الرئيسية / الأعداد / في حديث عن الكائن ميتا ثقافي منطلقات أولية – حسن إمامي

في حديث عن الكائن ميتا ثقافي منطلقات أولية – حسن إمامي

على مسؤوليتي

في حديث عن الكائن ميتا ثقافي منطلقات أولية

حسن إمامي*

(إزاحة لا تقصي.

 إزاحة بعكس دلالتها، لها أثرها وفعلها).

قد تعترض طريقك شوائب أو عقبات أو حواجز، بحسب درجة الإعاقة التي قد تحول دون سير عادي وطبيعي. ستحتاج إلى إزاحة ما يمكنه التشويش أو التعتيم على السبيل، أو الفكرة كما في هذا المقام. لكن ما ستزيحه حاضر ومؤثر هو الآخر.

يريد هذا المقال تناول عمليات التحول، والمتغيرات المرافقة لها في ذات الإنسان. كل ما قرأه الفرد أو اطلع عليه أو ناقشه وتفاعل به مع الآخرين، سيكون له حضور ووقع فيما نريد تناوله هنا. ولا بد من الإشارة إلى أن التفاعل لم يعد مع الكائن الطبيعي الفيزيائي الحي فقط. قد يكون التفاعل مع البيئة الطبيعية، أو ملوثاتها كنقيض. قد يكون مع نسقيات مبرمجة إلكترونيا أو أجهزة بث سمعية بصرية، وقد نسميها وسائل إعلام جامعة لشتى أنواع…

في سياق تناول هذا الموضوع قمت بتحريك البحث عن كلمة ميتا، أولا، علما أنني حامل في أرشيف ذهني وفكري وعقلي فهما مسبقا وعمليات مركبة تحليلية للكلمة في سياقات متنوعة بين العلوم والمعارف. لكنها تبقى نسبية في التحصيل والتوظيف.

ستوظف الإزاحة في مقام هذا المقال، بالتركيز على صلب الموضوع إذا استطعنا إلى ذلك سبيلا، دون استثناء حضور ما أزيح كمواضيع موازية وليست هامشية كما يعتقد البعض منا في لحظات. معرفة ما يستمر تأثيره وحضوره من دونه الذي سينتظر دوره في تفاعل آخر مقبل.  فكما نعلم كل قراءة جديدة للنص تحدث أثرا وتغييرا مثلما فعلته القراءة السابقة عنها. لكنه أثر وتغيير مغايرين نسبيا.

يمكنني استحضار معلومات كثيرة من خلال عمليات النسخ واللصق بعد البحث والإيجاد. يمكنني ترتيبها ومنهجَتها حتى تصبح جميلة في العرض. وسأكون مستنسخا وليس مضيفا أو مبدعا لأي فكرة من اجتهادي المرجو ذاتيا وموضوعيا. لكنني لا بد لي أن أستفيد من درجة كبيرة من المعلومات وأعيد معالجتها ذهنيا حتى أستعملها بما يناسب عملية التحليل للموضوع الماثل هنا معي ومعنا جميعا كمتفاعلين ومتفاعلات. ولن يكون الأمر جديدا، فلطالما ارتبط البحث العلمي بالأمانة العلمية وشروط البحث الموضوعي مثلا. لكن درجات الاستقلال في الاجتهاد والخطابة والانتاج الجديد داخل صناعة اللغة وابداعها، لن تصل إلى استقلالية خالصة وخاصة طبعا.

وما دامت الأمور معقدة في الواقع وفي التناول، فلابد من خوض غمار الكتابة بما يناسب اجتهادا نسبيا يمكنه أن يبلغ المرام.

الحديث عن الكائن “ميتا” ثقافي

أسئلة عامة:

ـ هل تحدث متغيرات وتحولات في ذات الإنسان ككائن ثقافي؟

ـ ما هي هذه التحولات التي ستجعله شخصية جديدة، وتركيبا آخر دون ما سبقه؟

ـ ما هي الوسائل التي تحدث بها هذه التحولات والتغيرات والتشكلات؟ إعلامية، مقروءة، تعليمية، برمجيات موجهة وغيرها…

سؤال خاص:

وفي سياق الكتابة والقراءة، أي تحولات ميتا ثقافية تقع مع ذات الكاتب والمتلقي؟

أسئلة وأخرى تتضمن التوجيه والتحليل والمعالجة، وليس من الضروري الإجابة. فربما الكتابة هي مزيد من التأمل والتعمق في المعالجة.

في البحث عن كلمة ميتا:

منقول:

(معنى كلمة meta: ما بعد، أو ميتا، هي كلمة يونانية الأصل تعني (بعد) أو (وراء)، وهي بادئة لفظية تستخدم في تكوين اشتقاقات وتعني بعد شيء ما، أو انتقال إلى شيء آخر. فمثلاً دعا أرسطو الميتافيزيقا بهذا الاسم لأن مشكلاتها الأساسية معروضة في رسائل توضع بعد التعاليم التي عرضها أرسطو عن الفيزياء…). والميتافيزيقا هي فرع فلسفي يبحث في طبيعة الواقع الأساسية، ويتجاوز الظواهر المحسوسة لدراسة الوجود، والكون، والمبادئ الأولى، والمفاهيم المجردة كالمكان والزمان والسببية والروح، مستخدمة العقل والتحليل بدلا من التجربة الحسية المباشرة.

منقول كذلك:

( meta في الفيس بوك: في أكتوبر 2021، أعلن موقع فايسبوك أنه بصدد تغيير علامته التجارية، وبعد بضعة أسابيع فقط، أعلن زوكربيرج بعد ذلك أن الاسم الجديد لفايسبوك سيكون “ميتا”، مستوحى من الكلمة اليونانية التي تعني “ما وراء” وخطتهم لإنشاء الجيل التالي من الإنترنت “ميتافيرس”.21‏/08‏/2022).

ما بعد أو ميتا

منقول:

(بالتأكيد! في العادة، يُستخدم مصطلح “meta” لوصف شيء يتحدث عن شيء آخر… ويمكن أيضاً استخدام “meta” لوصف بيانات أو معلومات توضح شيئًا عن بيانات أو معلومات أخرى.

على سبيل المثال، في صفحات الويب، تُستخدم علامات “meta” لتوضيح معلومات حول صفحة الويب، مثل وصف مختصر للصفحة والكلمات الرئيسية التي ترتبط بها. وبالنسبة لتقنية البيانات، يُمكن استخدام “meta” لوصف المعلومات الإضافية حول البيانات، مثل تاريخ إنشاء البيانات وتاريخ آخر تحديث لها.

بشكل عام، يُمكن استخدام “meta” في مختلف المجالات لوصف بيانات أو معلومات أخرى، ولكن النقطة المشتركة هي أنها تتحدث عن شيء آخر.)

محاولة في الفهم والتوظيف:

بين وضع المصطلح وتوظيفه فلسفيا، والرحلة بهذا المصطلح لكي يرتبط بخلفيات روابط الصفحة الإلكترونية وكذا مرجعياتها المكملة لها مصدرا ومنتوجا رقميا، نلاحظ أن كلمة ميتا ستنتقل من الغيبي الماورائي، غير المشاهد ولا الملموس، إلى الربط الخفي بين الظاهر والخفي، أو بين منتوج وآخر، أو إلى تسجيل التداخل والتكامل، وما يسجله دارسو النصوص السردية ويسمونه بالتناص والتثاقف والتوالد، داخل عمليات تأثير وتأثر متشابكة بدرجات مختلفة. ونشير هنا إلى أن الوظيفة الغيبية بمفهومها الديني المميز بين عالم شهادة وعالم غيب، قد انتقلت لتصبح وظيفة مميزة بين الخفي والمتشعب بخيوطه غير المرئية في خفائه، وذلك الظاهر الجلي المعروض كمنتوج للتلقي والاستهلاك. هي معادلة مقابلة إذن:

(ميتا فيزيقيا # ميتا خطاب)

نستحضر هنا التوظيف الأكاديمي والأدبي الذي يتحدث عن الميتا نص مثلا. ذلك الانتقال الحاصل للفكرة أو التوظيف العملي لأسلوب التعبير والاستعمال. تلك الطبقات الضمنية التي تشكل بناء النص ونسبه العام. عديدة هي وظائف هذا التراث الميتا تعبيري في الكلام وفي الثقافة والفكر.

في اطلاع على موضوع المتعاليات النصية نجد قول جيرار جينيت بهذا المصطلح transtextualité،

يجعل النص يتعالق مع نصوص أخرى، متجاوزا بذلك المفهوم المبسط للتناص. فننتقل معه إلى فروع أخرى مثل:

– التناص intertextualité

– الميتا نص metatexualite (حيث يتحدث نص عن الآخر دون ضرورة ذكره… يحضر الشرح والتفسير والتعليق والنقد).

– التعالق النصي أو النص اللاحق في علاقته بنص سابق

hyper textualité، hypertexte / hypertexte،

حيث يقوم النص اللاحق على إعادة إنتاج النص السابق بطريقة جديدة. ويضيف الدارسون لقول جينيت، حصول تماهٍ بينهما.

– جامع النص l’architextualite أو معمار النص أو النص الجامع.

وهو عند جينيت مجموع الخصائص العامة التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ويمكن جعل تجنيس الأنواع الأدبية ضمن هذا النوع.

– النص الموازي، Eparatexte، أو العتبات النصية، هو ذلك النص المحيط بالنص/المتن والعنوان والمقدمة والخاتمة.

يمكن اعتبار هذا الاستحضار المستفاد من قراءات متعددة مدخلا تأمليا يعبُر بالفكرة لكل محتوى، متأثرا بالتفاعل بين مرسل ومرسل إليه، بين أطراف متبادلة داخل دائرة التواصل والحيوية العامة المتحققة.

إن الحديث عن الكائن ميتا ثقافي يصب في صلب الملاحظات المرجو تسجيلها هنا. وأستحضر التماهي مع فنانين ورياضيين من طرف فئة الشباب والصبيان. كيف تخترق مؤثرات متنوعة نفسية الفرد وشعوره وتفكيره، وكيف توجه سلوكه بمتغيرات عدة قد تكون غريبة عن البيئة المحلية التي يعيش فيها هذا الفرد الكائن. إنه كائن ثقافي يعيش بموجهات خارجية، وتأثيرات إعلامية وإشهارية، وبرامج تأطيرية. هكذا يمكن الحديث عن الكائن ميتا ثقافي.

تستوقني رواية ماريو فارغاس يوسا (دفاتر دون ريغوبرتو)، وتوظيفه للتفاعل الجمالي والإبداعي مع لوحات مرسومة لفنانين عالميين أغنوا تاريخ الفن والجمال. كما ذلك التداخل والتمازج بين المتخيل والواقع، من خلال هندسة عقل السارد للمشاهد. أجدني كقارئ متلق، مثله هو ككاتب ومبدع، متماهيا مع الصور الجمالية. وفي كل ذلك تنساق الذات مع متن الرواية وقيامها بتأجيج الإنسان كغرائزي، ثم بعثه كإنسان ثقافي يستطيع أن يعبر وأن يترجم الطبيعي إلى ما هو ثقافي وسلوكي تعبيري جمالي متعدد الألوان والأشكال. وحيث يضع الروائي حدود التماس، فيقوم بمحوها وإزاحتها متى أراد خلال درجات الوصف والسرد والحركة التي لا تفسد تركيبة الذوق والجمال، يكون التحول داخل الذات قد اختبر درجات تأرجحها بين الغرائزي، والملائكي الغائب عند الكائن المثقف الذي لا ينكر طبيعته وهو يعبّر بفنه وإبداعه.

يكون السارد الذي أراده الروائي فارغاس يوسا ذلك الساحر الذي يخترق الواقع والوقائع جمعا لكي ينتقد بسخرية لا تعطي حكم قيمة مسبق بقدر ما تشخص وتعرّي الأنساق والمنظومات المتحكمة في حيواتنا اليومية وثقافاتنا المجتمعية وعاداتنا التي تسري فيها وتجري جريان النهر في الوادي أو الوديان.

بحر هو هذا المجال المرتبط بالسرد والثقافة والتفاعل الموجود والمؤثر في ذات الفرد الإنسان. سنجعل حيلة للتوقف معه وعنه بالتساؤل:

إلى أي درجة تحدث التغيرات في الكائن حتى يمكننا الحديث عن الكائن ميتا ثقافي؟ وما الذي يتغير؟ وكيف يكون هذا التغير؟ وما القيمة المضافة داخل كل هذا في الحياة والوجود ثقافة وعلما وفنا وأسلوب حياة وعيش؟

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

صدور رواية في استنطاق المكان بعنون: “نفى مردوخ” للكاتب عبدالحسين بريسم

  عن دار “وتريات” للنشر والتوزيع، صدرت للكاتب والشاعر العراقي عبد الحسين بريسم رواية جديدة …

اترك تعليقاً