حوار مع المبدعة لهيب عبدالخالق: الشاعرة التي روّضت زمن البرزخ وجعلت من شظايا الحرب أنطولوجيا للوجود

حاورها الشاعر الحسَن الگامَح
المسيرة التأسيسية والأدبية: العطاء المهني والفكري: الهوية والذاكرة: المحور الأول: الرؤية الفنية والمسيرة الإبداعية أرى الكتابة، بصفة عامة، هي “فعلُ مواجهةٍ واسترداد“؛ مواجهة مع الموت الذي ألفناه في السواتر، واسترداد لوطنٍ نَحملهُ في حقائبنا أينما حللنا. الكتابة عندي لم تكن يوماً ترفاً فكرياً، بل كانت ضرورةً وجودية بدأت حين استبدلنا “ثياب الولدنة” بملابس الكاكي، فكانت القصيدة هي “الضماد” الذي يلملم شظايا أرواحنا التي بعثرتها الحروب. بصفتي ابنة “جيل الحرب” (الثمانيني الأول)، فالكتابة هي شهادة حية؛ فنحن لم نكتب عن الحرب من خلف المكاتب، بل كتبناها ونحن “مفرداتها” في خنادق القتال. ومن هنا، تداخلت عندي القصيدة بالمقال السياسي والبحث الميداني؛ فالحرف عندي هو أداة لكشف المسكوت عنه، سواء كان ذلك في تصوير وجع السواتر شعراً، أو في تعرية السياسات التي دمرت الإنسان العراقي في بحوثي ومقالاتي. ولعلَّ تتويج هذه المسيرة الممتدة لأربعة عقود، هو مشروعي النظري الأخير (الازدواج الأنطولوجي للزمن)، وهو كشفٌ فلسفي لم يولد في قاعات الجامعات الموصدة، بل نبتَ من التجربة الحية والوعي الحر الذي صقلتهُ السواتر وهذبهُ التأمل في المنافي. لقد جئتُ إلى الفلسفة من ‘خارج المنظومة التعليمية’، تماماً كما جاء نيتشه وهايدغر من عزلتهم الداخلية؛ لأبني لغة أنطولوجية جديدة لا تستعير مفاهيمها من أحد، بل تُصاغ من الإصغاء الطويل لجرح اللحظة وبرزخ الذاكرة. في هذا المنجز، أطرحُ رؤيةً تخرج بالزمن من كونه خطاً متتابعاً، إلى كونه شبكةً من لحظاتٍ منشطرة بين ‘وجهٍ ظاهر’ و’وجهٍ ظلي’، وبينهما يقوم البرزخ الزمني الذي يولّد طاقة الوجود. هذا الانشطار ليس مجرد فكرة مجردة، بل هو واقع نعيشه؛ فنحن كبشر – وخاصة من مرّوا بتجربة الحرب والشتات – نعيشُ دوماً في ازدواج بين ما نحن عليه وبين ‘كيان موازي’ يرافقنا في الظل. هذا المشروع هو ثمرة تعليمي الذاتي واحتكاكي بالوجود بوصفه حياةً لا مهنة، وهو دعوة لقراءة التاريخ والهوية بوصفهما أشكالاً من الانعكاس، ولنمنح اللغة القدرة على تسمية ما ظلّ طويلاً في الظل. أما رسالتي: فهي “أنسنة التاريخ وتوثيق الجرح“. رسالتي هي ألا تضيع تضحيات جيلٍ كامل، بل أجيال تشظت بين الحروب والمنافي في طيات النسيان، وأن يظل صوت “المهمشين” والسجينات والمهجرين مدوياً. أكتبُ لكي أقول إننا لسنا مجرد “أرقام” في نشرات الأخبار أو “ظلال إشعاعية” في المنافي، بل نحن أصحاب قضية وحضارة. رسالتي هي أن يظل “الوطن” حياً تحت جلودنا، نحميه بالكلمة الصادقة، ونعبر به من ضجيج الرصاص إلى سكون الأطلسي، بل إلى صمت العالم، دون أن نفقد هويتنا الأولى. 2. من أين استمدت تجربة الكتابة لديك، وكيف دخلت بحر الإبداع؟ وما هو أول نص كتبته (أو عمل بارز في بداياتك)؟ استمدت تجربتي مادتها الأولية من “ذاكرةِ الرعشةِ الأولى“؛ ذاكرة السلاح والخوف التي سكنت طفولتي في شوارع بغداد. لقد ولدتُ مع مخاضات العراق الكبرى؛ كنتُ ابنة عامين حين وقع انقلاب 1958، وحملت مخيلتي الصغيرة صور “الحرس القومي” وهم ينتشرون في الأزقة. كبرتُ وأنا أشاهد التاريخ يُكتب بالانقلابات والثورات وسقوط الطائرات، من عهد عبد السلام عارف إلى “الانقلاب الأبيض” عام 1968 وتسلّم البعثيين السلطة. هذه التحولات لم تكن أخباراً في الصحف، بل كانت جروحاً في وعيي شكّلت توجهاتي الفكرية لاحقاً. دخلتُ بحر الإبداع من بوابة ‘المدرسة والمكتبة والوالد’؛ فقد كان والدي (مهندس الكهرباء) يكتب الشعر، ويرى فيّ شيئاً مختلفاً عن أقراني. غرس فيّ حب الاطلاع، ونشأتُ في كنف مكتبة ضخمة وعشقتُ القراءة، والدي كان يمدني بالدعم واليقين. وفي ذلك الوقت، كان البعد القومي هو الأفق الذي نطل منه على العالم، حيث نشأنا بوعيٍ عام يضع القضية الفلسطينية في صلب وجدانه بوصفها ‘قضية العرب الأولى’، مما منحنا إحساساً مبكراً بالمسؤولية تجاه الكلمة. لكن القصيدة عندي، في جوهرها، كانت الوسيلة الوحيدة لفهم هذا الانفجار التاريخي العراقي الذي نعيشه. لقد صقلتني الحروب المتلاحقة؛ من حرب الثمانينات الطويلة، إلى حرب الكويت (1990-1991)، وصولاً إلى “ضربة كلينتون” عام 1998، فالغزو الأمريكي واحتلال العراق عام 2003. كل هذه الحرائق جعلت مني شاهدةً على “تغيرات التاريخ” وجعلت من الكتابة ضرورة للبقاء. ومن بوابة الأدب الواسعة، عبرتُ إلى عالم الصحافة؛ ‘مهنة المتاعب’ تلك التي خضتُ غمارها بقلب شاعرة وعقل باحثة عن الحقيقة والحق. بدأتُ تجربتي في مجلة ‘بابل’ وصحيفة ‘الاتحاد’ العراقية، لكن المحطة الأبرز التي صقلت اسمي ووضعتني على ‘ميدان النار’ كانت عملي كمراسلة في الإعلام الخارجي لمجلة ‘الحوادث’ اللندنية، برئاسة الراحل ملحم كرم. وفي ذلك الوسط الإعلامي والأدبي المتفجر بصراعات الأجيال ومعارك الحداثة في العراق، بدأتُ أخطُّ مسيرتي المهنية وسط أتون الأحداث، ليتعانق عندي وجع القصيدة بصرامة الخبر الصحفي. كانت رحلتي في ‘أرض البراكين والجمر’ عبر مهنة المتاعب، أكثر من مجرد مسار مهني؛ امتدت تجربتي إلى جريدة ‘الجمهورية’ العراقية، التي كانت مدرستي الحقيقية؛ فأنا ابنةُ تلك المدرسة الصحفية المتفردة التي عززت حسي الإنساني وجعلتني على تماسٍ مباشر مع وجع الناس وقضاياهم. وانطلقت بعدها مراسلة لصحف عربية وغربية. وفي هذا المضمار المتفجر بالتنافس مع قامات عراقية وعربية ودولية، كانت الكلمة عندي سلاحاً وطلقة، وقضيةً وحقوقاً، وأحياناً رعشة خوفٍ أصيلة. كان سباق الأخبار يدفعني دوماً نحو المجهول لأقتطف منه فرادة الثمار، وهو ما شذّب لغتي وارتقى بأسلوبي، وجعل لاسمي مكاناً كـ ‘مانشيت’ على الصفحة الأولى، حيث يتعانق هسيس الشعر بصرامة الحدث. لقد صنعت مسيرتي الأدبية والمهنية في ‘أرض الجمر’ قضيتي الكبرى التي سكنت جروح قصائدي؛ فكانت هي الإنسان والوطن، ولم تعد الكلمة مجرد خبرٍ يُنشر، بل أمانةً أرتديها. هذه القضية التي بدأت في الميدان، تحولت لاحقاً إلى جرحٍ حيٍّ يسكنني في مغتربي؛ فالمكانُ تغير، لكنَّ الوطنَ ظلَّ يسكنُ تفاصيلَ يومي في ‘هاليفاكس’، شظيةً لا تهدأ، وجرحاً مفتوحاً يرفضُ الالتئام بعيداً عن ضفافِ الرافدين. أما عن البدايات والنص الأول، فقد كانت قصيدتي “نهرٌ بلا شفتين“ هي الانبثاق الحقيقي لصوتي الشعري، ونُشرت في صحيفة “الجمهورية” العراقية بدعمٍ كريم من الشاعر الكبير الراحل سامي مهدي، الذي كان يرى في جيلنا طرحاً جديداً ومختلفاً، وكان يدعمني بشكل خاص ويؤمن بتميزي. هذا النص كان حجر الزاوية في مجموعتي الأولى ‘انكسارات لطفولة غصن’ (1987)، والتي كانت بمثابة الإعلان الرسمي عن ولادة شاعرةٍ من قلب النار، تحاول ترميم طفولتها التي هشمتها “شظايا” الأحداث المتسارعة. وإذا كان سامي مهدي هو من فتح لي الباب في بداياتي، فإن أستاذي الشاعر الكبير حميد سعيد هو من رافق نضوج تجربتي ودعمني عندما كنت في بلدي العراق، ولم يتوقف عندما هجرتنا الحروب إلى منافينا مغترباتنا، وبخاصة في السنين الأخيرة، فكان وما زال السند الأقوى والمتابع الأمين لتحولاتي. ولا يفوتني أن أذكر بامتنانٍ تلك الكوكبة من النقاد والأدباء العراقيين والعرب الذين واكبوا مسيرتي بالقراءة والدعم، وآمنوا بخصوصية صوتي وما أحمله من إرثٍ وحداثة، فكانوا بمثابة المرآة التي صقلت رؤيتي الإبداعية. 4. أي صنف من الكتابة تجدين فيه ذاتك أكثر حين تكتب (شعر، نقد، رواية، إلخ)، ولماذا؟ أجد ذاتي في “الكلمة“ أياً كان القالب الذي ترتديه؛ فذاتي ليست حبيسة جنس أدبي واحد، بل تتوزع بوعيٍ وتكامل بين القصيدة، والبحث، والمقال السياسي، والترجمة. الشعر هو رئتي الأولى؛ به أتنفس الوجع الإنساني وأرمم انكسارات الروح. أما البحوث، فهي المسار الذي يمنح تجربتي عمقها الاستراتيجي؛ فقد خضتُ على مدى مسيرتي في بحوثٍ أدبية، وثقافية، وإعلامية، وفكرية، وسياسية. هذا التعدد البحثي هو الذي يوسع مدارك الكاتب، ويجعله يغوص في “جذور” الظواهر لا في قشورها، وهو المختبر الحقيقي الذي صقل أدواتي الفكرية ومنحني القدرة على استنطاق المنهج في كل ما أكتب. أما الكتابة السياسية فهي ليست مجرد انشغال عابر، بل هي نتاج طبيعي لعملي في القسم الدولي والسياسي على مدى 40 عاماً. هذه العقود الأربعة في مطبخ الأحداث العالمية شكلت لديّ رؤيةً ثاقبة وقدرةً على التحليل العميق؛ فالحرف عندي هو أداة “لاشتباك” حقيقي مع قضايا الإنسان والوطن، وهو المختبر الذي يوسع مدارك الكاتب ويمنحه القدرة على رؤية ما وراء الأحداث الظاهرة. ولقد منحتني الترجمة أيضاً أفقاً كونياً؛ فهي حوار حضارات جعلني أطلّ على تجارب إنسانية مغايرة، مما شذب لغتي وفتح لي أبواباً جديدة للتفكير. هذه المسارات المتداخلة لم تكن لتشتتني، بل كانت الروافد التي قادتني إلى نضوجي الفكري الكلي؛ فالباحثة فيّ كانت تمدّ الشاعرة بالعمق، والشاعرة كانت تمنح الباحثة روحاً ورؤية. ومن هذا التمازج بين “خيال القصيدة” و”صرامة البحث”، ولدت نظريتي الأخيرة (الازدواج الأنطولوجي للزمن)؛ فهي الثمرة الكبرى والنتيجة الطبيعية لرحلة استمرت 4 عقود بين الوجع الميداني والتأمل الفلسفي، ولكنني مازلت مستمرة. باختصار، أنا أجد نفسي في “الكتابة العابرة للأجناس”؛ تلك التي تبحث عن الحقيقة في السياسة، وعن الجمال في الشعر، وعن الجوهر في الفلسفة. 4.ماذا حققت المبدعة لهيب عبد الخالق في مجال الكتابة بحكم ارتباطك العميق بها؟ ارتباطي العميق بالكتابة لأكثر من أربعين عاماً أثمر عن مسيرة إبداعية ومهنية نضجت على نار هادئة وسط الحروب والمنافي، وحققتُ من خلالها حضوراً أدبياً واسعاً تجلّى في تنوعِ نتاجي بين شعر التفعيلة وقصيدة النثر، وبين مقالات النقد وترجمات الأدب وبحوثه وفي صياغة موقفٍ فكري لا يساوم. أولاً: على المستوى الشعري (بناء الذاكرة): أصدرتُ ست مجموعات شعرية، هي بمثابة محطات في سيرة الروح والوطن: وهناك مجموعات قيد الطبع لعام 2026 مثل “هذا النهر لي“ و “حقائب من طين“، وهي استكمال لرحلة استرداد الهوية بالكلمة. ثانياً: تجربة “التغريب المزدوج” (شاعرة الغربة): ما حققتهُ يتجاوز صفة “شاعرة الوطن” إلى آفاق “شاعرة الغربة” ؛ فقد عشتُ تجربة الاغتراب مرتين، وهو ما أسميه “التغريب المزدوج”. قضيتُ 20 عاماً من مسيرتي في الإمارات (دبي وأبوظبي)، والآن أتممتُ عامي السابع في مغتربي الثاني بكندا. هذه الرحلة الطويلة بين جغرافيا الشرق الدافئ وبرودة الشمال الكندي، جعلت من قصيدتي مختبراً لمشاعر الفقد والبحث عن الذات، وحولتني من شاعرة قضايا محلية إلى صوتٍ إنساني يعبر عن “شتات الهوية” في عالمٍ متشظٍ. ثالثاً: على المستوى الفكري والسياسي: حققتُ حضوراً وازناً من خلال كتابين سياسيين يوثقان مخاضات الواقع العراقي وعشرات المقالات المنشورة، وصولاً إلى منجزي الأهم في الأفق الفلسفي والنظري عبر كتابي الأخير الذي يطرح مقاربات فلسفية وجمالية وتطبيقاتها على الأدب والفن. هذا التحول من “القصيدة” إلى “النظرية الفكرية” هو ما حققتهُ كباحثة تسعى لبناء لغة أنطولوجية جديدة تفسر علاقتنا بالزمن والوجود. رابعاً: الأثر الإنساني والاعتراف العالمي: توجتُ هذه الرحلة بحصولي على العديد من الجوائز الثقافية والتكريمات الرفيعة وشهادات التقدير، بصفَتي الأدبية والمهنية، سواء في وطني العراق أو في عواصم عربية احتفت بتجربتي. ولم تكن هذه التكريمات إلا محطاتٍ عززت إصراري، وصولاً إلى المحطة الأبرز حيث أصبحت تجربتي الإنسانية والإبداعية اليوم مَحفوظة في متحف الهجرة الكندي (Pier 21) كشهادة حية. ما حققتهُ ليس مجرد ‘شهرة’، بل هو تحويل الوجع الشخصي والجمعي إلى وثيقة تاريخية عصية على المحو، توازن بين عراقة الجذور وانفتاح الحداثة في عالم المنافي. ما حققتهُ أيضاً هو إثباتُ جدارة “المرأة المثقفة” في ميادين كانت حكراً على الرجال؛ فقد خضتُ حروباً فكرية ومهنية في عالمٍ يتسيده الرجال، من سواتر القتال التي غطيتها صحفياً، إلى دهاليز السياسة الدولية، وصولاً إلى مقارعة الفكر الفلسفي. لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، بل كان انتزاعاً يومياً للاعتراف، وقدرةً على صياغة لغةٍ أنثوية صلبة لا تهادن، تجمع بين رقة الشعور وجسارة الموقف، لتثبت أنَّ الكلمة لا تُقاس بجنس قائلها، بل بعمق أثرها وحرارة صدقها. باختصار: حققتُ ذاتي ككاتبة “عابرة للأجناس”، استطاعت أن تجعل من اسمها “مانشيتاً” في الصحافة، و”أيقونة” في الشعر، و”صوتاً حراً” في الفلسفة. المحور الثاني: العملية الإبداعية وتحدياتها 5.ما هي أبرز التحديات التي تواجهك كمبدعة في صنف الكتابة الذي تمارسيه (شعر، نقد، رواية)؟ وكيف تتعامل مع “حصار الكلمات” أو “جفاف الإلهام”؟ التحديات التي تواجهني ليست مجرد عوائق تقنية، بل هي وجودية بامتياز، تتلخص في صراعاتٍ متداخلة خضتها على جبهاتٍ عدة: أولاً: أمانة “الشهادة” (المشي على حافة السكين): أكبر تحدٍ يواجهني هو الحفاظ على رهافة القصيدة بينما أعيش في أتون الخبر الصحفي الصارم. وفي هذا الصراع، أجدُ نفسي أحياناً تحت وطأة مشاعرٍ تغمرني حدَّ الذهول، أو لحظات وهنٍ إنسانيٍّ تجعلُ القصيدةَ تتمردُ عليّ ولا تطاوعني كما أريد؛ فالحزنُ حين يفيضُ عن حاجةِ اللغة، قد يكسرُ ميزانَ التعبير. ومن هنا ينبعُ التحدي الأكبر في ممارسةِ الكتابة كفعلِ توازنٍ مستحيل: كيف أكتبُ شعراً لا يسقط في فخ التقريرية المباشرة رغم أن مادتي الخام هي “الجمر والبارود”؟ وكيف أجعل من “الشظية” استعارة جمالية دون أن أجرح قدسية الضحية؟ هذا التوازن بين صرامة التحليل السياسي وسيولة الخيال الشعري هو فعلُ موازنةٍ شاق أمارسه يومياً. ثانياً: معركة الاعتراف و”تغول” المركزية الذكورية: واجهتُ تحدياً كبيراً في انتزاع الاعتراف بمنجز “المرأة المثقفة” وسط مناخٍ حداثوي يتسيده الرجال؛ فكان عليَّ إثبات جدارتي كصحفية قادرة على صياغة مقال سياسي استراتيجي وتحليلي بأسلوبٍ مميز ومختلف، يكسر النمط السائد ويفرض احترامه على الجميع. يضاف إلى ذلك تحدي “احتكار منافذ النشر“ والبحث عن فضاءٍ حر لنشر نتاجي الفكري والأدبي بعيداً عن الشللية والقيود التي تزداد صعوبةً أمام المرأة المستقلة. ثالثاً: صراع “قصيدة النثر” والتحرر من النمطية: عشتُ صراعاً داخلياً مريراً عند انتقالي من “التفعيلة” إلى “النثر”؛ بسبب تلك التهمة الجائرة بأن الشاعرات يلجأن للنثر لعجزهن عن العروض. لقد كان عليَّ مواجهة هذا الإجحاف بإثبات أنَّ صياغة المقطع النثري المكثف أصعبُ بكثير من الموزون، لأنه يفتقر لـ “عكازة” الإيقاع الخارجي ويحتاج لهندسة روحية خاصة، وهو ما جعلني أمارس هذا التحول كفعلِ ثورةٍ لا هروب. رابعاً: “حصار الكلمات” وتحدي المنافي: أنا لا أؤمن بـ “جفاف الإلهام” كفكرة رومانسية، بل أعيشه كـ “حصار” وذهول أمام فظاعة الانهيارات في أوطاننا، حيث يصبح الصمت أحياناً هو النص البديل. وفي “هاليفاكس” مدينتي الأطلسية الكندية ، أواجه تحدي “اللغة المغتربة” والعزلة اللغوية، لكنني أكسر هذا الحصار بالنكوص إلى “البحث الفلسفي والفكري” وبالترجمة، لفتح مسارات حوارية تجدد دماء لغتي العربية. كيف أتعامل مع هذا الحصار؟ أكسره بـ “الطقس اليومي”؛ فالكتابة عندي فعل إرادة وليست انتظاراً للمصادفة. أنا أؤمن أنَّ الكتابة “جنسٌ واحد” يتعدد بتعدد أدواتنا، والهروب الواعي من جنسٍ أدبي إلى آخر هو وسيلتي المثلى للبقاء في حالة تدفق دائم؛ فإذا جفَّ بئرُ الشعر، حفرتُ في بئر الفلسفة أو السياسة، أو الأنواع الأدبية الأخرى، ليغذي كلُّ منهم الآخر في نضوجٍ فكريٍّ متصل. 6.هل للبيئة الجغرافية أو الثقافية تأثير على أعمالك؟ وكيف ينعكس ذلك في نصوصك؟ البيئة بالنسبة لي ليست مجرد “مكان”، بل هي “مختبرٌ للهوية“؛ وجغرافيّتي الشخصية هي خريطة متشعبة من الترحال القسري والمهني، تركت بصماتها العميقة في كل نص أكتبه. فالعراق كان ومايزال الانتماء الأول والوعيُ بالجمر، فقد نشأتُ في العراق وعشتُ فيه حتى عام 1999؛ هناك تشكل وعيي الأول على رائحة البارود وصخب التاريخ. العراق منحني “اللغة الأم” والذاكرة الجريحة، وهو البيئة التي علمتني أن الكلمة قضية ومصير. نصوصي الأولى كانت ابنة تلك الأرض، مثقلة بوجع الرافدين وميراث حضاراته، وانكسارات الحروب المتلاحقة. وأضاف انتقالي للعيش في الإمارات لمدة 20 عاماً (دبي وأبوظبي) لشخصيتي بعداً مهنياً وحداثوياً مختلفاً. هناك عشتُ طفرة النمو العربي وانفتحتُ على مشهد ثقافي عالمي حيوي، مما شذّب أدواتي الصحفية ومنح قصيدتي نفساً أكثر هدوءاً وتأملاً في صراع الحداثة والأصالة. أما الملاذ الآمن وحماية الكلمة فكانت كندا، فعام 2019 كان المنعطف الأكبر، حين انتقلتُ لكندا كلاجئة سياسية تحت حماية الأمم المتحدة بصفتي “كاتبة سياسية”. كندا لم تكن مجرد جغرافيا جديدة، بل كانت “مظلة أمان” منحتني وعائلتي الحماية التي فقدناها. في “هاليفاكس”، بدأت لغتي تأخذ بُعداً “أنطولوجياً”؛ حيث البرد والعزلة اللغوية دفعاني للحفر في أعماق الذات والوجود، وهذا ما تجلى بوضوح في نظريتي الفلسفية الأخيرة. وقد جعلتني طبيعة مهنتي كمراسلة دولية، ومشاركاتي الأدبية الواسعة كشاعرة في مهرجانات شعرية عربية ودولية، “جوالةً” في القارات؛ من كوريا الجنوبية إلى الولايات المتحدة، ومن قلب الحروب إلى منصات المهرجانات العالمية. هذا الاحتكاك المباشر بثقافات مغايرة وسع مداركي وجعل نتاجي الأدبي والفكري عابراً للمحلية. إن تغطيتي للحروب لم تكن مجرد مهمة صحفية، بل كانت “معمودية نار” صهرت فكري وجعلتني أكتبُ بإحساس مَن رأى الموت والحياة ، والجمال والقبح، وجهاً لوجه. والوقوف على منابر الشعر في عواصم مختلفة جعل قصيدتي تتنفس هواءً كونياً، وتستوعبُ إيقاعات إنسانية متنوعة، فانعكس ذلك نضجاً في رؤيتي الفلسفية والأدبية. كل هذه البيئات تنعكس في نصوصي كـ “طبقات زمنية”؛ تجد في شعري صرامة الباحث الذي جاب العالم، وحنين الشاعرة التي فقدت وطنها الأول، وجسارة الكاتبة التي انتزعت حقها في الحماية لتواصل رسالتها. جغرافيتي هي “الكلمة”، وهي الوطن الوحيد الذي لا يحتاج لتأشيرة دخول. 7.كيف ترين العلاقة بين القراءة والكتابة في مسيرة المبدع ؟ وما هو الدور الذي تلعبه القراءة في تشكيل تجربتك الإبداعية؟ العلاقة بين القراءة والكتابة بالنسبة لي هي علاقة “شهيق وزفير”؛ فلا كتابة حقيقية دون قراءة عميقة، مستمرة، ومنفتحة على كل حقول المعرفة. القراءة هي التي تمنح الكتابة مشروعيتها، وهي المختبر الذي يُصقل فيه وعي المبدع قبل أن يخط حرفاً واحداً. أنا أؤمن تماماً أنَّ البحث والقراءة هما المحركان الأساسيان لتوسيع مدارك الكاتب وتعميق تجربته. القراءة هي التي تمنحني الأدوات لتفكيك الظواهر؛ فحين أقرأ في الأدب أو التراث الحضاري والميثولوجيا، أو السياسة أو التاريخ أو الفلسفة، أو حتى العلوم، فأنا لا أجمع معلومات فحسب، بل أبني “رؤية عالمية” تمكنني من استنطاق المنهج في كل ما أكتب. القارئ الجيد هو وحده الكاتب القادر على الحفر في “جذور” الأشياء بدلاً من الطفو على قشورها. تجربتي الإبداعية لم تشكلها دواوين الشعر فحسب، بل شكلتها قراءاتي المتشعبة في الفلسفة، وعلم الاجتماع، والتحليلات الاستراتيجية، والترجمات العالمية. هذا التعدد المعرفي هو الذي جعلني أتجاوز “الأجناس الأدبية” الضيقة؛ واطلاعي على الفكر العالمي، ومقارباتي الفلسفية والجمالية، هي التي مهدت الطريق لولادة نظريتي “الازدواج الأنطولوجي للزمن “. ولولا القراءة العميقة في بنية الوجود والزمن والأسطورة والتاريخ وكل ما وقع تحت يدي، لما استطعتُ أن أحول الوجع الإنساني والمنافي إلى منجزٍ فكري نظري وتطبيقات إبداعية. القراءة بالنسبة لي حوار كون، فبحكم عملي السابق كمترجمة في منظمة دولية، وفي اطار عملي الصحفي، ومشاركاتي الدولية، كانت القراءة باللغات الأخرى أو الاطلاع على الآداب العالمية بمثابة “نافذة” أطللتُ منها على تجارب إنسانية مغايرة. هذا الحوار مع “الآخر” شذب لغتي وجعلها تتنفس هواءً كونياً، وحمى قصيدتي من الانحباس في المحلية الضيقة. الكتابة هي الثمرة، لكن القراءة هي الجذور التي تمتد في أعماق التربة الإنسانية، هي التي جعلتني لا أكتفي بكوني “شاعرة عاطفة”، بل “شاعرة مفكرة” تزاوج بين خيال القصيدة وصرامة البحث. إنني أقرأ لأعرف أين أقف، وأكتب لأعرف مَن أكون. المحور الثالث: قضايا أدبية عامة 8.كيف ترين تجربة الكتابة في العالم العربي ،اليوم، وما هي أبرز التحديات والفرص التي تواجهها؟ أرى تجربة الكتابة في العالم العربي اليوم تمرُّ بمرحلة “مخاضٍ قلق”؛ فهي تقف بين إرثٍ ثقيل ومستقبلٍ غامض، وبين سطوة التكنولوجيا وانحسار المؤسسات التقليدية. ولأوجز: أولاً: أبرز التحديات (معارك الكلمة): ثانياً: الفرص المتاحة (منافذ الضوء): التحدي الأكبر إذن هو كيف نحافظ على “استقلالية المبدع” وسط تجاذبات السياسة واحتكار منافذ النشر. الكتابة في العالم العربي اليوم بحاجة إلى “ثورة في النقد” توازي الثورة في النص، وبحاجة إلى شجاعة في طرح الأسئلة الوجودية الكبرى دون خوف. نحن نكتب في “زمن التشظي”، لكنَّ هذا التشظي هو ذاته الذي قد يمنحنا أجمل المرايا إذا أحسنّا جمع قطعها. 9.ما رأيك في الكتابات النسوية في العالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب حضور الكتابة النسوية من خلال الإصدارات السنوية المتزايدة وحضورها كل المجالات الإبداعية؟ أرى أنَّ “الكتابة النسوية” في العالم العربي اليوم تعيش فورةً كميّة هائلة، لكنها لا تزال تواجه تحديات نوعية تتعلق بالهوية والاعتراف والتحرر من الأطر التقليدية. فهناك الحضور الكمّي مقابل العمق النوعي، إذ لا يمكن إنكار التزايد المستمر في الإصدارات النسوية سنوياً، وهو مؤشر إيجابي على كسر حاجز الصمت واقتحام المرأة لكل المجالات الإبداعية (شعر، رواية، نقد، وفلسفة). لكنَّ التحدي يكمن في أنَّ جزءاً من هذه الكتابات لا يزال يدور في فلك “المظلومية” أو “البكائية”، بينما نحتاج إلى كتابة نسوية معرفية تطرح أسئلة وجودية وفلسفية كبرى، وتنافس في “منطقة الفكر” لا في منطقة العاطفة فحسب. ورغم أنني لا أُفضل شخصياً تصنيف ‘كتابة نسوية’ كإطارٍ ضيق، إلا أن التحدي اليوم يكمن في الانتقال من ‘منطقة العاطفة’ إلى ‘منطقة الفكر’؛ فنحن نحتاج إلى كتابة معرفية تطرح أسئلة وجودية وفلسفية كبرى، وتنافس في ‘منطقة الفكر’ لا في منطقة العاطفة فحسب فالكتابة النسوية اليوم لم تعد “ملحقاً” بالأدب الذي يكتبه الرجال، بل أصبحت شريكاً مضارباً في صياغة المشهد. نحن نرى حضوراً طاغياً للمرأة في الرواية العربية المعاصرة وفي قصيدة النثر تحديداً. ومع ذلك، لا يزال ترتيب هذا الحضور يعاني من “التصنيف الضيق”؛ فالنقاد (وغالبيتهم من الرجال) يميلون أحياناً لوضع منجز المرأة في خانة “أدب البوح” أو “الأدب النسائي”، وهو تصنيف قاصر يتجاهل القيمة الإبداعية المجردة للنص. ومن خلال تجربتي، أرى أنَّ أرقى أنواع الكتابة النسوية هي التي لا تستجدي الاعتراف، بل تفرضه بقوة المنجز. عندما كتبتُ في الاستراتيجية السياسية والتحليل الفلسفي، كان هدفي كسر “الصورة النمطية” التي تحصر المرأة في مواضيع محددة. الحضور الحقيقي للمرأة المبدعة اليوم يتمثل في قدرتها على صياغة رؤية للعالم، وليس فقط رؤية للذات الجريحة. لكن هناك خطر يواجه الكتابة النسوية وهو “التسليع”؛ حيث تفرز دور النشر أحياناً أصواتاً نسوية لأنها “تبيع” أو لأنها تداعب ذائقة معينة، وهذا يظلم الكاتبات الرصينات والمفكرات اللواتي يقدمن منجزاً يتطلب جهداً في القراءة والتحليل. الكتابة النسوية العربية اليوم في “مرحلة الانتشار”، والمأمول هو الانتقال الكامل إلى “مرحلة التأثير البنيوي” في الفكر العربي. نحن بحاجة إلى كاتبات يقتحمن حصون الفلسفة والنقد الاستراتيجي بجرأة، ليرسخن حقيقة أنَّ العقل والإبداع لا جندر لهما، وأنَّ “أنوثة النص” هي قوة جمالية مضافة وليست عائقاً أمام الحداثة. 10.مع تطور التكنولوجيا، هل تعتقدين أننا قد نستغني يوماً عن الكتابة كوسيلة للتعبير أو التوثيق؟ وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر على مستقبل الكتابة الإبداعية؟ أرى أنَّ التكنولوجيا ليست “بديلاً” عن الكائن البشري، بل هي “مرآةٌ تقنية” تعكس قدراتنا وتضخمها، لكنها تفتقر دائماً إلى “الشرارة الأولى” التي تمنح النص حياته. هل نستغني عن الكتابة؟ الكتابة ليست مجرد وسيلة للتوثيق يمكن استبدالها بذاكرة رقمية، بل هي “فعلُ وجود”. إنها الطريقة التي يفهم بها الإنسان ذاته والعالم من حوله. قد تتغير “أدوات” الكتابة (من الريشة إلى لوحة المفاتيح إلى الأوامر الصوتية)، لكنَّ “الحاجة” للكتابة كفعل تأملي وتفكيري لن تزول؛ لأنَّ الحرف هو الوسيط الوحيد الذي يسمح لنا بـ “إيقاف الزمن” وتفكيكه، وهذا ما أشرتُ إليه في بحثي حول “الازدواج الأنطولوجي للزمن”. الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإبداع: الذكاء الاصطناعي اليوم يمتلك قدرة هائلة على المحاكاة، التجميع، واشتقاق الأنماط، لكنه يفتقد لـ “المرجعية الشعورية” و”التجربة الوجودية”. الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يكتب قصيدة موزونة، لكنه لا يمكنه أن يشعر بـ “مرارة النزوح” أو “نشوة الكشف الإبداعي” التي يشعر بها الشاعر. هو يعالج “بيانات”، بينما نحن نعالج “حياة”. التكنولوجيا كـ “أداة” لا كـ “سارق للروح: لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسرق “روح” الشاعر، إلا إذا تخلى الشاعرُ عن روحه وقبل بالنمطية. التحدي الحقيقي أمام المبدع اليوم هو أن يتفوق على الآلة بـ “الخصوصية الإبداعية“ و”الانزياحات اللغوية” غير المتوقعة. بالنسبة لي، أرى في التكنولوجيا وسيلةً لانتشار الفكر وتجاوز الحدود الجغرافية، لكنني أظل متمسكةً بأنَّ الإبداع الحقيقي هو “فعلُ حرية” نابع من وعي إنساني معقد لا يمكن برمجته. المستقبل يتجه نحو “تكاملٍ قلق” بين الإنسان والآلة. الذكاء الاصطناعي قد يساعدنا في البحث، في تنظيم البيانات، وحتى في اقتراح القوافي، لكنه سيبقى عاجزاً عن ابتكار “المعنى”؛ فالمعنى هو اختصاصٌ بشري خالص، والقصيدة ستظل هي الحصن الأخير الذي لا يمكن للآلة اقتحامه، لأنها ابنة المعاناة واللحظة التي لا تتكرر. المحور الرابع: رؤي شخصية ومستقبلية 11.ما الكتاب الذي أثر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرتك؟ لا يمكنني حصر تجربتي في كتابٍ واحد؛ فأنا ابنة ‘القراءات المفتوحة’ التي لا تحدها جغرافيا ولا يقيدها زمن. مسيرتي هي ثمرة تلاقحٍ معرفي وحضاري بدأ من الحجر الأول والكتابة الأولى. فبحكم عملي في المكتب الإعلامي للمؤسسة العامة للآثار ومرافقتي لبعثات التنقيب، لم تكن ‘الميثولوجيا’ بالنسبة لي نصوصاً صامتة، بل كانت كائناتٍ حية أراها تخرج من تراب العراق. لقد تشكل وجداني بدءاً من الملاحم السومرية والبابلية كجذورٍ أولى للوعي الكوني، مروراً بالموروث المصري والفينيقي، وصولاً إلى أمهات الملاحم والترجمات الفلسفية والأدبية للمنجز الثقافي العالمي، شرقاً وغرباً. هذا المزيج من ‘طين العراق’ ومنجز الحداثة العالمية هو الذي حفر في كينونتي، وجعل من كتاباتي—سواء كانت شعراً أو نثراً أو بحثاً فلسفياً—خلاصةً لرحلةٍ معرفيةٍ وميدانيةٍ شاملة لا يقيدها غلاف كتابٍ واحد. وفي مدار الروح، نهلتُ من إشراقات ابن عربي، والنفري، والغزالي، وفلسفة ابن سبعين، والفلاسفة العرب على تنوعهم، والمستشرقين. ومن هذا الإرث الصوفي، انتقلتُ إلى عمق الفلسفة الشرقية؛ فأنا أينما حللتُ، كنتُ أقتفي أثر الإنسان في معابدهِ وكنائسهِ ومساجدهِ؛ فكان لزيارتي لمدرسته ومعبد ‘كونفوشيوس’ في كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، أثرٌ بالغ في فهمي للفلسفة الصينية وتحديداً كتاب ‘إي تشينج’ (كتاب التغييرات)، بالإضافة إلى روائع الأدب الياباني وكنوز الهند في ‘الرامايانا والفيدا’، والموروث الديني العالمي على تنوعه. هذا المزيج منحني القدرة على رؤية ‘الوحدة الإنسانية’ خلف تعدد الثقافات. أضف إلى ذلك أنا مغرمة بالشعر في كل تجلياته؛ من جموح امرئ القيس وشجن ديك الجن، وصولاً إلى كلاسيكيات الأدب العربي والعالمي. مسرحيات شكسبير وسونيتاته، وطاغور بإنسانيته، وإليوت بتحديثه، ويسينين برهافته..وغيرهم، كل هؤلاء شكلوا ذائقتي الموسيقية والشعرية، وجعلوني أؤمن أنَّ الشعر هو اللغة الكونية الموحدة. ولم تبتعد ذائقتي عن الرواية المعاصرة، فقرأتُ كل ما توفر من ترجمات لأدباء أمريكا وأوروبا وآسيا. كما وجدتُ في “روايات الخيال العلمي” فضاءً رحباً يغذي فضولي الفكري حول المستقبل وعلاقة الإنسان بالآلة والكون، وهو ما يكمل اهتمامي بالعلوم والفيزياء. أنا نتاجُ هذا “الضجيج المعرفي” الجميل؛ فكل موقع أثري وقفتُ عليه، وكل فيلسوف حاورتُ نصوصه، وكل شاعر استلهمتُ إيقاعه، تركوا في قلبي بصمةً جعلت من كتابتي فسيفساء معقدة من الرموز والرؤى. أنا لا أكتب من فراغ، بل أكتبُ بمدادِ حضاراتٍ بأكملها سكنت ذاكرتي. 12. ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبيه ولم تتح لك الفرصة لكتابته بعد؟ الكتاب الذي يسكنني، والحلم الذي لا يزال ينتظر لحظة “الانفجار” على الورق، هو مؤلفٌ ضخم يوثق “سيرة الجيل الثمانيني في العراق“؛ ذلك الجيل الذي أسميه “جيل الحرب والجمال المستحيل”. لماذا هذا الكتاب؟ هذا الكتاب هو “مشروعي المؤجل” الذي يختمر في ذاكرتي. إنه محاولة لرد الاعتبار لجيلٍ سُرق منه شبابه في السواتر، لكنه استطاع أن يحول “البارود” إلى “قصائد” خالدة. أحلم أن يكون هذا الكتاب مرجعاً أنطولوجياً وإنسانياً يقرأه العالم ليفهم عمق المأساة والإبداع العراقي في آن واحد. 13.كيف ترى الإنسانة لهيب عبد الخالق المبدعة لهيب عبدالخالق ؟ (سؤال للذات والتأمل) أرى لهيب عبد الخالق ككيانٍ لا ينفصل، لكنه يتنفس برئتين: واحدة تطحنها تفاصيل الحياة اليومية وقلق الغربة، وأخرى تحلق في فضاءات الفلسفة والجمال. الإنسانة في عيني المبدعة: أرى في “لهيب الإنسانة” كائناً صبوراً وقلقاً في آن واحد؛ هي تلك المرأة التي لم تكسرها الحروب ولا المنافي، بل صهرتها. الإنسانة عندي هي “المستودع” الذي يخزن الوجع، والذاكرة، وتفاصيل النخيل العراقي، وبرد “هاليفاكس”. هي الأم والجدة واللاجئة التي انتزعت حقها في الوجود والأمان. المبدعة تنظر للإنسانة بامتنان؛ لأنها لولا تلك “الندوب” التي يحملها جسدها وروحها، لما وجدت المبدعة حبراً تكتب به. المبدعة في عيني الإنسانة: أما الإنسانة، فترى في “المبدعة” صمام الأمان والمنقذ؛ هي تلك القوة التي تحول الخراب إلى قصيدة، والضياع إلى نظرية فلسفية. المبدعة هي التي منحت الإنسانة “هويةً” تتجاوز جوازات السفر والحدود؛ ففي اللحظة التي كانت فيها الإنسانة “غريبة” في المنافي، كانت المبدعة “وطناً” يسكنه القراء والمثقفون. المبدعة هي التي جعلت من اسمي علامةً مسجلة في عالم الفكر والسياسة والشعر، وهي التي منحتني القدرة على “هزيمة الزمن” بالكلمة. في المحصلة، أنا أرى نفسي “مشروعاً إبداعياً مفتوحاً” لا يكتمل. أرى امرأةً شجاعة آمنت بأنَّ الكلمة هي أصل الوجود، وأنَّ دورها ليس فقط كتابة الشعر، بل “صناعة المعنى” في زمن التشظي. أنا “لهيب” التي تحمل في حقيبتها “سيزيف” وتصعد تلة الركام كل يوم، ليس عجزاً، بل إصراراً على أن يكون لهذا الصعود “إيقاعٌ شعري” و”منطقٌ فلسفي”. أنا باختصار: ذاكرة رافدينية، وعقلٌ كوني، وروحٌ لا تتوقف عن البحث عن النور وسط العتمة. 14.ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب (ة) ، وهل ترينها مقياساً حقيقياً للنجاح الإبداعي؟ الجواب: الجوائز الأدبية في جوهرها هي “منصة ضوء“ وليست “صك غفران” إبداعياً؛ فهي تلعب دوراً مزدوجاً في حياة الكاتب، بين الدفع المعنوي والمادي، وبين خطر التدجين والنمطية. لا ننكر أنَّ الجائزة تمنح الكاتب نوعاً من “الانتشار السريع”؛ فهي تسلط الأضواء على منجزه، وتدفع دور النشر والمترجمين للاهتمام بعمله، مما يختصر عليه سنوات من البحث عن “منفذ” للوصول إلى جمهور أوسع. كما أنها في عالمنا العربي (الذي يعاني فيه المبدع من اختلال الحقوق المادية) تمثل نوعاً من “الدعم المالي” الذي قد يتيح له تفرغاً مؤقتاً لمواصلة مشروعه الفكري. هل هي مقياس حقيقي للنجاح؟ بصراحة، ليست بالضرورة. فالتاريخ الأدبي يعلمنا أنَّ أعظم النصوص التي غيرت مجرى الفكر الإنساني لم تنل جوائز في زمنها، بل إنَّ بعضها قوبل بالرفض. الجائزة غالباً ما تخضع لـ “ذائقة لجنة” محددة، أو لمعايير قد تتدخل فيها أحياناً التوازنات الجغرافية أو السياسية أو “موضات” النشر. لذا، النجاح الحقيقي عندي لا يقاس بـ “درع” يوضع على الرف، بل بمدى قدرة النص على “مقاومة الزمن” واستمرارية تأثيره في وجدان القراء لسنوات طويلة بعد صدوره. لكن أكبر تحدٍ يواجه المبدع هو أن يسقط في فخ “التفصيل على مقاس الجائزة”؛ أي أن يكتب وفق شروط ومواضيع تستهوي لجان التحكيم. هذا النوع من الكتابة يقتل “الابتكار” ويجعل النص باهتاً وفاقداً للروح المغامرة. المبدع الحقيقي هو من يكتب نصاً صادقاً وجريئاً، فإن جاءت الجائزة فهي “تحصيل حاصل” واحتفاء جميل، وإن لم تأتِ، يظل النص شامخاً بقيمته الذاتية. الجوائز برأيي هي “محطات استراحة” وتكريم في مسيرة الكاتب، لكنها أبداً ليست “الغاية القصوى”. النجاح الحقيقي هو أن تكتشف أنَّ فكرك قد غير حياة إنسان، أو أنَّ نظريتك الفلسفية قد فتحت آفاقاً جديدة للبحث، أو أنَّ قصيدتك أصبحت “ملاذاً” لروح متعبة. الجائزة الحقيقية هي “البقاء“ في ذاكرة الإنسانية. 15.ما هي مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي؟ مشاريعي القادمة هي امتدادٌ لورشة عملٍ لا تهدأ، فأنا أسابق الزمن في تجاعيده الوفيرة، وأحاول من خلالها رصف جسورٍ جديدة بين الذات، الذاكرة، والكون. وإلى جانب مجموعتيّ “هذا النهر لي” و “حقائب من طين” اللتين هما قيد الطبع، تتشكل ملامح مستقبلي الإبداعي في المسارات التالية: أولاً: في المسار الشعري والنثري: أعكفُ حالياً على وضع اللمسات الأخيرة لمجموعتين نثريتين جديدتين هما: “سماء تخرج من فمي“ و “الجهة الأخرى من الوقت“ . في هاتين المجموعتين، أواصل الحفر في مفهوم “الزمن” الذي يسكنني، محاولةً تطويع اللغة النثرية لتعبر عن انزياحات الروح وتجلياتها في المنافي والوجود. ثانياً: في المسار النقدي (دينُ الوفاء والجمال): لديّ مشروع نقدي ضخم أعتز به كثيراً، وهو كتاب يتناول تجربة أستاذي الشاعر الكبير حميد سعيد؛ بعنوان: “حميد سعيد: الشعر بوصفه زمنًا منشطرًا – قراءة في اللغة والذاكرة والرمز (2026) “. أقدم من خلاله قراءة تحليلية لست مجموعات شعرية، محاولةً تفكيك شيفرات الزمن والرمز في تجربته الفذة التي شكلت جزءاً من وعيي الموسيقي والشعري. ثالثاً: في المسار البحثي والأنثروبولوجي (حوار الحضارات): مشروعي الأحب إلى قلبي حالياً هو بحثٌ مقارن بعنوان: “الميثولوجيا في شعر الشعوب الأصلية في كندا: حين تمشي الأرواح في غابةٍ، ويستيقظ الطين في سومر” . هذا البحث هو ثمرة وجودي في كندا واحتكاكي بإرث سكانها الأصليين؛ حيث أحاول عقد مقاربة روحية وفلسفية بين ميثولوجيا الغابات الكندية وعمق الطين السومري في العراق، وهو المشروع الذي بدأتُ بنشر ملامحه الأولى في “مدارات”. مشاريعي هي محاولة لجمع “شظاياي” الموزعة بين الشرق والغرب. أنا أكتب لأثبت أنَّ الإنسان، مهما ابتعد عن أرضه الأولى، يظل يحمل “جيناته الحضارية” في لغته، وأنَّ الإبداع الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجمع بين “أرواح الغابات” و”طين الرافدين” في نصٍ كوني واحد. ورقة تعريفية بالمبدعة لهيب عبد الخالق لهيب عبدالخالق رشيد السامرائي عراقية تقيم في كندا، تحمل الجنسينتين العراقية والكندية تحت الطبع: -هذا النهر لي، مجموعة شعرية، 2026 – حقائب من طين، مجموعة شعرية، 2026 – حميد سعيد: الشعر بوصفه زمنًا منشطرًا- قراءة في اللغة والذاكرة والرمز ، 2026 ******************** نصوص للمبدعة لهيب عبدالخالق مرفق قصيدتين : شعر ونثر ، من مجموعتين مختلفتين . شعر: – من مجموعة “هذا النهر لي” في مدينةٍ لا تشبهني تطِلُّ على البحرِ… في ضوئهِ يرتدي حلةً للضبابِ، ثيابَ الغيابِ الطويلِ، تمدُّ يديها، فتعرجُ أنسامُها، وكأنّ الرياحَ تعيدُ لها سيرةَ السندبادِ ولكنهُ… لم يَصِلْ. هنا، تتكاثرُ ألوانُ تشرينَ في شجرِ الحلمِ…. ترقصُ في كرنفالاتِ نارٍ على جسدِ الورقِ المتشظي، هنا الزهرُ لا يشتكي، غير أنَّ الخزامى يُذكّرُني بالدمِ النائمِ في جذرِ “بيّاع بابِ السرايْ”*. أرى البحرَ… لكنَّهُ ليس يُشبهُ ماءَ الفراتِ، هنا حيثُ تهطلُ نوفا سكوتشيا* على رئتي ينفرُ الماء رمادا نقيا، يمسّد وجهَ الحنينِ بأكمامِ ريحٍ تعودُ… ولا تستقرُّ، تُدثّرُ أصواتها بالندى وتقولُ: “أهذا شراعٌ يلوّحُ، أم آيةٌ من بكاءِ المسافاتِ؟ هل وطنٌ يتمرأى على شاطئيهِ، أم امرأةٍ لم تُودّعْ جراحَ الطفولةِ بعدْ؟” كنتُ أكتبها ثم أنسى ملامحها، وتسيرُ المدينةُ خلف خطاها كأنّ الأصيل يلملُم طينَ الظلالِ، وأسرارَ أورَ، كأنّ الزهورَ تنامَ على لغةٍ ليس تعرفها، وكأنّ الهواءَ ينادي: تعالي.. فبين الغروبِ وبين الخزامى طريقٌ إلى ما نسيتِ…. هنا، كلُّ شيءٍ يُجيدُ التلوّنَ إلا النداءْ، فكيفَ ستنمو على شجرِ الأطلسيِّ يدٌ تتقنُ الرافدينْ؟ تُطلُّ، فتعبرُ في جفنها مدنٌ أُحرِقتْ ثمّ زُوّقتِ الآنَ بالذكرياتِ التي عبأتْ واجهاتِ المنافي… تمدُّ نواظرها، فترى سفنًا من ضبابٍ تُشابهُ قبرًا، له شكلُ نافذةٍ لا تُطلُّ على أحدٍ، وتُحدّقُ في البحرِ مثلَ نبيٍّ رأى أولَ الموتِ في خدِّ نخلةْ، وفي صدرِ أمٍّ تخبّئ أسماءَ من غادروا في ثنايا الرغيفِ. هنا، كل شيء غريبٌ زهورُ الحدائق، تلكَ النوارسُ، أكتبُ فوق السواحل أنّي تركتُ ورائي بلاداً تعوّدتِ الحربَ حتى غَفَتْ في وسائدِنا الطائراتُ، أنا من مدينةِ نارٍ، ومن شغفِ الناي تغزلهُ شهرزاد على ضفةِ النهرِ، نقشُ العيونِ على ليلِ بابلَ، من جرحِ فجرٍ تعلّمَ كيفَ يُرتّلُ أغنيةً للرمادْ. وينشدُ: يا بحرُ، كُنْ لي سماءً صغيرةْ، أُعلّقُ فيها خيالاتِ أهلي، ورائحةَ الدارِ حين يعودُ المساءْ. أسيرُ على طرفِ الموجِ والأرضُ تحفرُ تحتَ خطايَ خرائطَ أخرى بلا اسمٍ، بلا شهقةٍ من ترابِ الحقولِ، ولا لهفةٍ من سنابلَ خبأتُها في دياري البعيدةْ، أنا امرأةٌ من رمادِ النخيلِ تفتش عن نارِها في شآبيب تلك البحارْ. هنا، لا تنامُ السنابلُ في شالها، لا القصيدةُ تُورقُ إن لم تمرَّ على شفّةِ القصبِ المستكينِ على خدّ دجلةْ، أُسطرُ فوق الشواطئ اسئلتي ثم أكتب في دفتر البحر “لي وطن سيؤوب إلي صباحا” وأمضي…. هاليفاكس- أغسطس 2025 * سوق باب السراي: سوق تاريخي يقع في الموصل * نوفا سكوتشيا مقاطعة كندية تطل على الأطلسي حيث تقيم الشاعرة نثر: من مجموعة ألواح برسم النار نهرٌ يقرأُ اسمهُ مرتين أنا التي عبرتُ النهرَ، مرّةً باسمي، ومرّةً بظلّي، ولم يَسألني الماءُ إلى أي مدينةٍ أنتمي، بل تركَني أسمعُ صدى خُطوَتي. في الضفةِ الأولى، كانت أورُ تتقشّرُ عن وجهِها، تسقطُ من جدارٍ إلى جدارٍ كأنها تتعلّمُ كيفَ تموتُ ببطءٍ. وفي الضفةِ الثانيةِ نامَت نُـفّـرُ على أحجارٍ عمياءَ، تردّدُ صدى التراتيلِ ولا تجيب. النهرُ لم يكُن ماءً، كانَ لوحًا مبلّلًا، يحملُ مساميرهُ مثلَ أيتامٍ ينتظرونَ يدًا تحفَظُ أسماءهم. كنتُ أمشي عليهِ ككاهنةٍ تعيدُ للخطواتِ أصواتَها، وتقرأ للعابرينَ كتابَ الطين. خرجَ لوحٌ من فرنِ النسيانِ، قطرةُ حبرٍ جفّتْ على ضفتهِ، فأمسَكتُها بأصابعي، وعرفتُ أن اللغةَ تولدُ من الرمادِ، وأن الكتابةَ لا تنجو إلا إذا حملَها جسدٌ من طين. حين التفتُّ، رأيتُ اسمي يطفو كقنطرةٍ بينَ مدينتينِ تخونانِ بعضَهما، وأدركتُ أن الطريقَ أقصرُ مما ترسمُهُ الخرائطُ، لكنْ أثقلُ من صمتِ الآلهة. أنا التي سمعتُ النهرَ ينادي على اسمي مرتينِ: مرةً بالحبِّ، ومرةً بالغياب. ومنذ ذلك اليوم صرتُ أعرفُ أنَّ الماءِ يحفظُ أكثر مما يَنسى. نقش: أنا الاسمُ الذي عبرَ مرتينِ، لم يحمِلهُ النهرُ، بل حمَلهُ الطينُ إلى







مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي