نحو تأويل فلسفي للأدب بين النظرية والتطبيق

رشيد هيبا *
تمهيــــــــد
في زمن يتقاطع فيه الفكر الفلسفي مع انشغالات الإنسان المعاصر، ويتداخل فيه النقد الأدبي مع أسئلة المعنى واللغة والذات، يبرز اسم الدكتور عز العرب لحكيم بناني كواحد من المفكرين المغاربة الذين سعوا إلى إعادة بناء الجسور بين الفلسفة والأدب، بين المفهوم والتأويل، بين التحليل الفلسفي والتذوق الجمالي، فقد عمد الباحث على تطوير مشروع فكري غني ومركب، تتداخل فيه الفلسفة التحليلية مع الفينومينولوجيا والهرمينوطيقا مع قضايا النقد الأدبي، في أفق البحث عن فكر عري حديث قادر على مساءلة النص والعالم والذات.
ويمتاز مشروع الدكتور عز العرب لحكيم بناني أولا بارتكازه على خلفيات فلسفية عميقة، فهو من الباحثين القلائل في العالم العربي الذين اشتغلوا على الفلسفة التحليلية بدقة، كما يظهر في كتابه ” الفلسفة التحليلية“، حيث يحلل مفاهيم اللغة والمعنى والصدق ويقارن بين آراء كبار فلاسفة الغرب مثل فتغنشتاين وارسل وفريغه، لكنه لم يكتف بالفلسفة التحليلية، بل انفتح أيضا على الفينومينولوجيا والهرمينوطيقا، مفككا مفاهيم الذات، القصدية، التأويل، ومركزية الفهم في كل تجربة بشرية، خاصة في علاقتها بالنصوص الأدبية والدينية، وضمن هذا التصور المركب، لا ينظر الدكتور بناني إلى النقد الأدبي كفن تابع للذوق أو الانطباع، بل يرفعه إلى مستوى الفعل الفلسفي الذي يطرح أسئلة المعنى والقيم والكينونة، فالنقد عندي ليس مجرد قراءة جمالية، بل هو عملية فكرية تتطلب مساءلة اللغة، وتفكيك البنيات والمفاهيم، وتأويل الرموز، وربط النص بسياقه الثقافي والانطولوجي. لذلك يحرص في كتاباته ومحاضراته على تِبْيَانِ أن العلاقة بين الفلسفة والنقد الأدبي ليست علاقة ترف معرفي، بل ضرورة فكرية لفهم الانسان وإبداعه، ويظهر هذا التوجه في العديد من أعماله ومداخلاته، ففي مقال له: “الفلسفة والمصير الإنساني” يقدم لنا الدكتور عز العرب لحكيم بناني تأملات عميقة في قضايا الموت والحرية والهوية، والعالم مستلهما من الأدب والفكر الإنساني أسئلته الكبرى، كما أنه يطرح مفارقات الكتابة الأدبية باعتبارها كتابة خيالية، من خلال استلهام نظريات كانط وهيوم حول الأوهام الخيالية للعقل، أثناء دراسة كتاب “وزير غرناطة” لمؤلفه عبد الهادي بوطالب.
ويجدر بالذكر أن مشروع الدكتور بناني يواجه تحديات حقيقية، منها صعوبة المصالحة بين لغة الفلسفة الصارمة وحساسية النص الأدبي، فضلا عن الإشكاليات المتعلقة بالتأويل المفتوح وحدود المعنى، ومع ذلك فإن قيمة هذا المشروع تكمن في كونه يفتح أفقا جديدا أمام المثقف العربي، ويدعوه إلى ممارسة النقد بوصفه تفكيرا لا مجرد حكم، وإلى قراءة النصوص بوصفها فضاء للفهم لا مجرد متعة فنية.
الفلسفة والنقد الأدبي:
يجمع المفكر المغربي عز العرب لحكيم بناني بين الفلسفة والنقد الأدبي، في مقاربة تتجاوز المفاهيم الصلبة، باحثا عن لغة وسطى بين التحليل المفهومي والتخييل الرمزي، ويضعنا مقاله الموسوم ب “الفلسفة والنقد الأدبي بين الأسطورة والكتابة الخيالية” أمام جدلية فكرية تتقاطع فيها الأسطورة بوصفها ذاكرة رمزية للجماعة، والخيال كأداة استشراف وتأويل، في أفق فلسفي لا ينفصل عن الأخلاق والسياسة والهوية والإبداع، والدكتور عز العرب لحكيم بناني يستند في هذه الدراسة على تصورات تبقى مرتبطة بعلاقة الفلسفة بالنقد الأدبي ضمن دائرة الأسطورة والكتابة الخيالية، وفي إطار الوعي النقدي والفلسفي بحقيقة هذه المفاهيم، خاصة وأن هناك علاقة معقدة نشأت منذ القدم بين النقد الأدبي والفلسفة، وهي علاقة تقاطع وتداخل، وأحيانا علاقة توتر وخلاف، فبينما تقدم الفلسفة الأدوات والشروط النظرية التي تساعد على فهم النصوص الأدبية، يسهم النقد الأدبي بدوره في استكشاف الأسئلة الفلسفية، مما يساهم في إثراء المجالين ويفتح آفاقا جديدة للتفكير والإبداع، وهذه الحيوية تجعل من النقد الأدبي، أداة مهمة لتناول الفلسفة وتاريخ الأفكار والثقافات في علاقة قابلة للتجدد باستمرار، فالعلاقة بين الفلسفة والنقد الأدبي تستمد مشروعيتها بحسب الدكتور عز العرب لحكيم بناني من التكامل المعرفي بينهما، فالهرمينوطيقا ساهمت في تحديد معنى النقد، كما أن وظيفة الفهم والتأويل والنقد، من خلال مدرسة التلقي أدت إلى إبراز التكامل بين النقد والإبداع والفلسفة، ولطالما شكلت الفلسفة والأدب مجالين متداخلين في اهتمام الإنسان بأسئلته الكبرى حول الوجود والمعنى والحقيقة، فالأدب ليس مجرد وسيلة للتسلية أو الحكي، بل هو تعبير رمزي يعكس رؤى فلسفية عميقة، بينما تمثل الفلسفة أداة لفهم هذه الرؤى وتفكيكها، من هذا التداخل نشأ النقد الأدبي لا كعملية تقييم فنية فحسب، بل كمسعى فكري تحليلي يستند إلى مفاهيم فلسفية تتعلق باللغة والتأويل، والهوية، والسلطة.
لقد سعى النقاد ما بعد الحداثيين إلى خلق التزاوج بين الفلسفة والنقد الأدبي، لأن الفترة هي فترة النقاد الفلاسفة، والفلاسفة النقاد، فجاك دريدا مثلا الذي حدد إيقاع الفكر النقدي الغربي لسنوات ولا يزال يمارس حضورا قويا في المشهد النقدي، بدأ حياته فيلسوفا أفرزته المذاهب الفلسفية المختلفة من ظاهراتيه ، وتأويلية، ووجودية، وهو الآن يتعاطى النقد باعتباره فيلسوفا بالدرجة الأولى.
إن ارتباط نظرية التلقي بالعلوم والفلسفات يجعل منها نظرية جامعة، أي نظرية متفاعلة مع مناهج ونظريات أخرى، على أن هذا التفاعل مع غيرها أغناها وأدام حياتها، فقد انتقلت من الخطاطات العامة، ومن مبدأ تلقي النصوص إلى الدراسات التجريبية التي تنطلق من طرح الإشكاليات، وتحديد المنهج، واستطلاع الرأي … إن الفلسفة تطرح الأسئلة الكبرى: من نحن؟ ما الحقيقة؟ ما الجمال؟ ما الخير؟ وهي نفس الأسئلة التي يطرحها الأدب وإن اختلفت الطريقة، لذلك فإن النقد الأدبي يجد في الفلسفة أرضية فكرية صلبة تساعده على فهم المضامين العميقة للنصوص، فأفلاطون مثلا ناقش دور الشعراء في المجتمع، واعتبرهم مقلدين للواقع، ودعا إلى طردهم من المدينة الفاضلة، ورغم طابع هذا الموقف، فإنه من أوائل المواقف النقدية التي تبين العلاقة بين الفكر الفلسفي والنصوص الأدبية، يقول أفلاطون في هذا الصدد ” الشاعر مقلد، وما ينتجه ليس الحقيقة بل صورة عن الحقيقة”[1] ، أما أرسطو فقد رد على أفلاطون في كتابه فن الشعر، مؤكدا أن الشعر أسمى من التاريخ، لأنه يعبر عن الكلي وليس الجزئي، ” إن الشعر أكثر فلسفة من التاريخ، لأنه يعبر عن الممكن، بينما التاريخ يصف ما وقع بالفعل”[2] ، وإذا كان هذا التأثير صادرا عن تصورات فلسفة موغلة في القدم، فإن الفلسفة لم تلهم النقد الأدبي فحسب، بل ساهمت في تكوين مناهجه الحديثة، حيث نشأت مدارس نقدية كاملة انبثقت من تصورات فلسفية، ولم تعد الفلسفة اليوم مجرد حقل نظري يتأمل في قضايا الوجود والمعرفة، بل صارت حاضرة بقوة في المناهج النقدية الحديثة، وخاصة مع تطور الفكر البنيوي، والتفكيكي، والهرمنيوطبقي، ومن أبرز هذه الاتجاهات النقدية التي تأثرت بالفكر الفلسفي المعاصر، نظرية التلقي، التي حولت مركز الثقل في العملية الأدبية من المؤلف والنص إلى القارئ/ المتلقي، وقد نشأت هذه النظرية في ألمانيا في ستينيات القرن العشرين، من خلال أعمال هانس روبرت ياوس وفولفغانغ ايزر، في مدرسة كونستانس التي تعد المرجع الأساسي في جمالية التلقي وتعزيز التواصل الأدبي بين النص والقارئ والاهتمام بهما معا، وهذه النظرية ظهرت نتيجة تفاعل بين العديد من النظريات المعرفية / الفلسفية، والمنهجيات الفكرية التي اهتمت بقضية الفهم والتأويل ولاسيما تلك المتعلقة بالنصوص الأدبية، فنظرية التلقي تأثرت بظاهراتية[3]، “رومان انغاردن” تأثرا مباشرا فالعمل الأدبي ليس مستقلا عن تجربة المتلقي، والنقد هو عملية رصد ووصف لحركة المتلقي / القارئ داخل المستويات النصية، ومحاولة التوقع وسد الثغرات، ومعرفة المضمر في النص، وجوناثان يعتبر “نظرية التلقي” جزءا من الظاهرتية، فإنغاردن جعل من المتلقي ركنا أساسيا في إدراك العمل الأدبي، وأعطى لهذا الإدراك مفهوما موضوعيا وماديا، ونظرية التلقي تشبه فلسفة الظاهراتية، في تأكيد العلاقة بين النص والقارئ، أو بين الذات والموضوع، كما تأثرت نظرية التلقي بالهرمينوطيقا التأويلية التي تعد من أهم المناهج الفكرية التي أثرت في مختلف مجالات العلوم الإنسانية،[4] خاصة في الفلسفة واللاهوت واللسانيات، إلا أن تأثيرها الأبرز تجلى في مجال النقد الأدبي، فقد أحدثت تحولا عميقا في فهم النصوص الأدبية، من خلال التركيز على القراءة والتأويل وفهم المعنى، وليس فقط على البنية أو الشكل، فالهرمينوضيقا تعني التفسير، وقد تطورت من مجرد كونها أداة لفهم النصوص الدينية إلى منهج فلسفي لفهم اللغة والمعنى، وفريدريك شلايرماخر اعتبر التأويل محاولة لفهم المؤلف أفضل مما فهم نفسه يقول ” إن فهم النص لا يكون فقط عبر اللغة، بل عبر استحضار تجربة المؤلف وسياقه”[5]، فشلاير يرى أن الهيرمينوطيقا ليست مجرد تقنية لفهم النصوص، بل هي فن وفلسفة الفهم، وهو عملية معقدة تتجاوز مجرد فهم الكلمات إلى إعادة بناء تجربة المؤلف الفكرية والنفسية التي عبر عنها في النص، والنص يتحول من مجرد تفسير سطحي، إلى عملية غوص في أعماق النص وتجربة المؤلف، ولهذا فإن تصور شلاير يتقاطع مع دينامية النقد الأدبي، فقد شدد على أهمية اللغة كأساس لفهم النص، كما أنه أكد على العلاقة بين القارئ والنص والمؤلف، وقد فتحت هذه النظرية آفاق جديدة في فهم النص الأدبي، خاصة في المدارس النقدية التي تركز على التأويل، مثل النقد الهرمينوطيقي والنقد الفينومينولوجي، ويمكن الحديث في هذا السياق عن اقتران الهرمينوطيقا، أو التأويلية باسم فيلهم ديلتاي (1833-1911)، فقد برزت في أعماله وفلسفته، وما تعلق بها من مسائل الفهم والتفسير، ويعتبر هذا المفكر الوارث لتصورات شلايرماخر، وخاصة في نصوصه ورسائله ودروسه في المجال التأويلي، فقد ساهم ديلتاي في إدخال التأويلية إلى الفلسفة، والمراهنة على موضوعية مفهوماتها وأغراضها، والتفكير بمقتضى منوال شلايرماخر، ” فقد صار من العسير الارتداد إلى ما قبله، وليس أدل على هذا الأمر من تاريخ إلقاء محاضرة بالغة الأهمية في تاريخية التأويلية، في محاضرة “نشأة التأويلية” التي تعد منعطفا تاريخيا وفكريا حقيقيا ألقاها عام 1900 “[6]، حيث كانت هذه المحاضرة بمثابة إعلان نهاية عصر وبداية عصر، نهاية عصر الميتافيزيقا الكلاسيكية بمتونها وروادها وتصوراتها التي استوفت نفسها في أواخر القرن التاسع عشر، وتنطلق فلسفة ديلتاي من تصورات هدفها إعادة بناء صيرورة الثقافة الغربية في تاريخيتها، وتأسيس منهج لعلوم الروح، أو الإنسان أو التاريخ وتجديد المفاهيم الأساسية للفلسفة المثالية الألمانية، والتراث الرومنطقي، لقد كان فيلهم ديلتاي من أبرز الفلاسفة الألمان في القرن التاسع عشر الذين طوروا الهرمينوطيقا ليس فقط كفن تفسير النصوص، بل كعلم لفهم الظواهر الإنسانية والثقافية بشكل أعمق، ولهذا كان لفكره تأثير كبير في تطور النقد الأدبي، حيث ساهم في بناء منهج نقدي يرتكز إلى فهم النصوص الأدبية كنتاجات حيوية تعكس التجربة الإنسانية، وهذا المنهج يستمد فاعليته من تصور ديلتاي للاختلاف بين العلوم التجريبية والعلوم الإنسانية، وقد أشار الدكتور عز العرب لحكيم بناني إلى هذا الأمر، إذ أن فهم النصوص وتأويلها عند ديلتاي يختلف عن تفسير الخيال في العلوم الطبيعية، فديلتاي يرى أن العلوم التجريبية تفسر الظواهر الطبيعية، أي تبحث عن علاقات السببية والقوانين العامة التي تفسر كيف ولماذا تحدث الظواهر، وبالمقابل، في مجال الإنسان لا يكفي الكشف عن العلاقات السببية، بمعنى التأويل والإدراك للمقاصد والنوايا والقيم التي تحرك السلوك البشري يقول : ” نحن نفسر الطبيعة ونفهم الحياة النفسية والروحية”[7]، إن نظرية الهرمينوطيقا عند ديلتاي شكلت نقطة تحول في فهم النصوص الأدبية، حيث تجاوزت فكرة التفسير الحرفي إلى إعادة بناء تجربة الإنسان عبر النصوص، وقد جعل من النقد علما وفنا قائمين على الحوار بين القارئ والنص والسياق التاريخي، مما جعل كل قراءة تجربة متجددة، وهذه النظرية ساهمت بشكل جوهري في تطوير مناهج النقد الأدبي الحديث وجعله أكثر انسجاما مع طبيعة النصوص الأدبية المعقدة.إن نظريات التلقي الحديثة تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن معنى النص لا يكمن فقط في النص ذاته، بل يتشكل في العلاقة التفاعلية بين النص والقارئ، وهذه الفرضية ترتبط ارتباطا وثيقا بالمفاهيم الفلسفية المتعلقة بالوعي والذات والتجربة، التي اهتمت بها فلسفات كالفينومينولوجيا والهرمينوطيقا. فقد تأثر رواد نظريات التلقي الحديثة مثل هانس روبرت ياوس وفولفغانغ ايزر بالمدارس الفلسفية كالظاهرنية والهرمينوطيقا، فالناقد والمؤرخ الأدبي هانس روبيرت ياوس (1921-1997)، يعد من أبرز رواد مدرسة كونسطانس التي عُني أفرادها بصورة عامة، بعلاقة دلالة النص الأدبي بالقارئ، وقد طور ياوس مع زملائه في مدرسة كونسطانس الألمانية، وعلى رأسهم فولفغانغ ايزر، ما عرف في سنوات الستينيات، وكـــذا السبعينيــات بنظريـــة التلقي la théorie de la réception “، وكان لأستاذه هانز جورج جادمير، الذي درس على يده في جامعة هايديلبيرغ أكبر الأثر على أفكاره التي دارت حول معنى التأويل وعلاقة ما يتوقعه القراء من العلم الأدبي في زمن بعينه، بمعنى تاريخيه الأدبي ومراحله.
إن المشروع النقدي عند ايرز يختلف في جانب كبير منه عن توجه ياوس في قراءة العمل الأدبي، فبينما اهتم ياوس في إطار مشروعه المعروف بجمالية التلقي بإدماج تاريخ الأدب، وخاصة مفهوم التطور الأدبي عند تينيانوف في معالجة الظاهرة الأدبية، وبتوظيف ما انتهى إليه “جادامير” في علم التأويل، نجد “ايزار” وهو الباحث في الأدب الانجليزي، يهتم أكثر بالاتجاهات التأويلية للنقد الحديث، وبالنظريات السردية، كما تأثر كثيرا بتصورات “انكاردن”، وبعدد من مفاهيمه النقدية، ويبقى الفارق الأساسي بين الناقدين، أن ياوس يهتم بقضايا ذات طبيعة تاريخية واجتماعية، في حين يهتم ايزر بالنص الفردي وعلاقة القارئ به، وهذا ما حدا “بهولاب” إلى القول : ” إذا اعتبرنا ياوس يتناول العالم الكبير للتلقي، فإن ايزر يهتم بالعالم الصغير للتجارب”[8]، وهكذا فإن استبعاد الجوانب التاريخية والاجتماعية من العمل الأدبي، أو على الأقل وضعها في الدرجة الثانية، جعل ايزر يعيد النظر في ثنائية الذات والموضوع، أثناء عملية القراءة، وذلك عبر تجاوز هذه الثنائية والتركيز على الذات/ القارئ، وفي هذا الصدد بنص فولفغانغ ايزر على أن قراءة العمل الفني تفترض انقساما في الذات وليس انقساما بين الذات والموضوع، ويوضح ايزر ذلك بقوله ” إذا فهمنا القراءة على هذا المنوال فإنها تحدث في الواقع تصاعدا في الإدراك الذاتي الذي يتطور خلال عملية القراءة .. وهكذا تصبح القراءة وسيلة يحقق الوعي ذاته من خلالها”[9]، إن ايزر ينطلق من خلفية فلسفة عميقة، متأثرا بالفلسفة الظاهراتية لهوسرل وهيدغر والهرمينوطيقا عند غادمير، وهو يرى أن النص الأدبي لا يكتمل بذاته، بل من خلال فعل القراءة الذي يؤديه المتلقي، وهو فعل يتضمن عمليات إدراك وتأويل وبناء للمعنى، لذلك فإن النص عنده لا يحتوي على معنى جاهز بل هو كيان مفتوح للقراءة، لقد سلط ايزر باعتباره احد أعلام نظرية التلقي، الضوء على الطابع الخيالي للكتابة الأدبية بوصفه عنصرا جوهريا في إنتاج المعنى وتجربة القراءة، وهو لا ينظر إلى الأدب بوصفه مجرد نقل لمعنى جاهز، بل باعتباره بناء خياليا يفتح أفقا للتجربة الإنسانية، ويدعو القارئ للدخول في فعل تأويلي يثري الخيال ويعيد خلق العالم، ويؤكد ايزر في أعماله، خاصة في كتابه الشهير “التخييلي والخيالي”، إن الكتابة الأدبية لا تسعى إلى تمثيل الواقع تمثيلا مباشرا، بل تعمل من خلال ” المحاكاة التخييلية”[10]، فالنص الأدبي لا يعكس الواقع، وإنما يخلقه من جديد ضمن عالم مواز تحكمه قوانين جمالية، وتفعله تجربة القراءة وهنا تصبح الكتابة الأدبية شكلا من إنتاج الواقع البديل، لا بوصفه هروبا، بل كوسيلة لفهم العالم الحقيقي عبر التخييل، ويرى ايزر أن الخيال الأدبي يلعب دورا مركزيا في تحفيز القارئ على التفاعل مع النص، لان النص الأدبي يحتوي على فراغات ومناطق غير مكتملة تتطلب من القارئ أن يملأها بفاعليته التخيلية وهذا يعني أن الكتابة الأدبية لا تكتمل إلا من خلال قارئ نشط، يستمر خياله لفهم وتفسير الأحداث والشخصيات والمعاني، كما يحول القراءة إلى فعل إبداعي مشترك بين الكاتب والقارئ، وهذا ما حدا بإيزر إلى الحديث عن “لانهائية القراءة” [11] ، فالنص يقدم معاني متعددة ومفتوحة، يتم استخلاصها في كل قراءة للنص، فمن منظور ايزر لا يقتصر الخيال الأدبي على ابتكار عوالم خيالية، بل يتجاوز ذلك ليسهم في تشكيل وعي القارئ بذاته، وهذا الوعي يسهم في تحديد مفهوم الهوية، ويعتبر ايزر أن الخطاب الواقعي أو العلمي، يختلف عن الخطاب الأدبي، ذلك أن خطاب الإبداع يساهم في تحقيق مساحة من الحرية الفكرية التخييلية، فبينما يلتزم الخطاب الواقعي بتقديم الوقائع كما هي، تتيح الكتابة الأدبية مجالا نهائيا لإعادة تخيل الواقع، وإعادة طرح الأسئلة الوجودية والأخلاقية بعيدا عن الإلزام، وهذا ما يجعل الأدب في نظره فعلا تحويليا، لا يغير الواقع مباشرة، بل يزرع في القارئ القدرة على تخيله بطريقة مختلفة.
إن تصور فولفغانغ ايزر للكتابة الأدبية بوصفها فعلا خياليا، ينقلنا من فهم الأدب كوسيلة للتسلية أو التمثيل، إلى اعتباره تجربة إنسانية عميقة، تعيد تشكيل الواقع وتفتح أفق الذات نحن التخييل والتأويل.
لقد أدت نظرته التلقي الحديثة والفلسفة إلى تجديد جذري في مفهوم النقد الأدبي، حيث لم يعد النص مغلقا، بل مفتوحا على تعددية الفهم وثراء التجربة الإنسانية، كما ساهم هذا التفاعل في تحويل القراءة إلى نشاط تأويلي خلاق، تتداخل فيه المعرفة والخيال والوجود وهذه العلاقة الثلاثية، فتحت أفاقا جديدة لفهم النصوص ليس فقط كمادة جمالية، بل أيضا كمرآة للذات والعالم وللأخر.
جدلية المعنى والجمال بين الخيال والعقل في ضوء نظرية كانط وهيوم، وتأثيرها على النقد الأدبي
يشكل التفاعل بين العقل والخيال نقطة ارتكاز أساسية في الفلسفة الجمالية الغربية، وقد قدمت كل من نظرية كانط ونظرية هيوم تصورات مختلفة لكنها متقاطعة في محاولة لفهم أصل الأحكام الجمالية ومعيار الذوق، مما انعكس بعمق في مسارات الخطاب النقدي الأدبي الحديث، فمنذ فجر الفلسفة، ظل الإنسان مشدودا إلى مفهومي المعنى والجمال، ساعيا إلى فهمهما وتأويلهما عبر أدوات العقل والخيال، وقد تعمقت هذه الجدلية مع تطور الفكر الغربي، لاسيما في عصر الأنوار، ولم يكن النقد الأدبي بمعزل عن هذا الجدل، بل تغذى منها، وأعاد إنتاجها في مقاربة النصوص الفنية والأدبية، ذلك أن التصور الجمالي لا يكتمل إلا بإيجاد علاقة بين الموجودات الخيالية والواقع، فالفيلسوف كانط يرى أن الموجودات الخيالية ترتبط بالواقع عبر آلية تسمى الحدس[12] ، حيث يشكل الخيال بالتعاون مع العقل البنية الضرورية للمعرفة، فالخيال هو ملكة تربط بين المفاهيم المجردة والفهم الحسي، وهو ضرورة لتكوين الأحكام الحسية والجمالية في الواقع، وينظر إلى الموجودات الخيالية في سياق فلسفة كانط على أنها “تمثلات” أو “صور” للعالم، وليست انعكاسا مباشرا له، بل هي بناء معرفي للعقل يقوم بتشكيل تجربتنا للعالم الحقيقي، فالخيال عند كانط[13] هو الوسط الذي يربط بين ملكة الفهم (العقل) والإحساس (التجربة)، وهو يمكننا من دمج الإحساسات الحسية المجرة في مفاهيم عقلية متماسكة، مما يسمح لنا بادراك العالم وتكوين معارف عنه، ويرى كانط أن المتعة الجمالية تنشأ من “اللعب الحر” بين ملكة الخيال وملكة الفهم، ويساهم الخيال في تشكيل هذه الصور الجمالية، لكن هذه الصور لا تنتمي إلى الشيء في حد ذاته، بل هي موجودة في علاقتنا بهذه الخصائص الظاهرية[14]، ويذهب الفيلسوف هيوم إلى رفض اعتبار الذاكرة مصدرا للأفكار الخيالية، لأن هذه الأخيرة لها استقلالية عن الذاكرة، أي أنه يفرق بين الخيال والذاكرة، يقول : “أفكار الذاكرة تكون أكثر حيوية من أفكار الخيال، فهيوم يرى أن الموجودات الخيالية تتكون من تجميع وتركيب الأفكار التي تستند في الأصل إلى الانطباعات الحسية، وهي أفكار بسيطة لم تخضع لأي تغيير، وأن دور العقل هنا هو المزج بين هذه الأفكار بطرق جديدة وغير محددة[15] وهيوم يرى أن كل الأفكار سواء كانت بسيطة أو مركبة، هي نسخ من الانطباعات الحسية، فالخيال لديه لا ينشئ شيئا جديدا، بل يعيد ترتيب وتركيب الأفكار التي سبق لها أن تكونت من تجاربنا الحسية[16]، والخيال ليس مصدرا للواقع في فلسفة هيوم، إذ لا يمكن للخيال أن يمثل المصدر الأساسي لإنشاء علاقات سببية بين الأفكار أو الأحداث في العالم الواقعي، فالخيال بحسب تصوره يفتقر إلى الجوهر، حيث يحذر هيوم من الخيال لأنه ليس دائما موثوقا، فقد يقودنا إلى تصديق أمور غير صحيحة أو أوهام، لأن الخيال يعمل بحرية، ولا يعتمد فقط على تجاربنا الحسية الفعلية، ولذلك يمكنان ينتج لنا تصورات خاطئة أو خيالات لا وجود لها كالأساطير مثلا، فالخيال عند هيوم هو القدرة على تركيب وتكوين أفكار جديدة بناء على التجارب الحسية، ويلعب دورا رئيسيا في بناء معرفتنا بالعالم، ولكنه ليس دائما مصدرا موثوقا للحقائق، وهذا الأمر يشكل جوهر الاختلاف مع نظرية كانط، فهيوم يرى أن العقل محدودا جدا، وأن الذات مجرد تجمع للأفكار، أما كانط فيرى أن العقل يضيف قواعد ضرورية على التجربة، وأن الذات موجودة كوعي منظم، والسببية قاعدة عقلية لا غنى عنها، لقد كان للفلسفة الحديثة، وخاصة مع ديفيد هيوم وايمانويل كانط، دور كبير في صياغة تصورات جديدة للجمال والمعنى بين العقل والتجربة والذوق الفردي، وهذه التصورات لم تبق حبيسة الفكر الفلسفي، بل انتقلت إلى النقد الأدبي، وأثرت في مناهجه وتصوراته، فصار النقد بدوره يبحث عن الجمال والمعنى لا في ضوء العقل فقط، ولكن عبر الخيال والذوق والتجربة، وقد مهدت نظريات الفلسفة خاصة عند كانط وهيوم في نشوء المدارس النقدية التي تسعى إلى الجمع بين التحليل العقلي والتجربة الجمالية، مثل النقد التأويلي والنقد الظاهراتي، وأضحى الناقد يُنظر إليه بوصفه فاعلا مركبا، يستخدم أدوات عقلية لفهم البناء النصي، ويتذوق العمل فنيا عبر الخيال والذوق، وقد انتقلت التصورات الفلسفية في مسألة الجمال إلى النقد الأدبي فهيوم، يرى أن الجمال إحساس ذاتي مشروط بالذوق والخبرة[17]، وكانط يعتبر أن الجمال تجربة حكم فيها تفاعل بين الخيال والفهم[18]، فإن النقد الأدبي اَستلهم من هيوم الذاتية والذوق، ومن كانط ” اللعب الحر” بين الخيال والعقل.
إن التصور الجمالي الذي بدأ في الفلسفة على يد هيوم وكانط لم يبق سجين التنظير الميتافيزيقي، بل وجد طريقه إلى النقد الأدبي الحديث، فالناقد شأنه شأن الفيلسوف، بات يدرك أن المعنى لا يختزل في منطق صارم، ولا الجمال في شكل محدد، بل هما نتيجة تفاعل دقيق بين العقل والخيال وبين التحليل والتذوق، وهو ما يشكل جوهر الفعل النقدي المعاصر، إن كانط يؤسس لرؤية مفادها أن الحكم الجمالي لا يصدر عن المفهوم أو المنطق، بل عن اللعب الحر بين الخيال والفهم، وهذا اللعب ليس عقلانيا صرفا، ولا خياليا تماما، بل هو حالة وسطى تنتج شعورا بالمتعة الجمالية الخالية من المنفعة، وهنا تبرز الجدلية، فالعقل يحاول دائما التنظيم والتقنين، بينما الخيال ينزع إلى الحرية والإبداع وفي الفن والأدب تتحقق القيمة الجمالية والامتاعية، عندما يتمكن العقل من استشارة هذا اللعب الحر، مما يمنح التجربة الجمالية طابعا حرا، وفي المقابل، يرى هيوم أن الأحكام الجمالية ليست قابلة للتقنين العقلي، بل هي ناتجة عن العادة والتجربة والتربية الذوقية، وهذا يعيدنا إلى السياق الأدبي، حيث تصبح المعاني الجمالية ليست فقط ناتجا عن التفاعل بين النص والمتلقي، بل أيضا عن المرجعية الثقافية والتاريخية التي تشكل الجوهر، ويتيح لنا هذا التباين بين كانط وهيوم فهم تعاطي النقد الأدبي الحديث والمعاصر مع مفهومي المعنى والجمال، وهكذا تصبح أمامنا مجالات جدلية حيوية، تتراوح بين اعتبار الجمال حالة عقلية خيالية متسامية كما عند كانط، أو نتاجا اجتماعيا وثقافيا كما عند هيوم، حيث تقف النظرية الأدبية والنقدية على مفترق طرق، تحاول أن تفهم النص لا كمجرد موضوع جمالي، بل كخطاب مشحون بالمعنى، مفتوح على التأويل والاختلاف ويمكن القول أن لنظرية كانط وهيوم تأثيرات ايجابية في النقد الأدبي تجلت في :
- توسيع أفق التفسير والتأويل.
- إدخال عنصر الذاتية الواعية، حيث تم فتح الباب أمام مدارس مثل الظاهرانية والتلقي
- ترسيخ المتعة الجمالية في التقييم،
وتأثيرات سلبية أو تحديات واجهت النقد الأدبي في ارتباطه بفلسفة كانط وهيوم تجلت في :
- تغليب الذاتية على الموضوعية، فالنقد المتأثر بكانط وهيوم، أحيانا يتورط في الذاتية المفرطة، مما يضعف من المعايير النقدية العامة،
- الغموض في المعايير الجمالية، فالجمال عند كانط غير خاضع لمفاهيم عقلية، وعند هيوم مبني على الذوق، مما أدى إلى غياب مرجعية صلبة للحكم الجمالي،
- إهمال البعد الاجتماعي والسياسي، ذلك أن تركيز النظرية الكانطية على المتعة الجمالية الخالصة، دفع بعض النقاد إلى تجاهل البعد الإيديولوجي للنصوص، وهو ما انتقدته مدارس مثل الماركسية.
إن التطبيقات النقدية في ضوء النظرية ارتكزت كثيرا على تصورات كانط وهيوم، فالمدرسة الشكلانية الروسية رغم تركيزها على البنية، إلا أنها استفادت من الطابع الجمالي للنصوص كما طرحه كانط، كما أن نقاد التلقي مثل “ياوس” و”ايزر” طورا أفكارا تعتمد على نظرية التذوق والخيال، امتدادا لفكر كانط وهيوم، أما المدارس الرومانسية فقد استلهمت كثيرا من فلسفة الخيال الكانطية في تقدير الأدب بوصفه تعبيرا عن عبقرية فردية.
ومن هنا تبرز مساهمة كل من كانط وهيوم[19]، في الجماليات كنقطة تحول مهمة في فهم العلاقة بين النص والقارئ، وبين الذات والموضوع، وبين الخيال والعقل، فبينما مكنت أفكارهما من تطوير أدوات نقدية جديدة أكثر انفتاحا وتأملا، إلا أنها طرحت أيضا تحديات تتعلق بالمعايير والذاتية، ووظيفة الأدب. وخصائص العقل والخيال.
الأدب والأسطورة من خلال كتاب “وزير غرناطة”

لقد طرح الدكتور عز العرب لحكيم بناني، إشكالية علاقة الأدب بالأسطورة، ومفهوم التجديد الأسطوري في الأدب، وهذه الإشكالية هي بمثابة تصور فلسفي جوهري بحسب الباحث الذي طرح قضية دور الأدب في خلق أساطير جديدة تختلف كليا عن الأساطير القديمة، حيث أنه ركز في هذه الدراسة على نموذج أدبي / إبداعي / تاريخي مرتبط بفترة من فترات تاريخ المغرب، وهو العصر المريني، من خلال تسليط الضوء على مفهوم التجديد الأسطوري في الأدب “كتاب وزير غرناطة” لعبد الهادي بوطالب.
إن فهم هذا التصور يقتضي منها أولا تحديد مفهوم الأسطورة في التراث الإنساني ودورها في خلق جدلية مستمرة بين الخيال والواقع، فلطالما شكلت الأسطورة أحد أهم أشكال التعبير الإنساني عن الأسئلة الكبرى التي واجهت الإنسان مند وجوده وقد رافقت الأسطورة الإنسان في مختلف مراحله، قبل أن تتطور إلى فلسفة وعلم ودين وفن، فالأسطورة التي اشتهر بها اليونان القدماء، وغيرهم كانت مزيجا من التصور المفترض للقدرة والقوة في التاريخ، وهي مرتبطة بالمعتقدات الدينية حينها، والقائمة على القوة الدنيوية وعلى هيمنة الآلهة وقدسيتهم[20]، ولا شك أن الأسطورة مجال من مجالات الفكر الإنساني كانت لها ايجابيات في المجتمعات القديمة حيث لعبت دورا مهما فكريا وحضاريا[21]، لكن منذ القرن السادس ق/م، تغيرت الأمور بعض الشيء نتيجة التحول نحو الاتجاه العقلاني الذي تمثل في ظهور الفكر الفلسفي والعلمي، وبداية ظهور الكتابات اليونانية ذات السمة الجغرافية والاثنية والتاريخية، وهذا التوجه العقلاني من جانب علماء وفلاسفة الإغريق، في تلك الفترة، جعلهم يخضعون موروثهم الفكري للنقد والتحليل العقلاني، حتى لا يظل الباب مفتوحا على مصراعيه أمام الخرافات والأعاجيب[22]، والأسطورة في المفهوم الحديث، هي سرد تخييلي رمزي يحاول تفسير الكون، والطبيعة، والمجتمع، والنشأة الأولى، عبر شخصيات خارقة أو رمزية (آلهة، أبطال، مخلوقات عجيبة..) وقد عرفها المفكر الفرنسي رولان بارت بأنها “نظام من العلامات [23] أي أنها تمنح الأحداث معنى أعلى كتفسير الوجود، وشرعنة السلطة، وتوحيد الجماعة والتعبير عن اللاوعي الجمعي، ومع تطور الفكر البشري، لم تعد الأسطورة تفهم كحقيقة دينية أو علمية، بل أصبحت تستخدم كرمز فني وأدبي للتعبير عن قضايا معاصرة، فالأدباء استلهموا بنية الأسطورة، لا لإعادة إنتاجها بل لإعادة كتابتها وتفكيكها وإعادة تأويلها، وقد تطورت الأسطورة من مجرد سرديات بدائية تفسر الوجود والكون، إلى رمزيات عميقة أثرت في الثقافة والفن والأدب، وفي الوقت نفسه كان الأدب عبر عصوره،وعاء تعبيريا ومرآة تعكس وعي الإنسان بذاته وبالكون، وهنا تتقاطع الأسطورة بالأدب، سواء في أشكالهما القديمة أو في تجلياتهما الحديثة، لتصنع رؤية إنسانية ممتدة في الزمن، تختزل القيم، وتتفاعل مع الواقع والخيال، ومع تطور المجتمعات وانتقال الإنسان من التفكير الأسطوري إلى التفكير العقلاني، لم تختف الأسطورة من الأدب، بل تغيرت وظيفتها، وتحولت من خطاب تفسيري “مقدس” إلى خطاب رمزي “فني”، ثم إلى خلق أساطير جديدة داخل النصوص الأدبية، وهذا التحول في وظيفة الأسطورة وظفه الدكتور عز العرب لحكيم بناني لوضع تصور مرتبط بدور الأدب في خلق أساطير جديدة، وهو تصور يمزج بين البعدين الفلسفي / الجمالي والأدبي الفني، إذ انه يرى أن علاقة الأدب بالأسطورة ليست علاقة استهلاك أو استعادة بل علاقة إبداع وإنتاج رمزي مستمر، فمن خلال تركيزه على دراسة كتاب ” وزير غرناطة” لعبد الهادي بوطالب[24]، نلاحظ أن الدكتور بناني ينطلق من العناصر الآتية:
- استحضار مكون الهوية، من خلال التركيز على فترة من فترات المغرب المشرقة وهي فترة المرينيين.
- استحضار الذاكرة الأندلسية، من خلال شخصية الشاعر والوزير لسان الدين بن الخطيب أحد أبرز وزراء مملكة غرناطة في الأندلس في القرن الرابع عشر الميلادي، وهذه الفترة شهدت ضعف مملكة غرناطة التي كانت آخر معاقل المسلمين في الأندلس، حيث تتشابك المؤامرات الداخلية والخارجية والحروب الأهلية، والصراعات بين الفصائل الحاكمة.
- إن اختيار كتاب وزير غرناطة لعبد الهادي بوطالب هو بمثابة وثيقة أدبية فنية، حجاجية يستثمرها الدكتور عز العرب لا لإثبات علاقة الأدب بالأسطورة، بل للبحث في صور أسطورية جديدة انبثقت من مشهد درامي متعلق بانهيار مملكة غرناطة، آخر معاقل المسلمين، ومن تم فإن هذا الانهيار هو في حد ذاته قصة أسطورية مأساوية.
- كتاب “وزير غرناطة ” يعيد بناء الذاكرة الجماعية للأندلس، ويستخدم الزمن بطريقة غير خطية، حيث الماضي المأساوي لا يزال حاضرا في الوعي الثقافي، وتعاد صياغته في صورة أسطورية، تعيد تذكير الأجيال القادمة بالمجد المفقود والخسارة الكبرى.[25]
- إن شخصية الوزير لسان الدين بن الخطيب، يتم توظيفها في هذا الكتاب كبطل مركب، أو بطل أسطوري عاش متناقضات بشرية عميقة كالطموح والهزيمة والقوة والضعف.
لقد زار ابن الخطيب في سفارته الأولى عن سلطانه أبي الحجاج إلى السلطان أبي عنان سنة 749 هـ، معلنا إعجابه بالملك العظيم أبي الحسن، ورابطا علاقات المودة مع البلاط المريني[26].
ونوه بأبي عنان وعظمته وحسن استقباله[27]، كما أن لسان الدين بن الخطيب قد عاصر نهاية الحروب الصليبية وما تضمنته من إعلان قرب نهابة الوجود الإسلامي بالأندلس، فقد ولد ابن الخطيب بالأندلس، ونشأ بها واكتتب بغرناطة للنصريين[28]، ولكنه انتقل إلى المغرب وتجول فيه وكتب عنه كثيرا وخدم بني مرين سواء في الأندلس أو في المغرب[29]، فشخصية كهذه بما عرف عنها من طموح ودهاء وجاذبية لابد وأن تفرض وجودها في الوسط الفكري والسياسي، وان تكون حولها حالة من التقدير والإعجاب، وان يتهافت عليها الناس على اختلاف مشاربهم وأهوائهم وأن تأخذ حظها من الدراسة والعناية الفكرية، ولهذا فإن كتاب “وزير غرناطة” لعبد الهادي بوطالب، هو استعادة ذاكرة تاريخية وسياسية وأدبية مرتبطة بالوزير والأديب لسان الدين بن الخطيب، ولابد من الإشارة إلى أن عبد الهادي بوطالب، باعتباره مفكرا وسياسيا، استثمر معرفته العميقة بالتاريخ الإسلامي والأندلسي ليقدم عملا أدبيا يعيد تشكيل لحظة مفصلية في تاريخ الأندلس وهو سقوط غرناطة، والكاتب لا يكتفي بسرد وقائع تاريخية، بل يضفي على شخصية الوزير بعدا إنسانيا عميقا، من خلال تصوير صراعاته الداخلية، ومواقفه السياسية، وعلاقته بأهل التدبير والسياسة وعموم الناس، ويبدو أن الكاتب استثمر التخييل كوسيلة لفهم التاريخ، لا كأداة لطمسه أو تحويله إلى خرافة أو أسطورة، وهذا التصور مرتبط بوجهة نظر الكاتب عبد الهادي بوطالب، لكن يمكن الحديث عن “نمط الأسطورة” من وجهة نظرية التلقي الحديث، التي ترتبط بتصورات ورؤى المتلقي /القارئ، فإيزر منح المتلقي مكانة مركزية في الفعل القرائي، وقد ركز ايزر على ما سماه ” فجوات النص” و”خيال القارئ”، معبرا أن الخيال والتخييل هما ما يمنح للنص الأدبي حياة متجددة في كل قراءة، والنص حسب ايزر ليس سوى بنية قابلة للتفعيل، والمعنى لا يوجد في النص ذاته، بل في التفاعل بين النص والقارئ[30] ، فإذا قرأنا “وزير غرناطة” فكل قارئ قد يتخيل شخصية الوزير بطريقة مختلفة، ويملأ ما لم يقل في النص حسب خلفيته الثقافية، ومن تم فإن التصور الفلسفي/ النقدي الذي ينطلق منه الدكتور عز العرب لحكيم بناني هو تصور واضح، فهو يفصل بين الخرافة والأسطورة الفلسفية، فالخرافة تقوم على العجائبي والغرائبي، بينما تقوم الأسطورة الفلسفية على تبني الأسئلة الجوهرية حول الإنسان والهوية والمصير، ويمكن القول أن الدكتور بناني يرى أن التخييل والأسطورة ليسا هروبا من التاريخ بل عودة إليه عبر بوابة الفن والأدب، لفهم أعمق الآليات التي حكمت سقوط الأندلس، كما انه يعتبر الأسطورة تجليا رمزيا للواقع، فالأسطورة في نص “وزير غرناطة” هو رمزي وتعبيري، وانطلاقا من هذا التصور الفلسفي والنقدي، يعيد الدكتور عز العرب بناني قراءة “وزير غرناطة” باعتبارها تخييليا تأمليا يستثمر الأسطورة لا باعتبارها خرافة بل كأداة تأويلية لفهم التاريخ والذات، والتخييل عنده ليس وسيلة للهروب، بل طريقة لفهم المصير الإنساني، والأسطورة ليست بعدا خارقا، بل رمزا وجوديا يحمل دلالات عميقة من التدهور والتحول والانهيار الذي رافق اضمحلال دولة المسلمين بالأندلس.
وقد أشار الدكتور الباحث بناني أثناء دراسة مدى قدرة الأدب في خلق أساطير جديدة، إلى مسألة غرض المدح في جنس الشعر، لكن التصور الذي طرحه بخصوص صورة الممدوح، قد لا يكون بالضرورة تصورا اسطوريا لأن الشعر يقيم وجوده انطلاقا من مبدأ التخييل، وفي نظرته التلقي القديم يعتبر الناقد أن هذا الأمر ضروري لتحقيق “فحولة شعرية” فحازم القرطاجني يذهب بخلاف المقولات النقدية التي تنبني على نظرته الأخلاق إلى تأسيس التخييل الشعري على مبدأ الكذب”[31] وهي نظرية مناقضة للمنهج الإسلامي في مقوماته وعناصره، وقد تنبه لسان الدين ابن الخطيب إلى هذه المسألة من خلال تأليف كتاب “السحر والشعر” حيث اعتبر الجانب المتعلق بالسحر هو ذلك الجانب الذي يغلب عليه المعيار الجمالي / التخييلي، أما جانب الشعر في رأيه فله علاقة بالدين والأخلاق[32]، ولهذا فإن مدح السلطان أبي عنان المريني، قد يتحول من مجرد مثال محتذى في ذهن الشاعر الذي يمجد خصال الممدوح، إلى بطل يمكن أن يساهم في تثبيت ما تبقى من دولة المسلمين في الأندلس، وهذه الإشارة التي ألمح إليها الدكتور بناني، تفتح أفق البحث في حدود نظرية التلقي القديمة ومدى تقاطعها مع نظرية التلقي الحديثة، كما أن هذه الدراسة التي انصبت على كتاب “وزير غرناطة” تفتح أبواب بحثية كثيرة لإعادة قراءة وفهم وتأويل التراث العربي والمغربي خاصة من أجل صياغة نظرية عربية حديثة خالصة تجمع ما بين التصور الفلسفي والتصور النقدي.
خاتمـــــــة
لقد جاء هذا المقال العلمي /الأكاديمي، ثريا وعميقا من حيث التصورات الفلسفية والنقدية التي طرحها الدكتور عز العرب لحكيم بناني، وهذه الدراسة تفتح للدارسين والنقاد والباحثين ضمن الإطار الجامعي والأكاديمي، آفاقا رحبة للتجديد سواء من حيث التنظير الفلسفي أو النقدي، أو من حيث التجديد على مستوى نظريات التلقي الحديثة، ويتبين من خلال تعقيبي على دراسة الدكتور بناني المعنونة ب ” الفلسفة والنقد الأدبي بين الأسطورة والكتابة الخيالية ” أن العلاقة بين الفلسفة والنقد الأدبي ليست علاقة توازي أو تقاطع فقط، بل هي علاقة جدلية تتغذى من أسئلة المعنى والوجود والجمال، وفي هذا السياق جاء التوقف عند بعض التصورات الفلسفية في مسألة الخيال سواء عند كانط أو هيوم، وتطور هذا المفهوم في نظرية التلقي خاصة عند ايزر، كما أن وقوف الدارس من أجل طرح إشكالية مدى علاقة الأدب بإنتاج أساطير جديدة، قد فتح أسئلة فلسفية ونقدية كبيرة، لإعادة تحديد مفهوم الأسطورة ووظيفتها ورمزيتها، فالكتابة الأدبية ليست مجرد انعكاس للواقع فحسب، بل هي تفكير فلسفي عبر الأدب، يجعل من المتخيل وسيلة لفهم الواقع الإنساني في أبعاده الوجودية والجمالية.
وقد استخلصنا من خلال قراءتنا لهذه الدراسة مجموعة من التصورات نجملها بتركيز في الأتي:
- الربط العميق بين الفلسفة والنقد الأدبي،
- توظيف مرجعيات فلسفة دقيقة ومؤثرة،
- الاقتراب من العمل الأدبي بمنظورات تأويلى وفلسفي،
- الأدب يمكن أن يصنع أساطير جديدة ذات بعد رمزي وليست أساطير خرافية،
- الانفتاح على جمالية الكتابة الأدبية،
- الوضوح المنهجي والصرامة الفكرية،
- الجمع بين التحليل الفلسفي والتطبيق النقدي،
- إعادة فهم وقراءة التراث المغربي / الأندلسي من منظور فلسفي ونقدي حديث.
[1] – الجمهورية : لأفلاطون – ترجمة حنا خباز – دار التراث- بيروت – ط 1 – سنة 1969، ص 133
[2] – فن الشعر : لارسطو : ترجمة شكري محمد عياد، دار الكاتب العربي – القاهرة 1967 : ص 28
[3] – ينظر كتاب النظرية الأدبية : كالرجوناتان، ترجمة رشاد عبد القادر – منشورات وزارة الثقافة – دمشق سوريا- سنة 2004 ص 147 -148، وينظر في هذا الصدد نظرية البتانية في النقد الادبي : صلاح فضل : ص 320-321
[4] – ينظر تأثير جمالية التلقي الألمانية في النقد العربي لعلي بخوش : ص 3
[5] – ينظر : Herméneutique Und Kritik: Monfred Frank، دار النشر فرانكفورت ام ماين – سنة الطبع 1977
[6] – D. Thouard. ” Dilthey et la naissance de l’herméneutique en 1900″ in : F.Worms (ed), le moment 1900 en philosophie (Villeneuve d’ascq : presses universitaires septentrion, 2004), pp. 169-184
[7] – نشأة الهرمينوطيقا : فيلهم ديلتاي : ترجمة فتحي انقزو – تأويليات – العدد 2 – سنة 2018 – ص 153 – 154
[8] – نظرية التلقي : روبيرت هولاب – ترجمة – خالد التوزاني والجيلالي الكدية – منشورات علامات – ط 1-199- ص 38
[9] – فعل القراءة : فولفغانغ ايزر : ترجمة حميد لحميداني والجيلالي الكدية – منشورات مكتبة المناهل – مطبعة النجاح – البيضاء – ط 1/1998- ص 13
[10] – ينظر في هذا الصدد : The fictive and the imaginary
Literary anth ropolology : wolfgang isir
Tro : david henry wilson – juhns hanry university press u-s-a -1993
[11] – w.iser. l’acte de lecture : théorie de l’effet esthétique. Paris . ed. mardago . p. 13
[12] – ينظر كتاب “نقد العقل المحصن: ايمانويل كانط، ترجمة موسى وهبة، دار التنوير للطباعة والنشر ط1 : سنة 2015
[13] – نقد العقل المحض ايمانويل كانط، ترجمة موسى وهبة ، ص 170-196 -304
[14] – نقد العقل المحض: ص 502-504
[15] – ينظر في هذا الصدد مقال : ديفيد هيوم “الذاكرة والخيال” لعلي محمد اليوسف – الحوار المتمدن ، العدد 6711 سنة 2020
[16] – ن. م
[17] – الخطاب الجمالي في فكر دافيد هيوم : رشيد الطاهري، مجلة الأزمنة الحديثة، العدد 11 المجلد 11 سنة 2015- 96-97
[18] – نقد العقل المحض ك ايمانويل كانط – ترجمة موسى وهبة: ص 196-197
[19] – ينظر في هذا الصدد : نقد ملكة الحكم: لمانويل كانط، ترجمة سعيد الغانمي/2009، وكتاب : “معايير الذوق” لمديفيد هيوم، ترجمة مجلات فلسفية مختلفة
[20] – الاسطورة : عالم الفكر : المجلد 40 – ع 4 – يونيو 2012
[21] – ن – م
[22] – Carlo brillante “history and the historical interpretation of myth”. Chapter of 1 inlowelle edmuds, et approaches to creek myth. John hoptins university press. 1990. PP.39-138 / PP. 33-94
[23] – اسطوريات : رولان بارت – ترجمة توفيق قريرة دار منشورات الجمل – سنة 2018/ ص 221
[24] – وزير غرناطة لسان الدين بن الخطيب: عبد الهادي بوطالب، دار الكتاب / الدار البيضاء، ط 5-1980
[25] – ينظر إلى كتب تحدثت عن غرناطة وعن لسان الدين بن الخطيب: كالاحاطة في اخبار غرناطة للسان الدين بن الخطيب/ واللمحة البدرنة في الدولة النصرية : لسان الدين بن الخطيب / ونفاظة الجراب في علالة الاغتراب : للسان الدين بن الخطيب …
[26] – لسان الدين بن الخطيب في المغرب : مجلة دعوة الحق العدد 67 – وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية
[27] – ن – م
[28] – عصر ابن الخطيب : مجلة دعوة الحق – العدد 167 وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية
[29] – ن- م
[30] -التخييلي والخيالي من منظور الانطروبولوجية الادبية فولفغانع ايزر – ترجمة د حميد كميداني و.الجيلالي الكدية، مطبعة الزجاج الجديدة الدار البيضاء ، ط 1 ، سنة 1998- ص 8-9
[31] – منهاج البلغاء رساج الأدباء، حازم القرطاجني ، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الكتب الشرقية، تونس 1966 – ص 77
[32] – السحر والشعر : لسان الدين ابن الخطيب، تحقيق ودراسة ابراهيم عماره – دائرة الشؤون الثقافية والنشر ط 1- سنة 1975 – ص 8
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي