قراءات في خصائص بنية الهايكو… المشهديةIII (الجزء الخامس)
توفيق أبوخميس*
“القصيدة الجيدة هي تلك التي يبدو فيها شكل الشعر والربط بين أجزائه خفيفًا مثل نهر ضحل يتدفق فوق قاعه الرمل”.
باشو
كما جاء في تتبعنا التاريخي لنشأة الهايكو كان من الواضح أن الشاعر “تشيكي ماسوكا” هو أول من صرّح بطلاقة، ووضع حجر الأساس للمشهدية في الهايكو وجعل منها جوهر الشعرية فيه وأساسه الذي لا يمكن أن يمس أو أن يتم استبعاده
وكما اسلفنا سابقاً القول .. أن نص الهايكو لقطة حسية تعتمد كل الاعتماد في تكوينها على حواس الشاعر الخمس(السمع/البصر/اللمس/التذوق/الشم) فوجب عليه أن يكون الشاعر مبتعداً فيها عن إستخدام الوصف التجريديِ الغامض، أو الفانتازيا والمجاز الموحش، بحيث يسمح هذا النقل الحسي للمتلقي إمكانية رسم صورة للمشهد من خلال التخيل والتأمل والغوص فيما وراء المشهد، ذلك لأن نص الهايكو هو عبارة عن نص ذو أبعاد فلسفية تأملية عميقة، وبإستخدام المجاز أو الفانتازيا في كتابة نص الهايكو فأنه يبتعد به كل الابتعاد عن روح وجوهر الهايكو المتمثلة بالبساطة ومصداقية المشهد، والتي من دونها ينحو النص بعيداً عن هذا الجوهر، ويضر بجمالية النص وصدق مشهديته.
وهذا ما نلمسه في تتبعنا لعدد من نصوص الهايكو لأحد أهم أعمدة المؤسسين لفن الهايكو “شيكي ماساوكا” وما تحمله من سلاسة وبساطة وإيجاز وتركيز، ووصف حسي وتعبير أدبي تصويري:
بين حين وآخر
تصير صقيعاً
الريح قوية
*
على الشاطئِ الرمليِ
آثار أقدام
طويل يوم الربيع
*
أوه الخريف
في العالمِ غير محدود
آثاره
*
العاصفة
التي دامت نصف يوم
كسرت ساق الخُبَّيْز
*
يا له من نسيم عليل.
سرطان صغير، تحت المطر،
يتسلق شجرة صنوبر
وبصورة عامة اثر النقد الأدبي العالمي وعلى الأخص النقد الغربي بشكل كبير على رسم صورة ماهية الهايكو فقد ساد الاعتقاد تماماً بأن الوصف البليغ الموجز هو الأهم للتعبير الأدبي وتصاويره، ولذا فقد إمتاز أسلوب هذا المنحى بالبساطة والإيجاز والتركيز .. وتبدو هنا جلية عملية التلاقح بين مبادئ الزن وثقافة النقد الغربي من ناحية تأثيرهما على أسلوب الكتابة الشعرية والحراك اللغوي الذي يمارسه الهايكست في القصيدة وهذا ما يترك لنا المجال وبكل رحابة صدر أن نسعى في بلورة شَكْلَنَة نص الهايكو الياباني وترجمة جميع مبادئ فلسفة الزن التي تبناها الهايكست إلى حالة لغوية وممارسة نحوية .. ففي هذه المرحلة التي عبرها الهايكو أصبح شكله الكتابي مقنن ومحدد وقابل للتأطير لغوياً وهذا ما أسهب شيكي ماساوكا في الحديث عنه ليعطي صفة الكيان اللغوي للهايكو وقد كان صريحاً وواضحاً بل وجريئاً في هذا الصدد في حديثه عن: ( الوصف البصري – التعبير الأدبي التصويري – البساطة والسلاسة – الايجاز والتركيز ) وهذه كلها لها علاقة بأسلوبية الكتابة اللغوية وبنيوية النص ولعل هذا النحو لدى ماساوكا بدا واضحاً خصوصا مع النقد والانتقاد اللاذع الذي وجهه ذات يوم لكتابات باشو وقال عنها: أن الصفاء الشعري ينقصها ويثقلها أحياناً بعناصر النثر والتفسير مما يتخطى طبيعة القصيدة إذاً سنتفق على أن أي كتابة شعرية هي نابعة عن تأمل قد يكون ذا طابع فلسفي أو ديني أو عفوي وهذا التأمل يقوم بالتعبير عنه الشاعر بأسلوبية شعرية لغوية معينة .. وكذلك هو الهايكو.
خلاصة القول “الهايكو” نص ذو منشأ تأملي وبنفس الوقت له أسلوبية شعرية لغوية معينة ولابد ألا يَعْلُو أحد شِقَّيْ المعادلة هذه على الآخر، وربما يبقى أسلوب الكتابة الشعرية هو الذي يأخذ الدور المتقدم في قصيدة الهايكو هذه والتي نسميها هنا نص هايكو .
شاعر وناقد من الأردن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
