علم من مدينتي
بنسالم الدمناتي شاعر مكناسة وعاشقها الذي كان “شمسا تتوهج في الظل”

محمد بشار*
ضيف ورقتنا هو الفقيد الشاعر المكناسي المبدع بنسالم الدمناتي. (بنسالم فيما يلي) وهو واحد من كوكبة من شعراء ما سمي ب “جيل الستينيات” التي ضمت أسماء كثيرة من توجهات إديولوجية مختلفة ، ساهمت بدرجات متفاوتة كما ونوعا وحضورا في تحديث القصيدة المغربية. نذكر منهم عبد المالك البلغيثي، عبد الغني السكيرج، إبراهيم الإلغي، محمد الصباغ، محمد الوديع الأسفي، محمد بن دفعة، محمد أبوعسل، محمد الحلوي، أحمد عبد السلام البقالي، إبراهيم السولامي، عبد الإله كنون، محمد علي الهواري، أحمد صبري، حسن الطريبق، علي الصقلي، أحمد المجاطي، محمد السرغيني، محمد الخمار الكنوني، عبد الكريم الطبال، محمد الميموني، عبد الرفيع الجواهري أحمد الجوماري.
ولد شاعرنا بمدينة مكناس عام 1935، منذ الصغر أبدى اهتماما وشغفا بالشعر والأدب مما جعله يلتحق سنة 1954 بجامعة القرويين بفاس. في سنة 1956 بدأ العمل بالتعليم الابتدائي كمعلم ، وبعدها كمدير خارج مسقط رأسه. في سنة 1963 التحق كأستاذ بمدينته بثانوية النهضة. بعد مغادرته للنهضة، عمل بإعدادية ابن عثمان المكناسي بحي الرياض إلى جانب صديقيه المرحومين الشاعر عبد السلام الزيتوني والمسرحي محمد تيمد. ختم مساره المهني بمدينة أصيلة. عرف عن بنسالم أنه مارس مهمة التدريس بحب وتفان قل نظيرهما. في سنة 1968 أصبح بنسالم عضوا باتحاد كتاب المغرب. وفي يوم 12 يناير 2009 أسلم الروح بمكناسة التي هام بها، وذلك عن عمر يناهز الرابعة والسبعين.

من المرثيات التي اطلعنا عليها والمهداة إلى روحه، هذه القصيدة التي خصه بها الشاعر عبد الله بلعباس:
بلا عيون بلا سهاد
ولون للريحان
يمحو وجع السنين ،
بما تبقى منك فينا ،
من صفحة الكلام
ومن جرسك الرنان
وا سيدي ،
يده الممدودة للشعر الخالد
هي ذي أزهارك تعطرنا
تقرأه فراشات السماء
بما زرعت في البستان
تدعو لك أن تحيى فينا وتبقى
من رحيق للشعر
ما اخضوضر الإلهام، وأزهر الغناء.

يُعدّ بنسالم من روّاد القصيدة المغربية الحديثة، إذ ساهم في كسر حالة القصيدة التقليدية والانفتاح على التجريب، ما يجعل مكانته مهمة في مسار الشعر المغربي المعاصر.
اتّسمت تجربته بثنائية: الحفاظ على خيط التقاليد الشعرية بالمغرب (بحور، وزن، موسيقى) والانفتاح على الأشكال الحديثة (قصيدة التفعيلة، البناء المفتوح، التصوير).
أسلوبه الشعري يمزج بين الحزن والغربة والتمرد الشعوري والمكان المغربي (مكناس، الحواضر، الذكريات)، مما يوفّر قراءة كاشفة لحالة الشاعر والمجتمع في المغرب ما بعد الاستقلال. من الموضوعات البارزة في شعره: الغربة، النسيان، الاغتراب الداخلي، الانزياح عن الأضواء، استشراف الذات والمجتمع. تميز شعره طوال عقدي الستينيات والسبعينيات بالإنصات إلى أنين الذات وتلمس شروخ الواقع السياسي والقومي المرير آنذاك، مما جعله يتسم بغنائية عالية وشفافية أخاذة في غير ما إسفاف ولا تسطّح، رغم انشغاله بهمّ إيصال الرّسالة الشّعرية إلى المتلقي. ومع بداية الثمانينيات أصبحت كتابته تعيد النظر في ما تقدم، فتحقق تحوّلا فنيا ملحوظا، حيث أصبح النص يهتم بهموم الذات في تماسّها الدّاخلى مع تحوّلات الواقع وتفاعلاته، وخفتت النبرة الواقعية، وأصبحت الصورة الشعرية أصفى، وأخفى نتيجة تحررها من عبء الواقع وإكراه الخطاب السياسي، كما أخذ أسلوبه يتشح بحس درامي لا شك أنه نفذ إليه من عمق تجربته الطويلة في ممارسة المسرح وكتابة المسرحية الشعرية.
يقول عنه الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري: “… قضى معظم عمره مُكبّاً على قصيدته يرعاها بزيتٍ من روحه، وماءٍ من جسده، مصغياً إلى عصره المضطرب في عبور الأزمنة والإيديولوجيات والحساسيّات. مرّ رحيله بعيداً إلّا من مكناسة الّتي أحبّها، ووحيداً مستوحداً في عزلته وفي مرضه الّذي كان يأكل من لحمه … (بنسالم) من الرعيل الأوّل الذي نهض بمهمّة التحديث الشعري داخل القصيدة المغربيّة بدءاً من ستينيّات القرن العشرين، وأرسى حساسيّة مغايرة للنمط الشعري الّذي كان سائدا وقتئذ، منفتحاً على الإبدالات الحديثة الّتي شرع فيها الخطاب الشّعري الوافد من المشرق العربي، على مستوى الشّكل والبناء والمتخيّل. لكنّ كثيراً من أبناء هذا الجيل، برغم قيمتهم وروحهم التجديديّة، عاش مغترباً داخل أجيال الشّعر الجديدة، ومظلوماً من منجز الشّعرية المغربية الّتي كانت توجِّهها، في الغالب، مقاصد غير ذات بالٍ في ميزان النّقْد، دوغمائية ومتعالية”.

لم يكن بنسالم من صنف أولئك الذين تفتنهم الأضواء ويلهثون وراء الشهرة والظهور بمناسبة أو غيرها. لقد كان يؤثر الانزواء والاعتكاف داخل إمارته الإبداعية متفاديا إفرازات الضوضاء المجانية التي يعتصم بها بعض أشباه المبدعين من ضعاف النفوس، الذين جعلوا من التملق والرياء سبيلا لملء الساحة الثقافية – الناقصة ثقافة أصلا- ومحاولة فرض ذواتهم على القراء والمهتمين دون حياء. لم يطلب يوما من جهة ما احتفاء ولا تكريما، ولا أحرج ناقدا للكتابة عنه أو تقريض شعره، ولا فرض على صحافي إجراء حوار معه، فقد كان شمساً تتوهّج في الظل، وهل تحتاج الشّمس إلى أضواء؟ على قول علال الحجام.
آمن بنسالم ب”أن الشعر صنعة يجبُ إتقانها، لذلك لم يكن يستعجل نشر نصوصه، ولا يقدم على ذلك إلا بعد مضيّ وقت طويل على كتابتها، تاركاً لنفسه مسافة كافية لتفكيكها وإعادة النّظر فيها، وتشذيبها من النباتات الطفيلية، إيماناً منه بأن الشّاعر الذي يقدم نصّه للقارئ بسرعة، قد يندم على ذلك بعد فوات الأوان، لأن مباضع التّجميل قد لا تفيد في تقويم الوليد بعد خروجه مشوّها إلى الوجود، لذا كان على الشاعر أن يتريّث فلا يخرجه إلا بعد أن يستوي ويكتمل”. (علال الحجام).
لكونه كان أحد المبدعين الذين صنعوا مجد القصيدة المغربية الحديثة كان من المفروض أن تحظى أشعاره من طرف النقاد والباحثين بالاهتمام اللازم وذلك بمناقشتها ونقدها والعمل على تداولها وإبراز الدور المتميز الذي اضطلع به في إرساء معالم هذه القصيدة كما كان الحال مع شعراء آخرين محظوظين من جيله، لكن ذلك لم يتم لأسباب غير مفهومة. وهذا ما نعته الدكتور امحمد برغوت بالجحود الذي لا يمكن تبريره باختيار علمنا الابتعاد عن الأضواء.
توزع إنتاج بنسالم بين: الشعر، المسرح الشعري، والمقالة. نشر كتاباته بعدة صحف ومجلات، نذكر منها: العلم، جريدة تطوان، هنا كل شيء، الإذاعة، المحرر، الاتحاد الاشتراكي، أقلام، البصائر …
مقارنة بدوره الريادي ومكانته الأدبية الرفيعة، ما هو معلوم من مؤلفاته ضئيل ، كما أن انتشارها وتداولها بقي إلى حد ما محدودا ، وذلك راجع ربما لأن الكم لم يكن يعنيه في شيء :
– قفاز بلا يد: ديوان شعري 1992.
– واحة النسيان: ديوان شعري 1996
– الدائرة والرمح الحجري – مسرحية شعرية 1982
أما مقالاته ، التي نشرت في العديد من المنابر، فلم يتم للأسف توثيقها أو تجميعها في مؤلف ليستفاد منها لاحقا.
بنسالم لم يتميز فقط كشاعر. فمنذ البداية، وكما سبق، ارتبط بالمسرح فقد كان ممثلا أساسيا في جمعية العمل المسرحي. إلى جانب مسرحية “الدائرة والرمح الحجري” التي نشرت بمجلة الزمان المغربي، كتب عدة مسرحيات للصغار وللكبار. إضافة إلى ذلك ألف بعض القصائد الغنائية، منها القصيدة التي لحنها المرحوم الأستاذ محمد محيي الدين الشقروني، التي يقول في مطلعها:
بحتِ بالهجرانِ سِرّا لِمَ لَمْ تُرضي عَليلا // باتَ يشكو حَرَّ وجْدٍ .. صانهُ دهراً طويلا؟
كان بنسالم دائم المشاركة في الأمسيات الشعرية التي كانت تحفل بها المدينة. عن هذا الحضور يقول الشاعر علال الحجام: “عرفتُ الدمناتي أول مرة وأنا تلميذ في المرحلة الإعدادية، وكان أستاذا معروفا في ثانوية النهضة إلى جانب ثلّة من الأساتذة المغاربة والمشارقة، لكنني عرفته بالإضافة إلى ذلك شاعرا قويّ الحضور في الأمسيات الشعرية الباذخة التي كانت تنظمها جمعية البعث الثقافي، التي كان أحد مؤسسيها، وذلك في المعهد البلدي للموسيقى أو دار الشباب بشارع محمد الخامس، وكانت أمسياتٍ تستقطب نخبة من فرسان الشعر في المدينة، في مقدمتهم بنسالم الدمناتي، بالإضافة إلى عبد السلام الزيتوني ومحمد أجانا وعلال الخياري وجمال الدين بنشقرون، وأحيانا محمد فجاج وزين العابدين الإدريسي، وكانت قراءة الدمناتي تتميز بصوته الجهوري الذي كان من أقوى الأصوات وأعذبها، لا يضاهيه في ذلك من أبناء جيله سوى عبد الرفيع الجواهري، وعبد اللطيف بنيحيى من أبناء جيلي، وهما صوتان خرجا معا إلى جاذبية الإنشاد من أثير الإذاعة”.
تناثرت قصائد بنسالم بحذاقة استثنائية غائصة في مواضيع متنوعة، منها الذاتي والاجتماعي والسياسي والقومي… في هذه الورقة نستحضر شذرات من بعض قصائده المناسباتية :
– ففي رثاء لصديقه أحمد الأكرمي، كتب:
صاحبي
في غرة الصبح وفي عيني ضحى مات
كأن الليل أرساه على متن قلاع الفجر
حيث النجم يستهوي ارتفاع النور
في رحلة إشراقه
…
يا أحمد تاريخك مفتون بمكناس
لماذا رحم التربة يخفي جبلا
ظلا ونبعا
…
أيها الراحل في الماضي، وآت في حروف الكلمات
يا “جناح الأمن” أضناك خريف
وسبات وسبات… وسبات.
– وفي حزنه على “اتفاقية كامب ديفد”، نظم:
…
أَنَا اٌلْمَهْـزُومُ. ذَاكِـرَتِي مَدَارِي لَمْ تَعُدْ حُبْلَى
أَمِيرَاتُ اٌلْجَزِيرَةِ فِي قُيُـودِ «أَبِ اٌلسَّمَـوْأَلِ»
نَاعِسَاتُ الطَّـرْفِ.. أَيْنَ الشِّعْـرُ.؟
مَأْتَمُ «غَزَّةَ» اٌحٌتَكَـرَ النَّقَائـِضَ فِي مَقاهِـي اٌللَّيـْلِ.
قِيلَ: اَلسِّرُّ فِي اٌسْتِبْـدَالِ مَلْحَمَةٍ بِخَلْفِيَّـةِ اٌلْوَفَاءِ
وُجُودُ.. لَيْـلٍ قَدْ «تَمَطَّى»]
وَ«اٌلْحَـوَادِثُ جَمَّــــــــةٌ»
وَبِأَنَّ أَلْبِسَةَ اٌلْقُرُوحِ تُبَـاعُ أَوْ تُهْـدَى
سَــلاَمٌ «لِلْمِكَرِّ ، اٌلْمِفَـرِّ، اٌلْمُقْبِـلِ» اٌلْعَارِي اٌلطَّرِيــدْ
وَدَرْبُ – مِصْـرَ – تَلَوَّنَتْ أَحْجَـارُهُ
فَاٌسْتَحَـالَ أَسْمَـرُهُ مَنَاخــاً لِلْمَحَبَّـةِ
بَيْنَ شَرْقِيَةِ اٌلْجِبَاهِ وَغَرْبِهَــا
جُثْمَانُ «عَنْخِ أَمُونٍ» يُعْرَضُ فِي مَتَاحِفِ «كَمْبْ دِيفِيـدْ»
يَا سَيِّـدَ اٌلسَّـادَاتِ. لاَ.
كَـــلاَّ.
كِلاَنَا يُوهِـمُ اٌلأَحْـزَانَ:
أَنَّـا فَـوْقَ مَتْنِ اٌلْمُقْبِـلِ اٌلآتِي.
وَأَنَّـا صَفْـوَةُ اٌلأَجْنَــاسِ..
أَنَّـا:
نَحْلُبُ اٌلنُّـوقَ اٌلْعِجَــافَ . وَنَـرْتَدِي
«فِي يـَوْمِ بُـؤْسٍ»
حُلَّـةَ .. اٌلنُّعْمَانِ .. أَلْبِسَـةَ اٌلْقُـرُوحِ. وَنَغْتَـدِي»
«وَاٌلطَّيْـرُ فِي وُكَنَـاتِهَا» حَتَّى تَمُــوتَ
وَإِنْ تَبَـدَّتْ فِي جَنَاحَيْهـَا اٌلرِّيَـاحُ.
وَأَشْجَعَـتْ فِي اٌلْقُـدْسِ «أو بَـرَدَى»
وَفِي «حِطِّيـــنُ»
بمناسبة تكريم له أقيم بمناسبة اليوم العالمي للشعر سنة 2008، أي أقل من سنة على وفاته، اعتبر الدكتور أمحمد برغوت بأن فضيلة الاعتراف بمن صنعوا مجد القصيدة المغربية الحديثة دين يجب أن يرد إلى أصحابه وإن جاء بعد فوات الأوان. ومن هذا المنطلق يرى أن تكريم صاحب مأدبة الأفعال والذهب الشفاف واللهيب الأحمر، الشاعر الموهوب الذي اكتوى بأوجاع آلام الحطيئة وأحزان كامب ديفيد، إنما هو امتنان ووفاء لمن ظل معتكفا في محراب مملكة الشعر يمتح من وادي عبقر طيلة خمسة عقود من الزمن ويزيد. ويعتبر بأن هذا التكريم، وإن جاء متأخرا، إنما هو دين كان على أعناق أجيال فتقت وعيها على أسرار الكتابة الشعرية حين كان بنسالم معلمها وأستاذها ومرشدها ومربيها بثانوية: “النهضة” في الحاضرة الإسماعيلية، قبل أن يرحل عنها.
واحتفاء ببنسالم وتراثه، وذلك بعد الرحيل، نظمت المديرية الجهوية للثقافة بجهة مكناس تافيلالت، يوم 18 أبريل 2009، لقاء أدبيا بالمركب الثقافي محمد المنوني، شارك فيه الأساتذة: محمد بنطلحة، بنعيسى بوحمالة، امحمد برغوت، أحمد فرشوخ، حسن مخافي، على أيت وشن، عبد السلام الزيتوني، عبد الهادي بوزوبع، محمد الراشق، فاطمة مستعد، عبد الناصر لقاح، محمد بنعيسى، عبد العالي السيباري، وعلال الحجام.
خلال هذا اللقاء قدم المشاركون عروضا حول تجربة الفقيد الشعرية، وشهادات في حقه، بالإضافة إلى قراءة نصوص من ديوانه..
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي