تراكيب متشظية في لوحات الفنانة نوال شريف

محمد سعود*
يعتبر الكولاج من الفنون المستحدثة إذ كانت بداياته الأولى في مطلع القرن العشرين على يدي الفنان الألماني ماكس إرنست Max Ernest والفنان الإسباني
بابلو بيكاسو Pablo Picasso. . تطور هذا الفن مع الألفية الثالثة باعتماد وسائط رقمية جديدة أحدثت ثورة في هذا المجال ، وإن كان الكولاج لا يتطلب موادا كثيرة ولا خبرة كبيرة إلا أن الفنان الذي يختار هذه المادة في التعبير يحتاج إلى وثبة خيالية خلاقة كي لا تتحول تلك المواد التي قام بتركيبها ولصقها مجرد نشاز أو لصق تعسفي لا علاقة لها به بالعمل الفني ، وبالتالي يفقد الكولاج وظيفته الجمالية وكذلك التعبيرية . وعلى حد تعبير الفنان ماكس إرنست أحد أبرز فناني الدادائية والسوريالية الذي اعتمد كثيرا في أعماله على اللصق والصقل والفرك في قوله : ” إذا كان الريش هو الذي يصنع الريش، فليس اللصاق هو الذي يصنع الترابط.”

وفي إطار فن الكولاج اختارت الفنانة والشاعرة المغربية نوال شريف في أعمالها فن الكولاج مادة رئيسة اعتمدت فيها على أوراق المجلات و لذلك تكون متجانسة رغم تنافرها أي تعتمد على مادة واحدة وهي قصاصات الصور مما يجعل السند والمادة المستخدمة في التعبير الفني من جنس واحد. وتتميز بأنها دون نتوءات أي غير ثلاثية الأبعاد ولذلك فهي ناعنة الملمس مسطحة ذات بعدين فقط ومما يقوي هذان البعدان وعدم ظهور بعد ثالث يوحي بالعمق هو لصق هذه الصور على مساحات بيضاء دون إضافة آية خطوط وألوان في الغالب وإن كانت في الآونة الأخيرة تكسر هذه القاعدة .
تركب الفنانة نوال شريف هذه الأجزاء من الصور لتخلق منها عالما سورياليا، فرغم أن هذه القصاصات حين يتم إزالتها وقطعها من الأصل تصير شظايا إلا أنها تزيد من تشظيها بإعادة تركيبها وفق تصورها . فتبدو هذه الشخوص غرائبية باعتمادها عن قصد على شخوص أدمية وعناصر من جنس آخر قد تظهر متباعدة وعبثية ولكنها في الحقيقة تم تكثيفها بمخيالها وفق تصوراتها المسبقة ، تتلاعب بها كما تتلاعب الصورة بعقولنا وإدراكنا اليوم في عصر طغت فيه الصورة بمختلف أنواعها سواء كانت متحركة او ثابتة على حياتنا اليومية إضافة الى الطفرة التي عرفتها الصورة مع الذكاء الاصطناعي حيث أصبح التلاعب بها ووضع شخوصها في سياقات وفضاءات لا تمت للحقيقة بصلة
تكشف هذه الشظايا من الصور عند تجاورها وتباعدها عند الفنانة نوال شريف عن عالم غرائبي وسوريالي وعن واقع آخر كأنه مستمد من عالم الأساطيرَ لا يمت للأصل المبتور منه بِصِلَة ،واقع تتجاوز فيه الفنانة بوثبتها الخيالية عالمنا المألوف بصوره وأشكاله المعتادة لتخلق عالما عجائبيا . وتتحول هذه المفردات المجزأة إلى نص سردي بصري مفعم بالحلم في حاجة إلى متلق يعيد تركيبه ذهنيا لإدراك ما تم تفكيكه بصريا .
فنان تشكيلي وباحث من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي