نقدي في الف ياء جريدة الزمان العراقية في 15\3\2015، وهكذا أستمرت التجربة لحد الان وقد تبعني بعض الزملاء في كتابة هذا النوع من الرواية .
2.تذكر أنك من أوائل من تبنوا هذا النوع الأدبي واستخدموا مصطلح “الرواية القصيرة جداً”. ما هي التحديات الأولية التي واجهتها في صياغة أولى أعمالك ضمن هذا الأخطار؟ وهل كان هناك تردد أو مقاومة من قبل الآخرين في البداية؟
هذه حقيقة تثبتها الوثائق المكتوبة ، حيث لم أعثر على من جنس روايته بهذا التجنيس لا من العراقيين ولا من العرب ولا الأجانب حسب ما وردنا من روايات مترجمة الى العربية ، على الرغم من اني علمت ان هناك من حاول التبشير بولادة هذا النوع من الرواية حينما كتب حول بعض الروايات القصيرة …
نعم كان هناك تردد كبير وعدم اعتراف ومقاومة من قبل حتى من بعض الأكاديميين الذين ينفون امكانية ولادة مثل هذا النوع من الرواية طبعا دون دليل ودون مناقشة ، ولكنه رفض للرفض ومازال البعض لحين التاريخ لا يعترفون بالرواية القصيرة جدا ، طبعا دون برهان ، ناهيك ممن خلطوا الرواية القصيرة جدا بالنوفيلا وهذا أمر تعرضنا له بالتفصيل في الجزء الثاني من كتابنا النقدي الذي سيصدر قريبا (الرواية القصيرة جدا اضاءات نقدية) وندعي اننا اثبتنا تهافته وبالأدلة .
3.عندما تشرع في كتابة رواية قصيرة جداً، ما هي الخطوات الأولى التي تتخذها؟ هل تبدأ بفكرة مكثفة، حدث واحد، أم شخصية رئيسية؟
قبل الشروع تبدا الفكرة الثيمة تجمع عيدان عشها في المخيلة، ثم تتطور لتنضج وتكون مقبولة وقابلة للصياغة والتطور لتكون رواية ،عند الشروع وضع مخطط بسيط كخارطة سرد للرواية شخصياتها وتحولاتهم ، والأماكن والزمن التقريبي لكل حدث، ليبدأ القلم بسرد الأحداث ، طبعا أثناء الكتابة قد تحصل تغيرات كثيرة على الشخصيات وعلى سير الأحدث لأن الكاتب دخل عمليا في أحداث الرواية كمن يدخل أزقة مدينة لأول مرة يمتلك عنها معلومات نظرية ليس أكثر فتصادفه حين ذاك الكثير من المظاهر والتعرجات لم تكن في حسبانه نظريا ،ثم يستمر السرد مع مراعاة حجم الرواية و الالتزام باشتراطاتها كرواية قصيرة جدا وبأفضل واجمل شكل لإيصال المعنى للمتلقي .
4.كيف تدير عملية “التكثيف والإيجاز والاختصار للحدث والزمان والمكان والشخصيات” في رواياتك؟ هل تعتمد على تقنيات معينة لتحقيق أقصى قدر من التأثير بأقل عدد من الكلمات؟
أمر الكثيف والاختزال يعتمد بالدرجة الأولى على فهم الروائي لما يجب أن يحذف وما يجب أن يترك للمتلقي من توصيف وتعريف دون أن تدخل الرواية في كهوف التلغيز والغموض المبالغ فيه ، كذلك يجب أن يكون الكاتب حاذقاً في اختيار أنسب وأدق وأبلغ الكلمات في صياغة العبارة ليتخلص من الإسهاب والإطالة ، مع فهم ثقافة وعقلية المتلقي في التأويل والتحليل والقدرة على ملء الفراغات لاستكمال لوحة السرد في مخيلته ، فقد تكون بعض الفراغات أكبر من قدرة فئة من المتلقين على تخيلها وبناء تراكيبها ليكتمل النص ، بمعنى أن بعض الروايات القصيرة جدا قد تكون نخبوية تستعصي على البعض بينما يجد فيها البعض الآخر متعة كبيرة في استكمال صورها وأحداثها من عنديته ، ومنها مثلا عدم إعطاء دور كبير للراوي كلي العلم في الرواية القصيرة جدا لإعطاء فرصة للمتلقي لتوقع سلوكيات وتصرفات الشخصية ضمن سياق النص وقد يستنتج نهايتها على خلاف الروائي وتوقعاته ، فليس سهلا توقع وحدس دقيق لمستقبل تصرفات الشخصية وفرض سلوكية معينة عليها .
5.هل هناك “وصف” أو “نظرية” محددة تتبعها في كتاباتك للرواية القصيرة جداً، أم إنك تركت المجال للتجريب والتطور مع كل عمل؟
بعد هذه الفترة الزمنية من سنوات ممارسة كتابة الرواية القصيرة جدا بمستويات مختلفة بين القوة والضعف بين الوضوح والغموض وكذا هو حال الرواد وبقية كتاب الرواية القصيرة جدا في الوطن العربي وخارجه ، حتى توصلت الى ضرورة وضع بعض الضوابط لكتابة رواية يمكن ان نطلق عليها (رواية قصيرة جدا ) تتميز بها عن بقية الأنواع الروائية الأخرى أسميتها المرتكزات الأساسية للرواية القصيرة جدا ونقدها :-
بما ان الرواية القصيرة جدا هي نوع جديد من أنواع جنس الرواية فلابد ان تكون لها توصيفات ومحددات تميزها من الأنواع الأخرى لجنس الرواية ، ويكسبها مواصفات خاصة وعلامات فارقة تميزها عما حولها من الأجناس والأنواع الأدبية السردية المجاورة الأخرى، فالرواية القصيرة جداً لا يميزها الطول فقط عن الرواية الطويلة والرواية القصيرة وهذا ما قد يظنه أو يتبناه بعض الأدباء من الروائيين ومن ضمنهم من يظن انه كتب رواية قصيرة جداً اعتمادا على الطول وعدد الكلمات والصفحات فقط وهذا غير صحيح…
فكونها وصفت بالرواية يجب أن تتوفر فيها جميع اشتراطات الرواية المعروفة والمتفق عليها من قبل أغلبية النقاد وفي مقدمتها :-
تعدد الشخصيات فلا يمكن أنْ توصف بتوصيف الرواية إذا اختصرت على شخصية واحدة وحتى بشخصيتين حيث تقترب هنا وتتداخل مع القصة الطويلة والقصيرة على حد سواء التي تتميز بعدم تعدد الشخصيات وتناغي النوفيلا والنوفيلا ليست رواية كما كتبت عالمياً وعربياً على الرغم من سيادة هذا الفهم الخاطئ للنوفيلا كونها مطابقا للرواية. وهنا يجدر بنا أن نميز بين الرواية ، والنوفيلا والمايكرو نوفيلا في الأدب العربي والكتابة باللغة العربية، هذه اللغة التي تمتلك قدرة هائلة على التمييز الدقيق بين معاني وإيحاءات الكلمات والمفردات ، وكذلك تميزها بغنى المرادفات اللغوية وما تمتلكه من قدرة على الترميز والتلميح والإيحاء دون التصريح، مما يكسبها القدرة على الاختصار في اللفظ وغنى المعنى وهذا ما عجزت عنه أغلب اللغات المعروفة في العالم ومن ضمنها اللغة الايطالية التي لجأت من اجل بلوغ درجة مقبولة من الاختزال كانت الى ابتداع(النوفيلا) حيث يعود بنا اصل كلمة نوفيلا الى اللاتينية novusبما يعنى الجديد المتعارف عليها ، وبذلك نستنتج ان النوفيلا لا تساوي الرواية ، والشورت نوفيلا لا تساوي الرواية القصيرة جدا نوفيلا كش وطن ونوفيلا سارق العمامة للروائي العراقي زيد الشهيد)) التي امتازتا بالسخرية والتهكم ومحدودية شخصياتها اما بالنسبة لرواية (هذيان محموم) القصيرة جداً وغيرها لكتاب الرواية القصيرة جدا في العراق والوطن العربي فقد توفرت فيها كل اشتراطات الرواية ، كرواية قصيرة جدا وليست نوفيلا ولا شورت نوفيلا وهي تسمية غير دقيقة فلا توجد بالمقابل لونك او نوفيلا طويلا ، وكذلك لا توجد ماكرو نوفيلا مقابل المايكرو نوفيلا !!!فهي نوفيلا وكفى، في حين توجد كل هذه التصنيفات في الرواية.
روايات تشيخوف القصيرة بانها رواية قصيرة جدا من حيث الأسلوب وطريقة الكتابة والحجم وان لم يصنفها هو برواية قصيرة جدا ، وكذلك النص السردي لغارسيا ماركيز (الرجل العجوز ذي الجناحين الطويلين) يمكن اعتباره رواية قصيرة جداً ضمن توصيفاتنا للرواية القصيرة جداً …
مما يسقط ادعاء من يرى أن الشورت نوفيلا هي الرواية القصيرة جدا كما وصفوا ووصموا بعض النصوص السردية لكتاب غربيين بأنها شورت نوفيلا وهي روايات قصيرة جدا على الرغم من ان لا كتابها ولا نقادها وصفوها بهذا التوصيف بل هي وصفت كروايات قصيرة كما عند تيشخوف وهمنغواي في الشيخ والبحر. و مزرعة الحيوان لآوريلا ، وكافكا في المسخ…
أحيانا يتم الخلط بين القصة والرواية في التسمية دون التمييز بينهما فلو كانت القصة هي غرفة واحدة في عمارة ن فالرواية هي العمارة بكامل طوابقها وغرفها ، وبذلك يتم التمييز بين الرواية القصيرة جدا والقصة الطويلة أو القصيرة والقصيرة جدا …
لابد أن تتضمن الرواية القصيرة جدا تعدد الشخصيات ، وان كانت الشخصية المركزية هي المهيمنة على السرد ،ويكون دور الشخصيات الثانوية محددا وخفيف الظل من حيث عدد وحجم وطول الحوارات والتوصيفات للشخصيات ما عدى العلامات الفارقة والمميزة للشخصية عن غيرها من بني البشر بصفاتهم السائدة القومية والعرقية والجنسية …
وتعدد الشخصيات يستلزم تعدد الحوارات بين مختلف الشخصيات الثانوية فيما بينها وبين الشخصية المركزية مع الالتزام بدرجة عالية من الحذف والاختزال (خير الكلام ما قل ودل ) ووفق مقولة الجرجاني ( جوع اللفظ واشبع المعنى)، وجواز الترميز والتلميح دون الإسهاب والتصريح بما يفي بإيصال المعنى دون اسهاب واطناب ودون الايغال في الغموض يجب ان يكون جسد الرواية القصيرة جدا ضامرا وليس مترهلا…سهلا ممتنع وليس مبتذلا .
الرواية القصيرة جدا قادرة لاحتواء كافة الثيمات الروائية ولا تقتصر على التهكم والسخرية والتعبير عن مأساة كما في (النوفيلا)
ومن أهم صفات الرواية القصيرة جدا هو ترك مساحات بيضاء من حصة المتلقي القارئ ضمن السرد كمؤلف ثان يقوم بأشغالها ضمن مخيلته ومستوى اطلاعه وثقافته وجديته في فهم النص في عالم أصبح معروف المعالم كشعوب وحضارات وميزات ، فعالم الفضائيات والانترنيت واليوتيوب والذكاء الاصطناعي وتطور وسائل السفر وضروراته بين مختلف قارات العالم سهل على المتلقي المؤلف الثاني ملأ الفراغات المتروكة من قبل المؤلف الأول ولا داعي لإعادة تعريف المعروف والمعرف…
ضرورة توفر ميزة التنقل والتنوع في المكان والزمان في الرواية باعتبارها سرد للتحولات والتبدلات الزمكانية بالنسبة للشخصيات والأحداث والظواهر…
وحينما يستوفي الناقد هذه الاشتراطات في النص السردي الماثل أمام ناظريه يصدر حكمه بأن هذا النص السردي هو رواية قصيرة جدا، مع التزامه بالحد الأدنى والحد الأعلى للكلمات حتى لا تختلط مع الرواية الومضة ولا تقترب كثيرا من عدد كلمات الرواية القصيرة حسب طولها وعدد كلماتها المعروف والذي لا يقل عن 7000 كلمة …
نحن بما تقدم لا نفرض مساطر قياس صارمة المقاس والحدود ولكننا نحدد الخارطة الجينية للنص لنميز بين نوع روائي واخر من أنواع جنس الرواية ، ولسنا مع مقولة الميوعة النوعية والاجناسية بين الابداعات الأدبية مما يفقدنا التوصيف والتعريف للمنتج الإبداعي لتعن الفوضى وهذا لا يخدم متطلبات الابداع والجمال ويفقد التمييز بين خالق النص الحاذق المبدع العارف والواعي لما يبدع وبين الكاتب الفوضوي بدعوى تداخل الأنواع والاجناس الأدبية وعلى الرغم من صحته ولكن يجب الا يعني العدم وذوبان كل جنس في الجنس والنوع الثاني…
– وبعد أن يستكمل الناقد وضع كل ما تقدم من مواصفات الرواية القصيرة جدا كخارطة جينية عامة ينتقل الى التوصيفات الإبداعية للنص المدروس من حيث أسلوب السرد وثراء اللغة المستخدمة وشعريتها ومدى قدرتها واستجاباتها للتعبير الأمثل للمعنى ورسم الصورة ودقة الحدث …
فحص قدرة المؤلف الأول على التعبير عن الأحداث والسلوكيات والظواهر بشكل فني رفيع بعيدا عن السرد الخبري الممل وهذه قدرة وكفاءة تميز مبدع عن اخرمن حيث سعة الخيال وعمق التجربة والبراعة والفطنة في التقاط الحدث والصورة وصياغتها فنيا.
كذلك ملاحظة تيمة الرواية وهل هي من المكرر والمعاد او من الثيمات المبتكرة الجديدة التي تحمل رسالة بليغة وحتى قدرة المبدع على بث روح التجديد الغير مكرر، حتى في الثيمة المعادة التي يتمكن الروائي المبدع صياغتها بأسلوب جديد وشكل مبتكر جذاب …. عندها يمكن أن يحكم على منتجه هل هو رواية قصيرة جدا أم لا….
6.كيف توازن بين الحاجة إلى الإيجاز وبين تطوير البنية السردية للرواية، مثل وجود بداية ووسط ونهاية، حتى لو كانت مكثفة؟
هذا الامر ممكن موازنته من خلال ما يمتلكه الكاتب من حنكة وتجربة في الكتابة ، وما يمتلكه من ثقافة موسوعية ومن خزين كبير من مفردات اللغة العربية ودلالاتها ، وكذلك ثقافته في مدى خزينه الرمزي والاسطوري وقدرته وفطنته في استخدام هذه الرموز والكلمات من اجل كتابة العبارة القصيرة المكتنزة بالمعنى كما قالها الجرجاني (( تجويع اللفظ وإشباع المعنى )) وهذه مهمة غير يسيرة يفترض بكاتب الرواية القصيرة جدا اجادتها واكما واكتمال عدته لإنجازها ، كى لا يشعر المتلقي بهشاشة وسطحية وعدم غثى النص الروائي وجماليته .وعليه أن لا تختلط وتضيع عليه بداية وذروة ونهاية الرواية حتى وانْ تداخلت أحداثها …
7.كيف كان التلقي أول أعمالك في الرواية القصيرة جدا ً من قبل القراء والنقاد؟ وهل واجهت أي” استخفاف والتنمر “كما ذكر الناقد عبد الله الميالي في تقديمه؟
في الحقيقة لقد واجهة الكثير من الصدود وعدم الاهتمام بهذا المنجز باعتباره نوعا جديدا ، فمنهم من يحسبه قصة طويلة ، ومنهم من يعتبره رواية قصيرة ، طبعا دون تفكر او تدبر ليخرج باستنتاجات موضوعية مقبولة ، طبعا كانت هناك اقلية من النقاد والروائيين استبشر بهذا النوع الروائي الجديد وكتب له المقالات والدراسات كالناقد العراقي يوسف عبود جويعد ، والناقد والمترجم المرحوم احمد فاضل ، والناقد علوان السلمان ، والناقد جمعة عبد الله من اليونان ، والناقد والشاعر هاتف بشبوش من الدنمارك ، وغيرهم .
8.هل شعرت أن هناك سوء فهم لهذا النوع الأدبي في بداياته، وكيف سعيت لتوضيح رؤيتك من خلال كتاباتك النقدية والتنظيرية؟
نعم وبالتأكيد حصل هذا سوء الفهم وما زال قائما لحد الان عند بعض الكتاب والنقاد ، كعدم التفريق بين الرواية القصيرة والرواية القصيرة جدا ، والخلط بين الرواية والنوفيلا ، وأحيانا عدم الفصل بين الرواية القصيرة جدا والقصة القصيرة جدا ، حيث لم يتركز بعد مفهوم الرواية القصيرة جدا في تفكير العديد من الكتاب والقراء والنقاد، وحتى إساءة الفهم من قبل الذكاء الاصطناعي للأسف الشديد ، على الرغم من صدور كتابنا النقدي من 300 صفحة حول مفهوم وتجربة الرواية القصيرة جدا، والعديد من المقالات المنشورة في الصحف والمجلات في داخل الوطن العربي وخارجه … أرى أن السبب يعود الى قلة الأضواء الإعلامية للقنوات الفضائية والبرامج المهتمة بالثقافة والأدب بالرواية القصيرة جدا ، وكسل أغلب هذه القنوات والمواقع في التنقيب عن الجديد وإضاءته ، أسعى بكل جد لإصدار كتابي النقدي الثاني حول الرواية القصيرة جدا ليساعد على ازالة الكثير من اللبس وسوء الفهم للرواية القصيرة جدا … واملي كبير بالنقاد العرب بان يكون لهم دور أكبر في ترسيخ وتقعيد وفهم هذا النوع الجديد من الرواية…
9.هل هناك كُتّاب أو أعمال معينة (سواء عربية أو عالمية، حتى لو لم تُصنف صراحة ً كروايات قصيرة جداً) أثرت في رؤيتك لهذا النوع الأدبي أو ألهمتك؟
نعم هناك الكثير من الكتابات لكتاب مشهورين ساهموا كثيرا في بث ونشر تجربة الاختزال والتكثيف في العمل السردي وخصوصا الروايات القصيرة الراكزة لكتاب مثل همنغواي وكافكا وتيشخوف وكتاب عرب أيضا مثل نجيب محفوظ وزكريا تامر وغيرهم، وهناك من كتب وابدع كثيرا في كتابة الرواية القصيرة جدا مطابقة تماما لتوصيفنا وتقعيدنا لها دون تجنيسها وفي مقدمتهم الكاتب الروسي الشهير تيشخوف فلدية اكثر من 11 رواية قصيرة جدا يمكن تصنيفها كذلك ضمن رؤيتنا المعاصرة في التجنيس والتوصيف نشرت وترجمة ضمن اكثر من 14 رواية قصيرة ترجمه عادل زعيتر في مجلد خاص ضمن 3 مجلدات ضمت الابداع السردي لتيشخوف
وهناك حسب اطلاعي رواية بعنوان ( الرجل العجوز ذو الجناحين الطويلين) للروائي غارسيا ماركيز نشرت في 1957 دون ان يصنفها في حينها مكونة من 37 صفحة فقط .
مجلة مدارات الثقافية العدد الثاني والستون السنة السادسة2025
10.في مقدمة الكتاب، ذكر الناقد عبد الله الميالي أعمال ً مثل “الطائر” لعبد الرزاق المطلبي و”قهوة وأحاديث” لعبد الحكيم قاسم و”جالل خالد” لمحمود أحمد السيد كأمثلة سابقة. هل استلهمت من هذه الأعمال، وكيف ساهمت في تشكيل مفهومك للرواية القصيرة جداً؟،
حقيقة لم اكن مطلعا على هذه الروايات في بداية كتاباتي للرواية القصيرة جدا ، ولم يكن لهذه الروايات أثرا على مفهومي للرواية القصيرة جدا ولكن كان للقصة القصيرة جدا وانا أحد كتابها في العراق ومن المعجبين وحتى المنظرين لها أثراً كبير في استلهام وتركيز وشرعنة مفهوم الرواية القصيرة جدا ورسوخه في قناعاتي ، فما زالت في السرد ومنها القصة هناك قصة طويلة وقصة قصيرة ، وقصة قصيرة جدا ، فلماذا لا تكون هناك رواية قصيرة جدا ، كما رواية طويلة ورواية قصيرة ؟؟
11.بصفتك رائدا ً في هذا المجال، ما هي النصيحة التي تقدمها للكتاب الشباب الذين يرغبون في خوض تجربة كتابة الرواية القصيرة جداً؟
أتمنى عليهم الاطلاع على أكبر عدد من الرواية القصيرة جدا الحالية ، والتعمق في دراستها وفهم سبل وطرق كتابتها ، وكذلك الاطلاع على ما يتيسر بين أيديهم من كتب نقدية تهتم بهذا النوع من الرواية ، على الرغم من كوني أعلم جيدا عدم توفر كتب عربية ولا حتى أجنبية أهتمت بدراسة ونقد الرواية القصيرة جداً ، وحسب علمي سوى كتابي الأخير ( الرواية القصيرة جدا – اضاءات نقدية ) الصادر عن دار رؤى للطباعة والنشر في العراق 2025، والموجود نسخ الكترونية منه في دار نور للكتب يمكن تنزيله منها ، وانا أيضا حاضر لتزويد كل من يطلبه مني للفائدة ، ونأمل بدعمكم ان نصدر الجزء الثاني من الكتاب قريبا ليكون الكتاب بجزئيه مصدرا مهما لمن يدرس الرواية القصيرة جدا ، وكلي امل أن ينبري أحد المترجمين لترجمة الكتب النقدية ونماذج من الرواية القصيرة جدا الى لغات أخرى ، وهنا يجدر الإشارة الى ترجمة بعض رواياتي القصيرة جدا الى لغات غير العربية ، حيث ترجمة رواية المقايضة الى الإنكليزية وطبعت ونشرت من قبل دار كتابة للطباعة والنشر، وترجمة روايتي أرض الزعفران الى الفارسية من قبل الأستاذ الدكتور رسول بلاوي وطبعت ونشرت في ايران ، كما ترجم الدكاور جليل الزهيري رواية كاوه الاهوار الى الكردية وقد طبعت ونشرت من قبل دار رؤى للطباعة والنشر في العراق .
12.كيف ترى دور الكاتب في العصر الحالي، خاصة مع انتشار الأشكال السردية المكثفة والقصيرة يداوما هي مسؤولياته تجاه هذا التطور في الأدب؟
أرى دور الكاتب الروائي والكاتب الناقد الأدبي وحتى الناشر كبيرا جدا ، بمد الانسان المعاصر الذي اثقله عصر العولمة بالكثير من الواجبات والمهام ربما لفقدته القدرة على تناول وجبة أدبية غنية ودسمة بالفكر والجمال والفن من الروايات الطويلة وحتى القصيرة ، بان يسهم الجميع في توفير وجبة سريعة التناول سهلة الهضم هينة السعر خفيفة الحمل رصينة المحتوى حتى تقلل من مساحة التصحر الثقافي والجمالي الادبي في مثل هذا العالم اللاهث المتسارع …وارى أن الرواية القصيرة جدا كالفلم القصير جدا والاغنية السريعة والقصيدة القصيرة ممكن ان تؤدي هذه المهمة في عصرنا الراهن والقادم.
13.ذكرت أن هذا الكتاب سيكون “مرجعا ً يعتمد عليه”. ما هو طموحك لهذا المرجع في توجيه الكتاب والنقاد المهتمين بالرواية القصيرة جداً؟
نظرا لكون هذا الكتاب هو الوحيد حسب علمي الذي أهتم بالرواية القصيرة جدا، وبجهدي النقدي والفكري المتواضع، وبأشراك العديد من الكتاب الروائيين والنقاد وحتى الصحافة الأديبة في تأليفه وأعداده يمكن ان يكون مصدرا هاما لفهم الرواية القصيرة جدا كنوع جديد، وكأسلوب سردي مبتكر، لم يخرج من جنس الرواية ولكنه اضاف اليها نوعا جديدا، كان من متطلبتا العصر وضروراته .
آمل اين يكون حافزا لأساتذتنا الكتاب والنقاد العرب وغير العرب في العمل على اغنائه وتقينيه وحتى تقويمه بآرائهم ومقترحاتهم وافكارهم ، فلا ادعي اني احطت بكل ابعاد التجربة وتركيزها واكتمالها، فاذا اكتمل الشيء مات، بل ستغتني وتنمو وتتطور بالجهود القادمة من الروائيين والكتاب والنقاد المستقبلية وبكم وبهم وبكل مبدع مجدد نرتقي نحو الافضل والاجمل والاكمل .

ورقة عن المبدع حميد لفتة دخيل الحريزي
أديب، كاتب، وصحفي من العراق.
المعلومات الشخصية
- تاريخ ومكان الميلاد: 1 يوليو 1953، النجف، العراق.
- المؤهل العلمي: خريج معهد الطب الفني، بغداد، 1974.
العضويات والمناصب
- الاتحادات والنقابات المهنية:
- عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.
- عضو اتحاد الصحفيين العراقيين.
- عضو نقابة الصحفيين العراقيين.
- عضو مجلس الصحافة العالمي.
- عضو مجلس السلم والتضامن.
- عضو العديد من الاتحادات والمنظمات الأدبية والثقافية العربية.
- عضو المجلس العراقي للسلام والتقدم.
- عضو اتحاد النقاد العرب.
- المناصب التحريرية والإدارية:
- رئيس تحرير مجلة “الحرية”.
- عضو هيئة تحرير مجلة “رؤيا”.
- مؤسس نادي النقد الأدبي في اتحاد الأدباء والكتاب في النجف الأشرف.
صدر له:
- الروايات
- محطات ثلاثية روائية:
- الجزء الأول صدر عن دار الفؤاد القاهرية، 2018.
- الطبعة الثانية صدرت بمجلد واحد عن دار قهوة للطباعة والنشر، إيران، 2021.
- مجموعة روايات قصيرة جدًا: “المقايضة، القداحة الحمراء، أرض الزعفران، المجهول” دار حوض الفرات، النجف، 2019.
- خمس روايات قصيرة جدًا: دار رؤى للطباعة والنشر، 2024.
- هذيان محموم رواية قصيرة جدًا: دار رؤى للطباعة والنشر، 2024.
- خياط الخزف الصيني رواية قصيرة جدًا: نشرت في جريدة أوروك، 2024.
- البركان رواية قصيرة: دار رؤى، 2024.
- المجموعات القصصية
- أرض الزعفران: إصدارات مجلة بانقيا، اتحاد أدباء النجف.
- المصابيح العمياء قصص قصيرة وقصيرة جدًا: إصدارات اتحاد أدباء النجف، 2019.
الدواوين الشعرية
- مشاهدات مجنون في عصر العولمة: النجف، 2019.
- لا يعني: 2019.
- ن… سجاح: منشورات دار الورشة الثقافية، بغداد، 2019.
- من أقوال الحكيم الحافي: دار رؤى للطباعة والنشر
- مسامير طين: دار رؤى للطباعة والنشر، 2024.
- الدراسات والكتب الفكرية
- الدين والسياسة: دار نور للطباعة والنشر، ألمانيا، 2018
- كشكول الحريزي: يضم عشرات الدراسات والمقالات المنشورة في المجلات والصحف العراقية والعديد من المواقع الإلكترونية العراقية والعربية.
- موسوعة الرواية النجفية في 90 عامًا أربعة أجزاء: دار رؤى للطباعة والنشر والتوزيع، 2023
- قول في الثقافة والأدب: دار رؤى للطباعة والنشر، 2021.
- الإبداع والتجديد في روايات زيد الشهيد: دار رؤى للطباعة والنشر، 2021
- كراس عن العمل والعمال في العراق.
- كتاب عن حياة وإبداعات البروفسور حكمت شبر الروائية والشعرية.
- الكتب الإلكترونية
- تراجيديا مدنية: نقد لرواية الروائي زيد الشهيد دار حروف منثورة المصرية.
- ما لم تمسسه النار: نقد لرواية الروائي عبد الخالق الركابي دار حروف منثورة المصرية.
- رواية السقشجي: نقد لرواية الروائي علي لفتة سعيد دار حروف منثورة المصرية.
- أعمال مترجمة لأعماله
- ترجمة رواياته القصيرة جدًا:
- كاوه الأهوار: ترجمت إلى اللغة الكردية بواسطة الدكتور جليل الزهيري دار رؤى للطباعة والنشر، 2022.
- أرض الزعفران: ترجمت إلى اللغة الفارسية بواسطة الدكتور رسول بلاوي تحت الطبع في إيران.
- بعض رواياته القصيرة جدًا ترجمت إلى اللغتين الفارسية والكردية والإنجليزية.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي