الرئيسية / الأعداد / قراءة تأويلية في مجموعة “نبرات لا تطرب” للقاص إبراهيم ريضا – عمرو گناوي

قراءة تأويلية في مجموعة “نبرات لا تطرب” للقاص إبراهيم ريضا – عمرو گناوي

قراءة تأويلية في مجموعة “نبرات لا تطرب” للقاص إبراهيم ريضا

 

عمرو گناوي*

 

1 – في رحاب الفن القصصي:

تجدر الإشارة إلى أن الفن القصصي بالمغرب لم يظهر مبكراً لعدة أسباب، أهمها:

  • عدم استثمار الكتاب والمبدعين ما أسفرت عنه تجارب النهضة العربية في مجال القصة (محمد شقير/ فلسطين، زكريا تامر/ سوريا، نجيب محفوظ، يحيى حقي، ويوسف إدريس/ مصر) وغيرهم.
  • عدم مواكبتهم لمسار التجربة الغربية، الأوروبية والأمريكية، والاستفادة منهما.

ويكفي أن نذكر القارئ هنا بمجموعة من رواد القصة والقصة القصيرة جداً:

  • إدغار آلان بو (Edgar Allan Poe): من الولايات المتحدة (ق. 19)، الذي وضع الأسس الفنية للقصة القصيرة، وأهمها مبدأ الوحدة والتكثيف.
  • أنطون تشيكوف (Anton Chekhov): نهاية ق. 19 وبداية الحداثة. في كتابه “فن القص” استطاع أن يطور فن القصة النفسية، بعيداً عن صرامة الحبكة التقليدية.
  • غي دو موباسان (Guy de Maupassant): سيد القصة الواقعية القصيرة في القرن 19، من خلال مجموعته “مختارات القصة القصيرة” أو ما اصطلح على ترجمته بـ “Nouvelles choisies” أو “Anthologie de la nouvelle”، والذي تبنى فيها رؤية قاسية للحياة، معتبراً المال عاملاً من عوامل بناء الحياة، وغيابه عاملاً مدمراً لها (كما تجسد ذلك شخصيتا الفقير والثري). ومن أهم مميزات هذه المجموعة القصصية البساطة والدهشة والنهاية المفاجئة.
  • جيمس جويس (إيرلندا ق. 20): رائد من رواد التفسير النفسي للأدب، له الفضل في إدخال تيار الوعي والبعد الرمزي في الفن القصصي.
  • نيكولاي غوغول (ق. 19): الذي يعد من أوائل من استخدموا القصة القصيرة في نقد الواقع الاجتماعي بأسلوب ساخر.
  • أخيراً إرنست همنغواي: رائد القصة القصيرة جداً من خلال قصته المشهورة: “للبيع: حذاء طفل، لم يلبس قط” (1925).

تمت هذه المحاولات قبل أن تظهر بوادر القصة المغربية القصيرة في مرحلتها الجنينية، ممثلة في “وادي الدماء” (1947) لعبد المجيد بنجلون، و”سبعة أبواب” لعبد الكريم غلاب (1965)، وغيرهما من المجموعات القصصية التي حاول أصحابها أن يؤسسوا للفن القصصي في علاقته بالبعد الوطني والاجتماعي.

قبل أن يتربع على عرش القصة القصيرة، في سبعينيات القرن الماضي، رواد جدد يتصدرهم محمد زفزاف في مجموعته “الأقوى”، الذي نقل القصة القصيرة المغربية إلى مستوى فني حديث، وإدريس الخوري في “حزن في الرأس والقلب”، وحديثاً ليلى أبو زيد في قصة “الغريب”، والأحمدان: أحمد المديني في “زمن بين الولادة والحلم” (1976) وأحمد بوزفور في مجموعة “ديوان السندباد”. ومن العنصر النسوي ليلى أبو زيد في قصة “الغريب” (2002)، وغيرهم ممن ركبوا قطار الاتجاه الواقعي في الكتابة القصصية، كوسيلة من وسائل استجلاء خبايا الواقع واستصلاح قضاياه، محاولين رصد إشكالات هذا الواقع والعمل على تثويره وتغييره، وتوعية القارئ بأهمية التصدي لمثبطاته ورفع الأذى عن المظلومين، بدل الاستمرار في التعاطي للنزعة الذاتية في الكتابة القصصية.

تلك كانت رغبة كتاب القصة في بناء علاقة جديدة مع الواقع، وطرق مواضيع سياسية واجتماعية متعلقة بالفقر والظلم والفساد والبطالة وحقوق الإنسان، وغيرها من القضايا التي أرقت كاهل الإنسان.

وبالرغم من المسافة التي تفصلنا عن ظهور أولى بوادر التيار الواقعي في كتابة القصة، فقد حاول مجموعة من القصاصين المعاصرين لاحقاً ركوب تيار الواقعية النقدية، بهدف نقد الواقع وتعريته، وتصحيح ما يشينه من آفات اجتماعية. في هذا السياق بالذات، حاول القاص إبراهيم ريضا في “مشاهد وشهود” (مطبعة وراقة بلال 2018)، أن يستدعي مجموعة من آليات السرد الواقعي، وفق ما تقتضيه معطيات مجتمع موسوم بالتخلف، غارق في القتامة والتدني. وهو نفس التوجه الذي ذهب إليه القاص في مجموعته الأخيرة “نبرات لا تطرب” (مطبعة وراقة بلال 2024)، علماً أن القاص في العملين معاً لم يكن يكتب بدافع المتعة والإحساس بالجمال وحسب، وإنما بدافع الألم والمرارة أيضاً.

2 – حول بناء مجموعة “نبرات لا تطرب” القصصية:

تحتوي مجموعة “نبرات لا تطرب” على 88 قصة قصيرة، حسب ما ورد لدى القاص في عتبة الغلاف. وتمتد هذه النصوص على 124 صفحة، بالإمكان إعادة تجنيسها، بدل تصنيفها ضمن القصة القصيرة جداً، نظراً لما تتميز به تقنية كتابتها وما تحمله من أركان، باستثناء قصة “حبل العجوز” التي تنتمي وحدها إلى جنس القصة القصيرة لاحتوائها على أكثر من 47 سطراً، وهو ما يفوق 400 كلمة، قبل أن يختم القاص نصوصه السردية بنص خارجي، غير مدرج ضمن دائرة “النبرات”، دبج به الغلاف الخلفي للمجموعة، بأسلوب غاية في الدهشة والإثارة، مقرون بأحكام عالية القيمة.

يقول السارد فيها:

“قد نضحك لأبسط الأشياء وقد نبكي لأتفه الأسباب. وقد يفوتنا أن نفرح أو نبكي لأشياء بالغة الأهمية، لأننا تعودنا على رؤيتها. لذا يتوجب، بين الحين والحين، أن يذكر أحد ما بهذه الأشياء حتى نذكي الأمل ولا نستصغر الألم” (إبراهيم ريضا، الغلاف الخلفي لمجموعة “نبرات لا تطرب”).

3 – مجموعة “نبرات لا تطرب” وفعل التلقي:

إن المتلقي وهو يقبل على قراءة “نبرات لا تطرب”، سرعان ما يواجه سؤالين أساسيين حول ما يعنيه القاص بـ “نبرات لا تطرب”، وعبارة “قصص قصيرة” بدل “قصص قصيرة جداً” كجنس أدبي أملته أغلب نصوص هذه المجموعة، سواء من حيث أشكالها أو أحجامها وتقنية كتابتها.

وقبل أن نقارب نصوص هذه المجموعة القصصية، فقد بات جديراً بنا الوقوف على مفارقة لفظ “نبرات” وعبارة “لا تطرب”، كمفتاح مركب يقربنا مما يطرب وما لا يطرب في هذه المجموعة فنقول: إن كلمة نبرات، حسب ما ورد في معاجم اللغة العربية، جمع نبرة، وهي كلمة مشتقة من فعل نبر ينبر نبراً إذا صوت. ونبر صوت الشخص إذا تعالى صداه وارتفع. ونبرات الصوت أو نغماته، إنما هي انعكاس داخلي للإنسان حزناً أو فرحاً.

بعد هذه الافتتاحية اللغوية، يرتقب أن تتناسل عن العنوان مجموعة من الأسئلة الجوهرية، الواقعية منها والفنية، والتي نورد أهمها فيما يلي:

  • أ – على مستوى المضمون: ما سبب وقوع الأحداث؟ ومن كان وراءها؟
  • ب – على المستوى الفني: متى يطرب الفن ومتى لا يطرب؟ ومتى يكون الأدب والفن مستساغاً أو “به ماء” كما يقال؟

إن ما طرحه العنوان يعكس خللاً في العلاقات الإنسانية، ويهيئ الإنسان للانخراط في جو مشحون بالتوترات. فالنبرات لا يقصد بها البعد الموسيقي بالضرورة، بل هي ترميز لواقع مؤلم يحاول السارد أن يطلع المتلقي على تفاصيله حتى يشاركه الأحداث الجارية. فيقرأ السارد تلك الأحداث بكل ما فيها من سلوكات الناس وتصرفاتهم، ولغاتهم وصراعاتهم اليومية، باعتباره مصدراً من مصادر بناء النص القصصي. إلا أن القاص لا ينقلها كما هي، بل ينقل ما يثير الانتباه منها، ثم يعيد تشكيلها فنياً.

إن نفي الإطراب عن مجموعة “نبرات لا تطرب” إنما هو في نظرنا حكم مسبق ومتسرع، فيه كثير من التجني على القيمة الاعتبارية للأديب وللعمل الأدبي نفسه، سيما وأن كلمة “طرب” تعني في جوهرها خفة وهزة في النفس نتيجة فرح شديد أو حزن عميق، وغالبا ما تستخدم بمعنى البهجة والسرور. إن ما صدر من الكاتب إنما هو حكم قيمة غير منصف، بمعنى أنه قد أحل نفسه محل الناقد دون استئذان، وسمح بإيقاف عجلة القراءات والتلقيات التي تنقد العمل الأدبي وتبرز أهمية المنتوج المنجز. لذلك كان حرياً بالكاتب قبل الحكم على نصه أن ينتظر مقاربة الناقد التي تكشف عن مواطن جودة أو رداءة الأثر الأدبي، والوقوف على مدخراته الدلالية والجمالية، من حيث أسلوبها وطريقة بنائها، وجودة أو رداءة إيقاعاتها.. إلخ. وهي عناصر مهمة في استجلاء مكنون النص، ومعرفة ظروف نشأته، وما تثيره فينا نبراته من ردود، سواء تعلق الأمر بالفرح أو الحزن، بالاستحسان أو الاستهجان، قبل أن يطلع القارئ على سمفونية النص ومؤثثاته، والتي هي في المقام الأول والأخير سمفونية الحياة التي نطرب، لا محالة، لألوانها وننعم بمفارقاتها.

فإذا كان ثمة ما يطرب في قصص “مشاهد وشهود” السابقة، فما الذي لا يطرب في مجموعة “نبرات” الحالية، كما يدلل على ذلك وصفها؟ وما الذي يطرب أو لا يطرب في نص أدبي، قصيدة كانت أو قصة أو رواية؟ بل ما الذي يطرب أو لا يطرب في أغنية مثلاً؟ فهل للأمر علاقة بموضوع التغني، أم بالاهتزازات التي تحدثها ترانيمها عند القراءة أو الإنشاد؟

وما سر اهتزاز المتلقي عند سماع نبرات أغنية محمد رويشة “شحال بكيت على اللي حبيت” الحزينة، فهل هي مجرد نبرات لا تطرب، بالرغم مما يمثله الفنان من حضور مشرق في مجال الأغنية الأمازيغية؟!

وفي أية خانة يمكن تصنيف نبرات الخنساء وهي ترثي أخاها صخراً قائلة:

قذى بعينك أم بالعين عوار … أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار

وأين يمكن تصنيف نبرات شعر ابن الرومي، حين رثاء ابنه الأوسط:

بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي … فجودا فقد أودى نظيركما عندي

أليس لهؤلاء جميعهم وغيرهم حظ مما يطرب؟ ألا يمكن أن ينسحب الحكم نفسه على نبرات البيت الشعري المتوارث:

لا تشترِ العبد إلا والعصا معه … إن العبيد لأنجاس مناكيد

وهل في “رسالة التربيع والتدوير”، كفن نثري، ما يدعو إلى استهجانها؟ أم أن في بنائها وصياغتها ما يثير الإمتاع والمؤانسة؟ لعل الأمر يعود إلى ما تحمله رسالة الجاحظ من جاذبية بلاغية، ومفارقات ساخرة وتقزيم ممنهج. يقول في هجائه لأحمد بن عبد الوهاب ما نصه: “كان محمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدعي أنه مفرط الطول، وكان مربعاً وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته مدوراً، وكان جعد الأطراف، قصير الأصابع، وهو في ذلك يدعي السباطة والرشاقة… وكان طويل الظهر، قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر عظمه، يدعي أنه طويل الباد رفيع العماد” (الجاحظ، كتاب “التربيع والتدوير”، مؤسسة هنداوي 2017، ص 4).

وبالعودة إلى قصة “المركز الصحي” لمحمد زفزاف، الواردة ضمن مجموعة “الأقوى”، نستطيع الوقوف على ما يطرب من أساليبها، وما يمتع من محكياتها، بل وما يزعج ويؤلم من أحداثها. يقول السارد منتقداً الأوضاع الاجتماعية البئيسة:

“توقف الرجال الثلاثة أمام العربة التي تحمل المريض، عربة يجرها حمار، غير مغطاة، ووراء الرجال الثلاثة امرأتان وطفل صغير، اختلطت دموعهم مع ماء المطر المتدفق من السماء في غير عنف. المرأتان تجهشان والطفل الصغير يرتعد من البرد.. وعندما أصبحوا داخل حجرة ذات مقاعد، حاولوا أن يجلسوه (أي المريض)، لكنه لم يقو على ذلك. غابت عنهم الممرضة داخل حجرة أخرى. لم يكن في المصلحة سوى هي وممرض واحد فقط. وعندما رآها الممرض قال وهو ممدد في سريره:

  • ميت آخر؟!
  • ربما.
  • متى ننهي طريقة العيش هذه؟
  • اذهبي وأعطي لذلك الكلب أقراصاً قبل أن يموت..” (الأقوى، دمشق 1978، ص 31).

بهذا المقطع القصصي الزفزافي، نكون أمام مزيج مما يطرب وما لا يطرب من نبراته، لما يأتلف فيه من شعرية السرد ودناءة مواقف الشخوص، لابتعادهم عن شرف الخدمات الطبية ونبل مقاصدها.

وبالانتقال لـ “نبرات..” القاص إبراهيم ريضا، فإنها تجمع بين ما يطرب وما لا يطرب كذلك. ذلك أن الأشياء التي لا تطرب فيها تعود إلى ما يحزن في محكياتها، وأن ما يطرقه موضوعها من أحزان لا يعود إلى هموم اجتماعية وحسب، بل إلى ما تمثله شخوصها من انحرافات لا أخلاقية يمجها الذوق العام. لكن أهميتها تكمن أكثر في احتفائها بما تقدمه من بدائل عن مثبطات الواقع وإشكالاته. وبذلك تكون مضامينها قد أسست لتفجير أشكالها كما يقول النقاد.

هذا التشكل النصي هو وحده الذي يسوغ الحكم على طبيعة نبرات النص الإبراهيمي ومستوى جودته. أما وأن تبرر النبرات بتوصيف “لا تطرب” قبل قراءة النصوص وتحليلها، والوقوف على مستوياتها الفنية والجمالية، إنما هو تبخيس للعمل القصصي ولمجهود صاحبه.

فما عساه يكون المعتمد لدى القاص إبراهيم ريضا في وصف نبراته بما لا تطرب؟ أسئلة كثيرة وأجوبة مصاحبة تمليها طبيعة نصوص “نبرات لا تطرب” السردية، التي تقتضي النبش في ثناياها والعثور فيها على ما لا يطرب. هنا يجدر التأكيد، ونحن نقارب “نبرات لا تطرب”، على أننا بإزاء سفر فني ماتع، وأمام نص سردي ذي أبعاد نقدية إصلاحية، يحاول فيه الكاتب جاهداً إعادة بناء الواقع، جامعاً بين ما يطرب من النصوص وما لا يطرب، كمفارقة تتحكم في مجريات الواقع، مع مراعاة اختلاف مشاعر المبدع ومشاعر المتلقي وموقفهما من الحياة بكل ما تعج به من أحداث. إنه الأمر الذي تساءل عنه الناقد الدكتور مصطفى الشاوي، عندما قدم للمجموعة القصصية بقوله: “تجربة كتابة أم تجربة حياة؟”، والذي يعد استفهاماً بالغ الأهمية من حيث جدوى علاقة النصوص بمعيش الكاتب وتجربته في الحياة.

4 – مؤشرات القصة القصيرة جداً في مجموعة “نبرات لا تطرب“:

من المعلوم أن الفنون والآداب قد عرفت تحولاً مطرداً، فكان لكل نص أدبي ظروف نشأته وحيثيات حضوره أو غيابه، الشيء الذي جعل القصة القصيرة جداً تولد من رحم القصة القصيرة. وتبعا لهذا التحول، سيلجأ القاص إبراهيم ريضا إلى الاهتمام بهذا الجنس الأدبي في علاقته بالواقع، بكل ما يحمله من مواصفات دلالية وفنية فرضها راهن موسوم بحتمية السرعة.

وبالوقوف على نصوص “نبرات لا تطرب”، ندرك أنها تنتمي إلى جنس القصة القصيرة جداً، بخلاف ما ورد ذكره في عتبة الغلاف. وتكفي الإشارة إلى بعض مؤشرات هذه النصوص وأركان بنائها، لندرك بعدئذ بعدها النقدي، ومعرفة ما “لا يطرب” فيها وما يطرب.

أ – يقول السارد فيما لا يطرب من هذه “النبرات“:

  • “تنكر في جبة الورع والاستقامة، وأظهر في الكلام براعة. حتى إذا ملكوه أمورهم بدل ثيابه وأبرز أنيابه. أحل لنفسه ما حرم على غيره، وأراد أن يسير الكل بأمره” (المنتخب، ص 29).
  • “لم تنعم بعريس ينثر النور في جنباتها. ضاع المبتغى ومات كل شيء” (ص 62).
  • “وهو أيضاً لم يصمت أمام العاصفة. لقد جرفته زوابع الأحزان، ولاكته أضراس الزمان” (ص 79).
  • “اتفق عقرب الساعة مع محرار السيارة ليرفعا من ضغط عبد الغني الذي لا يملك إلا أن يتأفف بشدة” (ص 80).
  • “اهتزت الأرض فتهاوى ما عليها وأصبحت المدينة يباباً” (ص 85).
  • “ولكن ميزانك اختلف مع ميزان جارك.. إما أن ميزان جارك يوفي الكيل.. أو أن ميزانك مطفف” (تطفيف، ص 68).

ب – ويقول فيما يطرب من نصوص “النبرات“:

  • “في شبابي كنت أمتع نظري بالتلة المقابلة لبيتنا. كانت مكسوة بأشجار الزيتون الدائمة الاخضرار وبأشجار اللوز المتقلبة الأهواء والألوان. كانت تلك اللحظة الربانية تشدني لساعات حين الغروب وحين يغشيها الظلام” (ص 81).
  • “لم تنتظر كامل الاستقرار على غصنها حتى صدحت بترتيلها لآيات الذكر الصباحية. هدهدني سجعها. انتشيت” (ص 36).

ج – ومن أمثلة النصوص التي تجمع بين النبرات المطربة وغير المطربة، نورد قول السارد:

  • “تحول الحديث إلى أغنيات ثم إلى مرثيات طفولتهما ثم إلى مرثيات أبكتهما. أما بالنسبة لي فكان كل ما تقومان به مكونات موسيقية لسمفونية لذيذة عجلت بنومي” (حبل العجوز، ص 65).

بناء على هذه النماذج، تكون كفة النصوص التي لا تطرب أكثر حضوراً وكثافة من أخواتها التي تطرب، لما يسم الحياة الاجتماعية من طابع سوداوي يزيد الحياة قتامة وقساوة. وقد شكلت في غالبيتها قصصاً قصيرة جداً، بنيت على ما يفترض أن يميز هذا الجنس الأدبي من خصائص وأركان. ويمكن أن نحدد أهم هذه الأركان فيما يلي:

  1. التكثيف.
  2. الوحدة.
  3. المفارقة.
  4. القفلات: التي جاءت في أغلبها مدهشة ومتوهجة، واخزة محيرة وصادمة.

وما يميز نصوص القصة القصيرة جداً اختتامها بمجموعة من الأقفال، نذكر منها على سبيل الحصر قفلة قصة “…أتعس المسافرين”.

وعموماً، يمكن إجمال نصوص النبرات التي لا تطرب في 13 نصاً، نوردها بالتتابع كما يلي: إحباط، حيرة، أتعس المسافرين، رسالة فوق الماء، غناء، انتعاش، قدر، السقاء، رحلة، فرج، مكيالان، لياقة، لتبقى بقية النصوص مطربة بالضرورة.

ولو استطاع كتاب القصة أن يفيدوا من “أحسن القصص” (سورة يوسف، آية 3)، لساعد ذلك على تجويد الكتابة القصصية وتطوير تقنياتها، فضلاً عن مراعاة التشبث بالأخلاق والقيم الإنسانية النبيلة، والعمل على صياغتها بأسلوب راق وبليغ، والاغتراف من شعرية السرد القصصي؛ لأن من شأن ذلك أن يفيد المبدع والقارئ معاً من مستجدات القصص الحديث، ويجعل من هذا الجنس الأدبي تجربة فنية مفتوحة.

وفي نهاية هذه المقاربة، نستطيع التأكيد على ما يملكه الكاتب إبراهيم ريضا من دربة في مجال الكتابة السردية والقصصية على وجه التحديد. كما نسجل بارتياح كبير ما يتوفر عليه من كعب عال في مجال الكتابة بلغة موليير كما فعل في عمليه: “Zouaj Laghrib” و”L’Orpheline” وغيرهما. ورغم حضور الكاتب المائز في مجال الإبداع الأدبي والفني، إلا أنه يفضل دائماً الابتعاد عن الأضواء. أما هنا والآن، فقد حق لأعماله أن تنال حظها من الاهتمام النقدي.

 

باحث وناقد من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً