قراءة في مجموعة (كرنفال) للقاص نجيب التركي

ثابت القوطاري*
كرنفال، مجموعة قصصية للقاص نجيب التركي، تقع في (80 صفحة)، من القطع المتوسط، وتحوي (31 نصاً)، صادر عن أوسكار بوك، الطبعة الأولى 2024م.
ولأنَّ العتبات هي المدخل إلى النص، وهي أول ما يواجهنا، وتقع عليه أعيننا فإن ذلك يُحتم علينا البدء في قراءتها وتحليلها أولاً، وربطها بما تحويه المجموعة، والنظر في مجمل النصوص.

- العنوان
يعتبر العنوان من العناصر المهمة في العمل الأدبي، لأنَّه مصيدة لقارئ محتمل، فهو يكشف عن طبيعة العمل وينبئ عن محتواه، وسنلاحظ أنَّ العنوان في هذه المجموعة (كرنفال) مكون من اسمٌ مفرد نكرة، يفيد الشيوع.
والكرنفال تقليد كاثوليكي، عبارة عن احتفال شعبي، يجمع بين السيرك والاستعراضات المختلفة، وكان في العهد الروماني متحرراً من جميع القيود الأخلاقية والدينية، ساقطاً في الفحش والابتذال. ويمكن تقدير مبتدأ محذوف لهذا العنوان فنقول: (هذا كرنفالٌ): جملة اسمية تُفيد الثبوت.
- الغلاف
يُعد الغلاف بكل عناصره عتبة ثانية، لها ارتباط وثيق بالعنوان والمحتوى، وسنجد فيه صورة لصنعاء القديمة على نحو مغاير عمَّا هي عليه، رُسمت بالذكاء الصناعي، كما تظهر الشخوص في هذه اللوحة وكأنَّهم من جنسيات عربية مختلفة: اليمن، العراق، السودان، مصر، وكأنَّ التركي يبحث عن كرنفال خاصٍ به، متحرراً من التقسيمات الجغرافية التي رسمتها السياسة.
- الإهداء
في الإهداء نجد التركي يُشرك القارئ في صناعته، من خلال تركه لفراغات بعد حرف الجر (إلى) حيث يقول: ” إلى… مَن مَلأتْ مراودنا بكحل ابتسامتها” (صـ4)، فللقارئ أن يضع اسم حبيبته، أو اسم مدينته، أو أي اسم يجده جديراً بهذا الإهداء.
- نصوص المجموعة
تتكون هذه المجموعة من (31 نصاً)، توزعت عناوينها على النحو التالي:
| العناوين | عددها | أمثلة |
| المفردة النكرة | 24 عنواناً | نقطة-حاجة- نزاع- فجوة…إلخ |
| المفردة المعرفة | 3 عناوين | المستقبل- البرتقالة- لوليتا…إلخ |
| المركبة (جُمل) | 4 عناوين | موتٌ مؤجل-يومٌ في الجسد…إلخ |
نلاحظ أن أغلب عناوين النصوص ، جاءت أسماء مفردة نكرة، على النحو الذي جاء عليه العنوان العام للمجموعة (كرنفالٌ)، وكثير منها كاشف لمتن النص، ومفصح عن موضوعه، ولا يوجد فيها أية مخاتلة أو إيحاء، وبالنظر إلى الموضوعات التي تطرقت إليها هذه النصوص سنلاحظ أنَّها تصويرٌ لجزئيات اقتنصها القاص من مشاهداته اليومية في إطار الحياة اليومية؛ الأسرية والاجتماعية، وبعض مما احتفظت به الذاكرة من أيام الطفولة، فنجده يتحدث عن شقاوة الطفولة وذكرياتها، والأمراض التي ترافق فصل الشتاء، وظاهرة انتشار الأكياس البلاستيكية في الشوارع، وبيع المرأة لشعرها، و حمل المرأة بالرغم من غياب زوجها في الغربة، وبائعة البخور، وشارع المطاعم وازدحامه بالناس، والمسفلة ودورها في قراءة المستقبل، وإشارات سريعة إلى وضع المرأة في الأسرة والمجتمع، وغيرها من الموضوعات الأسرية والاجتماعية والتي قد تمرُّ بنا في مسيرة حياتنا.
كما أنَّ مهنة القاص(صاحب بقالة لبيع المواد الغذائية) تظهر في هذه المجموعة من خلال الموضوعات التي تطرق إليها، فنجده يتحدث عن الكرم كرميل، والجبنة بأنواعها، والطماطم والفلفل، وكريم الشعر، وحبوب الآمول، واللحوح، وكأنَّه يسجل مشاهداته الخاصة، وتجاربه الذاتية خلال عمله، كما أن القاص أحالنا إلى أعمال أدبية أخرى، عمل على توظيفها بما يخدم الموضوع، فيقول في نص (سنِّور صـ40): “في يدي كتاب الحكاية وما فيها رميته به” (صـ41)، ويقول في نص (أنظر وأرفض أن أرى صـ42): “عدت ظافراً إلى منزلي، تمددت في فراشي واضعاً مارينا نعمت قرب رأسي، وأغمضت عينيَّ مرة أخرى”(صـ43). ويقول في نص (خصلة شاردة صـ44):” في رواية أحمق وميت لخوسيه مياس قرأتُ عن إمكانية بيع الشعر بقيمة جيدة” (صـ45)، ويقول أيضاً: “لم يزل دكان مقبرة براغ يتراءى أمامي كلما فكرت بالعرض والطلب” (صـ49)، كما أنَّه عنون أحد نصوص المجموعة بعنوان رواية (لفلاديمير نابوكوف): (لوليتا صـ60)، وهذه الأعمال وغيرها هي من صنعت وعي القاص، وأثَّرتْ في وجدانه.
ولا تخلو المجموعة من الإسقاطات السياسية بطريقة واضحة صريحة تارة، وأخرى بطريقة إيحائية، يقول في نص (نزاع صـ8)، وفي معرض حديثه عن سبب تسمية الجبنة المالحة بهذا الاسم: “لأنَّها كالمصريين تماماً في تماسكهم وذودهم عن العرض والأرض” (صـ9)، وفي حديثه عن البرد وآثاره في نص (نزر صـ13) يقول:” الفيروسات التي سببتها الحرب كثيرة وناقلة لأكثر من مرض، على الشعب أن يدرك ذلك ولو قليلاً” (صـ13). ويقول أيضاً:” ما أدليتُ به لكم لم يكن إلاَّ نزراً يسيراً مما كتبه لي أحد الوزراء للرئيس السابق، وإني هنا أرفض الوصاية التي تأتي علينا من هنا أو من هناك” (صـ15).
ويقول في نص (مسفلة صـ24): ” كانت السقيفة معمورة على شفا جبل له هاويات ثلاث؛ الأولى سجن بناه الأتراك، تحيط به أشجار بلس الترك المليئة بالشوك من كلِّ جانب، والثانية مقبرة[..]، والثالثة وهي الأهم قريبة من جبل له تعرجات وكهوف” (صـ25)، ويقول في نص (موج صـ65): ” ذات لقاء ناقشتُ على الهواء كتاباً يتحدث فيه الكاتب عن امتلاء الجيوب وصلتها بضياع الأوطان” (صـ66)، وفي نص (طوَّاف صـ67) يقول: ” قدم المساء على مهل، وزَّع للفقراء سلالاً غذائية، أعلن فيهم: حصتكم من الإذلال غير كافية، تحتاجون إلى المزيد من الخضوع والتوسل، لستم في مأمن عن الحاجة، لا يدخرنَّ أحدكم بسمة تذكر” (صـ67).
وفي البعد السياسي المغلف بطابعه الاجتماعي الطبقي يقول في نص (البرتقالة صـ50): “سألته: تضمُّ كفك أأصابها الشلل؟ أجابني: أنا سيد. جبل وحطَّ ثقله على رأسي، علاوة على حرارة الشمس، صائحاً فيه: ومن أخبرك أنني عبد؟ الناس عند الله سواسية. (ابرد لك من هذا الهدار)” (صــ51).
ونلاحظ أن القاص قد استخدم تقنية الراوي العليم، والسرد المباشر التي يتخلله جمل بلاغية صنع من خلالها مجازات متعددة، واستعارات متنوعة، كما أن اللغة سهلة وواضحة، وخلال تتابع السرد نجد الخواطر الجياشة التي تنساق فيها المشاعر المختلفة، وفي بعض النصوص كان الحوار حاضراً نقل خلاله جملة أفكاره وقناعاته.
حسبي هذه القراءة المتواضع، وهي دعوة للقارئ بالاطلاع على هذا النتاج الأدبي، فأن نملأ مراودنا بكحل الحرف والإبداع، خير لنا من رؤية ظلام العالم الغارق في دهاليز الظلم والحروب.
ناقد من اليمن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي