أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / بورتريه اسطوري شعبي نقيب سيم: كرم الاسلاك المفتوحة – ليال الحربي

بورتريه اسطوري شعبي نقيب سيم: كرم الاسلاك المفتوحة – ليال الحربي

 بورتريه اسطوري شعبي نقيب سيم: كرم الاسلاك المفتوحة

ليال الحربي*

 

إذا رفعتَ بريدك إلى نقيب سيم وكتب عليه “موافق”، فلا تقلق من أن يوافق الرأسُ الأعلى أم لا، تكفي موافقته وحدها؛ لا لشيء، لا لراتب ولا لخدمة الوطن سوى أن بعض التوقيعات التي تُسعد الجنود هي الغاية التي وُجد من أجلها.

فكرة الهروب من الوحدة العسكرية لا تخرج من رأس الجندي إلا مع موته. وإن خطرت له حينها، نفذها من دون أن يرمش له جفن ولو كانت الإجازة بيده، لأخذ نموذج الإجازة ثم هرب.

عَلاقة الجندي مع نقيب سيم ليست علاقة رتبة الأدنى نحو الأعلى من حيث الانصياع ولا علاقة الأعلى نحو الأدنى من حيث السلطة، هي علاقة أخوية، نخبوية ونخوة يشهد لها كل مَن ارتدى البدلة الرومانية مع البسطال الروماني والبيرية الفرنسية. نقيب سيم ذو شخصية كريمة الطباع ولا يعرف كيف يقول ” لا.. اعتذر. لا استطيع.. عذرا ليس بمقدوري.. خليها على باچر”. احتضن الجنود بمحبة جعلت كراهيته مستحيلة، إلا لمن كان مولعا بالخدمة وهذا ( المجيش) نوع نادر من البشر لا يُعوَّل النقيب عليه ولا يود بدوره رؤيته يوما ولم يحدث أن وصل العسكري المنضبط ذات يوم إليه.

نقيب سيم، في جوهره ليس ضابطا بالمعنى السلكي العسكري هو ضابط الكرم العسكري، سليل متأخر من حاتم الطائي أُقحم خطأً في مؤسسة لا تؤمن بالكرم. نعم، مؤسسة قال قائدها العسكري الأعلى ذات يوم “للجيش بعير وللجندي ذيل البعير”، فصار وجوده فيها حجة أخلاقية محرجة. هو لا يمنح إجازات هو يمنح استثناء صغيرا من الانضباط العسكري، يعطيك فسحة مدنية، في العسكر تتضاعف شهية الجندي لكل ما هو مدني فترى تجارة الحانوت، مربحة من راتب الجندي ذاته، هذا المتجر لم يقفل أبوابه حتى مع سنين الحصار الاقتصادي.

نقيب سيم، أخطر على الأنظمة من أي تمرد. لا يرد أحدا ولا يبخل على أحد حتى إذا جئتَ بلا مال أعطاك المال الذي تحتاجه وتسأله: أسبوع؟

فيقول: اذهب، لك أسبوع

– شهر؟

– اذهب، لك شهر

–  عام؟

– اذهب، لك عام

لم يحرج يوما طالبا ولم يُعد سائلا ولم يَشك أحدا ولم يَغدِر بأحد. إنذارٌ قائم أو غير قائم، الظرف موات أو غير موات، كان جوابه واحدا دائما “اذهب ولك الوقت الذي تريده”

حين يعلن إنذار جيم وتتوقف الإجازات تتكاثر الطلبات عليه ومع ذلك لا يرد طلبا واحدا إطلاقا. خميس كان أم جمعة، أكان أهل الجندي قريبين من مكان الوحدة أم كان صاحب حاجة جنسية ملحة لا يملك سوى اندفاعه وغريزته،

فليس له إلا النخوة والفزعة من نقيب سيم،

يقول له: اذهب ، دوشن المحرك ثم عُد.

وذاك المجند يشكو نقص الخمور في جسده فيجيبه:

“اذهب وعوض عطشك ليس نافعا للصحة.” ويقول آخر “رأسي يؤلمني” فيجيبه ببساطة:

“اذهب الصيدلية، خذ باراسيتامول.”

ويشتكي ثالث “بطني لا تستقر” فيقول له ببرود إداري: اذهب إلى بيتك وأفرغها.

جمعٌ غفير يسبح بحمد كرمه والعدو يتربص به وبرغم الكاميرات المنصوبة لاصطياد هذا الكرم المفرط لكنه لا يمنح ذريعة ولا يترك (لزمة) عليه. أرادوا له سقطة تكون ذريعة فلم يعطهم إلا خيبة. وحده الشجاع من لا يمنح عدوّه سببا للهجوم، لأنه لا يمنحه خطأً يعيش عليه.

 

نقيب سيم مسؤول عن الجنود وحدهم لا شأن له بضابط ولا بقائد وإذا سوّلت لأحدهم نفسُه أن يقصده طمعا في كرمه وهو أمر نادر ردّه من حيث أتى، إذ لا يستقبل إلا الجنود حتى غدى مزارا لهم، ومُلبي حاجات يُقال له بنبرة من اسودت الدنيا في عينيه “دخيلك يا نقيب سيم”، فيعطيهم ما سألوا. يوجد مزاره ومكتبه وحجر الأساس له غالبا في المعسكرات الثابتة ومراكز التدريب ومدارس القتال، ولا ينقطع الطارقون عنه ليلا أو نهارا.

كان فرعا متأخرا من شجرة حاتم الطائي ثم ما لبث أن تفوق على الأصل، إذ لم يكن كرمه فضيلة بقدر ما كان نظاما إداريا سريعا. تأتيه بلا مال فيعطيك مالا ويُلحقه بحكمة مقتضبة تصلح لأن تعلق على باب الدولة (خذها واذهب)، غير أنك إن ابتعدت خطوتين ثم داهمك سوء التقدير وعدت، انقبض صدره فجأة وصفق بيديه صفقة واحدة حادة، ثم وجه باطن كفه في وجهك مع ابتسامة مشمئزة؛ ليبين حجم الخيبة التي وضعتَ النقيب فيها ويتركك مع عقوبة عسكرية “سجن ليوم أو حلاقة شَعر”.

كانت هناك حربة على هيئة مقص واسمها ( قاطع الأسلاك الشائكة) ، تُستعمل لقصّ الأسلاك الشائكة المزروعة حول الألغام، هذه الأسلاك التي تنذر بوجود ألغام في المنطقة ، هذه الأداة التي تعمل بصمت بلا صراخ ولا نيران فقط فتح محسوب في المعدن، أمسكها أحد الجنود وفتح بها ثغرة في سور الوحدة العسكرية ومنذ ذلك اليوم استُحدِثت فتحة سُمّيت” نقيب سيم”. ظلّ كرم النقيب ثوابا مؤجلا يصل إلى روح ذلك الجندي الذي فتح الفتحة ثم اختفى. نقيب سيم موجود في كل وحدة عسكرية، وإن كانت الوحدة في أرض مفتوحة كالنهروان، لا تحتاج سورا ولا أسلاكا فإنه يبقى حاضرا في أفئدة الجنود، حين يأخذ الجندي إجازته ويقول سِرا لنفسه: نقيب سيم، فذلك يعني ببساطة (أفلت). وإن كان نقيب سيم خارج أوقات دوامه أو مثقَل النفس، ناب عنه نقيب آخر يُدعى “يطغ”. يكون الحوار مختصرا كالتالي مع الجنود:

– يطغ، أريد أن أنزل… كيف ترى الأمر؟

–  صدگ چذب، أنت بس لفني.

 كاتبة من العراق

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً