الرئيسية / الأعداد / والدتي – حبيبة زوكي

والدتي – حبيبة زوكي

بورتريه

والــــــــــــــــــــدتي

حبيبة زوكي*

 

والدتي

امرأة مربوعة القد، لها من الجمال الروحي والجسدي ما يجعلها أميرة تتربع على قلوب كل الذين يعرفونها. منذ وعيت الحياة، تنبهت إلى كونها مناضلة دون أي منازع، مكافحة بكل ما تحمل الكلمة من عمق وإنسانية..
والدتي امرأة أمية، لكنها تعي ما معنى الحياة، وتعي أبعاد الدنيا وغاياتها، وهلمّ مهارات نفتقدها في زماننا.
إنها الصادقة في كل شيء، تقول كلمتها أحب من أحب وكره من كره. لها في الحكي شجون بألوان الطيف، ولها من الحياة اخضرار وجمال. تزوجت قبل أن تفطم عن اللعب، فكانت، وهي ببيت الزوجية، تتحين الفرص لتلتقي إخوتها تلعب معهم “حضاي الحيك وشيرا”، ثم تهجع على ركبة والدتها ما طاب لها من الساعات. وبعدما اشتد عودها، فهمت معنى أن تترك البيت ذات ليلة مقمرة، وترافق، آناء الليل وأثناء النهار، رجلا كان غريبا عليها. سكنت بدرب الضاية، ثم بالملاح؛ حيث أنجبت بعض أطفالها.. أحيانا، وهي في طريقها إلى السوق للتبضع، كان أحد الفرنسيين بمعمل أندريه يتبعها قائلا: “أفاطنة، أفاطنة تخدمي؟”. لم تكن تعره انتباها، بقدر ما كانت تسابق الريح؛ كأن العمل وصمة عار ستلتصق بجبينها. أنجبت أطفالا، دفنت بعضهم وهم في المهد ما يزالون.. تعلمت ما تيسر من المهارات كالنسيج؛ فكانت تبدع في زركشة الزرابي.. خلال فصل الصيف، دأبت
على نسج جلاليب صوفية معتبرة لزوجها؛ جلاليب كانت تنم عن إبداع وحنكة في الصنعة. كما كانت تتفنن في صنع الأغطية؛ التي استغنى عنها الناس في زماننا. بالموازاة مع الجلباب والزربية، كانت تنهمك بكل حب في حبيكات لأطفالها، كل بقياسه، وباختيار الألوان التي تتماشى مع بشرته. كانت تخاف على زوجها، وأبنائها من البرد، ومن قساوته..

والدتي امرأة عظيمة، هي منبع للحب والصدق. والدتي، كما كل الأمهات، نسيت ذاتها، وهي تسهر من أجل أطفالها. بل كان حبها هو النور الذي به نرى الحياة، وبه نفهم معنى الوجود، وكل تجلياته..
هي، بلا أدنى منازع، امرأة “حادكَة” بكل ما تحمل الكلمة من عمق، ومعنى، أو معاني.. تتنازل غير ما مرة عن كل حقوقها اتجاه الآخرين، فلا تتذكر غير الواجبات.. سموحة لا تعرف للحقد طريقا. وهي امرأة خلوقة، لا تخرج إلى الحديقة تتفرج على السابلة، أو تخوض في أعراض الناس، والنبش في أسرارهم.. ليس طبعها اللمز أو الغمز..
وقتها ينقسم بين تربية الأطفال، والاستجابة لمطالب الزوج حينما كان قيد الحياة. وبعدما فارق الحياة، كانت تقوم بدور الأم والأب؛ وهو دور قاس، ومركب شيئا ما..
تكثر من الجلوس لذكر الله والصلاة. ونحن أطفال، تعودت والدتي أن تستيقظ لصلاة الفجر، وتوقظنا أيضا لمراجعة الدروس. كانت كفقيه “المسيد” تتوسط الغرفة متجهة للقبلة، تصلي تارة، وتذكر الله أخرى.. ترقب الأطفال، وكلها أمل أن يتحقق حلمها؛ فيكون لكل واحد شأن في الدنيا.. ترقبنا مسلحة بعصا طويلة، توقظنا بها كلما سرقنا النوم، وغفونا.. كنت أكره الحفظ؛ وخصوصا حفظ دروس مادة التاريخ على وجه الخصوص.. فكنت أبقى في سريري أتلذذ بالدفء والوقت فجرا.. الدفتر أمامي، يسافر بي النوم، بين الفينة والأخرى، بعيدا. وحينما توقظني، أقول لها بعين مغمضة، وأخرى ترى الضباب: “كنت فقط أستظهر الدرس”. مرت أيام كثيرة، وأنا أسرق النوم بكلمة المرور هذه، إلى أن كشفت المستور.. ذات فجر، أيقظتني فقلت نفس الجواب، فأجابتني: “لكنني أخذت الدفتر منذ نصف ساعة، ولم تفطني لذلك حتى.. أكلت يومها ما يأكل الطبل يوم العيد.. كنت أضع أثناء مراجعتي دوما قصة من قصص محمد عطية الأبراشي بدفتر التاريخ، فمادة التاريخ كانت وقتها تبدو لي مادة جافة حد التجاوز.. لا شيء يشفع لي وقتها عند والدتي غير نتائج الامتحانات؛ التي بها كنت أعز خلال أيام.. كانت لا تفك الحرف؛ لكنها برعت وأبدعت في عدة أشياء.. كنت أجلس أمامها لاستظهار الدروس والقرآن. حينما أتلعثم، أو أسكت فجأة، تعيد لي الدفتر قائلة: “أعيدي الكرة”. كانت تعي تماما معنى الحفظ، ومعنى القراءة، ومعنى تفكيك المعاني..
مع كل عودة من المدرسة، تفتش محافظنا. ويا ويل من نقص من أدواته شيء أو زاد… وحينما ترسلنا إلى البقال، أو إلى السوق القديم، تنبهنا أنه إن تأخرنا فلن نفلت من العقاب. كم كانت تفرح كلما نجح أطفالها، أما والدي رحمه الله، فلم يجبرنا قط على تتبع شعبة ما، ولم يعرف بأي صف نحن حتى.. كان يحفزنا بطرق عديدة ومختلفة.. مازلت أذكر أنه لم يكن ينسى أن يقتني لي جريدة 8 مارس كل شهر، ولا ينسى درهم جريدة الرأي كل ثلاثاء، وخميس، وسبت..
وهبتها الحياة عدة صديقات من ضمنهن “فاطمة المسكينية” نسبة لابن مسكين، وكانت كلما زارتها إحداهن ولم تجدها، تترك خيطا معلقا “بدقاقة الباب”.. كان الخيط هو الهاتف النقال، بالخيط تعرف التي حضرت من طريقة عقد الخيط.. فالناس أساليب، وطباع”، ولغة..
من طرائف التأخر عند البقال طريفة نسيها أفراد العائلة فقط مع مرور الأيام. ذات مساء، كان ضيفنا أحد أخوالي، خال كان يدعي أن لديه قطة حينما كنت طفلة ما أزال، يخبئ وجهه في جلبابه، ويموء كقطة لأهرع إليه بحثا عن القطة. وكلما وصل إلى البيت أسأله إن كانت “ميو” عنده؛ أعني بذلك القطة.
رغب هذا الخال في الماء المعدني “والماس”، ذهبت عند البقال، لكنه أعطاني “سيدي حرازم”.. بعد عودتي إلى البيت، طلبت مني والدتي أن أعود أدراجي، وأغير المشروب..
عند وصولي عند البقال قلت له: “خالي مبغاش مولاي حرازم بغى مهواش”. كنت أنطق الجملة بطريقة جد طفولية، فقد كنت أسبح ما أزال في بحر براءة الأطفال وسذاجتهم، وكان ضمن الحضور عسكري متقاعد كنا نناديه: “با العسكري” فكان يطلب مني أن أعيد قول الجملة التي بها حول، وكلما فعلت يكافئني بقطعة نقدية صفراء. استمتعت، وانتشيت بالقطع النقدية التي جمعت، ولم أبال بالوقت.. تبعتني والدتي لتجدني أردد تلك الكلمات؛ التي كانت تدفع “با العسكري” للقهقهة. جذبتني من جديلتي، لم أنبس ببنت شفة. تبعتها أحمل قارورة أولماس، وظلت الحكاية ملح أيامهم إلى أن نسيت.. والدتي امرأة عاشقة للحياة، وجهها تنوره دوما ابتسامة مشرقة. لا تغلو في الحزن كما أفعل. أميرة الفرح هي، تأخذ الحياة من جانبها البهي والوردي، وتترك الأسود لعشاقه. والدتي من عشاق كرة القدم؛ تحب التفرج على المباريات بشغف لذيذ.
مناضلة تعشق الموت عشقها للحياة.. ذات مساء، حلت الشرطة ببيتنا، مزقوا الأفرشة، فتشوا كل ركن بالبيت؛ لم تنفلت غير صدورنا وعقولنا.. حضور الشرطة بالبيت لم يحرك فيها ساكنا، فهي امرأة من القصب، لا تكسره الريح.. بعد عودة أخي من الكلية، أخبرته بالزوار غير المرغوب فيهم، وبأنهم مزقوا عدة كتب، وحجزوا أخرى، وكان ضمنها القرآن الكريم، مع العلم أن الخزانة لم تكن تتعدى بعض كتب الدين، والأدب؛ ومن ضمنها رواية الإفريقي آلان باتون: “ابك أيها البلد الحبيب”..
مرت بضع أيام، فعاد نفس الضابط. طرق الباب، فتحت الوالدة، بادرها بالسؤال: “أين ابنك؟” فتجهم وجهها، وهي ترد عليه: “ألست ضابط شرطة، أنت أدرى به مني”. تجمد مكانه، ثم دار دورة كاملة في اتجاه سيارته، ورحل دونما عودة.. خلال فترة دراستنا بالكلية.. كان والدي يحذرنا دوما من المشاركة في الإضراب..
وكلما تأخرنا بالحرم الجامعي، تضع والدتي الأكل فوق المائدة، وتترك الباب مواربا حتى لا يفطن لنا الوالد عند عودتنا. والدتي الرائعة، دامت لك الابتسامة، رغم تجهم السماء. دام لك الجمال والبهاء. دام لك النقاء والورع..

 كاتبة من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

الصحراء مغربية  – أمنية كانوني

أمنية كانوني*   خَمْسُونَ عَاماً مِنَ الإِعْصَارِ فِي الرَّمْلِ يَسْتَبْشِرُ الْيَوْمَ أَهْلُ الْعَزْمِ وَالْفَضْلِ   …

اترك تعليقاً