الرئيسية / الأعداد / الفوتوغرافيا ذاكرة بصرية لفن المقاومة – عمر عيّاد

الفوتوغرافيا ذاكرة بصرية لفن المقاومة – عمر عيّاد

الفوتوغرافيا ذاكرة بصرية لفن المقاومة 

 عمر عيّاد*

 

 

الملخص

يعدّ فن الفوتوغرافيا أحد أهم الممارسات البصرية التي ساهمت في إعادة تشكيل الوعي الجمعي داخل الوطن العربي، إذ تجاوز دوره التوثيقي ليغدو أداة مقاومة تعبّر عن الرفض والتمسك بالهوية. فلم تعد الفوتوغرافيا العربية مجرد انعكاس للواقع بل تحوّلت إلى خطاب بصري مقاوم، يوظّف الصورة كقيمة رمزية وجمالية لمواجهة التهميش والقمع والاستلاب الثقافي. تسعى هذه الورقة إلى تحليل الفوتوغرافيا كوسيط مدعم لفعل المقاومة من خلال مقاربة جمالية وسوسيولوجية، تبرز كيفية تفاعل الصورة مع قضايا الحرية والذاكرة والكرامة الإنسانية في السياقات العربية المعاصرة.

الكلمات المفتاحية

الفوتوغرافيا – المقاومة – الصورة – الوعي – الهوية – الفن العربي المعاصر

المقدمة

شهدت الفوتوغرافيا العربية تحوّلات عميقة جعلت منها أكثر من مجرد ممارسة فنية أو تقنية بصرية، إذ غدت أداة وعي ومقاومة، تعبّر عن قضايا الشعوب وتستفزّ الذاكرة الجمعية في مواجهة النسيان والتطبيع والتهميش. فمنذ اندلاع الانتفاضات العربية برز المصوّر العربي كفاعل بصري لا يكتفي بالتوثيق بل يسهم في صناعة المعنى وتوجيه الرأي العام. الفوتوغرافيا في هذا السياق ليست انعكاسا للواقع بل خطابا بصريا يعيد إنتاجه وفق منظور نقدي وجمالي يقاوم السلطة والاحتلال والإقصاء الثقافي.

  • الصورة كأداة وعي ومقاومة

لئن كانت الصورة الفتوغرافية وسيطا تقنيا يرصد الزمن ويحفظ الذاكرة، فإنها تحوّلت في الوطن العربي إلى أداة وعي وإلى سلاح رمزي يُمارَس من خلاله فعل المقاومة. لقد تجاوزت الصورة دورها في التوثيق إلى مستوى الفعل النقدي، حيث تُسائل الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، وتعيد تشكيله من خلال منظومة بصرية تُحرّك الوعي وتستفزّ المتلقي. فالفوتوغرافيا العربية الحديثة ليست تسجيلا للحدث بل تأويلا له، إذ يتعامل المصوّر مع الكاميرا كأداة فكر وجدل، لا كآلة محايدة بما يمنح المتلقي إمكانية المشاركة في الفعل المقاوم من خلال النظر. فالضوء في الفوتوغرافيا ليس مجرّد عنصر جمالي، بل هو حامل للمعنى، يكشف عن الفضاءات المقموعة، ويعيد ترتيب العلاقة بين المرئي والمسكوت عنه، حيث أنّ “كل فعل بصري في سياق الهيمنة هو في ذاته فعل مقاومة، لأنّه يزعزع مركز السلطة الذي يحتكر تعريف الواقع“.[1]

لقد تمكّنت الصورة العربية من توجيه الوعي الجمعي خلال فترات الاضطراب السياسي والاجتماعي، خصوصا منذ الانتفاضات العربية. لقد تحوّل المصوّر إلى شاهد عيان على التاريخ، وفاعل في كتابته من داخل اللحظة، حيث تكتسب الصورة هنا طابعها الثوري. فعندما التقط المصوّرون الشباب في تونس أو مصر صورا للمتظاهرين في الميادين، لم يكونوا يوثّقون حدثا فحسب، بل كانوا يصنعون رموزا بصرية للكرامة والحرية.

وتستمد الفوتوغرافيا المقاومة طاقتها التعبيرية من كونها تتعامل مع الجسد العربي باعتباره مجالا للذاكرة والكرامة في آن واحد. فالجسد المصوَّر ليس مادة جمالية فحسب، بل هو حقل للمعنى السياسي والإنساني. إنّ توثيق الجسد الجريح أو الجسد الصامد يوازي توثيق الوطن ذاته، لأنّ كليهما مهدّد بالفقد والطمس.

  • الفوتوغرافيا والهوية البصرية العربية

اتّسمت الفوتوغرافيا المقاومة في الوطن العربي بارتباطها العميق بالهوية البصرية للمنطقة، التي تراكمت عبر تجارب ثقافية وفنية متباينة على مرّ العقود. فلم تعد الهوية مجرد عنصر شكلي أو “ديكور” بصري، بل تحولت الى خطاب مرئي يحمل رموز الانتماء والذاكرة الجماعية، ويؤسس لسرد بصري يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي.

ولعبت التجربة الفلسطينية دورا محوريا في بلورة هذه الهوية البصرية، فلم يكن المصور الفلسطيني منذ العقود الماضية يوثّق المكان أو الحدث فقط، بل يصنع رموزا للوجود والمقاومة. فالأرض، والجدار، واليد المرفوعة، والوجه، كلها عناصر تتداخل لتنتج خطابا بصريا يحمل ذاكرة شعب بأكمله. وقد عبّر خالد جرار عن هذا المنحى قائلا: “أحاول أن أصوّر ما لا تستطيع الكلمة أن تصفه، وأخلق من الصورة ذاكرة للمقاومة.”[2]

في التجربة اللبنانية، نجد أن الفنانة راوية مجدلاني استعملت الفوتوغرافيا لإعادة بناء ذاكرة المدينة المدمّرة من خلال تصوير بيوت بيروت ووجوه النساء اللواتي صمدن في وجه الحرب والتهجير. فالصورة هنا هي وسيلة للحفاظ على الذاكرة الإنسانية، وخلق هوية بصرية تتجاوز الكارثة لتؤكد استمرار الحياة فتكون الصّورة لديها شهادة على الألم ودفاعا عن الوجود.

وفي تونس، شكّلت تجربة حليم قارة بيبان نموذجا معبّرا عن الفوتوغرافيا المقاومة في تونس فقد ركّز في أعماله على توثيق الواقع الاجتماعي والسياسي للبلاد بعد الثورة التونسية لم يكن “بيبان” يهدف إلى تسجيل الحدث فحسب، بل سعت إلى خلق نص بصري يعكس التغيرات في الحياة اليومية للمواطنين ويكشف عن جوانب التهميش والفقر والاضطهاد كانت العدسة في يدها أداة لاكتشاف ما يُحاول إخفاؤه الواقع الرسمي وما يُغفل عن الوعي الجمعي.

فصوّر الجدران المرسومة والأعلام الوطنية الأيدي المرفوعة في الأماكن العامة التي شهدت الاحتجاجات لتقديم قراءة جمالية ووعي سياسي في آن واحد. تحوّلت الصور التي التقطتها إلى نصوص بصرية تحمل رسائل عن الهوية والكرامة والمقاومة. كما أبرزت الفوتوغرافيّة “منى الكرّاي” حضور النساء والفئات المهمشة في المدينة والأحياء الشعبية لتجعل من الجسد والفضاء البصري أداة لتسجيل الصمود اليومي وإعادة إنتاج الذاكرة الجمعية بما يحوّل المشاهد المصوّرة إلى مساحات تعبيريّة للحقيقة والمواجهة كي تصبح صورة شاهدا بصريا فعملت على بناء ذاكرة بصرية تعكس الألم والأمل في آن واحد، وتؤسس لفعل بصري مقاوم يحفظ الوعي الجمعي ويعيد تعريف دور الصورة كخطاب اجتماعي وسياسي وفني، ذلك أن “الجمال في الثقافة العربية ليس حياديا، بل موقف من العالم.[3]

  • الفوتوغرافيا كفضاء للحقيقة والمواجهة

غدت الفوتوغرافيا العربية في سياق المقاومة فضاء للكشف عن الحقيقة ومواجهة القمع، حيث تتحوّل الكاميرا من أداة توثيق تقليدية إلى سلاح رمزي يفضح الاستبداد ويفضح الانتهاكات. فلم تعد الصورة مجرد وسيط لنقل الحدث بل أضحت وسيطا لإنتاج للمعنى، حيث تستبطن رسائل تجاه الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي العربي.

وفي هذا السياق وظّف المصور عمار عبد ربه عدسته لتوثيق المدن المدمّرة والمأساة الإنسانية في المدن المحاصرة، فحوّل الركام والدمار إلى عناصر بصريّة تكشف عن التناقض بين الحياة والموت، وتحمل دلالة رمزية على صمود الإنسان في مواجهة الحرب.

لا تعد الفوتوغرافيا تكتفي بالبعد الوثائقي والجمالي فحسب، بل تتوسّع لتكون فضاء للمواجهة الأخلاقية والسياسية. فالتصوير في هذا السياق هو فعل تحدّ للسلط والفكر السياسي، إذ يكشف عن القمع والعنف ويرسّخ في الوقت نفسه وعي المتلقي بالعدالة الإنسانية والكرامة لتكون “الصورة أداة رمزية تستطيع أن تكسر هيمنة السلطة حين تُعاد توجيهها ضد القمع.”[4]

تمكّنت الفتوغرافيا المقاومة في فلسطين من نقل صمود الناس في مخيمات اللاجئين والمدن المحتلة. فالصور التي تلتقط الوجوه والأيدي المرفوعة والجدران المرسومة بالرموز الوطنية ليست مجرد وثائق، بل أدوات مواجهة تتحدى محاولات الطمس والإلغاء. ولعبت الفوتوغرافيا دورا هاما في مواجهة التهميش الاجتماعي والسياسي، حيث وثّق المصورون حياة الفقراء والمهمشين، وحوّلوا المدينة إلى فضاء بصري يحكي عن الواقع بطريقة جمالية تحمل في طياتها نقدا اجتماعيا. هكذا تصبح الصورة مساحة لمواجهة الصمت الرسمي، وإظهار ما يُحاول إخفاؤه الإعلام التقليدي أو السياسة السائدة.

تؤكد المعارض لفن الفوتوغرافيا المقاومة أنّ الحقيقة ليست مجرد توثيق، بل بناء بصري يحمل قيمة أخلاقية وجمالية في آن واحد. فيصبح المشهد المصوّر نصا بصريا، والعدسة أداة كتابة، والضوء وسيلة لإيصال الرسالة. وعبر هذا الفعل، تتحقق قدرة الفوتوغرافيا على إنتاج خطاب بصري مقاوم، يربط بين الفرد والجماعة، بين المتلقي والمشهد، ويؤسس لفعل مقاومة جماعي يشارك فيه الجميع من خلال النظر والتفكير والتأمل.

الخاتمة

يمثل فن الفوتوغرافيا في الوطن العربي مجالا خصبا للمقاومة البصرية والرمزية، إذ يدمج بين الجمال والالتزام ليصوغ خطابا يعبّر عن إرادة الشعوب في التحرر. الصورة المقاومة لا تنتمي إلى الجماليات التقليدية بل تنبع من الألم والأمل في آن واحد، وهي بذلك تواصل بناء ذاكرة بصرية جديدة تحافظ على الوعي الجمعي العربي وتعيد تعريف معنى الفن بوصفه موقفا من الوجود.

المراجع

  • الخطيبي، عبد الكبير. الذاكرة الموشومة. الدار البيضاء: دار توبقال، 1992
  • كيليطو، عبد الفتاح. الأدب والغرابة. الدار البيضاء: دار توبقال، 1985
  • سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب، 1997
  • بورديو، بيار. سوسيولوجيا الصورة. ترجمة فؤاد الشايب. بيروت: دار المعرفة، 2012

 

[1] إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب، 1997، ص. 33

[2] خالد جرار، حوار في مجلة الكاميرا العربية، العدد 14، 2018

[3] عبد الفتّاح كيليطو، الأدب والغرابة، دار توبقال، 1985، ص54

[4] بيار بورديو، سوسيولوجيا الصورة، ترجمة فؤاد الشايب، دار المعرفة، بيروت، 2012، ص 65

 

 باحث من تونس

عن madarate

شاهد أيضاً

الصحراء مغربية  – أمنية كانوني

أمنية كانوني*   خَمْسُونَ عَاماً مِنَ الإِعْصَارِ فِي الرَّمْلِ يَسْتَبْشِرُ الْيَوْمَ أَهْلُ الْعَزْمِ وَالْفَضْلِ   …

اترك تعليقاً