أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / استدعاء النسيان في ظل الوجود قراءة في رواية (ليتني لا زلت منسياً) للكاتب  الحسَن الگامَح- مجدي شلبي

استدعاء النسيان في ظل الوجود قراءة في رواية (ليتني لا زلت منسياً) للكاتب  الحسَن الگامَح- مجدي شلبي

استدعاء النسيان في ظل الوجود قراءة في رواية (ليتني لا زلت منسياً) للكاتب  الحسَن الگامَح

مجدي شلبي (*)

مقدمة

نحن أمام رواية غير نمطية بداية من العنوان المدهش “ليتني لازلت منسيًا” وكأنه يستحث النسيان أن يظل كما كان، باعتباره الوسيلة الوحيدة للنجاة من عبثية الوجود الحاضر الذي يحياه الآن، وهو بهذا يمهد الطريق أمام القارئ لدخول المتن؛ باحثا بشغف عن مأساة هذا الإنسان الذي يستدعي الماضي، رغم يقينه بأن “الماضي مضى ولن يعود”، ثم يضيف الكاتب: “لكني أتذكره لعلي أستفيد منه، أو أنسى حالتي الشخصية” (ص 12)، تلك الحالة الوجدانية، التي تتأرجح بين الوعي بالحاضر والحنين للماضي، بين الوعي بالواقع والرغبة في نسيانه أوالنكوص عنه والارتداد منه، تأتي انعكاسا لتفكيره الفلسفي وأسلوبه الساخر وتعبيره الشاعري، الذي يقول فيه: “يبدو أني عدت إلى هوايتي التفلسف وكثرة الكلام لكي أنسى عالمي اللعين” (ص 12).

ومن خلال هذه العبارة؛ تنكشف الأبعاد الثلاثية للسرد في هذه الرواية؛ حيث تمتزج (الفلسفة): الرغبة في الهروب من واقعٍ قاسٍ، مع (السخرية): التهكم من الذات، ومع (الشاعرية): الأسلوب العاطفي الموجع “عالمي اللعين”، وهو ما يدفعنا إلى قراءة الرواية من خلال الزوايا الثلاث معا: الفلسفة والسخرية والشاعرية، والتي تنصهر في بوتقة السرد منتجة رواية غير تقليدية.

الثالوث السردي

لقد أتت رواية (ليتني لا زلت منسياً) معتمدة ــ كما ذكرت ــ على التداخل بين التأمل والتهكم والعاطفة، في ثلاثية تحكم إيقاع السرد ولا تفككه، فمن فكر فلسفي يُساءل الوجود:

ما معنى أن تكون موجودًا دون أن يُعترف بوجودك؟: “أنا هذا المعذب في الأرض، المعلق بين رحمة ربي التي وسعت كل شيء، وقسوة أبي التي تضيق علي كلما قلتُ أبي”(ص 16)؛ فبعض الآباء ليسوا نعمة بل هم ابتلاء، وهل هناك ابتلاء أقسى من أن يكون الإنسان عارا على أبيه؟ وماذنب هذا الإنسان الذي ولد معيبا في جسده؟: “رجل لصيقة بك طول عمرك تحملها ولا تحملك” (ص 19)، ومنقوصًا في عيني أبيه؟: “أهذا طفلك مسك الختام آخر العش منقوص برجل واحدة” (ص 21).

مرورا بالسخرية التي تعري الواقع كآداة مقاومة هدفها تفكيك المقدس الاجتماعي والسلطوي: “فالمعلم والأب يلعبان الدور الرئيسي في ترسيخ الإرهاب في نفوس الصغار” (ص 15)، وعبر عن هذا بأسلوب تهكمي ساخر: “أهل البيت يذبحون وأهل المدرسة يسلخون، هكذا كان الآباء يوصون المعلمين: نحن نذبح وأنتم تسلخون أو العكس.” (ص 16)،

ومن السخرية إلى الشاعرية التي تولد من رحم الألم والمعاناة محملة بالحنين والخذلان: “كيف لي أن أفر منها أو أن أنساها؟ وهل ينسى المرء بعضاً من بعضه حتى ولو كان حمله ثقيلاً؟” (ص 20)، وتأتي عبارة شاعرية أخرى تعبر عن استبطان للذة التأمل رغم ثقل المعاناة: “أرشف من فنجان قهوة وأتجرع مرارة الحياة، وأراقب هذا الحي من ألفه إلى يائه، وأتذكر طفولتي فيه.” (ص 27)، وهكذا كتب بطل الرواية بجسد ناقص عن عالم ناقص، حتى بدت الكتابة وسيلة للانتقام الهادئ من الزمن ومن الأب ومن الوجود ذاته بأسلوب فلسفي ساخر مشبع بالشاعرية.

 

البناء الفني للرواية

وكما جاء هذا السرد ثلاثي الأبعاد أسلوبا؛ فقد تجاوزت هذه (الرواية) ذاتها التصنيفات الأدبية التقليدية من حيث النوع؛ فجمعت بين السيرة والرواية والشهادة، فهي كسيرة ذاتية: تأسست على ضمير المتكلم واعترافه، كما جاء في: “ولدت برجل ميتة من البداية كنت أعرج في كل شيء، في الخطو، في النظرة، في الحلم” (ص 19)، وهي كرواية: تتحدث عن الأب والمدرسة، بنقد اجتماعي يحمل طابعا رمزيا: “كان أبي يرى فيّ شوكة في حلق حياته، فأراد أن يقتلعني دون أن يراه أحد” (صـ21)، وهي كشهادة ووثيقة إدانة ضد التعذيب المدرسي الممنهج: “هوى عليّ ضربًا بعصاه… وقال: هذا هو الاسم المرفوع، وهذا هو الخبر المنصوب” (ص 43)

وقد أتى هذا التداخل الذي بين السيرة والرواية والشهادة على نحو مقصود، معبرا عن تمزق الذات، فتوافقت كتابة تلك الذات الممزقة مع سرد متفلت من القوالب النمطية، فاعتمد الكاتب التشظي بديلا عن التتابع، متجاوزا الحبكة التقليدية، في محاكاة للذاكرة التي لا تعمل وفق تسلسل زمني، بل وفق تداعيات شعورية ونفسية، مبرزا البعد النفسي للشخصية بتوتراتها وانفعالاتها الداخلية، مما جعل السرد أكثر واقعية في تصوير الوعي الإنساني، والتأكيد على حجم المعاناة من خلال دائرية السرد، الذي يدل على عبثية الحياة، أو دورة الألم، أو صعوبة التغيير، ومن ثم جاء الحنين إلى العدم، وعودا على بدء فكرة “ليتني لازلت منسيًا”.

وتأكيدا من الكاتب على هذا النهج غير النمطي في سرد (روايته)؛ عمد لتقسيمها إلى (إشراقات) بديلا عن (الفصول أو الأبواب التقليدية) لغرض فني ودلالي عميق يكشف عن رؤيته الفلسفية ــ باعتباره في الأصل شاعر ــ، ولكون الإشراقة تعني ومضة وعي وجدانية؛ فقد قسم (الكاتب/ الشاعر) روايته إلى أربع إشراقات، كل إشراقة تضم عناوين فرعية تشبه الشذرات الوجودية، التي تمثل لحظة إدراك أو انكسار أو مساءلة للذات والعالم: “كيف يمكن لولد أن يكره والده؟ وكيف يمكن لأب أن يرى في ابنه نقصه الفاضح؟” (ص 21)، وهكذا تبدو الثنائية الضدية بين (سلطة القمع وصوت الرفض)، بين الأب والابن هنا، وبين المعلم والتلميذ في موضع آخر أشرنا إليه آنفا، وبين الجسد والوعي (جسد ناقص مقابل وعي ينضح بالألم): “رجلي اليمنى نمت بطريقة عادية كما نما جسمي، و (هي) ــ يقصد رجله اليسرى ــ عكس ذلك نمت ببطء شديد… رجل لصيقة بك طول عمرك تحملها ولا تحملك” (ص 19)، وكذلك الثنائية الضدية بين التذكر والنسيان على نحو ماجاء في العنوان: “ليتني لا زلت منسياً”، فالذات تتوق إلى النسيان لكي تتحرر من عبء التذكر، وهكذا استعاض الكاتب عن غياب الحبكة التقليدية بتلك الثنائية الضدية، التي منحت السرد ديناميكية وحيوية معبرة عن الأحداث بأسلوب مشوق وممتع رغم ما تعكسه من قسوة وألم ومعاناة.

 

الاعتياد وزيف الأقنعة:

لم يكتف الكاتب في روايته بسرد ما تعرض له البطل من قسوة بصفة شخصية، بل تجاوز الفردية ليعبر عن المجتمع؛ متخذا من الحكي الشخصي وسيلة لفضح واقع اجتماعي أكبر، وهكذا يمكن إدراج هذه الرواية ضمن الأدب الاجتماعي المقاوم، خصوصا ما يتعلق بالعنف الأسري والتسلّط التربوي، والتهميش والتمييز والقهر في المؤسسة التعليمية وغيرها، كذلك غياب الاحتواء الأسري والمجتمعي للضعفاء والمعوقين: ” إنه المرفوض الناقص الذي سيعكر حياتي كلما سأراه” (ص 21) هذه الجملة تفضح نموذج الأب القامع، الذي يسقِط فشله على ابنه المعاق، بدلا من أن يحتويه: “فلقبني أبي المنقوص والمرفوض، ولُقبت في الحي: بالهادي أبو عين واحدة…، أو الهادي أبو رجل واحدة… لهم الحق في رمي الألقاب على من شاءوا مادامت ألسنتهم مطلوق لها العنان كالكلاب” (ص 22)، وهكذا شعر (الهادي) بافتقاد القدرة على الاندماج بأقرانه.

ولم يكتف الكاتب بفضح هذا النهميش المزدوج، بل ألقي الضوء على قضايا اجتماعية مركبة تمس الوعي الجمعي والديني والأخلاقي، منها تحول العبادة إلى مجرد تقليد أعمى: “يصلي لأن الكل يصلي يصوم لأن الكل يصوم، ويضحي في عيد الأضحى وهو لا يملك ثمن الأضحية لأن الكل يضحي ويخاف من أقاويل الناس” (ص 35)، وهكذا تكشف العبارة عن تدين ظاهري، وهو نوع من أنواع تزييف الوعي باسم الدين.

ومن تزييف الوعي إلى تغييبه من خلال إدمان (السجائر والخمور) كوسائل للهروب من الواقع المؤلم، بمحو الوعي: “عقل مخمور لا يفرق بين الجهل والعلم وبين الظلام والنور” (ص 71)، “يدخن سيجارته المفضلة، شعار البطالة والفقر… شعار الكسل والموت المبكر” (12).

وهكذا وجدنا الكاتب يدين هذه المظاهر ــ ليس من خلال خطاب وعظي ــ بل من داخل السرد المتشظي الذي ينقل تجربة البطل كاشفا النقاب عن زيف لم يعد يحتمل، ولم يعد كافيا الصبر عليه في صمت، ومن ثم جاء البوح بالكتابة وسيلة للخروج من الضيق إلى البراح، ومن الألم إلى تضميد الجراح، وقد عبر الكاتب عن ذلك في إشراقته الرابعة (الأخيرة): ” اكتب ولا تيأس، فلن يشفي غليلك إلا الكتابة” (ص 239).

 

رباعية العزلة والبوح

ففي أربع إشراقات، رسم الكاتب رحلة معاناة البطل بمداد من الألم، وهي رحلة بدأت من جذر الطفولة المشوهة المقموعة، مرورا عبر خذلان المجتمع ومنظومة التعليم، ثم تكثفت المأساة بفقدان الأم وانهيار الذاكرة والوعي، حتى بلغت ذروة البوح في فعل الكتابة، كأن الكلمة آخر ما تبقّى من حياة المهمشين.

ففي إشراقته الأولى تناول الطفولة ليس من خلال البراءة، بل باعتبارها المرحلة الأولى من مراحل الألم والاغتراب المبكر والعاهة والعنف الأبوي: “وأنا في السابعة أعطاني درهما لأشتري له علبة السجائر، لكن العلبة سرقت مني أثناء عودتي إلى البيت من طرف مجهولين، فكان عقابي أن صفعني على خدي الأيمن فغطى مباشرة غشاء أبيض عيني، فصرت من ذلك العهد لا أرى جيدا” (ص 22).

ثم تناول في الإشراقة الثانية لحظات الخذلان المؤسسي في المدرسة والمجتمع، وسخريته من منظومة التعليم والسلطة، والقيم المشوهة: “المعلم هي اليد الثانية للأب تبطش أيما بطش، وتعذب أيما تعذيب”. (ص 16)، ” علمونا منذ أول يوم ولجنا فيه باب الثكنة أنتم خنازير وستبقون خنازير كما جئتم إلينا…” (ص 33)، “البيت ثكنة صغيرة نحكمها كما نشاء، كل خنزير يصبح فيها جنرالا بلا منازع، يصدر أوامره كما يشاء ومتى يشاء ولا أحد يناقش أوامره لا زوجته ولا أولاده، ومن عصى أوامره (…) الطرد من البيت بعد الضرب والتعنيف، هكذا ربونا في الثكنات وهكذا ربينا أولادنا خنازير مثلنا.” (ص 34).

ثم أتت الإشراقة الثالثة معبرة عن مرحلة شديدة الخصوصية من رحلة البطل، وتمحورت حول الانهيار النفسي والوجودي بعد وفاة الأم، وما ترتب على ذلك من فقدان للذاكرة: ” لم يمض على وفاة أمي أسبوع واحد حتى خر الهادي على الأرض بلا ذاكرة لم يعد يتقن أي شيء: لا الكلام… لا المعرفة… لا ربط الأحداث بالأماكن والأزمنة” (ص 123)، وهي الإشراقة التي بمثابة مرحلة الاعتراف بالعاهة النفسية والذهنية، لا الجسدية فقط، والتجلي المؤلم للذات، وتقاطع مع مفاهيم وجودية كـ”العدالة، القدر، الفقد، الانكسار، ثم محاولة “الإشراق من جديد” كما عبر عنوان الإشراقة ذاته: “لي أن أشرق من جديد”.

ثم خصص الكاتب “الإشراقة الرابعة: لفعل الكتابة أن يشرق”، وفيها يأتي حضور الكتابة كصراع داخلي واحتراق وجودي: ” وأنا خلف هذا الفعل أحاول ألا أخفي شيئا وألا أتعرى أكثر لكن فعل الكتابة أن تعري كل شيء وتدخل في حوار صريح مع الذات من جديد” (ص 237)، ثم تأتي الدعوة الصريحة لفعل الكتابة بوصفها خلاصًا روحيًا وجوديًا: ” أوصيك يا الهادي أن تكتب عن هذا الحي اللعين الذي أخذ منك عمرك وحياتك… اكتب كل شيء لا تترك صغيرة ولا كبيرة، كن جريئا لا تخشى لومة لائم ولا انتقادات ناقد…” (ص 237).

وقد أبدع الكاتب في وصفه للكتابة بأنها موازية للحياة ومضادة للموت بقوله: ” قل لهم أنك ميت قبل الكتابة، اثبت لهم أنك بالكتابة ستحيا من جديد” (ص 240)، “اختر الكتابة: اختر الحياة على الموت…” (ص 241)، والمدهش أن ظهر بجلاء تحول الكتابة في الإشراقة الأخيرة من أداة تعبير إلى فعل تطهّري وجودي: “الكتابة احتراق متواصل لا ينتهي… الكتابة هروب من الواقع المزري إلى الحلم المزيف” (ص 240)، “كلما ظننت أنك بلغت المراد تكتشف أنك لم تفعل أي شيء”.

وقد سبق أن أوضح الكاتب رؤيته المرتبطة بعنوان روايته في: “ليتني لا زلت منسيا… ليتني ما عدتُ وبقيت على سرير بلا ذاكرة لكيلا أكتشف هول هذه الدنيا القاتلة” (ص 140)؛ فالنسيان هو الملاذ الأخير، لأن الحضور بعد فقد الأم: “بيت بلا أم تستقبلك كل ساعة بل كل ثانية بقلب مفتوح” (ص 140)؛ لا يجلب إلا الألم، ومن ثم لا يكون استدعاء النسيان عزاءً، بل احتجاجًا ساكنًا ضد حضور الفقد القاسٍي الذي لا يرحم.

 

خاتمة

وفي نهاية قراءتي أتوجه بالتحية والاحترام والعرفان والتقدير للشاعر الكبير أ/ الحسن الكامح الذي خاض غمار السرد بكل ثقة واقتدار؛ فأنتج هذه الرواية التي حركت فينا وجعا دفينا، وجاءت بصدقها النادر متجاوزة حدود الذات، حتى يخيل لمن يقرأها أنها تعكس بعضا من همومه الوجودية بلغة شفيفة تجمع بين حرارة البوح وعمق التأمل.

 

(*) عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر

 

ناقد من مصر

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً