تحولات التجريب المسرحي في زمن الذكاء الاصطناعي من الانتماء المدرسي إلى سيولة المرجعيات

هدى العبدي[1]*
مقدمة
شهد المسرح تحولات عميقة مست بنياته التعبيرية وأنساقه المرجعية، حيث لم يعد من الممكن الحديث عن انتماء صارم إلى مدرسة مسرحية بعينها، كما كان الشأن في السياقات الكلاسيكية التي كانت تؤطر الإبداع ضمن حدود نظرية وجمالية محددة. فقد أفرزت التحولات الثقافية والتكنولوجية المعاصرة، خاصة في ظل الثورة الرقمية، واقعا مسرحيا جديدا يتسم بالتعدد والانفتاح والتداخل، مما أدى إلى إعادة تشكيل مفهوم التجريب ذاته، ليغدو ممارسة حرة تتجاوز التقعيد المدرسي نحو أفق أكثر سيولة وهجنة.
وفي هذا السياق، برز الذكاء الاصطناعي باعتباره فاعلا مؤثرا في الحقل الفني، ليس فقط كونه أداة تقنية مساعدة، بل كونه عنصرا مشاركا في إنتاج المعنى وتوليد الأشكال الجمالية، وهو ما أفضى إلى زعزعة مركزية المؤلف والمخرج، وإعادة توزيع الأدوار داخل العملية الإبداعية. وقد أسهم هذا التحول في تعميق الطابع التجريبي للمسرح، حيث أصبحت العروض تنفتح على إمكانات رقمية وتفاعلية غير مسبوقة، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الخطاب المسرحي المعاصر وحدود مرجعياته.
انطلاقا من ذلك، تطرح هذه الدراسة الإشكالية الآتية:
إلى أي حد أسهمت تحولات العصر الرقمي، وبخاصة الذكاء الاصطناعي، في تفكيك الانتماء المدرسي للتجارب المسرحية المعاصرة، وإعادة تشكيلها ضمن أفق جمالي هجين يتجاوز الحدود التقليدية للمدارس المسرحية؟
أولا: المسرح ما بعد المرجعيات: إعادة تشكيل التجريب في ضوء الذكاء الاصطناعي
يندرج مفهوم “المسرح ما بعد المرجعيات” ضمن أفق نقدي يسعى إلى تفكيك البنى المدرسية الصلبة التي حكمت التجارب المسرحية التقليدية، حيث لم يعد الانتماء إلى مرجعية جمالية أو نظرية محددة شرطا لإنتاج المعنى، بل أضحى العرض المسرحي فضاء مفتوحا لإعادة تركيب عناصر متباينة ضمن منطق هجين ومتعدد المستويات. وفي هذا السياق، يسهم الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل التجريب المسرحي من خلال توسيع إمكانات الإنتاج الدلالي، إذ لم يعد النص مركز الثقل الوحيد، بل بات جزءا من منظومة تفاعلية تتداخل فيها الخوارزميات، والوسائط الرقمية، والأداء الحي، بما يعيد توزيع الأدوار بين المؤلف والمخرج والمتلقي. إن هذا التحول لا يعكس مجرد تطور تقني، بل يؤشر إلى انتقال نوعي في طبيعة الخطاب المسرحي، من كونه خطابا مؤطرا بمرجعيات ثابتة إلى خطاب دينامي يتشكل عبر التفاعل المستمر بين الإنساني والرقمي، وهو ما يتقاطع مع تصورات المسرح ما بعد الدرامي[2] التي تؤكد على تفكيك مركزية النص والانفتاح على أشكال أدائية جديدة، ومع أطروحات الوسائط الجديدة التي ترى في التكنولوجيا فاعلا منتجا للمعنى وليس مجرد وسيط ناقل وبذلك، يغدو التجريب في المسرح المعاصر – أطلق مصطلح التجريب في مجال المسرح في أواخر القرن التاسع عشر على أول مسرحية تجريبية لـ ” ألفريد
جاري”وهي ) أوبو ملكاً) سنة 1898م ، التي أصبحت مثلاً أعلى يحتذى به عند رواد اتجاه الحركة المستقبلية، والدادية والسريالية، واتجاه العبث وغيرها من الاتجاهات الحديثة[3]-. ممارسة لإعادة التشكيل المستمر، حيث تتلاشى الحدود بين المدارس لصالح أفق إبداعي يتسم بالسيولة والتعدد وإعادة التفاوض الدائم حول المرجعيات.
وإمعانا في هذا التحول، لم يعد التجريب المسرحي مجرد انزياح شكلي أو جمالي، بل غدا فعلا إبستمولوجيا يعيد مساءلة مفاهيم أساسية من قبيل “الحضور” و“التمثيل” و“الهوية الأدائية”، حيث تتقاطع الذوات البشرية مع الكيانات الرقمية في إنتاج فعل مسرحي يتجاوز الثنائية التقليدية بين الواقع والتمثيل. فالذكاء الاصطناعي، بما يتيحه من إمكانات المحاكاة والتوليد اللحظي، يسهم في خلق عروض قائمة على اللاتحديد، تتغير بنيتها وفق معطيات التفاعل، مما يجعل كل عرض تجربة فريدة غير قابلة للاستنساخ. وهذا ما يدفع إلى إعادة التفكير في مفهوم “النص المسرحي” ذاته، الذي لم يعد بنية مغلقة سابقة على العرض، بل أصبح سيرورة مفتوحة تتشكل أثناء الأداء، في تفاعل مستمر مع المدخلات الرقمية واستجابات المتلقي.
كما يفضي هذا الوضع إلى إعادة تموضع المتلقي داخل العملية المسرحية، إذ لم يعد مجرد مستقبل سلبي، بل أضحى عنصرا فاعلا في إنتاج المعنى، سواء عبر التفاعل المباشر مع الوسائط الرقمية أو من خلال اندماجه في الفضاء الأدائي الذي تعيد التكنولوجيا تشكيل حدوده. ومن ثم، فإن المسرح ما بعد المرجعيات يؤسس لعلاقة تواصلية جديدة، تتجاوز النموذج الخطي للإرسال والتلقي نحو نموذج شبكي معقد، تتوزع فيه السلطة الدلالية بين فواعل متعددة، بشرية وغير بشرية، وهو ما ينسجم مع التحولات التداولية التي تعيد تعريف الفعل التواصلي بوصفه عملية تفاوضية دينامية.
وعليه، فإن إعادة تشكيل التجريب في ضوء الذكاء الاصطناعي لا تعني القطيعة مع التراث المسرحي بقدر ما تعني إعادة تأويله ضمن سياقات جديدة، حيث تغدو المرجعيات القديمة مواد قابلة لإعادة التوظيف داخل بنى هجينة، تتجاور فيها الذاكرة المسرحية مع الابتكار التكنولوجي. وبهذا المعنى، يصبح المسرح فضاء لإنتاج معرفة جمالية جديدة، تتأسس على التفاعل بين الإنسان والآلة، وتفتح أفقا لممارسات إبداعية تتجاوز الحدود التقليدية للفن المسرحي نحو أشكال أكثر تعقيدا وانفتاحا.
ثانيا: تفكيك المرجعيات المسرحية وأفق ما بعد الإنساني: نحو إعادة تعريف الفعل الأدائي في العصر الرقمي
ينبني تفكيك المرجعيات المسرحية في السياق المعاصر على مساءلة الإرث الجمالي الذي كرّسته مدارس كبرى أسست لسلطة النموذج الواحد، مثل الكلاسيكية التي ارتبطت بـأرسطو ومرتكزاتها القائمة على المحاكاة ووحدة البناء الدرامي، والواقعية التي بلورها كونستانتين ستانسلافسكي من خلال التركيز على الصدق النفسي وبناء الشخصية، والمسرح الملحمي عند برتولت بريخت الذي أسس لآليات التغريب وكسر الإيهام، إضافة إلى مسرح القسوة عند أنطونان أرتو القائم على الصدمة الحسية، ومسرح العبث مع صمويل بيكيت الذي عبّر عن لاجدوى الوجود وتفكك المعنى. غير أن هذه المرجعيات، رغم اختلافها، تشترك في كونها تقدم تصورات مؤطرة للفعل المسرحي، تحدد علاقته بالنص والممثل والمتلقي ضمن نسق نظري محدد. إلا أن التحولات الرقمية الراهنة، وبخاصة مع بروز الذكاء الاصطناعي، أفضت إلى تفكيك هذه الأطر، حيث لم يعد بالإمكان الحديث عن مركزية النص أو عن ممثل بوصفه حاملا حصريا للمعنى، بل أصبح العرض فضاء تفاعليا تتقاطع فيه الأجساد البشرية مع الكيانات الرقمية، في إطار ما يمكن تسميته بأفق “ما بعد الإنساني”. ففي هذا الأفق، يعاد تعريف الفعل الأدائي بوصفه نتاجا لشبكة من العلاقات المعقدة بين الإنسان والتقنية، حيث تتوزع الفاعلية بين المؤلف والخوارزمية، وبين الأداء الحي والمحاكاة الرقمية، مما يؤدي إلى زعزعة ثنائيات راسخة مثل (الحضور/الغياب) و(الطبيعي/الاصطناعي). وبهذا المعنى، لا يلغي المسرح المعاصر مرتكزات المدارس السابقة، بل يعيد توظيفها داخل بنى هجينة، تتجاوز الانتماء الصارم نحو منطق التعدد والتفاوض المستمر، ليغدو التجريب ممارسة لإعادة تعريف الإبداع المسرحي في زمن تتقاطع فيه الذات الإنسانية مع الامتدادات التقنية في إنتاج المعنى.
وبالاستناد إلى هذا التحول، يمكن القول إن تفكيك المرجعيات المسرحية لم يعد يقتصر على إعادة قراءة المدارس الكلاسيكية والحديثة، بل تجاوز ذلك إلى مساءلة مفهوم “النسق الجمالي” ذاته كونه بنية مغلقة، حيث أصبح الفعل الأدائي يتأسس على منطق التعدد لا على مبدأ الانتماء. فالتجربة المسرحية المعاصرة، في ظل الذكاء الاصطناعي، لم تعد تستحضر الإرث المدرسي بموجب كونه نموذجا يُحتذى، بل من منطلق اعتباره مخزونا دلاليا قابلا لإعادة التوظيف داخل سياقات هجينة تتقاطع فيها الآليات البريختية في كسر الإيهام مع النزعة الأرتوية في تفجير الحسية، وتستدعي في الآن ذاته منطق ستانسلافسكي في بناء الانفعال، ولكن داخل فضاء رقمي يعيد تشكيل شروط الأداء والتلقي.
ومن ثم، فإن أفق ما بعد الإنساني يفرض نفسه على أساس اعتباره امتدادا لهذا التفكيك، إذ لم يعد الإنسان مركزا وحيدا لإنتاج المعنى، بل أصبح جزءا من شبكة أدائية موزعة تتداخل فيها الفاعلية البشرية مع الذكاء الاصطناعي، مما يعيد تعريف “الفعل الأدائي” على أنه عملية تشاركية تتجاوز حدود الجسد الفردي نحو جسد رقمي ممتد، يتشكل عبر التفاعل اللحظي بين الممثل، والخوارزمية، والمتلقي. وبذلك، يغدو المسرح فضاء مفتوحا على إمكانات إعادة التشكيل المستمر، حيث تتلاشى الحدود بين المرجعيات لصالح دينامية إبداعية قائمة على التحول الدائم وإعادة الإنتاج اللامحدود للمعنى.
خاتمة
يتضح من خلال هذا التحليل أن المسرح المعاصر يعيش تحوّلا جذريا انتقل به من منطق الانتماء إلى مدرسة مسرحية محددة إلى منطق التعدد والانفتاح المرجعي، حيث لم تعد المدارس الكلاسيكية والحديثة تمارس سلطتها بوصفها أنساقا معيارية مغلقة، بل تحولت إلى مخزون جمالي قابل لإعادة التوظيف داخل تجارب هجينة. كما أبرزت الدراسة أن الذكاء الاصطناعي أسهم بشكل مباشر في تسريع هذا التفكك، من خلال إعادة توزيع أدوار الإنتاج المسرحي، وتوسيع إمكانات الكتابة الإبداعية، وإدماج البعد التفاعلي في بنية العرض، مما أدى إلى تقويض مركزية النص والمؤلف لصالح فعل أدائي تشاركي.
وقد خلصت النتائج أيضا إلى أن الفعل المسرحي المعاصر لم يعد يُفهم بوصفه تمثيلا لواقع سابق أو إعادة إنتاج لمرجع محدد، بل أصبح حدثا مفتوحا يتشكل لحظيا داخل شبكة من العلاقات بين الإنسان والتقنية، وهو ما يرسخ ملامح “المسرح ما بعد الإنساني” الذي يعيد تعريف مفاهيم الحضور، والجسد، والهوية الأدائية. كما تبين أن المتلقي لم يعد عنصرًا سلبيًا في العملية المسرحية، بل أصبح فاعلًا أساسيًا في إنتاج المعنى عبر التفاعل مع الوسائط الرقمية.
وخاتمة القول، يمكن التأكيد أن المسرح المعاصر لم يعد مجرد امتداد للمدارس السابقة، بل أصبح فضاء تجريبيا مفتوحا على التحول المستمر، تتداخل فيه المرجعيات وتتقاطع فيه الفواعل البشرية وغير البشرية، في أفق جمالي جديد يعيد صياغة معنى الإبداع المسرحي في زمن الذكاء الاصطناعي، حيث يغدو المسرح ممارسة لإعادة التفكير في الإنسان والعالم والتمثيل في آن واحد مما يدعونا للتساؤل: إلى أي حد يمكن للمسرح أن يحفظ على جوهره الإنساني في ظل هذا الانفتاح اللامحدود على الذكاء الاصطناعي والفعل الأدائي ما بعد الإنساني؟
[1] – هدى العبدي: باحثة في سلك الدكتوراة، جامعة القاضي عياض، كلية اللغة العربية، مراكش.
[2] – منذ بداية ثمانينات القرن الماضي ظهرت عروض مسرحية تدور في فلك النماذج الفنية التي أتت بها ما بعد الحداثة، مثل: العروض التي قدمها المخرج والكاتب الكندي (الصيني الأصل) بنج تشونج (1946 -) في الولايات المتحدة الأميركية، والتي اتسمت بـالتنافر والتشظي، وتوظيف وسائط فنية متعددة تطرح كل واحدة منها قضية منفصلة. وعروض المخرجة الأميركية اليزابيث ليكومبت (1944) مع فرقتها “ووستر”، ابتداءً من عام 1978، التي جمعت بين عناصر، صوتية وبصرية، شديدة الاختلاف والتباين، مستقاة من مصادر متنوعة (أعمال درامية، وأفلام سينمائية) في كولاج مسرحي مثير، يدمر أفق التوقعات المعتاد. والعروض الأخيرة للفنانة الأميركية جوان جوناس (1936-)، التي تتناول قصصاً مألوفةً، وأساليب وأنواعاً فنيةً معروفةً، وتوظّف عدداً من الوسائل المتنوعة بطريقة تبدو وكأنها تتعمد تدمير قدرة هذه الوسائل والأساليب على الانتظام والتآلف في وحدة فنية كلية.
[3] – هدى واصفي، التجريب في المسرح المصري المنهج والضرورة، مجلة آفاق المسرح، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ع18، مصر،2001م، ص59.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي