الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء العاشر)
المصطفى أسدور*
لا أحد من أهل الدُّوَّار يفهم مُولوعْ كما يفهمها حميدْ، الذي تشبع بأفكار “وُوتَرْ كُوسْترسْ” من خلال كتابه “فلسفة الجنون”، كتاب يدور في مجمله حول العلاقات الوطيدة بين الفلسفة وبين الجنون، ويبحث في نقاط الالتقاء بينهما، مُحللًا إياها بتمهل وتمعن، مستعينًا بتجارب الذهانيين والفلاسفة والمتصوفة على حد سواء، في محاولة إثبات وجهة نظره العامة حول الموضوع، وهي إمكانية المرء في خوض تجربة ذهانية فلسفية صوفية، ومروره بمراحلها العظيمة العديدة لتحقيق الاستنارة الروحية، والتماس الحكمة العليَا والحقيقة المثلى(…) منتقدا موقف المنهج العلمي الصارم والراسخ في نظرته لهذه التجارب بتنوعها وتعددها وتفرعها جميعًا على أنها مجرد أعراض لخلل دماغي يحتاج تدخلًا طبيًا ومعالجة بالعقاقير الطبية.
تأثر حميدُ كثيرا بهذا الكتاب، واتخذه إنجيلَ حياته، وتبنى الكثير من أفكار “وُوتَرْ”، وشذَّ بها عن شباب الدُّوار، حتى المتعلمين منهم اختلفوا معه حول مواقفه وسلوكه، خصوصا بعد تخرجه من الجامعة، حيث أفصح عن ميوله الإلحادي، وكان “طَالْبْ” الجامع ضحيته الأولى، إذ خاض معه صولات وجولات في مسائل التوحيد والخلق والعقيدة، كانت من أصعب أيام الطَّالبْ في هذا الدُّوار، لدرجة أنه اعتذر عن استمراره في إمامة المصلين، لأسباب صحية، والجميع يعرف أنه “صْحِيحْ بْحَالْ البْغَلْ”، ولا يشكو من أي شيء، العِلَّة الوحيدة التي أصابته هي:
- “هَادْ الكَافَرْ بَاللهْ تَاعْ حَمِيدْ”، الذي لم يفلح معه لا كتاب الله ولا كْتَابْ الطَّلْبَة.
كْتَابْ الطلبة؛ لهذه المقولة حكاية طريفة، يرويها المقربون من الطَّالبْ مُوحَا، فبعدما أعياه وأكداه الجدال مع هذا “النَّاقْمَة”، الذي تعلم علوم الأولين والمتأخرين في بضع سنين، بعدما كان يجثو على ركبتيه لينال نصيبه من “فَلَقَة”. وبعد أن تدنت مكانته بين كبار السن، وداعت قصص “الإفْحَامِ” المتكررة، وبدأ الناس يشُكُّون ويتساءلون ماذا لو كان حميد أعلم من طالبْ الجَّامع؟ وأي طَالْبْ هذا الذي تستعصي عليه بعض المسائل التي يطرحها حميد؟ بدأت عبارات السخرية والاستهزاء تصله مخترقة حيطان الجامع وجدران المَقصُورة، وبدأ يفكر في طريقة ما، تخلصه من الحرج، أو المهانة.
“وْلَادْ الحْلَالْ كثَارْ” على حد تعبير العامة، فهناك مِمَّن يناصبون الكراهية لهذا المتفلسف الكافر، مَنْ نصح الدَّا مُوحَا باستعمال معارفه في السحر وغيره لإيذائه أو إصابته بالعُكوسْ حتى لا يفلح أينما حل وارتحل.
في الدَّوَّار، كغيره من الدَّواوير، “دِيرْهَا غِيرْ زَيْنَة، تلݣَاها ݣُدَّامَكْ”؛ فبعض هذه المؤامرات “الصبيانية” كما يصفها حميد، تصله بطريقة أو بأخرى، وبصيغ تختلف من شخص لآخر.
كًبُّورة التي تصلها هذه الأخبار، تتراوح مشاعرها بين الانتشاء والخوف على ابنها، فقد تصيبه ضربة عين أو حسد، وحينها سيكون مصيره مصيرَ مُولُوعْ، أو قريب منها، حين تفكر في هذا الأمر تُصَابُ بالوُجوم والخوف، وتتساءل مع نفسها دون أن تبدي شيئا لمن حولها:
- بِيتْ غِيرْ نعرفْ آشْ ادَّاهْ لشِي فْقِيه، وْلَّا لْشِي دِينْ، لِّي بَايْعْبَدْ الله يْعَبْدُو، أُو لِّي مَا بَا، بِينُو أو بينْ لِّي خَلْقُو.
تنتبه إليها بعض النساء، وقد سرحت بعيدا:
- كَبُّورة، أو فينْ سْرَحْتي يَا هَادِي؟
- سْرَحْتْ، لَاوَاهْ زَانْتِي وليتْ نَعْجَة تْسْرَحْ..
كما تُصهر المعادن وتُطَوعُ بالحديد والنار، والمطرقة والسندان، كذلك تُصهر العلاقات في مجتمعات البدو، فالعلاقة بين الأفراد تنشأ على طريقة الحديد والنار، لدرجة أنها قد تصل إلى مستوى من الاندماج والانصهار والتماهي بين شخصين أو عائلتين، يصعب بعدها التفريق بينهما؛ وكلما طالت المدة، كلما تجذرت العلاقة وتعمقت أكثر في الوجدان كأشجار الزيتون المعمرة وأشجار الصفصاف الباسقة؛ وحين تنفصل عائلتان أو ينفصل شخصان، فاعلم أن الخطبَ جَللٌ، وأن فراغا هائلا ومُهْوِلا سينشأ ويصيب شبكة العلاقات في الدوار بخلل بنيوي، تحتاج معه إلى وقت طويل لإعادة ترتيبها و ترميم ما تضرر منها، والعودة بها الى الحياة الطبيعية.
نفس الشيء يُقَال عن الخصومات والعداوات، فحين تنشأ ولا تجد من يعالجها ويرممها، تتجذر وتتوارثها الأجيال. وحين يأتي باحث ما في محاولة فهم طبيعة العلاقات الاجتماعية في مجتمع قروي ما، بدون تفكيك الزمن والتاريخ والأحداث والشخوص التي مضت وتلك المُعمرة، سينخرط في عملية “تأويل” و”تفسير” بعيدة كل البعد عن الفهم، وسيُمضي وقتا طويلا دون أن يفهم شيئا في النهاية. وهذا ما جعل الكثير من الأعمال ذات الصلة بالبحث السوسيولوجي والأنثروبولوجي، عبارة عن قراءة، حتى لا نقول “تهيآت” و”تخيلات”، بالكاد تُلامس بُناهُ المتجذرة في الخصومات والصراعات والأوجاع، في الأحزان والأفراح، والتاريخ والوقائع التي صقلت كل جزيئة من جزيئات الأفراد والأسر والجماعات، نكاد نتحدث هنا عن هندسة بناء العلاقات الاجتماعية، حين نقول “بناء”، فنحن بالفعل نتحدث عن بناء وتأسيس، أي عن أسس، ودعامات، مواد أولية، أدوات عمل، مهندسين وتصاميم وغير ذلك.

فعلاقات كل من كَبُّورة وفاضمة، ومنذ نشأتها، اعتمدت على شخصية حَدِّيَّة، التي لعبت دور “العرابة”، وحين نسأل: لماذا حَدِّيَّة بالضبط، نكتشف أنها تشترك وتتقاسم حالة وجدانية واجتماعية معهما، حيث انتقلت مع زوجها بين المَزارع، واكتسبت “آلية” خاصة في مقاربة “الجوار” والصداقة وغيرها، وأدوات تمكنها من لعب دور العراب في هذه الحالة، بينما نساء الدُّوَّار لا يعنيهن علاقة فاضمة وكبورة، إلا بقدر ما تفرضه علاقة الجوار. حَدِّيَّة لها وضع خاص، فزوجها امْبَاركْ يعمل سائق جرار، وبحكم عمله، تَنقلَ كثيرا بين المزارع، ونشأت بينه وبين أصحابها أو قاطنيها علاقات من نوع خاص، ثم كونه مزارعا في الأصل، جعله يمتلك قطيعا من النعاج وبضع رؤوس من البقر، وهذا يستدعي الحصول على الحشائش المتوفرة وبكثرة في مزارع الليمون، من هنا تصبح علاقة حَدِّية بفاضمة وكبورة علاقة مصلحة، في مقابلها تُحقق كل منهما نوعا من الرضى والأمان من خلال علاقة صداقة مع إحدى نساء الدوار، تحفظ لكل طرف خصوصياته، وتفتح أمامهما نافذة يُطلا منها على الدوَّار، ويربطا بعض الأواصر مع الأسر.
علاقة حميدْ، الخريج الجامعي بامرأة بدوية أمية أصيبت بالجنون، هي علاقة على مستوى “الوعي” بالواقع، فرغم الاختلاف بينهما في زاوية الإدراك ووعي الواقع، حيث ينطلق حميد من نظريات قرأها، بينما مُولُوعْ وعَتْ تلك النظريات بالحزن والوجع، وقرأتها سطرا سطرا عبر مسار طوير مرير من الظلم؛ علاقة تبدو غريبة وغير متوازنة، لكن في العمق هي علاقة قوية لأنها مبنية على ثنائية الفلسفة والجنون، فحميد الشاب اليساري المُتَمَرْكِس ثائرٌ بطبيعته، وبحكم الفكر الذي يتبناه، تحول إلى شخص “ساخط” على الواقع الذي يعيشه، وخصوصا ما يراه من تسلط البورجوازية وانتشار مظاهر التخلف والأمية والجهل بسبب انتشار المعتقدات الدينية والخرافية في بيئته ومحيطه، وأيضا بسبب ما يشعر به من ظلم اجتماعي قاسي. هذا الشعور ربما تولد لديه بعد قضائه سنين الدراسة في المدينة، وشاهد هناك رغد ورفاهية العيش وهناءته وملذاته، ووسائل الترفيه التي لا تكاد تنقطع، بينما يموت الفلاحون والمزارعون في الحقول والمَزارع لتوفير كل ما تحتاجه المدينة من خضروات ولحوم وفواكه وحبوب، والبان وغيرها.
فالمزارعون يأتون إلى هذا العالم بأوجاعهم، ويكدحون تم يرحلون بعد أن يوَرِّثوها لأبنائهم، يرحلون دون أن يشعر بوجودهم ولا حتى بمرورهم أحدٌ من أهل المدينة، التي إن تواضع أهلها وأتوا القرى، إنما يفعلون ذلك من باب الاستجمام ومشاهدة هذه المخلوقات التي خُلقَتْ لتشقى وتكدح.
من يقارن بين حَميدْ الشاب الطموح الذي أنهى دراسته الجامعية، ومُولُوعْ الفتاة القروية الأمية، سيصل إلى خلاصة أن هذا المجتمع قد يوصل الإنسان إمّا إلى الكفر أو الجنون، بغض النظر عن المستوى المعرفي، وبغض النظر على الانتماء الاجتماعي، سواء كان الفرد أميا أو متعلما. وإن لم يصل إلى الكفر أو الجنون، فبالتأكيد هو إنسان مغيب ويفتقد التفاعل، أو أنه متآمر بشكل أو بآخر، وحميد لا يشك لحظة أن “مُولُوعْ” هي أعقل نساء الدُّوار وأنموذجٌ ثوري قل نظيره في عالم البداوة، لأنها قالت “لا” للظلم والاضطهاد، وهي نقطة ارتكاز هذا التلاقي الذي طبع العلاقة بينهما.
مُولوع كانت، مثلها مثل أي فتاة، تحلم بحياة سعيدة مع فلاح قروي يتقاسم معها رائحةَ الأرض وعبق العطاء، وغبار الأغنام وكل معالم الخصب، ويسعدان بقدوم جدي ماعز أو حِملُ خروفٍ، يبنيان عليه الكثير من الآمال والأحلام، يرسمان في المدى البعيد الكثير من المشاريع الصغيرة، هكذا كانت مُولوعْ قبل أن ينالها الظلم والجور والصمت الأسود الذي تراه في العيون، فلا أحد ممن يقربها أو يعرف أباها قد ساندها وآزرها وقال كلمة ولو مجرد كلمة، لا أحد، حاربت، قاومت، تحاشت ثم توارت واستسلمت. وبعد أن تقدم بها العمر، وتعبت من الصياح والمساجرة، لزمت بيتها، واعتزلت الناس، وبتعبير أصح، الناس هم من اعتزلوها، عدا عن بعض معارفها وصديقات المرحومة أمها اللَّاتي واظبن على زيارتها.
حين انتبه أهل الدُّوار – وخصوصا النساء والأطفال- الى هذا الفراغ الذي ولَّده غيابها، وذلك الصمت الذي أطبق على الخربة التي تقطنها، وطال الحفرة من حولها، بدأت نساء الدوَّار تتعهدنها بالزيارة، ويُحضرن لها ما تحتاجه من قوت وملبس، ويقمن بغسل فراشها وملابسها أو ما يشبه الملابس، ويغسلنها هي أيضا؛ فمنذ شهور أو سنين افتقدت مُولوع الشعور بالماء وهو ينسكب على جسدها، فقدت الإحساس بكل شيء جميل، وحين حاولت بعض النساء نزع ملابسها لغسلها، ترددت كثيرا وأرتجفت خيفة، ثم أجفلت قليلا، قبل أن تستسلم لهن.
بعض النساء اللاتي حضرن ذلك اليوم، لم تمسك نفسها من البكاء، حينما كشفت مُولوع عن هيكلها العظمي، وبدت ضلوعها كسعف نخل جاف، بدت فقرات عمودها على مستوى الانحناء الصدري ناشزة كأعمدة الجِيَّفِ الملقاة في البراري والصحاري، وأما الخِصرُ أو ما تبقى من خصر، فقد استحال طبقات جلدية مترهلة متراكمة على بعضها كما اتفق، تدلى بعضها ليغطي منطقة الحوض من الخلف، بينما أعضائها الحميمية، فلا أحد يعرف كيف تقضي حاجتها من فرط تراكم الشعر والزغب وقد اختلط ذلك كله بالأوساخ والعفونة والدرن، وأما الروائح النتنة فقد أزكمت النفوس، تراجعت بعض النساء، كادت إحداهن أن تتقيأ من فرط حساسيتها وبشاعة المشهد، لولا الحياء.
ما كانت مُولُوعْ سوى فتاة قروية مثلها مثل قريناتها، فتحت عينيها على مشهد بالغ القتامة والقساوة، من سمعَ به أو عايشه يكاد لا يُصدِّق أن أناسا عاشوهُ بكل تقاسيم وجدانهم حتى التماهي، ويجدون الوقت ليضحكوا ويبتسموا، ويرقصوا ويغنوا، ويصلون في المساجد. كانت بسمتها وهي صغيرة، ينبوعًا مُشرقًا بنور قُدسيِّ،
آت من عوالم النقاء والصفاء، ينبع من رحم المأساة وظنك العيش.
عاشت تلك الطفلة كل تقاسيم الوجع، فكانت تجد نفسها وحيدة كلما اختطف الموت أخًا أو أختًا لها، لم تكن قادرة على العدِّ لكنها تُجيد التذكرَ، وأما الكبار فقد تعبوا من عد موتاهم أو اعتادوا، فكانوا كلما دفنوا طفلًا أو رضيعا، أو شيخا أتى الموتُ فيه على ما أبقاه الجوعُ، يعودون إلى الدُّوَّارْ وقد اشرقت عيونهم بتلك الطاقة الجامحة والقدرة الغامضة على التمسك بالحياة والحرص على البقاء، فيخلقون حالة غريبة من الفرح برحيلهم، فكانوا ينظرون إلى الأطفال وهم يرحلون تباعا، على أنهم رسُلٌ إلى الفردوس الأعلى، يذخرونهم ليوم ميعاد، فيه “يطوفون عليهم بأكوابٍ وأباريق وكأس من معين”، وما يحدثه رحيلُ صبي أو رضيع، من وَجْدٍ ومن شجن، يحتويه أهل الدُّوَّارْ بالأمل والرجاء والاحتساب، لأن الموت عندهم يعني ولادة جديدة، ولقاءً في رحاب قدس الأقداس.
روائي من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي