قراءات في خصائص بنية الهايكو (الجزء الثالث)
عبد الجابر حبيب*
الهايكو بين المعبد والحياة:
ليس الهايكو صلاةً، ولا ترنيمةً، ولا تمريناً روحياً مقنّعاً.
إنه قبل كل شيء التقاطٌ مباشر للحظةٍ، لحظةٍ لا تُشرح ولا تُؤوَّل داخل النص، بل تُترك كما هي: عاريةً، صامتةً، مكتفيةً بذاتها.
غير أن حضور المعبد والراهب والجرس في عددٍ غير قليل من نصوص الهايكو أغرى كثيرين – في الغرب، ثم في العالم العربي – بإرجاع هذا الفن إلى خلفيةٍ دينيةٍ، أو فلسفيةٍ، وكأن الهايكو لا يُفهم إلا عبر بوابة الزن، أو لا يُشرَّع إلا إذا حُمِّل بالحكمة.
وهنا يبدأ الالتباس.
هل الهايكو ابنُ الزن؟
الهايكو لم يولد من الزن، لكنه نشأ في سياقٍ ثقافي كانت فيه الزن حاضرةً في المشهد العام، مثلها مثل المعابد والطرق والأسواق والفصول.
كما نبَّه الأستاذ محمد عضيمة بوضوح، فإن ربط الهايكو بالزن، أو بأي فلسفةٍ، هو في جوهره قراءةٌ تأويليةٌ ذات نزعةٍ دينيةٍ.
الهايكو ليس ديناً
وما يبدو للبعض “الروحانية” في الهايكو، ليس سوى اقتصاد لغوي شديد، يترك فراغاً دلالياً يدفع القارئ إلى إسقاط معتقده الخاص.
بل إن ما حدث تاريخياً ـ كما يشير الأستاذ عضيمة ـ هو العكس تماماً:
ركوب بعض رهبان المعابد على الهايكو، لا العكس.
استثمروا صيغته الموجزة، وهدوءه للتسلية والمنافسة وملء أوقات الفراغ. وكانت المعابد بما امتلكت من موارد تستضيف شعراء الهايكو حين تضيق بهم الحياة.
أما كتّاب الهايكو أنفسهم، فكانوا – في معظمهم – عشاق الحياة في الترحال، والطعام، والشراب، والطرق موحلة، والنُزل الفقيرة، والحانات.
حتى باشو، الذي يُقدَّم أحياناً في صورة الراهب الزاهد، كان رحّالةً يرى في الطريق معبده الحقيقي.
المعبد في الهايكو: مكانٌ لا عقيدة
حين يظهر المعبد في الهايكو، فهو مكانٌ لا معنى مسبقاً له.
ليس رمزاً، ولا استعارةً، ولا بوابةَ خلاصٍ.
نقرأ لباسّو:
راهبٌ يرشفُ شاي الصباح
الجو هادئ
أزهار الأقحوان تتفتح
لا وعظ هنا، ولا تعليم.
الراهب عنصرٌ من عناصر المشهد، لا مركزه.
الشاي والهدوء وتفتح الزهرة في مستوىٍ واحدٍ من الحضور.
وفي نصٍ آخر:
جرس المعبد قد توقف
غير أن الصوت
لا يني يأتي من الزهور
الهايكو لا يقول إن الطبيعة أقدس من الطقس، ولا إن الصمت أعمق من الجرس.
إنه يقدّم انزلاقاً حسّياً: ما يُسمع يُرى، وما يُرى يشبه الصدى.
وأي قراءة فلسفية تأتي بعد النص، لا منه.
ويتكرر هذا الحياد في مشاهد أخرى:
فوق نقر صخرة
تدلّى لبلاب
معبد صغير
المعبد هنا بالكاد يُرى، مغطّى بالنبات، بلا رهبةٍ ولا مركزية.
مجرد تفصيلٍ في مشهدٍ أوسع.
حين يجاور الهايكو الطقس دون أن يتحول إليه، الخطأ الشائع أنَّ اقتراب الهايكو من الطقس أو الراهب يحوّله تلقائياً إلى نصٍ ديني.
غير أن النصوص نفسها تفكك هذا الوهم.
نقرأ لفيسلاف كارلنيسكي:
تغريدة الهزار
كفّ عن التغريد لبرهة
صلاة الراهب
الصلاة لا تُشرَح ولا تُقدَّس.
هي لحظةٌ سكونٍ قصيرة، تقطعها تغريدةُ طائر.
لا تفوق هنا، ولا تراتبية.
مجرد تزامن.
وفي نص سيرهي شبيشنكو:
قداس الأحد
كوكبة الجنادب
حول المعبد
المشهد يحمل مفارقةً هادئة: الطقس قائم، لكن الحياة الأخرى لا تتوقف.
وهذا ما يقرّب النص من روح السنريو، حيث الإنسان وطقوسه جزءٌ من المشهد، لا ذروته.
الحكمة والفلسفة: ما يُستخرج لا ما يُكتب
الإشكال لا يكمن في وجود الحكمة، بل في قصدها المسبق.
حين تُكتب الحكمة عمداً، يسقط الهايكو.
وحين تُستخرج عرضاً من المشهد، يبقى النص وفياً لطبيعته.
الهايكو لا يقول: تأمل.
ولا يقول: تعلم.
ولا يقول: آمن.
هو يرى فقط.
كما في نص أمورتا برايهولا:
ثمة أحذية متسخة
موضوعة على نحو مرتب
بجانب ممسحة الأحذية بباب المعبد
لا درساً أخلاقياً هنا، ولا رمزاً دينياً.
تفصيلٌ صغير، إنساني، صامت.
وما يراه القارئ بعد ذلك، شأنه وحده.
هل يستطيع الهايكو تجاوز اللقطة الطبيعية؟
نعم، بشرط ألا يتحول إلى فكرة.
الهايكو لا يقتصر على الطبيعة، لكنه يحمل منهج الطبيعة: الحياد، القصر، والاقتصاد.
وحين يوازي الهايكو ما يشعر به الراهب، أو الإنسان عموماً، فهو لا يفعل ذلك عبر الفلسفة، بل عبر المشهد الصافي.
في النهاية نرى من خلال ما تقدم أن الهايكو ليس ضد الدين، لكنه ليس في خدمته.
ليس ضد الحكمة، لكنه لا ينتجها قصداً.
وليس ابناً للزمن، بل جاراً زمنياً له.
وكل محاولةٍ لجرّه إلى معركةٍ أيديولوجية، أو إخضاعه لتأويلاتٍ دينيةٍ أو بلاغيةٍ، ليست سوى قلق قارئٍ يبحث عن معنى جاهز، في نصٍ وُلد ليقاوم الشرح.
الهايكو لا يعلّمنا كيف نفكر،
بل يضعنا أمام ما نراه.
شاعر من سورية
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
