وخير جليس في الزمان كتاب
قبل البدء عاليا وبعيدا مسقط رأسي التسامح (الجزء الثالث)

إسماعيل محمد فال هموني*
-11-
التسامحُ نبوءةُ الفرحِ اللطيفِ في تاريخِ الجَمْرِ، لا يُطمرُ الفرحُ إلا في قميصِ الخلاصِ، لا يكون مديحاً في حرائقِ الزهو، فيه صلاةٌ تنزفُ نَشيداً، تُسرجُ غبطةً باندلاع العِشقِ في أمواجِ الاصطفاء.. طليقاً وحُرّاً في قميصِ الفجرِ، يهتفُ التسامحُ ببهجةِ النبوءةِ، يفتحُ دولابَ التعرفِ على كبرياءِ المجدِ، يصطفي تاريخُ الجمرِ ذاكرةً للشروقِ، كأن كتابُ الحضارةِ ماءَ القلبِ، مُشتعلٌ بالاحتمالات، واللانهائي..
شبيهاً بالمعنى لا يعرفُ التسامحُ السفرَ القريب، إنّهُ الخطوُ البعيدُ في مرايا الجمر، صُعودٌ في سورةِ الفَرَحِ، ورشٌّ في حفرياتِ الضوء.. جهاراً يولدُ من سُندسِ السفر، والحالُ المقدّسِ بالاعتدال، يأتي من وطنٍ مُوغلٍ في الاستغراقِ والصمتِ اللحوح.. أيُّ دليلٍ لقرابينِ التّرحال؟
-12-
في التسامحِ عينٌ تستبطنُ ما لا يُرى، ما لا يُرى احتفالٌ بكتابِ المسارِ، تراهُ العينُ بغبطةِ السؤالِ، إلى ملكوتِهِ يُعَمّدُ الوردُ أنفاسَ الفجرِ، ويتركُ خلافَ الطريقِ لما لا يراهُ، في شُروقهِ سُلافٌ يُشعلُ غُربةً يتيمةً في مجدِ فتيلٍ لا انتهاءَ لهُ.. لا تيهَ لهامشٍ يخضرُّ في العصيانِ، ولو ظلّلت طرُقهُ ظلالُ النخيل، وحدها لبلابةُ العِشقِ ترى ما لا يحتاجه النهرُ من الماءِ. وضاحةٌ، خلابةٌ أطواقُ الطريقِ على باذخ التأويلِ والفتوى الفُصحى في العين، وكُلُّ النشيدِ يُغالبُ القرابين، ولا شيءَ بحنينِ الخيلِ للخطايا.. دقيقاً، كنأيٍ لا يملُّ من الشهقاتِ، ترى العينُ فداحةَ الحنين في أوصابِ الغزلان، كأنّها تمحو بقايا دارساتٍ من تاريخٍ مرَّ في خواتمِ الليلِ.
-13-
مِنْ نونِ المُلْكِ تاريخُكَ احتفالٌ بالشُّمُوخ، تملأُ أنسابَ المُحالِ في فَرَح استبدَّ في التُّخوم، كشاهقٍ يبدأُ، في أرخبيل الروح، هديلٌ وَلوعٌ عَميدٌ توهَّجَتْ على ألحانِهِ مزاراتُ الياسمينِ. مِنْ حيرة السُّؤالِ اللَّجوج تسري أنفاسُ البحرِ أقداحاً بيضاءَ بين القبائل، تواشيحُ خُيوطِ الفجرِ على شهقاتِ الماءِ لهفةً لهفةً، تُناصرُ لوعةً فاتنةً على قميصِ الرُّخام.. لا مُلكَ إلا للبراءةِ، فلتشهدِ السُّيوفُ على آهاتِ البيداءِ نازفةً في عُنفوان المَرايا، تعانقُ بهجةَ التُّفاحِ في غرسِ التَّفَرُّدِ. لا مَوْعدَ لِلقصيدةِ سِوى على جهاتِ القلبِ، في كأسِها نَخْوةُ الابتداءِ تُعيدُ وُضوحَ النَّهار في كِتاب القَرَنْفُل، في رأسٍ أعزلَ حينَ ترحلُ الأُمنياتُ جُرْحاً جَمُوحاً في دمِ السُّيوف.. وحرّاً، يكونُ التَّسامحُ ناياتِ حُلْمٍ، يُداني فلواتِ المُمجَّدِ تُخوماً في زهوٍ جليل، يختارُ الوردَ حارِسُهُ الأمينُ.
-14-
كَاشفتُ كبرياءَ الأسماءِ، عالياً يزهو نِداءُ البشارةِ في عُنقِ الدّاليات كقنديلٍ يُسَرِّحُ أحلامَ الأبدِ.. قالتْ مجدي خلوةُ الرُّوحِ تُوحِّدُ حيرةَ الوهج في ضوءٍ مجروح في مَشيئةِ نخلةٍ تُصارعُ عَزْفَ المستحيل.. لن تطيشَ أحلامُ القلبِ حين يُرشدُها الصَّولجانُ إلى مَشاتل الاشتعال. بابٌ من هُنا وهناك يُشاتلُ أرقَ الميعادِ على طنينٍ لا يَزولُ. لِبابِ الرُّوحِ انخطافٌ يُجاهدُ نُسَّاك الحبِّ على الوِصالِ، يسألُ الصبابةَ على يقينِ المآل.. أدخُلُ باب اللهِ مِنْ وَرَعي دَفّاقاً في بُشراي، أنادمُ قدحَ الطفل الخَجول على مائدةِ الملائكةِ. أحوزُ انتمائي لوُضوحٍ أصطفيهِ مِنْ عُروشِ التسامح.
-15-
نِداءُ الهديلِ يُشعلُ مَواسم الزَّعترِ والزَّنجبيلِ مُسرفاً في إدمان الليلِ. كَمْ سفرٍ تهيَّبَ في سُلطانِ الحبِّ ولم يزل سارياً في بُروق الصبوات؟
هُوَ صَوْلَجَانُ العَطَشِ أَرْحَلُ بِهِ إِلَى نَبْعِ البَقَاءِ، يانعا في البيداء، أَهشُّ عَلَى رُخَامٍ أُودِعُ كُنُوزِي عَلَى فِضَّةِ المَاءِ، لَمَّا فُصُوصُ النَّشِيدِ تَصْطَفِينِي، وَحْدِي عَلَى عُرُوشِ الحَنِينِ.. مَا مِنْ يَدٍ كَلَّفَتْنِي جُرْحَ الصُّبْحِ سِوَى طُرُقِ حَيْرَتِي، وَضَيَّعَتْنِي فِي خَزَفِ أَغْوَى لُغَتِي بِكُؤُوسِ المَجَازِ المُعَتَّقَةِ فِي نَبِيذِ الفَتْكِ.. لَمَّا قُدَّاسُ الفِضَّةِ يَشْتَهِي ذَبْحِي أُسَلِّمُ نِدَائِي لِلهَدِيلِ، وَأَطُوفُ بَيْنَ الدَّالِياتِ، لا أَبِيعُ مَرَايَا الفِتْنَةِ لِلمَدِيحِ، وَلا أُزَوِّجُ شَغَفِي القَتِيلَ سِوَى لِظَبْيَةٍ عِطْرُهَا نَبِيذُ التَّرَاتِيلِ.. بَهِيًّا بِدَالِيَةِ الهديلِ أَرْسَلْتُ هُبُوبِي غَرِيقاً فِي نَزِيفِ الأُقْحُوَانِ.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي