فكرة واحدة لا تفي بالغرض

أحمد بلقاسم*
الجو بارد جدا وأنا بصدد تحضير العدة للشروع في كتابة قصة قصيرة، لقد أحضرت القلم وحزمة من الأوراق، ثم قصدت المكتب عفوا مائدة الأكل بعدما نظفتها من بقايا الطعام. بالمناسبة أنا لا أملك مكتبا خاصا بالكتابة كما ليس لي طقس خاص بالكتابة، فأنا أكتب وأنا مستلق على السرير، وأنا أسير على الرصيف، وأنا واقف أنتظر الحافلة، فالعبرة فيما نكتبه وليس كيف نكتبه. ما علينا ثمة بارقة أمل تلوح في الأفق بأن قصصي القادمة ستكون محظوظة، إذ سيكون مسقط رأسها مكتبا جميلا مزينا بمزهرية مزخرفة ويعبق برائحة زكية، وليس كهذه سيئة الحظ التي أبت إلا أن يقع رأسها على مائدة تفوح منها رائحة الخل والزيت والزعفران وفي جو بارد تأبى حتى الأفكار أن تغوص في أعماق المخ بحثا عن الدفء. عندما تفي حكومتنا الموقرة بالوعد الذي قطعته على نفسها برفع أجور موظفيها، أنا متأكد من أنها ستفعل ذلك، وهي تعلم علم اليقين أن وعد الحر دين عليه، آنئذ سأحقق لقصصي المستقبلية أحلامها.
الآن عدّة العمل أصبحت جاهزة، لم يبق سوى حضور الفكرة، فكرة واحدة تفي بالغرض، مادام الأمر يتعلق بقصة قصيرة وليس برواية أو ملحمة شعرية، حيث يحتاج المرء إلى جيش عرمرم من الأفكار. ولكن، كما أسلفت من أين لي بفكرة في هذا البرد القارس؟ ما علينا سأقنصها بإطلالة على الزقاق، بعد قليل سيمر بائع السمك الجائل فهو عادة ما يغري سكان الحي لشراء السمك بما يرويه من أخبار جيرانه وأخبار الأحياء التي يجول فيها. لابد أنه سيحمل معه أكثر من فكرة، أنا سأكتفي بواحدة واحدة فقط تفي بالغرض. ثم سيأتي عقبه لحّام الأواني هذا الرجل المسنّ الذي خبر الحياة شرورها وسرورها، لا بد وأن تكون ذاكرته تنضح أفكارا أصيلة من الطراز الرفيع. ومن يدري قد أجدها مخبّأة في مستودع أسرار الحارس الليلي، فهو على مدى اشتغاله بهذه المهنة في أنحاء مختلفة من المدينة، لا محالة أن ذاكرته تعجّ بالأسرار الغريبة وتغلي بالأفكار العجيبة، إنما أنا أحتاج إلى فكرة واحدة فقط لأشرع في البناء، أقصد بناء القصة. فكرة هذا الرجل قد تكون جميلة وجيدة لكن انتزاعها منه أمر صعب للغاية، فهو شخص كتوم كما يعرف عنه، ومن ناحية أخرى سأضطر إلى تأجيل الشروع في العمل حتى يرخي الليل سدوله حيث يظهر كاتم الأسرار وصاحب الأفكار العجيبة. ما علينا سأتسلّح بالصبر ريثما يبزغ هلاله؛ لكن بأية حيلة أستطيع سبر أغوار صندوقه الأسود؟
لندع أمر فتح الصندوق إلى أن يأتي المساء، الآن هذا ابن الجيران قادم من المدرسة:
- السلام عليكم.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
- أراك عدت مبكّرا من المدرسة هذا اليوم؟
- سنتوقف عن الدراسة ثلاثة أيام.
- بسبب غياب الأستاذ؟
- لا بسبب الإضراب.
- في الأسبوع الماضي لاحظتك تسلم كراستك لحارس الحي، أليس كذلك؟
- أجل، إنه يساعدني في تحرير موضوع الإنشاء.
- أيكتب لك الموضوع من ألفه إلى يائه؟
- لا أبدا، يقوم فقط بالتدقيق إن كانت هناك أخطاء إملائية أولغوية، فيرشدني لتفاديها.
- فقط؟
- وأحيانا يغدق عليّ من أفكاره، ما يجعل موضوعي حديث كل زملائي في الفصل.
- عجيب أمره؛ حارس ومدقق لغوي!
- لا غرو في ذلك مادام يحمل شهادة جامعية.
- تعني أنه يدرس في الجامعة؟
- لا بل أقصد أنه يحمل شهادة جامعية عُليا.
- كيف عرفت هذا؟
- ألم تلاحظ أنه كلّما سافر إلى الرباط للاعتصام أمام البرلمان، إلا وعاد بكدمات ورضوض على مستوى الوجه، وأحيانا وبعينين متورمتين؟
قاص من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي