التدوين لدى الشعراء والكتاب الأمازيغ

الحسن زهور*
بدأ الاهتمام في الستينات من القرن الماضي، اي فترة انبعاث الوعي بالهوية الأمازيغية في المغرب، بتدوين الشعر باعتباره الوجه الأدبي البارز والحامل للأدب الأمازيغي، لذلك سنجد أن أولى الكتب الصادرة مع هذا الانبعاث اتجهت نحو تدوين الشعر الأمازيغي الشفوي (ويبق أن تطرقنا إلى ما قام به المستمزعون سابقا في هذا الشأن). وتعتبر سنة 1968 مرحلة التدوين الواعي للشعر الأمازيغي ببروز الوعي بالهوية الأمازيغية للمغرب لدى بعض المثقفين، حيث سيبتدئ هذا الوعي أولا بالعمل الجمعوي والجماعي والبدء بعملية إتمام التدوين، الذي بدأ به المستمزغون، مع الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي عملية التدوين. فلا غرو أن نجد اول عمل مطبوع بعد تأسيس هذه الجمعية سنة 1967 هو ديوان “أمانار” سنة 1968 جمع فيه احمد أمزال نماذج شعرية للشعراء الروايس، وبعده بسنة سيصدر الكاتب والباحث الجزائري مولود معمري في باريس الأشعار الأمازيغية للشاعر سي محمد أمحند (1845-1905) وترجمها إلى الفرنسية (1)، وقد سبق ان تم تدوين أشعار هذا الشاعر الأمازيغي من طرف مولود فرعون سنة 1960. ونلاحظ ان حركة الجمع والتدوين الواعي للشعر الأمازيغي بالجزائر سبقت نظيرتها في المغرب (2)، كما أن أول رواية امازيغية مكتوبة هي “الولي ن ؤذرار” لبلعيد ايت أعلي ظهرت في الجزائر سنة 1946. لكن هذه الحركة الأدبية لم تستمر، ولم تؤسس لتقاليد في الكتابة الابداعية الأمازيغية.
وإذا رجعنا إلى تاريخ الأدب المغربي، سنجد أن أغلب الأدباء الأمازيغ القدامى، واغلبهم فقهاء ورجال الدين، كتبوا بلغتهم الأمازيغية والعربية، لكن لم يصل الينا مما كتبوه بلغتهم الأمازيغية إلا القليل جدا؛ فأغلب ما وصلنا مكتوبا ارتبط بالمجال الديني وببعض العلوم الشرعية، أما الاشعار التي ترتبط بالعاطفة الانسانية للشاعر وتلك التي ترتبط بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للناس فما وصل إلينا منه قليل جدا (3)، ومجال التعبير عنها هو شعر الشعراء ” إنضامن” و”الروايس “، لكن هؤلاء لا يكتبون أشعارهم في مجتمع لا يكتب بلغته. أما الشعراء الفقهاء الذين كتبوا أشعارهم بلغتهم الأمازيغية (ومن الطبيعي ان يكتبوا بها شعرهم) فلم يصل الينا من اشعارهم الا القليل، منها بعض القصائد التي تؤرخ لبعض الأحداث الهامة التي شهدها المغرب أو سوس بصفة خاصة مثل بعض ابيات من قصيدة فتح افريقيا، وقصيدة خراب تامدولت، وقصيدة الحروب بين تاﮊروالت وايت جرار (4) وغيرها من القصائد التي أنقذها التدوين من الضياع..، يقول الاستاذ عمر أمارير: ” الفقهاء النظامون كثيرون، ونظمهم لا يبتعد عن أسلوب الفقه أو أسلوب التصوف، أو عبارات الوعظ، ومن أشهرهم : ‘أﮊناگ’ و’أوزال’، والحاج أحمد الجشتيمي، والحاج علي الدرقاوي، أما الشعراء الفقهاء فقليلون عددا قدماؤهم الذين وصلنا ذكرهم، ولا يكاد يذكر من أبرزهم إلا إثنان: سيدي عبد الرحمان أمعود اتيگي، وسيدي حمو الطالب” (5).
كما أن الكتابة الفقهية بالأمازيغية تلقى أحيانا معارضة من البعض الفقهاء في القرن السادس عشر، فهذا ابراهيم بن عبد الله أزناك (ت.1005ه- 1596م) مؤلف كتاب “لمازغي” يرد في كتابه على بعض المعارضين الذين يعارضون تأليفه بالأمازيغية (6):
ماني غ ئلا لكتاب ئنان ؤر ئزري ئى يان
“أين يوجد الكتاب الذي فيه عدم جواز”
أيمل دين ن ربي ئ لاقوام س لمازغي
فمن هؤلاء الذين عارضوه؟ على الأرجح هم من الفقهاء، ولكن من هم؟ هل هم بعض فقهاء المدارس العتيقة؟ هل هم الفقهاء المرتبطون ببعض المراكز العلمية ومعروف عن بعض هؤلاء أنهم يحرمون الأعراف الأمازيغية ويعتبرونها أعرافا جاهلية؟ المصادر والابحاث قليلة عن هذه الفترة، لكن الفترة السياسية التي عاش فيها هي فترة بداية الدولة السعدية التي اعتمدت على قوة الزوايا للقضاء على الوطاسيين ولترسيخ سلطتها التي انطلقت من سوس، وبالتالي فإن بداية ظهور تأليف الكتب الدينية بالأمازيغية في هذه الفترة هو في مصلحة الدولة الجديدة لاستمالة الفقهاء وأتباع الزوايا..
والى جانب الكتب الدينية التي ألفها الفقهاء، وصلت إلينا بعض الأراجيز التي تمزج بين العربية والأمازيغية بحيث ينتهي كل شطر بيت من ابياتها بكلمة امازيغية كأرجوزة احمد بن محمد الرسموكي (ت، 1669) المكونة من 298 بيتا (7)، وسبقتها قصيدة من القرن 8ه /14م للشاعر عبد الله الزرهوني(8) (توفي اواسط القرن 14م) يمزج فيها العامية المغربية والامازيغية (9) ..
وأغلب الانتاجات الشعرية التي نظمها الأدباء من الفقهاء، والتي وصلت الينا مكتوبة، بالعربية، وميل هؤلاء كثيرا الى النظم العربي يرجع في نظري إلى عدة عوامل منها:
– العامل النفسي المتمثل في كون الفقيه الشاعر يمثل النخبة العالمة في مجتمع يعتبره الفقيه أمّيا (أعامي) بحكم عدم معرفته اللغة العربية التي هي لغة الدين، اي اللغة التي يمتلكها الفقيه والتي ترفعه بحكم “قدسيتها” ( كما روج لها الفقهاء) فوق الجماعة التي يعيش فيها، وهي نفس الجماعة التي تؤدي له أجرته على المهنة الدينية التي يقوم بها. لذلك فالفقيه سيميز نفسه عن الشاعر(أنضام- الرايس، امدياز..) لكي لا يسقط في خانة ما يطلق عليه الفقهاء “أعامي”، وجمعه ئعاميين” (10) تمييزا لهم كخاصة متعلمة ومتفقهة، وقد تدخل بعض الاشياء في تميز الفقهاء كفئة خاصة عن “العامة – ئعاميين” كاللباس مثلا وعدم مشاركة الناس احتفالاتهم…
اورد المختار السوسي في كتابه المعسول بالجزء الثاني بعض مظاهر التميز في اللباس وغيره والتي يتميز بها الفقهاء والعلماء عن “العامة” حين تحدث عن الفقيه سيدي صالح الافقيري، كتب: “..وهو مشتمل بثياب المسكنة غير حافل بأدوات التعالي، ولا بالتظاهر بمظاهر العلماء ولا باتخاذ شارتهم في اللباس على العادة..” (11). فالشاعر الناظم بلغته الأمازيغية عند هذه الفئة الخاصة التي جمعت الفقه والأدب يدخل ضمن مفهوم “أعامي” اي من لا يعرف القراءة ولا الكتابة أي لا يعرف العربية، وهذا ينطبق كثيرا على الفقهاء المرتبطين بالمراكز الفقهية والعلمية اي بالمدارس العتيقة التي لها السلطة الدينية وترتبط أحيانا بالسلطة السياسية بالولاء أي بالسلطة المركزية ومن يمثلها من القواد وممثليهم. لكن سنلاحظ أنه كلما ابتعد الفقيه عن هاتين السلطتين الدينية والسياسية كلما كان حرا، وخير مثال على ذلك هو الفقيه الشاعر سيدي حمو الطالب الذي نظم شعره بلغته الامازيغية وتنوعت اشعاره حيث تناولت أغلب القضايا بما فيها الدين والحب والغزل والقضايا الاجتماعية، ومثال آخر من الفقهاء والادباء المشهورين هو ابو زيد عبد الرحمان الجشتيمي (ت. 1854) الذي كتب عنه محمد المختار السوسي يقول:
” وكان معنيا بالتقييد، مفوها بالأشعار العربية والشلحية حتى قال يشكر الله على ذلك:
الحمد لله الذي قد سخرا °°° لي النظامين ولا مفتخرا
أنظم طورا باللسان العربي °°° وتارة بالأعجمي الأعذب ” (12).
الأديب الفقيه والشاعر هنا وصف شعره الامازيغي الذي ينظمه بالأعذب، اي خصه دون غيره بالعذوبة، لكن لم يصل الينا شعره الامازيغي الأعذب هذا (مع أنه كان معنيا بالتقييد كما قال المختار السوسي)، في حين وصل الينا الكثير مما نظمه بالعربية (حياته وبعض أشعاره في كتاب المعسول الجزء السادس).
– العامل الاجتماعي، ويرتبط هذا بدوره بالعامل النفسي، فالحظوة الثقافية والمكانة الأدبية بين الفقهاء الشعراء أي مثقفي ذلك العصر تكون باللغة العربية، فأغلب الاشعار التي وصلت الينا منهم، والتي دون المختار السوسي بعضا منها، مكتوبة بالعربية، بل كان التفاخر بالمكانة الأدبية لديهم بمدى اتقانهم القريض والشعر بالعربية، وقد اورد المختار السوسي في اغلب مؤلفاته عن سوس الكثير من هذه الاشعار التي يتراسل بها الفقهاء الشعراء فيما بينهم أو ينظمونها في منتدياتهم، وشمل هذا الشعر اغلب الاغراض الشعرية من مدح ورثاء ووصف وحكمة وفخر…
– العامل السياسي، ويرتبط بالعلاقة بين السلطة سواء المركزية (السلطان) او من يمثلها وبين السلطة الشرعية التي يمثلها الفقهاء ورجال الدين. وغالبا ما يقف الفقيه مع السلطة ومن يمثلها. وبما أن اللغة العربية هي لغة السلطة الرسمية ولغة الدواوين ولغة الدين والأدب والكتابة، فإن الحظوة بدورها تعتمد على امتلاك هذه اللغة كتابة وادبا وفكرا، إضافة الى السلطة المعنوية للمراكز العلمية المرتبطة بالسلطة (فاس، مراكش، تارودانت..).. هذا الترابط بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية تجعل كل منهما يحتاج إلى الآخر فلا شرعية سياسية دون اعتمادها على الشرعية الدينية كما أن الشرعية الدينية تحتاج إلى شرعية سياسية تدعمها، لكن نجد بعض الاستثناءات مثل الفقيه سيد حمو الطالب الشاعر المشهور التي وصلتنا بعض اشعاره بالأمازيغية شفاهة.
لكن ما نصيب الشعراء الامازيغ غير المنتمين (وهم الأكثرية) إلى فئة أهل الأدب والشعر بالعربية، لغة الدين والسياسة أي لغة الحظوة؟ وما الفرق بينهم وبين الشعراء الفقهاء الذين ينظمون شعرهم بالعربية؟
الجواب تؤكده لنا المكانة التي يحظى بها الشاعر في قبيلته وبين القبائل الأخرى، سواء كان هذا الشاعر”أنضام” أو”أمدياز” اي شاعر “أسايس” حيث تقام الاحتفالات واشكال الفن والفرجة المقترنة بأحواش وأحيدوس أو كان “رايسا” متجولا مع فرقته الموسيقية.. وقد أورد المختار السوسي أسماء بعض هؤلاء الشعراء “ئنضامن” المشهورين في كتابه المعسول الجزء الثالث لشهرتهم (ولولا شهرتهم الشعرية التي طبقت الآفاق لما ذكرهم المختار السوسي)، كتب:
“ذكر بعض مشاهير شعراء اللغة الشلحية السوسية ممن اعترف لهم معاصروهم بالإفلاق: السيد حمو الزاگموزي والسيد علي بن سمهر الكرسيفي والسيد بوتلضيل، وعبد الله نترعمت، وأمادير الكثيري، وعبد الله بن موح الاساكي ومسعود بن همو مضين من تودمة، والأقرع إضعاير من بني الحسن الدروعي التيملي، وأبلعيد بن ميل والرئيس بلعيد الوجاني والرئيس موح بن بودرعة والرئيس العربي الجراري (ويزاد عليهم جامع وأبوه محمد بن إغيل ثم ولده محمد الذي لا يزال حيا وهم في أقا)”(13).
فالشاعر المتميز تفتخر به القبيلة وتتخذه ناطقا ومدافعا عنها، لأنه يرفع من شأنها بين القبائل منافحا عنها في المعارك الشعرية التي تقام في المواسم السنوية المشهورة وفي كل اللقاءات المرتبطة بالاحتفالات الاجتماعية والدينية. هذه القيمة الرمزية والاجتماعية التي تعطى للشاعر الأمازيغي والتي تفتخر بها قبيلته وترفع شأنها بين القبائل لا تعطى للشاعر الفقيه الذي ينظم شعره بالعربية، المكانة التي تعطى للأخير من طرف المجتمع أو القبيلة مستمدة من الدين وليس من الشعر، اي ان الناس يحترمونه بما يحمله من العلم الديني وليس بما له من الابداع الشعري، فهم أصلا لا يفهمون شعره لأنهم لا يعرفون لغته، لذلك فالقيمة الشعرية للفقيه الشاعر لا تتجاوز محيط افراد قليلين جدا من الفقهاء الذين يعرفون العربية؛ أما الشعر الأمازيغي فله مكانته التي لا تضاهيها اية مكانة فنية عند الناس إلى درجة أن هذا الشعر تتوارثه بعض الاسر المشهورة بالشعر: أسرة ئغيل مثلا (حماد ِعلي ئغيل الجد، وجامع بن حماد ئغيل الابن المزداد سنة 1869، ومحمد بن جامع ئغيل الحفيد توفي في السبعينات من القرن الماضي) (14)، وغيرها من الاسر المعروفة بالشعر(15)..
فالشعراء الناظمون الشعر بلغتهم الأمازيغية هم الأغلبية ولهم مكانتهم الأدبية والشعرية في المجتمع وبين القبائل بحكم الحظوة التي ينالونها داخل مجتمعاتهم لأنهم يمتلكون بدورهم سلطة الكلمة التي هي الشعر، وسلطة الكلمة لديهم أقوى من سلطة الكلمة لدى الأدباء والشعراء الفقهاء الذين يكتبون بالعربية، لأن الشعر بالأمازيغية هو الأقوى تأثيرا على الناس من الشعر المنظوم بالعربية والذي لا تفهمه الا القلة القليلة المنتمية إلى الفئة الخاصة اي فئة الفقهاء. فإذا كان الفقيه يعتمد على السلطة الدينية بحكم تفقهه في الدين وامتلاكه للغة هذا الدين التي لا يتقنها أكثرية الامازيغ، فإن الشاعر الامازيغي باعتبار اللغة والملكة الشعريتين اللتين يمتلكهما فإنه يوظف بدوره ما اكتسبه من معارف دينية في شعره ليعزز بها سلطته الشعرية وسلطته المعرفية باعتباره صاحب حكمة يحافظ على القيم الثقافية ويستلهم التجارب الحياتية والانسانية ويعطي رأيه في القضايا الاجتماعية، وهو ما اشار اليه البحث احمد عصيد في قوله:
“في المجتمع الامازيغي يكاد ينفرد الشاعر بمهمة البحث عن المعنى كخاصية جوهرية من خصائص المثقف، ذلك أن رجل الدين لا يتعدى شرح المعنى النصي للناس وابلاغهم بعض الاوامر والنواهي في حدود الحلال والحرام، والملاحظ أن الشاعر هو الذي يقوم بإتمام ما تبقى من المهمة، بإبرازه مختلف الاشياء والتجارب التي تتجلى فيها حقيقة الانسان من خلال الوقائع وليس فقط من خلال المثال الذي يمثله النص الديني”(16).
كما أن الشاعر الامازيغي ( أنظام، أمدياز..)، باعتبارة المتحدث باسم الجماعة ( القبيلة..) وأحيانا باسم الأمة الاسلامية، فإنه يوظف شعره من أجل هذه القضايا لأنه يحس بمسؤوليته كحامل للسلطة اللغوية والادبية والثقافية أي كممثل ثقافي للجماعة الصغيرة أو الكبيرة. فالأحداث الكبرى التي وقعت في البلد لا يمكن للشاعر الامازيغي، باعتباره صوتا للجماعة ( القبيلة، الأمة)، أن يتغاضى عنها؛ إذ نراه يقف أمامها موقف ايجابيا أو سلبيا. فالكثير والكثير من القصائد (والتي مع الاسف الشديد اندثرت، ولم يصل الينا الا القليل منها) أرخت للكثير من الاحداث الصغيرة والعظيمة التي عرفها بلدنا سواء في الصراعات الداخلية التي ينحاز فيها الشاعر الى طرف ما، أو في الصراعات الخارجية المتمثلة في مقاومة القبائل والزوايا والدولة المركزية للتدخلات العسكرية الخارجية، بل لم يقف هذا الشاعر الامازيغي (أنظام أمدياز..) عند ما هو “وطني” بل تعداه الى ما هو خارج البلد في تعاطفه مع قضايا الشعوب الاسلامية، ويظهر لنا هذا لدى بعض شعراء سوس في تضامنهم مع مقاومة الجزائريين للهجوم الفرنسي عل الجزائر وهي تحت حكم السلطان التركي؛ هنا نستحضر قصيدة لشاعر مجهول يؤرخ لاحتلال القوات الفرنسية للجزار سنة 1830، والقصيدة دونها الباحث الألماني هانس شتوم hans Stumme وتتكون من 96 بيتا، حققها عمر أمرير (17).
لكن هل تم الالتفات إلى هذا الشعر الذي يرتبط بمشاعر الناس وبثقافتهم تأثيرا وتأثرا من طرف الفقهاء؟ الجواب يكمن في أن لغة هذا الشعر لدى بعض هؤلاء الشعراء الذين ينظمون بالعربية تعتبر لغة العامة التي لا قيمة لها أمام لغة مكتوبة وراءها دولة ودين، وحظوة اجتماعية ودينية..
أورد محمد المختار السوسي في كتابه “إليغ قديما وحديثا” مشهدا رواه له ابوه عن مجلس أقيم لمبايعة أمير إليغ علي بودميعة، حين تقدم الاديب “أمحاولو الأيسي” (ت. 1113ه) فأنشد شعرا يمدحه: “وقد ذكر لي والدي رحمه الله أنه سمع ممن حضر انشادها ممن أدركهم من العلماء أن ذلك كان عند قبر سيدي الشيخ احمد بن موسى رضي الله عنه، وقد حضر جمع كبير من العلماء، والصالحين والأشياخ و’ ئنفاليس’ القبائل، وكان والدي يضحك، ويقول أخبرني بعض من حضر أن بعض الشلحيين النظامين من أهل اللعب في الاعراس ٌ قام ايضا يغني بمدح سيدي علي، فأراد بعض الفقهاء أن يسكته، فقال له سيدي علي دعه، فبقي حتى أتم ما قال، فيقول والدي إثر ذلك لا أدري ما الفرق بين الرجلين إلا إذا عظمنا العربية فقط” (18).
هذا مشهد يبين لنا قيمة ودرجة الشعر الأمازيغي الفنية أمام الشعر المنظوم بالعربية أي شعر النخبة. وإذا كان هذا الأديب الفقيه لا يرى فرقا بين القصيدة التي القيت أمام بودميعة بالعربية (وستكون مكتوبة بعد أن تم تنقيحها عدة مرات أثناء نظمها وكتابتها) وبين تلك التي تم ارتجالها بالأمازيغية من طرف الشاعر “أنضام”، فأين شعر الفقهاء الأدباء ممن نظموا شعرهم بلغتهم الأمازيغية؟ لم يصل الينا الا القليل الذي كتب منه وأغلبه ديني (19). وقد اورد الباحث احمد عصيد في كتابه “إماريرن” (20) الكثير من الشعراء “ئنضامن” المشهورين الذين عايشوا القرنين التاسع عشر والعشرين منهم لحسن بوزنير، وعمر أولحانافي، أكناو ن ؤمالو ؤوكريس، بلا ن ترعمت (21) ، وجامع بن إغيل (22)، واحمد ؤبلا ازناك، وغيرهم ممن شملهم البحث..
فأغلب الفقهاء، ممن وصل الينا شعرهم الديني، غالبا ما يلتجئون إلى هذا الشعر الأمازيغي كوسيلة لتقريب الاسلام إلى الأكثرية اي إلى الامازيغ بلغتهم وبالشعر الذي يؤثر فيهم ويسهل عليهم حفظه وتخزينه في ذاكرتهم (23). ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: ألم ينظم الأدباء والشعراء الفقهاء اشعارهم بلغتهم الأمازيغية؟ إذ لا يمكن لأي شاعر حقيقي أن لا ينظم الشعر بلغته، لأن الشعر وجدان وعاطفة، والتعبير عن الوجدان والعاطفة ترتبط في عمقه وحقيقته باللغة الأم التي هي اللغة الاقرب حميمية إلى الشاعر، وبالتالي فلا يمكن للفقيه الشاعر إن كان شاعرا حقا أن لا ينظم شعره العاطفي بلغته الام، ولكن اين هذا الشعر؟ أغلبه مفقود لكن حفظت لنا الذاكرة الجماعية وذاكرة الشعراء بعضا من شعر شخصية تنتمي الى طائفة الفقهاء، إنه الشاعر سيدي حمو الطالب (24) الذي وصل الينا شعره الأمازيغي في مختلف الاغراض الشعرية، لكن هل نظم هذا الشاعرشعره بالعربية باعتباره فقيها؟ لم يصل الينا منه شيء إلى الآن لكن ما نظمه من الشعر وصلنا بلغته الأمازيغية وثقته الذاكرة الجماعية والشعرية ووثقه التدوين والكتابة . سؤال آخر يتعلق بشعره الأمازيغي هذا، هل كتب الشاعر الفقيه بعضا من شعره الامازيغي؟ الابحاث ما زالت لم تجب عن هذا السؤال.
ثم أين الشعر المنظوم بالأمازيغية لباقي الشعراء الفقهاء الذين نظموا أشعارهم بالعربية؟ هل بقي هذا الشعر شفويا لم يعتن به الفقيه الشاعر كعنايته بالشعر العربي الذي ينظمه؟ وعنايته بالأخيرمرتبطة بالحظوة اللغوية المرتبطة بدورها بالحظوة السياسية، إذ حين ينظم الفقيه والأديب الأمازيغي الشعر العربي يكتبه ويدونه لأنه يربطه بفئة متميزة أي الفئة الخاصة المنتمية إلى سلطة الدين والدولة، وهذا الشعر في اعتقاده يرفع من قيمته ومن مرتبته بين هذه الفئة المتعلمة والمحظوظة.
فما وصل إلينا من اشعار الفقهاء الذين اشتهروا بنظم الشعر بلغتهم الامازيغية هو بعض من شعر سيدي حمو الطالب باعتباره الأقدم مما أشارت اليه بعض المخطوطات إضافة الى شاعر آخر أقدم منه هو سيدي عبد الرحمان أومسعود أتيگي صاحب مطولة “الجفرية”، وصاحب قصيدة ” فتح افريقيا”، وربما هو من فقهاء القرن الخامس عشر الميلادي. ومن القرن التاسع عشر وصلت الينا كذلك قصيدة للفقيه محمد بن عبدالله البوشيكري (25) ، يقول الباحث عمر أمرير:
“أما الفقهاء الشعراء فقليلون عددا قدماؤهم الذي وصلنا ذكرهم، ولا يكاد يذكر من أبرزهم إلا إثنان: سيدي عبد الرحمان أومسعود أتيگي و سيدي حمو الطالب. شاعران ممتازان من القدماء ولا يمكن الخلط بين انتاجهما، لأن أتيگي لم يعد يذكر الا بمطولة تسمى ‘الجفرية’ تنبأ فيها بنشأة الدولة العلوية..”(26).
لكن أملنا معقود على الباحثين للكشف عن الكثير من المخطوطات النادرة التي لم ينفض عنها الغبار بعد، وخاصة تلك المركونة في الخزانات الشخصية داخل المغرب لعلها تزودنا بهذه الاشعار الأمازيغية التي دونها الفقهاء الشعراء، ويكفي ان نستدل بالأبحاث والتحقيقات الذي قام به عمر أمرير، عمر أفا، محمد مستاوي ، أحمد عصيد، احمد بوزيد، ابراهيم اوبلا، أحمد المنادي، جميل حمداوي، الحسين الادريسي، جمال ابرنوص، الحسين بن إحيا گويجان، محمد ولكاش، سعيد جليل وغيرهم.
لذلك فأغلب الاشعار الأمازيغية المدونة هي التي لا تبعد عنا اكثر من قرنين والتي حفظتها الكتابة والرواية من عوائد الزمان، أغلبها تم تدوينها سماعا من افواه الرواة الحافظين لهذا الشعر، والقليل منها دونها بعض الفقهاء سواء كانت من نظمهم أو من نظم غيرهم بحكم تمكنهم من الكتابة والقراءة باللغة العربية، في حين أن الاشعار الدينية وهي كثيرة دونها أصحابها، ومنها ما أشار اليه الباحث والشاعر ابراهيم أوبلا في كتابه “النزعة الدينية في الشعر الأمازيغي الشفوي” (27) حين تحدث عن القصيدة المجلسية التي تروى أو تغنى في المجالس أي مجالس الفقهاء وليس في فضاء أسايس، يقول: “يقصد بالقصيدة المجلسية تلك القصيدة التي تغنى في المجالس وليس في فضاء أسايس… وأغلبها تندرج فيما يمكن تسميته بشعر الدعوة، وتمتاز هذه القصائد بأنها النموذج الأوحد الذي تم تدوينه من لدن فقهاء المساجد، وسوف أسوق هنا ثلاث قصائد، اثنتان منها من نظم سيدي محند نايت حساين فقيه المدرسة الهنائية ومقدم زاوية آيت حساين في النصف الأول من القرن التاسع عشر..” (28). لكن هذا النوع ليس هو النموذج الاوحد الذي تم تدوينه من طرف فقهاء المساجد، وقد أشرنا سابقا الى تدوينات الفقهاء الشعرية.
فمن بين النصوص الشعرية التي وصلت الينا من الرواة نصوصا للشاعر احمد بن إغيل (29) الذي عاش في القرن 19 وترك قصائد شعرية تؤرخ لأحداث بعضها قديم، وبعضها الآخر عاشها، من ذلك مثلا قصيدته الشعرية التي تحدث فيها عن إحدى المعارك سنة 1878 بين أوتزروالت وأجرار، وتتألف القصيدة من 142 بيت شعري (30). ولكن اقدم نص شعري متوارث سماعيا هو قصيدة تصف فتح افريقيا من طرف المسلمين، ذكرها المختار السوسي في كتابه “خلال جزولة” (31) دون أن يدونها، وأورد الشاعر والباحث ابراهيم أوبلا أجزاء من هذه القصيدة في كتابه “النزعة الدينية في الشعر الأمازيغي الشفوي”(32)، ولا نعرف بالضبط زمن هذه القصيدة ومن صاحبها، لكن الاستاذ عمر أمرير ينسبها الى الشاعر الفقيه عبد الرحمان أومسعود أتيكي صاحب القصيدة الجفرية (وهي مخطوطة).
إذن فأغلب الشعراء سواء “ئنضامن” أو”ئمديازن” أو”الروايس” أو “ئماريرن”.. لم يكتبوا اشعارهم، والقليل منهم من دونت بعض اشعاره من طرف بعض الفقهاء، أو من طرف المستمزغين الذين ساهموا في تدوينها ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر أو حاليا من طرف الباحثين من الحركة الامازيغية أو المتأثرين بها.. فساهموا بذلك في نجاة الكثير من النصوص الشعرية الأمازيغية من الضياع.
وقد نجد اشارات من جانب بعض الشعراء “الروايس” يشيرون فيها إلى تدوين وكتابة شعرهم قبل غنائه، منهم قصيدة الشاعر الحاج بلعيد التي أشار فيها إلى كتابته لقصائده قبل ان يغنيها، لكن الكتابة عنده غير مقترنة بالوعي فالكتابة لدى هذا الشاعر وسيلة فقط مثل دأب الفقهاء، يقول في قصيدة ” الماكينة” وهو يشير إلى كتابته لبعض أشعاره:
ؤسيغ د تادوات د لقلم د لكيغض اخذت الدواة والقلم والورقة
أينّا ينضم لقلب يارات أفوس لتدون اليد ما ينظمه القلب
اگّيس ئحاضر ؤعراب ؤلا أشلحي ليحضر فيه العربي والشلحي
لكن ظهور الوعي الهوياتي في مرحلة الستينات كان له أبلغ الأثر في انبعاث الأدب الأمازيغي من جديد ليواصل مرحلة الكتابة والتدوين وإن اقتصر بادئ الامر على تدوين بعض قصائد الشعراء الروايس كما في ديوان “أمانار”، رغم ان هذه التجربة سبقتها محاولات فردية متمثلة في بعض الدراسات التي قام بها الاستاذ محمد شفيق لشعر بعض الشاعرات والشعراء الامازيغ الذين ساهموا بشعرهم في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي (33)…
هذا الوعي الهوياتي الجديد أفضى الى ظهور المحاولات الشعرية الحديثة التي بدأت في الستينات وبداية السبعينات مع رواد الحركة الأمازيغية ابراهيم اخياط، وعلي أزايكو، والصافي مومن علي ومحمد مستاوي، وغيرهم ممن ألفوا بعض القصائد الشعرية، منها تلك التي نظموها للفرق الغنائية العصرية الهاوية مثل فرقة “أوسمان”، وهنا نورد شهادة للباحث عمر أمرير يقول فيها :
“انطلاقا من فكرة تطوير الاغنية الأمازيغية، قام بعض الشبان في مدينة الرباط بتجارب موسيقية منذ سنة 1967، وكان منهم علي المومني (يقصد الصافي مومن علي)…أما الكلمات فيضعها ابراهيم أخياط، وعلي أزايكو، وعلي المومن، وأحمد الغزالي.. وبعد تقدمهم في تنقيح أغانيهم، قاموا بتقديم تجربتهم
-لأول مرة- أمام جمهور حفلة المدرسة المحمدية للمهندسين بالرباط”(34).
لكن مع الاسف هذه التجربة الشعرية لم تدون لنعرف قيمتها الفنية والشعرية.
وستنتقل عملية تدوين الشعر الأمازيغي إلى عملية الابداع المرتبط بالكتابة والحداثة حين اصدرت الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي ديوانا شعريا جماعيا للشعراء المحدثين، جمعت فيه قصائد شعرية لهؤلاء الشعراء وكلهم شباب ذوو تعليم عال ومتقنون لعدة لغات، مما سيكون له اثره على قصائدهم الشعرية.
ومن الديوان الجماعي “ءيموزار” سيتطور مسار الاصدارات إلى إصدار الدواوين الفردية، حيث سيبدأ الشاعر محمد مستاوي بإصدار دواوينه الشعرية منها “إسكراف” سنة 1976 وهو من منشورات الجمعية. وفي هذا الديوان يعود تاريخ كتابة بعض قصائده الى سنة 1963 مثل قصيدة “تاگات ن يان مژين أرت سرفوفون”، والى سنة 1964 مثل قصيدة “تيغرسي ن شيخ” و إلى سنة 1965 مثل قصيدتي “دارنغ”، و”تيمزگيد ن ئضگام”.. مما يدل أن عملية الابداع والكتابة الامازيغية لم تنقطع، وكانت مستمرة لكنها كانت تنتظر الظروف الملائمة للظهور والاصدار.
كما أصدر هذا الشاعر ديوان “تاضصا د ئمطاون” سنة 1979.. لتتوالى في الثمانينات الدواوين الشعرية التي أصدرها شعراء رواد الحركة الأمازيغية مثل حسن اد بلقاسم، وعلي صدقي أزايكو وابراهيم اخياط….
والملاحظ أن الإصدارات الابداعية الأمازيغية وما دون من الأدب الأمازيغي في هذه المرحلة أي مرحلة السبعينات أغلبها كتب بالحرف العربي، كما أن أغلبها شعر. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة عوامل منها:
– الكتابة بالأمازيغية خلال التاريخ الاسلامي كتبت بالخط النبطي العربي، وهذا طبيعي بحكم أن العربية هي المهيمنة سياسيا ودينيا وتاريخيا. فأغلب الكتابات السابقة – واغلبها دينية- كتبت بالحرف العربي ككتب محمد اوزال في القرن الثامن عشر وكتابات غيره من الفقهاء السابقين بما فيها المعاجم كمعجم لابن تونارت في القرن 12م… أما الانتاجات الأمازيغية للدولة البورغواطية فلم يصل الينا منها ما يدل على نوعية الخط الذي كتبوا بها كتابهم المقدس و ما يرتبط به من تفاسير ومتون و كتب دينية، كما أنه لم يصلنا منهم اي أثر لأدب أو شعر، مع أن دولتهم عاشت أكثر من ثلاثة قرون ونصف في المغرب، لكن من المرجح أنهم كتبوا بدورهم بالحرف النبطي العربي. فأغلب المؤرخين الذين كتبوا اشارات عن هذه الدولة، ومنهم البكري، اوردوا بعض الجمل من الكتاب المقدس للبورغواطيين كما هي بالأمازيغية وترجموا معناها إلى العربية دون أن يشيروا إلى الحرف الذي كتب به هذا الكتاب، مع ان هؤلاء المؤرخين لا يشيرون إلى هذا الكتاب بأي حرف كتب، لكنهم يشيرون فقط إلى أنه كتاب البورغواطيين المقدس يتلوه معتنقو هذه الديانة في دولتهم وبلغتهم الامازيغية (35). والسؤال هو: هل من المعقول ان لا تكتب دولة قائمة، لها دواوينها الادارية ولها سفراؤها، كل ما يتعلق بكتابها المقدس من كتب لشرحه وكتابة الشرائع المرتبطة به؟ إذ لا بد لأي دولة من دواوين وسجلات لتسيير معاملاتها، ولا بد لها من كتاب وكتبة يهتمون بهذه الدواوين، يدونون فيها معاملاتها الداخلية، ولا بد لها من كتابة، وبما أن لها ديانة تعتمد على كتاب مقدس فلابد من كتابة شرائعه، ولا بد من رجال دين يكتبون ويشرحون شرائع هذه الديانة، ولا بد لها من دور عبادة، وما يتبع ذلك من تعليم الاطفال خصوصا وأن هذه الدولة دامت ثلاثة قرون ونصف..
إذا، فهيمنة الخط العربي -كما قلنا- على الكتابات الأمازيغية السابقة ستكون إحدى العوامل التي ستجعل الكتاب والمبدعين يكتبون في هذه المرحلة أي مرحلة تدوين الأدب الأمازيغي في بالخط العربي، لكن لن يكون هذا العامل هو العامل الاساسي فقط للكتابة بهذا الخط..
– إضافة إلى العامل التاريخي الذي اشرنا اليه، سيكون العامل السياسي بدوره من العوامل الاساسية لهيمنة الخط العربي على كتابات هذه المرحلة اي مرحلة انبعاث الادب الامازيغي. فمرحلة السبعينات والثمانينات من القرن العشرين كانت مرحلة حساسة سياسيا و ايديولوجيا لا تسمح بارتباط الكتابة والابداع الأمازيغيين بحرف غير الحرف العربي، فما زالت الأمازيغية (البربرية كما يطلق عليها آنذاك) في حكم المسكوت عنه بالقوة وفي حكم الممنوع، وما زالت ايديولوجية ما يسمى ب”الظهير البربري” سيفا مسلولا على رقاب من يريد بعث الثقافة الأمازيغية، لذلك فالكتابة بالحرف اللاتيني في تلك الفترة التي بدأ فيها الانبعاث الثقافي تعتبر تحديا سلبيا سيقود حتما إلى اتهام الكاتب الأمازيغي بالعمالة والتفرقة.. ولن تبدأ المحاولات الأولى بالكتابة بالحرف اللاتيني الا في الثمانينات ولكن بصورة أكبر في بداية التسعينات.
فقد كان مفهوم “الثقافة الامازيغية” يعتبر في هذه الفترة الى فترة الثمانينات من المفاهيم الحساسة سياسيا وثقافيا، لذلك اعتمدت الحركة الامازيغية على توظيف عناوين تحيل الى الثقافة الشعبية في اللقاءات الثقافية الكبرى بدلا من “الثقافة الامازيغية” (رغم أن كلمة الامازيغية تذكر في العروض التي كانت تلقى في هذه اللقاءات الثقافية)، ولم يخرج مفهوم “الثقافة الامازيغية” كمفهوم ثقافي الى الوجود الفعلي على اللافتات وفي عناوين اللقاءات الوطنية الا بعد أن فرضت الحركة الأمازيغية وجودها وتبنته كمفهوم ثقافي في نهاية الثمانينات ، وتبقى المفاهيم الاخرى ك “الشعر الامازيغي”، و”اللغة الامازيغية” من المفاهيم المستعملة في اللقاءات الثقافية والادبية..
– كما أن التكوين التعليمي الذي تلقاه البعض من المبدعين في تلك الفترة كالشاعر محمد مستاوي (تلقى تكوينه في معهد تارودانت) أثر بدورهم في كتاباتهم وفي اختيارهم للخط العربي، مع ملاحظة ان اغلب الذين تلقوا تكوينهم في هذا المعهد بدأوا كتاباتهم الأمازيغية بالحرف العربي ثم انتقلوا إلى الكتابة بالحرف اللاتيني مثل الاساتذة حسن اد بلقاسم، ومحمد اكناض، واحمد الدغيرني… وابتداء من الثمانينات ستصدر مجلة “أمازيغ” باللغة الفرنسية وبالتالي ستتبنى الحرف اللاتيني في كتابتها ما يتعلق بالامازيغية، ولن تنتشر كتابة الامازيغية بالحرف اللاتيني الا في التسعينات حيث ستتبنى بعض الجرائد والمجلات الأمازيغية هذا الحرف في الكتابة كمجلة تيفيناغ وتيفاوت.. وجريدة تاسافوت التي انتقلت من الحرف العربي الى اللاتيني، وتاويزا وتيدمي وغيرهما من الجرائد الامازيغة الاخرى..
أما النثر في هذه الفترة، أي فترة السبعينات، فما زال في بداياته الأولى واقتصر اللأمر على التدوين والكتابة في جنس المقالة وبطريقة الترقين وخصوصا ما قامت به الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي في هذا الميدان، مثل إصدارها للدورية الداخلية للجمعية “أراتن” وصدرت منها سبعة اعداد ابتداء من سنة 1975، لتتطور أكثر مع دورية “التبادل الثقافي” التي صدرت بالأمازيغية والعربية والفرنسية سنتي 1979 و1980. وابتداء من سنة 1990 ستصدر الجمعية مجلتها الادبية والابداعية باسم” أمود” (أي البذرة) حيث سيصدر منها اربعة اعداد سنتي 1990 و 1991 وستلعب دورا اساسيا في التعريف بالابداع الامازيغي الحديث ونشره (مقالات، قصص قصيرة، شعر، الترجمة الى الامازيغية، الامثال…).
الهوامش:
- Mammeri, M. (1969), Les Isefra. Poèmes de Si Mohand-ou-Mhand, Paris, Maspero.
- بدأ الاستاذ محمد شفيق في المغرب عمله بمقالات حول الثقافة الامازيغية، نشرها في مجلة آفاق ابتداء من عدد 2 لسنة 1962 للتعريف بهذه الثقافة التي همشتها المؤسسات الثقافية بالمغرب، ثم سنة 1963 نشر مقالا بعنوان”التراث المجهول” نشره بالعدد الاول لسنة1963. ثم مقالا آخر حول الشعر الامازيغي حول المقاومة سنة 1966 بنفس المجلة.. ، لكنه توقف فيما بعد .
- قصيدة فتح افريقيا منسوبة لعبد الرحمان أومسعود أتيگي وهو صاحب مطولة ” الجفرية” (حسب الباحث عمر أمرير في مقاله بكتاب: المخطوط الأمازيغي اهميته ومجالاته) ربما هو من القرن 15م.
- احمد المنادي وابراهيم اعزا، أيت ئغيل: نموذج من بيوتات الشعر الامازيغي، إصدار المعهد الملكي للثقافة الامازيغية، ص 8.
- عمر أفا، “الدليل الجذاذي للمخطوطات والوثائق الأمازيغية”، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2015، ص 100.
- الوافي نوحي، مقاله: التراث الامازيغي المخطوط بالمغرب..، مجلة المناهل عدد 100،سنة 2000، ص 26. أشار في الهامش الى مصدر الابيات وهو: كتاب لمازغي، نسخة المكتبة الوطنية بالرباط، رقمها 127ق.
- نشرها الباحث عمر أمرير في كتابه “أمالو” 1978، ونشرها كذلك الاستاذ محمد المستاوي بعنوان “الارجوزة العربية الامازيغية” مطبعة المعارف الجديدة 1990.
- له ملحمة زجلية شعرية باسم “ملعبة الكفيف الزرهوني”، حققها محمد بنشريفة، المطبعة الملكية، الرباط، 1987.
- الوافي نوحي، مجلة المناهل عدد 100، ص 40.
- جاءت من اللفظ العربي ” العامة” أي الفئة التي لا تعرف القراءة والكتابة، و”أعامي” بمعنى الجاهل كذلك. أورد الاستاذ أحمد بوزيد هذه الكلمة بهذا المعنى (أي الجاهل) في مقال له بعنوان “المخطوط الامازيغي: مجالات ومضامين” المنشور في كتاب “المخطوط الأمازيغي: أهميته ومجالاته” الذي اصدره المعهد الملكي للثقافة الامازيغية 2004، أورده الاستاذ في ذكره لمنظومة بالأمازيغية: “منظومة في اخبار الآخرة وأحوال الجنة والنار” لمجهول وصف نفسه في خاتمتها ب (أعامي ؤر ئسّن يات: عامي جاهل)” ص34 من الكتاب.
- المختار السوسي، المعسول الجزء الثاني، ص 11.
- المختار السوسي، المعسول الجزء السادس، ص
- محمد المختار السوسي، المعسول، الجزء الثالث، ص 415.
- للباحثين احمد المنادي وابراهيم اعزا كتاب حول هذه الاسرة بعنوان “أيت ئغيل: نموذج من بيوتات الشعر الأمازيغي” منشورات المعهد الملكي للققافة الامازيغية.
- في نفس المرجع، أشار الباحثان الى بعض هذه الاسر، ص 10.
- أحمد عصيد، كتابه: دراسات في الادب الامازيغي.
- أعاد الاستاذ محمد المدلاوي نشرعمل الاستاذ عمر امرير في موقعه، مع وضع تقديم لهذا العمل ومراجعة القصيدة حيث ذكر في تقديمه أن الاستاذ عمر أمرير قام بجهد كبير في تحقيق هذه القصيدة وقلب القصيدة المدونة بالحرف اللاتيني الى الحرف العربي مع وضع دراسة لها على شكل مقدمة وخاتمة:
https://static.blog4ever.com/2006/04/162080/—–.pdf
- محمد المختار السوسي، اليغ قديما وحديثا، تعليق محمد بن عبد الله الروداني، المطبعة الملكية، الرباط 1966. ص 47 و48.
- مثل قصيدة مدح النبي للفقيه محند نايت حساين التي جارى فيها قصيدة الهمزية للبوصيري، اوردها الباحث ابراهيم اوبلا في كتابه “النزعة الدينية في الشعر الامازيغي الشفوي”، من منشورات رابطة مدرسي اللغة الامازيغية، طاطا، 2021.
- ا حمد عصيد، إماريرن، منشورات المعهد الملكي للقافة الامازيغية، 2011.
- أشار اليه محمد المختار السوسي في المعسول، الجزء الثالث، ص 415.
- اشار اليه المختار السوسي في نفس المرجع السابق، وفي كتابه من “افواه الرجال ” الجزء الثاني .
- ذكر الباحث ابراهيم اوبلا في كتابه “النزعة الدينية في الشعر الامازيغي الشفوي”، أن سبب نظم الفقيه محند نايت حساين قصيدته الأمازيغية في مدح النبي هو : ” يذكر الرواة أن سبب نظمها يرجع الى واقعة له حين جاء ازيارة بلدته ذات مرة في أيام عيد المولد النبوي، إذ قصد المسجد فوجد النساء والفتيات متحلقات حول فوهة المسجد من أجل التملي بالاستماع الى القراءة الجماعية للأمداح النبوية ” ص 82-83، فأنشد قصيدة في مدح النبي باللغة الامازيغية لتحفظها النساء ويقرأنها في منازلهن دون التشويش على الطلبة في المساجد.
- جمع الباحث عمر أمرير الكثير من أشعاره في كتابه “الشعر الامازيغي المنسوب الى سيدي حمو الطالب”.
- قصيدة “أح أ بو سنات تميزار أسار ترميت غ يات”، (عمر أفا، الدليل الجذاذي للمخطوطات والوثائق الامازيغية، ص 557).
- عمر أمرير، مقاله: “اهمية مخطوطات سيدي حمو الطالب”، من كتاب: المخطوط الامازيغي أهميته ومجالاته”، المعهد الملكي للثقافة الامازيغية، 2004، ص 100.
- اصدار رابطة مدرسي اللغة الامازيغية، مطبعة الواحة حي التعايش، طاطا 2020.
- نفس المرجع ص82
- احمد المنادي وابراهيم اعزا، ايت ئغيل: نموذج من بيوتات الشعر الامازيغي، ص 8.
- نفس المرجع ص 21.
- الجزء الثالث صفحة 120 ورد فيها: “وفيه ايضا قصة فتح افريقية بنظم شلحي، وهي ملحمة أشادت بشهامة عبد الله بن جعفر، وهو بطل القصة في ست صفحات، وهذه الملحمة منتشرة، فقد سمعتها في السواق كثيرا ما يتلوها أصحاب الحلق”.
- ابراهيم أوبلا، النزعة الدينية في الشعر الامازيغي الشفوي، من منشورات رابطة مدرسي اللغة الامازيغية، طاطا، 2021.
- نشر بعض المقالات حول الشعر الامازيغي في مجلة آفاق سنة 1966 منها “من تراثنا المجهول، تصنيف مختصر للأغاني والرقصات الأمازيغية”، مجلة آفاق، عدد 5و6.
- عمر أمرير، أمالو من الفنون الشعبية المغربية، مطابع دار الكتاب، البيضاء، الطبعة الأولى 1978، ص 126.
- خص البكري في كتابه ” المسالك والممالك” الجزء 1 عنوانا تحدث فيه عن كتاب البورغواطيين، عنونه ب ” ذكر كلمات مترجمة من أول سورة أيوب وهي استفتاح كتابهم” ص 324. الكتاب من تحقيق د. جمال طلبة.
باحث في الامازيغية من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي