صدور كتاب: «بنيات التكوثر في إبداعات إدريس أمغار مسناوي» للناقد مجد الدين سعودي

عن مطبعة وراقة بلال، صدر في طبعة أولى متميزة لعام 2026، العمل النقدي الجديد للباحث مجد الدين سعودي بعنوان «بنيات التكوثر في إبداعات إدريس أمغار مسناوي (مختارات)». يأتي هذا الكتاب، الذي يقع في 294 صفحة، ليتوج مساراً طويلاً من المكابدة الفكرية والجهد المتواصل، حيث اختار المؤلف هيكلة دراسته في 27 قسماً، مخصصاً لكل أثر إبداعي وقعه مسناوي وقفة تحليلية ترصد ملامحه الجمالية ومرجعياته الفلسفية.
يغوص هذا المنجز في عمق الظاهرة الزجلية عند مسناوي، متخذاً من التكوثر مدخلاً لفهم التعددية الدلالية والفيض المعرفي الذي يزخر به مشروعه الإبداعي. إنها محاولة حفرية تسعى لإعادة تركيب ملامح هذا العالم الممتد من الإنسانية الكونية إلى تجليات الكوسموس، من خلال قراءة لا تكتفي بملامسة السطح، بل تنفذ إلى جوهر النص لتعيد إطلاق صراحه التأويلي بعيداً عن القوالب الجاهزة. الكتابة عند سعودي هنا تكتسب طابعاً حميمياً، إذ يمتزج فيها النفس النقدي بوشائج الصداقة والتقدير، وهو ما يبرز في إشادته العميقة بتوجيهات أستاذه مسناوي التي أنارت مسالك هذا البحث.
بهذا الكتاب، يضع مجد الدين سعودي بين يدي القراء والباحثين خريطة طريق فكرية لاستكشاف تجربة دام، متتبعاً أثر الكلمة في تحولاتها بين الذات والوجود. إن هذا الإصدار يمثل إضافة وازنة للمكتبة النقدية المعاصرة، كونه يجمع بين دقة الاستقصاء وبلاغة التحليل، ويحتفي بواحد من الأصوات الإبداعية التي طبعت الأدب المغربي بفرادتها وعمقها، مقدمًا بذلك نموذجاً للنقد الذي يصاحب الإبداع ويضيء عتماته برؤية ثاقبة ووعي متجدد.
يقول الناقد مجدالدين سعودي:
في كتابنا هذا: «بنيات التكوثر في إبداعات إدريس أمغار مسناوي»، يجد القارئ مختارات أو مقتطفات من دواوين هذا المبدع الزجلية، التي تسافر بنا في تيمات مختلفة ومواضيع متنوعة… والغاية من اختيار هذه الزجليات، التي تُعد باقة من الأقوال أو من الشذرات الرصينة الجميلة والحكم الرشيدة المدهشة، هي تقريب القراء من هذه التجربة المتفردة التي اختارت لها الظل، بعيداً عن البهرجة والضوضاء.
رحلتي في هذا الفضاء الواسع دامت سنوات، عشت فيها الأنس والمؤانسة مع ما تزخر به عوالم هذا المبدع الذي جعلني أقف في رحابه المغرية، متأملاً متمعناً تارة، ومستمتعاً متذوقاً شعرية الموضوعات أو التيمات التي غاص بنا دام (1) في محيطاتها الفسيحة واللامتناهية تارة أخرى. وأفضل أن أذكر منها:
ـ الإنسانية: إنسانية دام كونية بفيوضاتها، روحانية في تجلياتها، حيث تمثل جزءاً كبيراً من فكره ومشروعه الإبداعي، بل من أحلامه. ونستطيع القول إن دام يسكن فردوس الإنسانية ومنها يأتينا مبدعاً حكيماً، وإن الإنسانية تسكنه، ومن أعماقه تأتينا شعراً ونثراً مستفيضاً ليؤكد أن الإنسان محور الحياة… محور التاريخ… محور القيم الكبرى؛ بل محور هذا الكون.
ـ الكتابة: نجدها حاضرة منذ إصداراته الأولى، منها «كناش المعاش» الصادر في 1997م، والذي خصَّه بالكامل لهذه التيمة بتحولاتها وتطلعاتها، فجاء ليكشف لنا عن هموم الكاتب ويعبر عن قضايا الكتابة ومآلها في مجتمعنا الذي ما زالت تُدفع فيه ضريبة الكتابة.
ـ الحياة: تجسدت في أعمال دام بإشراقاتها الزجلية، حيث خصها بكتاب هو «ديال من هي الحياة؟» الصادر في 2013م، والذي يضم 4 دواوين. فالحياة تأخذ نصيباً وافراً في تجربة زجالنا، وأكاد أجزم أنها تحضر في كل أعماله برؤيتها المستقبلية والحضارية، مثلما يمكن القول إن دام يقدس الحياة، حيث نجده يرتوي من خمرتها حتى الثمالة.
(1) دام اختصار لهوية المبدع: بحيث الـ د تحيل على إدريس، والألف على أمغار، والميم على مسناوي.
ـ المرأة: دام أنصف المرأة منذ ديوانه الأول «الواو» الصادر في طبعته الأولى سنة 1995م، والثاني «قوس النص» الصادر سنة 1996م؛ حيث أعاد لها ألوهيتها وهو يضعها في أعلى عليين، فكانت الجنة تحت أقدامها؛ بل هي نفسها الجنة، وهي شمس الدنيا، وهي الرحم الأعظم، وهي «ن»؛ الديوان الذي جاءت كل قصائده مهداة إلى المرأة.
ـ الجسد: أعاد دام الاعتبار للجسد في جل أعماله، حيث خصص له ديوانين: «الجسد» الصادر عام 2009م، و«رضاة العقل والجسد».
ـ الحواس: منها حاسة الكبدة التي منحها دام مكانة في ديوانه: «حتى يكبر حظي»، وحاسة العظم التي ذكرها في ديوان: «ديال من هي الحياة؟»… وقد جعل دام من هاتين الحاستين، إلى جانب حاسة الوجدان، رموزاً محملة بدلالات ومعانٍ مستقاة من موروثنا الثقافي، ومنحه هذا الاشتغال على الحواس قصائد مشبعة ببنيات مسكوكة وبالأمثال المتنوعة.
ـ الضوء: ذُكر في أعماله الأولى قبل «شهوة الضو» الصادر سنة 2007م. يكاد الضوء يسكن الشاعر؛ بل يسكنه ويحركه. الضوء يأخذ أبعاداً ورموزاً عند شاعرنا، الضوء عند دام ينبثق من الفرح، ومن الجمال، والأمل، والحرية والموسيقى، والرقص، ومن كل القيم الجميلة وغيرها… هكذا تزخر به: «شهوة الضو»، و«مح البال» و«تويشيات»، وغيرها…
ـ الأسطورة: تأتينا الأساطير التي استثمرها الشاعر في جل كتاباته من ربوع كرتنا الأرضية، وهذا يدل على مدى انفتاحه على الموروث العالمي. ما يلفت انتباهنا هو توظيفه للأساطير الإفريقية عموماً والأمازيغية على الخصوص، والتي كشفت لنا عن عمق نبشه وحفره في تراثنا المنسي أو المهمش، فجاءتنا أعماله باستكمالات قوية إبداعياً وثرية ثقافياً.
ـ البياض: يأخذ مفهوم البياض عند دام شعرية خاصة؛ إذ يمنح للقارئ قراءة أخرى وهو يسافر في «شكون باقي فيكم عاقل على سميتي؟»، أو «بياض الطريق اللبني» في «كناش 5»، حيث ثقافة البياض ملهمة، يحضر فيها البياض كاشفاً عن مخيال وأحلام شاعرنا عبر تساؤلاته واستنطاقاته له، باحثاً في خباياه عن المعنى الخفي.
ـ المستقبل: هذا الزمن الذي نحلم بفتوحاته، ألهم شاعرنا بمجموعة من المؤلفات التي يستشرف فيها الأجمل والأفضل، نذكر منها على سبيل المثال: «المستقبل ورثي»، «نتزايدوا على غدا»، «نمدوا يدينا لللانهائي»، وغيرها…
ـ الكوسموسية: حضرت تجليات الكوسموس وإشراقاته في عدة أعمال للشاعر منذ ديوانه «من دابا كوكب» الصادر سنة 2017م، لتتوج مساره، ولتفصح لنا عن تطلعاته المشرقة وطموحاته اللامحدودة، خصوصاً في «كناش 8» حيث سيحدد لنا الشاعر بدهشة غير معهودة أن مسقط رأسه هو درب التبانة، مؤكداً لنا بحلم كوني لا يضاهى أن حيوات أخرى تنتظر البشرية في جهات أخرى على كواكب مشابهة.
عموماً، أعمال دام أثارت مجموعة من الباحثين الأكاديميين سواء داخل المغرب أو خارجه، حيث قُدمت 8 أطروحات لنيل الدكتوراه في أكثر من 7 جامعات، كما تناول كبار النقاد أعماله فأعطوا لمكتباتنا أكثر من 18 كتاباً نقدياً. هذا، وتُرجمت بعض دواوينه لبعض اللغات الحية، منها الفرنسية والإنجليزية والإسبانية…
نستخلص من قراءاتنا المتواضعة لأعمال دام أننا أمام شاعر استثنائي، عرفنا عنه إدمانه القراءة حتى التخمة وذلك منذ صغره، وسنجد له إشارات ووقفت تذكرنا بأهميتها، إلى درجة أنه خصص لها في السنوات الأخيرة كتاباً بالكامل تحت عنوان «خذ واقرأ»، جاء ضمن «كناش 6». وقد استقى هذا العنوان من حكمة رشيدة تعود للقديس الأمازيغي أوغسطينوس الذي كان يحث الناس على القراءة.
يمكن اعتبار إدريس أمغار مسناوي ظاهرة زجلية فريدة، يملك ثقافة واسعة ورؤية متفتحة واضحة في كشوفاتها، متنورة في تحليقاتها، عميقة في إبحارها، فهو يتمتع بتفكير متبصر، وذهنية منفتحة، مما أغنى تجربته وميز مساره الإبداعي الحافل بالعطاء.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي