الرئيسية / الأعداد / لون وعتمه وتبسيط في التكوين – أنور درويش

لون وعتمه وتبسيط في التكوين – أنور درويش

الفوتوغرافيا

لون وعتمه وتبسيط في التكوين

أنور درويش*

كيف استطاع أحمد الآلوسي تطويع الكاميرا للخروج بهذه النتيجة ؟

الصورة بعدسة المصور الشاب أحمد الآلوسي وهي تجسيد حي لعملية التبسيط في التصوير الفوتوغرافي.

فأن هذا الأسلوب يعتمد في قوته التعبيرية على ما تم حذفه من الكادر بقدر ما يعتمد على ما تم إبقاؤه . اي انه يوازن بين المساحات المتباينة.

فلقد ​استخدم الآلوسي استراتيجية التضاد المساحي بعين الفنان المبصر.

​ يسيطر السواد على أكثر من ثلثي مساحة الصورة. هذا التوزيع لا يهدف للفراغ فحسب. بل لخلق حالة من الغموض والعزل. مما يجعل العين تضطر للبحث عن الضوء .

​والجدار البرتقالي يمثل الكتلة الصلبة التي توازن وجود مساحة الفراغ المظلم . الخطوط الحادة للنوافذ المستطيلات والزوايا تعطي ثباتا وقوة في التكوين .

​وعلى الرغم من صغر حجم الشخصين في أسفل الكادر. إلا أنهما يمثلان نقطة الارتكاز والقوة في المشهد وان وضعهما في هذه الزاوية الضيقة تحت بقعة الضوء الوحيدة المتبقية يصنع توازنا دراميا بين ضخامة المبنى. وصغر حجم الإنسان.

​التكوين هنا هندسي بامتياز. ويعتمد على ​قاعدة الأثلاث. وضع الجدار في الثلث الأيسر يترك مساحة كافية للقصة التي قد تحدث في الجانب المظلم .

والنوافذ المستطيلة الطولية والفتحات الضوئية تعمل كإطارات فرعية داخل الصورة، مما يزيد من عمق التكوين .

​اما الخط الفاصل بين الظل والنور على الأرض فهو الذي يقود عين المشاهد مباشرة من الجدار إلى الأشخاص، مما يربط بين عناصر الصورة بشكل سلس وغير مباشر .

وان ​اختيار الألوان في هذا العمل يعزز من قيمته الجمالية.

​ فاللون البرتقالي المشبع ليس مجرد لون للمبنى. بل هو مصدر الدفء البصري في الصورة . أما التباين بين هذا اللون الدافئ وبين سواد الخلفية المطلق فهو الذي يخلق صدمة بصرية لعين المتلقي .

​التدرج اللوني نلاحظ تدرجا في القيمة اللونية على سطح الجدار نفسه، من البرتقالي الساطع إلى الظلال الخفيفة. مما يظهر ملمس الجدار الحجري في الأسفل. ويضفي واقعية على المشهد .

​كما نلاحظ أن ملابس الشخصين ( الأصفر البرتقالي ) كما لو انها تعيد صدى لون الجدار وتناظره، مما يخلق وحدة لونية تربط بين العنصر البشري والمحيط المعماري.

لقد نجح أحمد الآلوسي في تحويل مشهد شارع اعتيادي إلى لوحة تجريدية . القيمة الحقيقية للعمل تكمن في الاختزال والتبسيط حيث استطاع بأقل عدد من العناصر ( جدار، ضوء، شخصين ) أن يقدم تكوينها لافتا أنيقاً يحمل دلالات عن العزلة. الأمل. والارتباط بين الإنسان وبيئته.

تقنيا أرى أن ​من الواضح أن الصورة التُقطت في وقت تكون فيه الشمس مائلة ( وقت العصر أو الصباح الباكر ) حيث تكون الظلال طويلة وحادة .

​ولقد استخدم سرعة غالق عالية مثلاً 1/500 أو ربما أسرع من ذلك. ليس لأنه أراد تثبيت الهدف وتجميد الحركة فقط.  بل لغرض تعتيم وكتم الإضاءة في المناطق المظلمة لإبراز التباين الحاد. وهو ما مررت به في تجربتي في ثمانينات القرن الماضي كما هو حال الصورة الأسود والأبيض ( سلم الضوء ).

​هذا التكنيك هو ما جعل السواد يبدو مطلقاً عميقا والغاية من ذلك محو التفاصيل التي تشوش على العناصر الرئيسية في الكادر.

وكأن الأشخاص في هذه الصور يخرجون من العدم .

​ و يظهر من حدة تفاصيل الجدار ( الملمس الحجري في الأسفل ) ووضوح إطارات النوافذ أن المصور استخدم فتحة عدسة متوسطة  ( مثل f/8  أو f/11 )

​استخدام هذه الفتحة يضمن أن يكون كل شيء من الجدار القريب إلى الأشخاص في الخلفية ضمن “منطقة التركيز. مما يعزز الشعور بالهندسة والكمال في الكادر .

​بالنظر إلى استقامة الخطوط الرأسية للجدار وعدم وجود تشوه كبير. يمكننا استنتاج نوع العدسة.

​عدسة قياسية أو تيلي فوتو قصيرة. وعلى الأرجح أنها عدسة ببعد بؤري ما بين 35mm و50mm   أو حتى 85mm .

​هذه العدسات تضغط المشهد قليلاً وتلغي المسافات الشاسعة، مما يجعل الجدار يبدو وكأنه يحتضن المساحة المظلمة، ويعطي انطباعا اشبه بسينمائية المشهد .

​لا شك أن لمسة الآلوسي في المعالجة الرقمية كانت حاسمة

لقد ​رفع التباين لزيادة الفجوة بين البرتقالي والسواد .

​وتحكم في مستويات السواد لضمان عدم وجود تفاصيل مشتتة في منطقة الظل كما اسلفنا سابقا، مما يجعل المشاهد يركز فقط على ما أراد المصور إظهاره .

وعمل على ال​إشباع اللوني لتعزيز قوة اللون البرتقالي ويعطي طابعاً دراميا ويمنح المشهد دافئاً يتحدى برودة الظل.

ان ​ما يميز المصور الالوسي هنا هو الصبر الفوتوغرافي فالحصول على شخصين يرتديان ألوانا تتناغم مع الجدار. وفي بقعة الضوء الوحيدة المتبقية. يتطلب انتظار اللحظة الحاسمة.

باحث في الجماليات من العراق

عن madarate

شاهد أيضاً

صدور رواية في استنطاق المكان بعنون: “نفى مردوخ” للكاتب عبدالحسين بريسم

  عن دار “وتريات” للنشر والتوزيع، صدرت للكاتب والشاعر العراقي عبد الحسين بريسم رواية جديدة …

اترك تعليقاً