قراءة سريعة للديوان الجديد لعبد الدين حمروش “كلما غفت أخطاؤه، صحت خطاياه”

نصرالدين بوشقيف*
العجلة تدور والعالم كله دوران لكن
مَن يركب العجلة؟
يصدر هذا المتن الشعريّ عن وعي متوتّر بالعالم، ووعي مُرهَف باللغة، ووعيٍ ثالثٍ هو الأكثر حضورًا: وعي بالهشاشة الكونية التي تحكم وجود الإنسان والأشياء. العجلة هنا ليست مجرّد رمز أو استعارة؛ إن العجلة هنا هي استعارة وجودية شاملة تتحول من عجلة إسعاف وحيدة في قرية منكوبة تارة الى عجلة طفولة تجري وراء صبيّ يلهو تارة اخرى، مرورا بعجلة حرب تتدحرج في الموصل الى عجلة موت في شاحنة نقل الجثامين، أو عجلة عجوزٍ ياباني يراهن برأسه، او الى عجلة صيّاد تايلاندي يتحيّن الرزق، يندفع ويرتدّ، يصعد ويسقط، يتحوّل من لعبة طفل إلى لعنةٍ مدوية، من دائرة بسيطة إلى قدرٍ يدور بلا توقف.
يتبدّى حضور “العجلة” بوصفها جوهر الزمن وحركة التاريخ وآلة تصريف المصائر. فهي بهذه الإزاحات المتتالية، يُلغي الشاعر عبدالدين حمروش المسافة بين اللعب والخراب، بين البراءة والدم ليُظهر كيف يتحوّل الكائن الدائريّ إلى مصيرٍ وكذلك كيف يتحوّل الدوران إلى قدرٍ يعيد إنتاج نفسه او فوضى الأشياء كما في قبّعة الحاوي التي تتحول نقدًا لخطاب الواقع، وللخليط العبثي الذي تصنعه الحياة. هنا تتقدم لغةٌ تحوّل الفعل السياسي والاجتماعي إلى مادة شعرية كثيفة دون خطابية، نجد النصوص مرتبطة بالواقع، لكن الشاعر عبدالدين حمروش لا يكتفي بوصف هذا الواقع ؛ بل يُشعْرنه
جمالية التفاصيل المُفاجئة
يتقن النصّ بناء صورٍ تعتمد على مفاجأة القارئ بدل تزويق العبارة. فالصورة تنبثق كشرارة كهرباء «دبدباتها تلتقط على موجات النزع الأخير من سديم سيبيريا» الخ .
هذه الصور ليست زخرفًا؛ إنها صور تنبني على توتّر داخليّ بين اليوميّ والكونيّ، بين الجسد وبين الكارثة وسكون الأشياء وهذا يمنح القصائد القصيرة قوّةً تشبه ضرباتٍ على طبل، بينما تمنح القصائد الطويلة انسيابًا يشبه انحدار العجلة نفسها يتحكم فيها الإيقاع الداخلي للشاعر بقفلات متوتّرة وبتراكم الجمل الصورية مثل شاحنة الموتى الي تصبح كائنًا يتثاءب صباحًا.. . . هذه الفسيفساء ليست تشتيتًا، بل محاولة لتمثيل عالمٍ لم يعد يملك مركزًا، عالمٍ يُدار بعجلة كبيرة واحدة، تتدحرج فوق كل شيء، إنه شعر ينحت الخراب بلغة الضوء، يعيد تشكيل العالم من شظايا متفرقة ويحوّل الدوران إلى طريقة لفهم الوجود.
كما ان الديوان الشعري لعبدالدين حمروش – كلما غفت أخطاؤه، صحت خطاياه – يعالج أيضاً فكرة «النقطة» بوصفها أصغر وحدة وجودية يمكن أن تهدم أو تبني. النقطة قطرة، دمعة، رصاصة، قبلة، لمسة، بداية مطر أو نهاية جملة. إنها الكيان الذي منه تتكوّن الحالات الكبرى. فبالنقطة تبدو الفوضى ـــ أو النظام ـــ احتمالًا لحظة واحدة قبل أن يتشكّل أو يتفكّك. وسوف لن اطيل في الحديث عن كل الواجهات لهذا العمل سوف امر مباشرة الى نهايته التي يخرج فيها الشاعر والناقد عبدالدين حمروش إلى صرخة وجودية: يثور فيها على العادات، على الوجوه المصطنعة، على الخضوع ويطلب من الإنسان أن ينزع عنه أقنعته، ألا يتماهى مع الجماهير، وألا يبحث عن تصنيف أو انتماء. هذا المقطع أشبه بوصيّة وجودية: انسَ الترتيب، انسَ السُّلّم الاجتماعي، انسَ النياشين، وانهض من داخلك لأن العالم أكبر من الضجيج وأضيق من قدرة الروح على الاحتمال. هكذا يصبح النصّ كله “تأملاً في المصير”، لا بوصفه نهاية، بل بوصفه دورانًا لا ينتهي.
قصائد من الديوان الاخير للشاعر عبدالدين حمروش
34
مرآة
يلوِّن وجْهَه،
مواقفَه،
مشاعرَه،
أسلوبَ حياته..
ثم يفشل في أن يكتم عواء الذئب،
الذي يتضوّر داخله.
35
أنتِ البحر
ولدتُ في مدينة البحر.
نشأتُ مع هدير البحر.
تهجّيتُ تحت ضياء البحر.
عشقتُ على إيقاع البحر.
ونادراً ما كنت أنزل البحر،
أبْتردُ بالبحر،
أسبحُ في البحر،
أسافرُ مع البحر.
لعلّي إذ أُدمنُ البحر،
أفقدُ البحر: دهشة البحر، هيبة البحر،
المغامرة في البحر.
36
أ للا يصير إلى بِرْكة،
البحر.
كذلك، حُبُّك.
مثل البحر.
مثل البستان، لا تُفغمني صباحاته
إلا مُتقطِّعة مع نوْبات نسيم.
مثل ما في القارورة من أسرار،
ما إن تُفرجْ عن واحد،
حتى تنغلق دون ألف.
ومثل ما في صندوق الجدة.
في كل ليلة، تطير منه حكاية،
فراشة، بالضوء واللون
مُزكرشة.
حبك أنت.
مثل البحر،
أنتابُه ولا أدمنُه.
ملاحظة:
تأليف: عبد الدين حمروش
تصميم الغلاف: الفنان عمر كولالي
لوحة الغلاف: للفنان التشكيلي بوشعيب خلدون
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي