إبراهيم أوحسين أثر الفراشة.

أحمد بوزيد*
“لا يموتون/ إنّهم ينامون في يومٍ ما/ وينامون طويلاً جدّاً” جاك بريل.
تلقيت بأسى خبر رحيل الكاتب والأديب الأستاذ إبراهيم أوحسين في ميعة شبابه، إنسانية فائضة وعطاء استثنائي وأسلوب فريد في الكتابة جعل من إبراهيم امتدادا حلوا لأثر مصطفى لطفي المنفلوطي ومصطفى صادق الرافعي وطه حسين وتجليات بهية لسوس العالمة والحالمة، كاتب نصوص رفيعة في مقاربة الطارئ بخيال إبداعي خصيب.
فائض ولع بالثقافة والجذور وأبعاد وجدان المغرب المتعدد دونما حاجة لكتابة ينبغيات، كثيرا ما تتخذ ذريعة للتنصل من الواجب، هكذا عاش الشرط الثقافي والتاريخي لسلالته، منقبا في رجيعها الشفوي والموشوم من علاماتها.
ظل إبراهيم مثقفا ملحا على حضور خلاق وظل وفيا للهامش الذي تصله به صلات وجدانية صوفية، مقترحا في زمنيته لحظات فكرية ومعرفية، يلم خيوطها – في الأغلب- سؤال أو كتاب. بذلك كله، شيد إبراهيم في قلوب من عرفه منزلا ومضى فراشة إلى الغيب تاركة أثرها، ماضية في الأيام الأخيرة من الربيع قبل أن يبدأ الصيف الحار، ولم يكن أحد يعلم أن إبراهيم يودع أحبته بما نذر له العمر، محبة الكتابة والولع بالحكمة، حين هم قبل شهرين إلى نشر كتابه المعنون “حميد إنرزاف: بلبل سوس الغريد” وحين هم قبل أيام في فرع منتدى أدباء الجنوب في أيت ملول بتنظيم ندوة عن “الشعر والفلسفة”، بحثا في الوشائج، وها ذاكرة المدينة تستشعر يتمها، وتشيعك كما شيعت من قبلك إبراهيم أمغار، شبيهك الذي تساكنت في أثره الكتابة والفعل المدني الخلاق، كما يليق دوما بمقيم في قصبة أو عابرها، مما تشاكل ودالها من علو وسمو تهيله على الأصفياء ممن نبت في أرضها أو آنس إليها، وملة الإبراهيمين التضحية والعطاء ونكران الذات والأثر الإنساني النبيل. لروحك الرحمة أيها الجميل، والتعازي الحارة والمواساة الصادقة لأسرتك، ولأحبتك في الفقدان وما يليه.
“حميد إنرزاف: بلبل سوس الغريد”:
وهو يخط ما انبثق من شعر من أفواه الرجال، خلته تحية رمزية، قبل أن يأتي الخبر الفاجع ويصرفه تلويحة وداع.
إنها “الأمازيغية الخلاقة” بخيال إبراهيم أوحسين، تحتفي بأرشيف وجدان سوس؛ لتكتب سيرة الرجل الذي حقن مناعة أجيال الجنوب بما يشفي القلب من أعراض الهجران، مبدع الاستعارات الشعرية الخصيبة عن تجربة الحب، الأثر الذي شكل الخلفية الموسيقية لخطى العاشقين في ربوع بلاد سوس الأدنى، حين تدنو القلوب من القلوب وحين تتباعد الديار، وحين لا يزور العاشق ولا يزار كما قال الوراق. وإن شئنا عد الحب خطوطا غامضة وشمها في الأعماق طبيب التجربة، قلنا إن من يقرأها في صيدلية الهوى في سوس، يهب حاملها أثرين، أثر أودادن الذي يختص بتجربة ما قبل الحب، يتناول على الريق، ويعلم الذوات كيف تدبر شؤون الحب في مغارات الروح وتجاويفها. أما حميد إنرزاف فيصلح للمابعد، إن أثره من قبيل المضادات الحيوية لأوجاع مابعد الغياب وارتحال الطيف، فهي تطلب بعض الامتلاء الداخلي، كي تحدث في الروح مفعولها.
“الأمازيغية الخلاقة” هكذا يحلو أن أسمي، حضورا وعلامات تنبجس وتتدفق إلى زمنية السؤال ومدارات البحث النقدي، حاملة ندى الأرض، جذورها وجذاميرها، منصتة إلى النداءات العميقة وهسيس المغارات، كما كنا ننصت في الصغر للقواقع البحرية على شاطئ سيدي وساي، سيدي وساي الشاهد على اللقاء السعيد بين شابين، أو بين نظرتين، وخفق قلبين، كنت امتدادهما، ومن صلبهما تخلقت.
تقول الأم التي لم تعش الجرح الإكسيولوجي أيها القرن التاسع عشر، إنه صوت نسيم الجنة وخرير مائها يا ولدي، فيصدق الطفل نبؤوة الأم، حتى بعد أن مسته الجراحات العميقة، ظل يحتفظ بذلك الصوت القدسي، بعد أن عرف أنه دفء الشعوب كي لا تموت من البرد، وظل يؤمن أن في العناصر التي من حوله أصوات وهسيس ونداءات.
“الأمازيغية الخلاقة” هي إنصات للأصوات، لصوت البكاء في تماوايت وأحواش، لصوت أونامير خلف حكايات الحب وليل العاشقين، مجتذبة أذن إبراهيم أوحسين إلى حيرة السؤال ما سماه جلبير دوران الأزهار الميثية، تلك التي تشبه فدان الورد الذي حكى عنه الرايس حماد أمنتاك، ذات إشراق شعري، لما قال في تسريد تاريخه الشخصي “نكي يا اوزون الورد كاسكولو كيغ أكال، يناغت أوفيغ اضونس أييت إمالان” / “لست أبحث في الدنى سوى عن فدان ورد، دليلي إذا بلغته ما من أكمامه يضوع من عبق”
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي