أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / المرثية الكونية وبلاغة المحو: إدريس علوش يكتب الغياب في “حسن باقر عبد الرب الحالم بطيقان بحر أصيلة” – المصـطفى سكم

المرثية الكونية وبلاغة المحو: إدريس علوش يكتب الغياب في “حسن باقر عبد الرب الحالم بطيقان بحر أصيلة” – المصـطفى سكم

المرثية الكونية وبلاغة المحو: إدريس علوش يكتب الغياب في “حسن باقر عبد الرب الحالم بطيقان بحر أصيلة”

المصـطفى سكم*

 

ولد الشاعر إدريس علوش سنة 1964 في مدينة أصيلة، شمال المغرب، وهي مدينة ذات طابع ثقافي وفني بارز أثرت بشكل واضح في رؤيته الأدبية، وظلت حاضرة في معظم أعماله بوصفها فضاءً للذاكرة والإلهام. ارتبط اسمه بمدن الشمال المغربي مثل طنجة والعرائش، التي شكّلت فضاءً حيويًا لإبداعاته وتفكيره. إلى جانب كتابة الشعر، يُعد إدريس علوش من أبرز المدافعين عن قصيدة النثر في المغرب، وقد حاول في أعماله أن يعيد تعريف هذا النوع الشعري ويطوره ليكون معبرًا عن روح العصر. كتاباته تتميز بمزج العاطفة مع التفكير الفلسفي، حيث يستلهم موضوعاته من الحياة اليومية، والطبيعة، والموت، والهوية، ويجعل من المكان عنصرًا أساسيا في أعماله، خاصة مدينة أصيلة التي تظهر كفضاء للذاكرة والعبور.

في قصيدته *حسن باقر عبد الرب الحالم بطيقان بحر أصيلة*، المنشورة في مجلة *نخيل عراقي*، يقدم علوش نصًا شعريًا يتجاوز حدود الرثاء التقليدي ليؤسس لبلاغة شعرية جديدة، حيث يصبح الغياب نافذة مفتوحة على البحر والذاكرة والكون. لا تكتفي القصيدة بتأبين رحالة عماني ختم رحلته في أصيلة سنة 2006، بل تبني حوله أرشيفًا كونيا من المدن والكتب والأسماء، لتجعله رمزا للحرية العابرة وللأثر الذي يظل بعد أن يمضي الجسد. بهذا المعنى، تتحول المرثية إلى احتفاء بمناقب المرثي، حيث يستعاد كرحالة كوني وصديق للعالم، عاشق للمدن والكتب، وحالم بالحرية العابرة، فيغدو غيابه خسارة جماعية أكثر من كونه فقدا فرديا.

     منذ العنوان، يضع الشاعر كلمة الطيقان في مركز المعنى. وهي في لهجة شمال المغرب تعني النوافذ، وترتبط بساحة أصيلة المطلة على برج القريقية. النافذة هنا ليست مجرد فتحة معمارية، بل استعارة كبرى للانفتاح والعبور، وللرؤية التي تتجاوز الجدران نحو الأفق. بهذا المعنى، تتحول أصيلة إلى فضاء رمزي، وإلى قبلة للمثقفين والأدباء، حيث يلتقي البحر بالنصوص، والجداريات بالنقاشات الفكرية، لتصبح المدينة مختبرا للتجارب الجمالية وخلوة للتأمل. وهنا يتجلى القدر الشعري لإدريس علوش، الذي جعل من الغياب والرحلة محورا لتجربته الإبداعية، حيث تتحول المدن إلى خرائط روحية، والرحيل إلى قدر شعري يلازم النصوص منذ بداياته، كما يظهر في دواوينه السابقة مثل *دفتر الموتى* و*جهات العدم المشتهى*.

تبدأ القصيدة باقتباس من غارسيا مونطيرو: خلف كل زاوية يتحول العالم إلى سر يصل حد البحر كي يحجب كلماته بالرمل والذكريات. هذا الاقتباس يرسخ ثنائية السر والمحو بالرمل والذاكرة، ويعلن أن النص سيشتغل على اقتصاد شعري يفضل الوميض على التقرير، ويجعل من الغياب مركز إشعاع للمعنى. ومن الناحية النفسية، النص يشتغل على ثنائية الحضور والغياب، حيث يستعاد الرحالة في صور متقطعة: خطواته تتحول إلى إيقاع خفيف محتمل، موسيقاه إلى وقع الطفولة، وذكرياته إلى حيوات الليل. الطبيعة نفسها تشارك في هذا الاستدعاء: المطر سمفونية، الماء يد تلوح، والقطط تحتفي بالخصوبة. هكذا يصبح النص كاترسيسا لأثر الغياب، ومقاومة للنسيان عبر اللغة وإنتاجا للمعنى الممكن، ويؤكد قيمته الأدبية بوصفه نصا يتجاوز العاطفة إلى بناء “فلسفة” للغياب شعريا

لكن النص لا يقف عند حدود العاطفة، بل يطرح أسئلة فلسفية عن الزمن والحرية. ساعة الرحالة لا تحتاج إلى عقارب، والليل هو مملكته، بما يعني أن الزمن الفيزيائي الخطي يفقد سلطته لصالح زمن داخلي يقاس بالإيقاع ( إيقاع الحياة وإيقاع القصيدة) والذاكرة كأثر تراكمي. وحيث تصاغ الحرية عبر استعارة الهواء العابر للقارات وحيث العبور أهم من المقام ، والمرور فعل وجودي يرفض الترسيم والاستيطان. أما المدن التي يذكرها النص، من مسقط إلى أصيلة، ومن القاهرة إلى بغداد ودمشق، ومن الأندلس إلى نيبال، فليست مجرد محطات جغرافية، بل خرائط روحية تظهر أن الإنسان العابر ينتمي إلى كل مكان ولا يستقر في أي مكان وبما تخلفه من أثر الوعي بالانتماء إلى الكون لا إلى نقطة ما  في الكون . وهنا تتأكد القيمة الشعرية للنص، إذ يحول الجغرافيا إلى استعارة للوجود، ويجعل من الرحلة فلسفة شعرية.

في قلب النص مكتبة ثقافية كونية، حيث يستدعي الشاعر إدريس علوش أسماء كتاب عالميين: ماركيز، جينيه، كافكا، أورويل، كيليطو، شكري، سعدي يوسف وغيرهم. هذا التناص ليس زخرفة، بل شبكة دلالية تمنح الرحالة مواطنة أدبية ضمن سلالة من المبدعين الذين عاشوا الغربة والتمرد وصنعوا من الكتابة مقاومة للسلطة والنسيان. كل اسم يستدعى بوصفه عقدة دلالية: ماركيز رمز السرد ضد السلطة، جان جينيه دفين مدينة العرائش وغالبا ما يزور الشاعر قبره، رمز عشق الهامش، عبد الفتاح كيليطو رمز القراءة الغرائبية، محمد شكري رمز المدينة ـ الجرح، كافكا رمز العبث الوجودي. بهذا التناص، تتحول القصيدة إلى متحف حي للأدب العالمي، حيث يعاد تركيب “الأرشيف” ليصبح ذاكرة مشتركة للحرية، ويعزز قيمتها الأدبية والشعرية في آن واحد بل ويفرضها كضرورة شعرية لاستلهام روح القصيدة

يتأسس المعجم الشعري على حقول متشابكة: البحر والماء، الزمن والأبدية، المدن والجغرافيا، المكتبة والأسماء. أما البلاغة فتقوم على الاستعارة المتسلسلة، التكرار والنداء، التشخيص،  والتناص المنتج بهذه الأدوات، يبني النص كثافته الشعرية ويحول المرثية إلى مقام وجودي، حيث المناقب والقدر الشعري والقيمة الأدبية تتداخل في نسيج واحد.

ومن نافلة القول ألا تشكل أصيلة مجرد خلفية استناد للنص، بل فضاء ثقافي وفكري ؛ فقد تحولت المدينة، منذ عقود ، بدءا من تجربة جمعية قدماء الإمام الأصيلي إلى مواسمها الثقافية الدولية،  قبلة للمثقفين والأدباء والفنانين من مختلف أنحاء العالم، تجمع بين الفنون التشكيلية والندوات الفكرية والأنشطة الأدبية. وبالتالي فإدراجها في القصيدة ليس مجرد تحديد مكاني، بل هو تثبيت لمعنى المدينة كنافذة على العالم، وكفضاء يتيح للرحالة والمبدعين أن يجدوا في عبورهم أو رحيلهم معنى يتجاوز الفردي نحو الكوني.

وأخيرا هل يمكن القول أن الشاعر إدريس علوش اختصر فلسفة النص في جملة مقتضبة: “مر من هنا… انتسب لبلاغة المحو ومضى”؟ ربما هي خلاصة الرحلة المؤكدة على أن المرور فعل حرية، والمحو اختيار جمالي على مستوى اللغة الشعرية وأخلاقي من جهة الموقف المبدئي، وأن الوجود يقاس بما يتركه من أثر رمزي وإنساني لا بما يملكه من سيرة.

إن تجربة إدريس علوش الشعرية الممتدة من الطفل البحري إلى قميص الأشلاء تجد في هذه المرثية ذروة جديدة، حيث يتداخل الغياب مع المكان والذاكرة ليؤسس نصا شعريا ذا قيمة أدبية وفلسفية عالية.

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

تأويل التاريخ في الرواية المغربية المعاصرة : رواية “وادي اللبن” للروائي المغربي عبداللطيف محفوظ أنموذجا- عبدالرزاق اسطيطو

عبدالرزاق اسطيطو *   جعل الكاتب المغربي عبداللطيف محفوظ من التاريخ المنسي لمنطقة تيسة ضواحي مدينة …

اترك تعليقاً