الرئيسية / الأعداد / محمد بن عثمان المكناسي (ترجمة مختصرة) – محمد بشار

محمد بن عثمان المكناسي (ترجمة مختصرة) – محمد بشار

علم من مدينتي

محمد بن عثمان المكناسي (ترجمة مختصرة)

محمد بشار*

——————————————-

علمنا شاعر ومؤرخ ورحالة وديبلوماسي ووزير عاصر ثلاثة سلاطين علويين. ينحدر من أسرة عريقة في العلم وخطة التوثيق منذ بدايات العصر السعدي. اسمه محمد بن عبد الوهاب بن عثمان المكناسي (ابن عثمان فيما يلي). ولد في أواسط القرن الثامن عشر الميلادي بمدينة مكناس التي أخذ لقبه منها وفيها نشأ.

على ذكر مكناس، العاصمة الإسماعيلية، فعلى الرغم من تراجع مكانتها بعد وفاة مولاي إسماعيل بسبب:

– ما عانته من محن خلال أزمة الثلاثين سنة ، [ باختصار شديد، هذه الأزمة التي امتدت من 1727م إلى 1757م بعد وفاةِ مولاي إسماعيل، تمثلت في صراعات ونزاعات كبيرة كان خلفها أساسا : 1- إشكالية توريث العرش.2- فَراغ في القيادة المركزية. 3- تَنامي نفوذ جيش عبيد البخاري، الذين أضْحَوا قُوّة عسكرية وسياسية ضاربة وحاسِمة في مسألة تنصيب السلاطين بما يتماشى مع مصالحهم الشخصية ضدا على المصالح العليا للبلاد. 4- عَوْدَة منطق الولاءات للقبائل والعشائر والزعامات المحلية ضداً على منطق الولاء لقيمة الوحدة الدينية والسياسية] . (يكفي أن نعرف أن عدد السلاطين الذين نصبوا خلال هذه الثلاثين سنة بلغ سبعة لنستنتج مدى عمق الأزمة).

– انتقال سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث/1757م – 1790م) بعد اعتلائه العرش للاستقرار بمراكش ،

فإن مكناس ظلت دار ملك باستقرار كثير من أبناء العائلات العلوية بها، وحرص السلاطين على مكانتها العلمية، مما جعلها في هذه الفترة مركزا مهما من مراكز العلم والتحصيل، ومستقرا لكثير من العلماء والأدباء والفقهاء الذين أثروا الحياة الثقافية فيها، وساهموا بقسط وافر في تكوين جيل من الشباب المتعلم والمتفقه، كان ابن عثمان واحدا منهم.

بهذه المدينة كانت دراسات ابن عثمان للعلوم والآداب حتى برع في المادتين وبرز في ميدان الكتابة والشعر. تميز بكونه كان كاتبا بارعا ذا أسلوب رفيع، ومؤرخا دقيق الملاحظة ذو إلمام بالجغرافية والاقتصاد وأحوال الدول. كما كان عالما بالفقه المالكي واللغة العربية.

أظهر خلال حياته قدرة كبيرة على التفاوض، وصناعة الرسائل، وفهم مصالح الدول، إضافة إلى ثقافة واسعة مكّنته من التواصل مع شخصيات أوروبية ومشرقية عديدة.

وصفه عبد الرحمان بن زيدان ب “الفقيه العلامة الأديب الأريب ..”. أما الأمير عبد السلام بن السلطان محمد الثالث فقال عنه: ” كان فقيها أديبا حسن البديهة قوي العارضة، وله قصائد أعذب من الزلال …”. وهذا يؤكد بأن بن عثمان كان على جانب مهم من الثقافة.

كان في صغره يخالط الأمراء من أولاد السلطان محمد بن عبد الله مما مكنه من دخول البلاط السلطاني والاشتغال فيه. عينه السلطان لقراءة الكتب بين يديه ومن هذه المهمة رقاه لمنصب كاتب في سن مبكرة فوزير، إلا أن وظيفته البارزة في البلاط العلوي تبقى هي السفارة. وهكذا نجد السلطان يعتمد عليه في عدد من المهام الدبلوماسية الحسّاسة. فعصر هذا السلطان كان حافلاً بمحاولات تحديث الإدارة والعلاقات الدولية، فبرز ابن عثمان بوصفه أحد أعمدة الدبلوماسية المغربية.

سجل ابن عثمان نبوغا في كل المهام التي أوكلها له السلطان. على إثر تعيينه سفيرا بإسبانيا، لدى الملك كارلوس الثالث، في أكتوبر 1779م أدى المهمة أحسن أداء، فقد تمكن من تحرير مجموعة من الأسرى المسلمين، ونجح في إبرام اتفاقية أرانخويث في 30 ماي 1780 التي أرست العلاقات المغربية الإسبانية على ركائز جديدة، قوامها السلم والتبادل التجاري والتعاون الدبلوماسي. كما نجح بلباقته وكياسته في كسب صداقات رجالات الدولة الإسبان وإعجابهم، وهي الصداقة التي ظلت وطيدة إلى آخر حياته. في هذه الوجهة ألف رحلته ” الإكسير في فكاك الأسير”.

ومما ينم عن ثقة السلطان سيدي محمد في ابن عثمان وتعويله على كفاءته كدبلوماسي مقتدر في القيام بمهمات حساسة يعلق عليها السلطان آمالا كبيرة في تنفيذ سياسته، إرساله على رأس سفارة ثانية إلى جزيرة مالطة ومملكة نابولي سنة 1781م مكلفا بالتفاوض حول تحرير الأسرى مع الأولى، والتوقيع الرسمي على انضمام الثانية إلى معاهدة الصداقة المغربية الإسبانية، وكذا التفاوض حول استرداد مركب مغربي أسره النـابـولـيـتـانـيـون. عن هذه السفارة الثانية ألف رحلته “البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر”.

أمّا الرحلة الأخيرة، فعنونها “إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والخليل والتبرك بقبر الحبيب”، والتي ألفها عن سفارته الثالثة إلى الدولة العثمانية، والتي قادته إلى كل من إسطنبول والشام والحجاز وفلسطين وتونس والجزائر، حيث استغرقت هذه الرحلة نحو 3 سنين.

بعد وفاة السلطان سيدي محمد بن عبد الله، ظل بن عثمان يتبوأ نفس المكانة السالفة لدى خلفه السلطان مولاي اليزيد الذي عينه سفيرا لدى كارلوس الرابع ملك إسبانيا. وعقب تولي مولاي سليمان العرش، حظي ابن عثمان بثقة السلطان الذي عينه وزيرا لخارجيته مطلق الصلاحية في التفاوض مع الأجناس، وقد برهن على صدق وده تجاه إسبانيا ورجالات دولتها، بحيث ختم مشواره الدبلوماسي بإبرام معاهدة 1799م التي أسست لعلاقات البلدين خلال القرن التاسع عشر، إدراكا منه أن سيادة السلم والتعاون مع إسبانيا بالذات أفضل للمغرب من التوتر والاصطدام، باعتبار الجوار المباشر وتحكمها في منافذ المغرب نحو الخارج، علاوة على القوة العسكرية التي وقف السفير على مظاهرها خلال سفاراته.

توفي ابن عثمان بمراكش سنة 1799م متأثرا بوباء بالطاعون الذي احدث كارثة ديمغرافية بالبلاد.

الرباط في 21/11/2025

 

تم الاعتماد على الوثائق التالية بتصرف:

– برنامج “أعلام” لقناة 24M عن ابن عثمان المكناسي

– “رحلة ابن عثمان المكناسي إلى القدس الشريف ومناطق من فلسطين”. محمد المنوني/أمحمد بن عبود

– مقال ” الرحالة السفير محمد بن عبد الوهاب بن عثمان المكناسي” لمحمد بوكبوط

– موقع “عربي بوست” 30/05/2023 . مقال عن ابن عثمان المكناسي

 

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً