الرئيسية / وجوه واسماء / بورتريه بادريس كما أراه (الجزء الأول) – الحسن الگامَح

بورتريه بادريس كما أراه (الجزء الأول) – الحسن الگامَح

بورتريه بادريس كما أراه (الجزء الأول)

الحسن الگامَح*

 

قيل لي: من هو بادريس رحمه الله …؟؟

وهذا من باب التعريف لا من باب الـتصنيف… ومن باب التأليف لا من باب التحريف.

قلتُ: هو من حمل في داخله حلمًا طفوليًا بالخروج من الضيق “الأضيق” (القرية والبداوة) إلى “الأزرق” (البحر والفضاء الواسع). العاشق اللون الأزرق لما يمثله من حرية وانفتاح على عالم آخر بعيدا عن ضيق القرية الممتدة على تل تطل على الحقول، باردة في أيام القر شديدة الخرارة في الصيف، حيث تنعدم روح الحياة بعد الحصاد في انتظار فصل الخريف، لا يكسر تلك الحرارة إلا أعراس هنا وهناك، وأحاديث المساء على مرتفع.

لم يشاور أحدًا في قراره، ولم يتراجع أبدًا، رغم توسل أمه الأرملة التي تحضن أطفالها الخمسة وهو سادسهم، بعد أن رحل الأب في مصيف في الحقول، بل مضى قدمًا في رحلته الاستكشافية، مدفوعًا بأفق لا حد له، ونبراس يعانق الفجر في كل مكان. بعزيمة قوية، لا تعرف التردد. رغم أنه اض إلى الجندية حيث الرصاص يدوي في كل بقاع العالم.

كان قبل رحيله، يعيش صراعًا كبيرًا بين حلمه وطموحاته وبين واقعه المفروض عليه. فبينما يحلم بركوب حافلة التجنيد ثم البحر وترك الرعي، حيث يفيق كل مرة على واقع “غثاء نعجة”، مواجه توقعات مجتمعه المتمثلة في “عصا جده أو أبيه قبل موته” التي توبخه على إهمال واجباته الرعوية. لذا تقوت فيه ورغبة الهروب من التعب الروتيني في الحقول والحرث والحصاد والجري تحت الحر أو المطر.

فقد طلّق البداوة والقرية والانتماء، تاركا وراءه الأم الثكلى التي تستحم بدمعها وقلبها الذي يلاحقه في جنونه. لم يوقفه دمع أمه ولا قلب امرأة، بل مضى مهاجرًا، يحمل زاده على ظهره، تاركًا كل شيء خلفه. هاجسه أن يحقق حلمه وطموحه لبعيدا عن كل الروابط والقيود. باحثا عن الاختفاء في الأزرق، وكأن لا عودة له إلا بأن يندمج كليًا في هذا الفضاء الجديد، أو أن يلمس تربة ما وراءه.

نصف قرن وهو لا يبقى على أرض، يركب حلمه ويسافر، يهاجر كلما تلظى في الأفق طريق. مهما عانق بمحراثه الأرض، أو بمنجله السنابل، لكنه قرر أن يطلق كل شيء، عشق القرية وحكي المساء والعشير. رحلة لا تتوقف، سعي دائم نحو المجهول، مدفوعًا بشهوة الوصول.

وهو الطفل الراعي البسيط وفي يديه ناي وأحلام وصدى، يراقص أشواقه على سفر لم يكتب بعد في لوح الأصول. بعد أن طردته عصا الفقيه، لم يعد يتلظى بين عينيه سوى حلم يكبره، يكبر الأرض والقرية وشمس الأفول.

فهو المغامر الحالم الكبير أن يرى أبعد مما يراه الآخرون، ويسعى لشق الفضاء والامتداد في رحاب الأزرق، مدفوعًا بشهوة الوصول.

هو رمز للطموح الذي لا يعرف الحدود، ورغبة الإنسان في تجاوز ذاته وواقعه نحو آفاق أرحب، حتى لو كلفه ذلك التضحية بكل ما هو مألوف ومحبوب.

إنه المسافر الأزلي، الباحث عن معنى الوجود في اللامتناهي.

(لأنَّ لونَ البحر أزرقْ

عشق إدريسُ الفتى

الخروجَ من الضيِّق الأضيقْ

فاعْتلى حلمهُ الطفولي صباحا

وراحَ يشق اكتشافًا الأزرقْ

زادُهُ… أفْقٌ لا حدَّ لحدِّه

ونبراسهُ… أنْ يعانقَ الفجْرَ في المغْربِ أو المشرقْ)

فتحية إلى روحه الزكية الطيبة الطاهرة من القلب إلى القلبِ…

وسلاما لروحه سلاما… يكفر عني ما نسيته من تذكير أو تعريف به وهو المعرف الذي لا يحتاج للتعريف.

عن madarate

شاهد أيضاً

الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة من خلال قصيدة “وصية في المنفى” للشاعر بوعلام دخيسي – الحسن الگامَح

  الحسن الگامح*   بدء ذي بدء: القصيدة عبارة عن وصية شاعر في منفاه، تتجلى …

اترك تعليقاً