رجحان الإبداء على القول وفق شعرية المناخات المشهدية

محمد بنفارس*
- أسبقية التجربة على اللغة
من بين اهتمامات “شعرية المناخات المشهدية” موقعُ اللغة وحدودُها في الهايكو، باعتبارها مقاربة تقترح تصورا يقوم على المشهد والمناخ والأثر والإضمار. والسؤال هنا ينصبّ حول وظيفة اللغة داخل النص: هل تقول أم تُبدِي؟
فالأمر، في مجمله، لا يتعلق بحضور اللغة أو غيابها، بل بين قول يصرّح ويشرح، وقول يلمح ويُبدِي ما يمكن أن يظهر.
وفي هذا السياق، نستطع فهم ما نُسب إلى باشو[i] من كون الهايكو يوجد في القلب قبل أن يتشكل لغة، ما يمكن اعتباره تنبيهًا مؤسسًا إلى أسبقية التجربة على التعبير.
- القول بوظيفة التوجيه
يلاحظ في الهايكو، أنه كلما حضرت اللغة بسلطتها، يتجه النص إلى إعلان الحدث أو تفسيره. ما يدل على أن الدور المنوط بها هنا يتجلى في تبليغ معنى أو تسمية إحساس، الأمر الذي يحيل عناصر المشهد إلى وسائل لإيضاح فكرة. والمحصلة: أثر جاهز، وعبارة تصل مباشرة.
وفي هذا الأفق، يمكن استحضار التمييز بين اللغة كنظام والقول كتحقق فردي لها[ii]، حيث يتحول القول إلى أداة لتثبيت المعنى وتوجيهه. كما أن البلاغة، بمختلف أدواتها، تشتغل على صناعة التأثير، لا على إتاحة تشكّله.
- الإبداء بوظيفة الإتاحة
في الجهة المقابلة، يعمل الإبداء على تقديم العناصر بقول متخفف من الزوائد والقصدية؛ بحيث لا تُعرض فيه الأشياء على أساس ما تعنيه، بل تُترك لتُظهر ما يمكن أن يتكوّن منها من مناخ وأثر.
على أن الإبداء، بهذا التحديد، لا يضيف إلى العالم، بل يزيح جانبا ما يعيق ظهوره، فيغدو النص أشبه بشاشة شفافة لمرور ما يُرى، بقليل من القول.
وفي هذا الأفق الفني، تقترب اللغة من معنى الانكشاف[iii]، إذ لا تُستعمل لتسمية العالم بقدر ما تُترك لتمكينه من الظهور، كما تتقاطع ( أي اللغة) مع كتابة متخففة يتراجع فيها الزخرف لصالح حضور يكاد يكون محايدًا[iv].
- الإبداء في الممارسة
ويمكن ملامسة رجحان الإبداء، من وجهة نظر (ش م م)، في هذا النص الشفيف على وقع مطر خفيف:
قطرة قطرة،
من أوراق فتية
مطر
__ شاهناز يوسف (سوريا)
أتى النص بإيقاع حسي متتالٍ على نحو سمح بانكشاف المشهد تدريجيًا، عبر السمع والبصر (وربما اللمس أيضا)، دون توجيه أو زخرف.
يُلاحظ غياب الفاعل والفعل، ما يكثّف العبارة إلى درجة التقشف؛ فلا يُسمع ولا يُرى سوى تتابع حركي، وكأن الغياب إياه جعل الحركة تتكلم فتستعيض عن الكلام نفسه.
كما يلاحظ غياب الأداة التفسيرية، فتُدرك العلاقة بين القطرة والورقة حسّيًا لا عبر الشرح. ومع قفلة “مطر”، تكتمل الدائرة الإدراكية: قطرات، فأوراق، فمطر.
هناك تماسٌّ رهيف بين الحذف والإبداء: جاء الحذف لينأى بالنص عن مجرد الإخبار، بينما يتبلور الإبداء كحركة حسية عبر الإيقاع والتدرّج.
هايكو أجادت كاتبته بفنية عالية في اجتناب سرد حدوث التحوّل أو شرحه أو توجيهه، بأن وضَعتنا (حسيا ووجدانيا) في قلب التجربة.
على سبيل الختم
لدعاة الزخم اللغوي وخصوصية اللغة العربية، بضرورة كسر عظام الهايكو ليتماهى مع بلاغتها، نشير إلى أن الهايكو لا يقوم على إلغاء اللغة، بل على ضبطها بحيث لا يعيق حضورها/ طغيانها تشكّل المشهد.
وإذا كانت البلاغة تسعى إلى تثبيت معنى أو تمرير رسالة ما، فإن الإبداء، عندما يصاغ بحذفٍ مدروس وقولٍ مبسّط، يشتغل على ما يتكوّن.
وهكذا يغدو الهايكو فنًّا لا يقول العالم أو يحل محله، بل يتيح ظهوره لحظة التشكّل.
[i] 1. ماتسوو باشو (Matsuo Bashō) (1644–1694): شاعر ياباني، من أبرز أعلام الهايكو الكلاسيكي. من أعماله: الطريق الضيق إلى الشمال العميق.
[ii] 2. فرديناند دي سوسير (Ferdinand de Saussure) (1857–1913): لساني سويسري، مؤسس اللسانيات الحديثة. من أعماله: محاضرات في اللسانيات العامة.
[iii] 3. مارتن هايدغر (Martin Heidegger) (1889–1976): فيلسوف ألماني، اشتغل على سؤال الوجود واللغة بوصفها انكشافًا. من أعماله: الكينونة والزمان.
[iv] 4. رولان بارت (Roland Barthes) (1915–1980): ناقد فرنسي، من أبرز منظّري الكتابة والنص. من أعماله: درجة الصفر للكتابة.
شاعر ومترجم من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي