الرئيسية / الأعداد / ظلال وأنوار: بين ألوان الفنان محمد جدير وكلمات الشاعرة زهرة لهيوي. – محمد سعود

ظلال وأنوار: بين ألوان الفنان محمد جدير وكلمات الشاعرة زهرة لهيوي. – محمد سعود

ظلال وأنوار: بين ألوان الفنان محمد جدير وكلمات الشاعرة زهرة لهيوي.

محمد سعود*

 

“حيث النور على أشده يزداد الظل عمقا ” ـ الكاتب والفنان الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته .

صدر عن دار النشر (مرسم)  كتاب  Des mots et des toiles Ombres et lumières     (ظلال وأضواء كلمات ولوحات) للشاعرة زهرة لهيوي والفنان محمد جدير في تجربة جديدة تثري الخزانة الوطنية في الشعر والتشكيل .ومما جاء في مقدمته :”العلاقة هنا بين القصائد واللوحات لا تتعلق بترجمة اللغة التصويرية إلى لغة شعرية أو العكس؛ إنها بعيدة كل البعد عن أي تأمل ذاتي. غالبًا ما تكون تلاقيًا عفويًا، ثمرة تواصل متفق عليه بعد نقاش حول فكرة أو شعور. نحن ملتزمون بضمان احتفاظ كل قطعة، كل عمل، باستقلاليته، وروحه وذكائه، وقصته “ . حيث الكتاب بجميع صفحاته لا تقتصر فيه اللوحات على الجانب التزييني أو التوضيحي بل تغوص في صلب العملية الإبداعية ،ولذلك استعملنا كلمة كتاب بدل ديوان لأنه صنف من الإبداع الهجين .Hybride  الذي يجمع بين القصيدة واللوحة وهو شكل من أشكال الإبداع المعاصر ،كما أن عنوان الكتاب يشير إلى هذه الهجانة بوعي وصريح العبارة ،وبتصفحنا الكتاب نجد أننا أمام حوار بين شكلين من أشكال الإبداع يجمع بين باحثين مختصين في الأدب. فالشاعرة زهرة لهيوي أستاذة التعليم العالي بجامعة مولاي إسماعيل، متخصصة في الأدب العام والمقارن. وأشرفت على العديد من أطروحات الدكتوراه حول الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس والكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو .أما الفنان محمد جدير فأستاذ في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، ومدير مختبر اللغات والآداب والترجمة (LALITRA). من مؤلفاته المنشورة: “اللسانيات والخطاب”. (برلين، بيتر لانغ2018 ) و”الترجمة واللغة والثقافة” (بيتر لانغ، 2024 ) و ” أدوات الربط الخطابية وتماسك الخطاب “(بورقراق، 2024)،

    ولهذه المرجعية الثقافية تأثير كبير في نسج علاقة إبداعية غير عادية فيها الكثير من التميز تتجاوز التجاور إلى التحاور ، فالقصائد مفعمة بالصور الفنية  واللوحات حبلى بالشاعرية ، فعناوينها سواء اللوحات أو القصائد منتقاة بدقة متناهية و أغلبها مركزة في كلمات قصيرة  مما يفتح باب التأويل ويجعلها منفتحة على عدة قراءات ، فهي عند الفنان محمد جدير تنأى عن العبارة الأدبية  ليفسح المجال للتركيز في التلقي على مكونات اللوحة أي  بعدها البصري  ،لأن المهم هو شعرية العين أما شعرية اللغة فتكملها قصائد الشاعرة زهرة  لهيوي ، وقد استفاد كل من الشاعرة والفنان  في هذا المجال بخبرتهما الواسعة واختصاصهما  الأدبي .مما جعل عناوينهما مركزة ومنفتحة .وكأنها مسامير تعلق عليها اللوحات وتشدها بقوة ولا تفسح لها المجال للسقوط في هاوية اللامعنى وتفقد ارتباطها بمتعتها البصرية ، كما أن القصائد معلقات من نوع آخر تحتاج إلى مسح بصري شامل لاستنباط معانيها الخفية في تواطؤ مع اللوحات مما يشكلان كلا لا يتجزأ رغم استقلالية كل صنف منهما . وهذا ما أشار إليه الكاتب المغربي الأستاذ عبد الرحمن طنكول في تقديمه للكتاب عن هذا التداخل الإبداعي والذي وظفه بطريقة إبداعية تراعي هذا الإصدار الفني الأدبي حيث كان التقديم بلغة شاعرية والعنوان “نظرة خاطفة” تحضر فيه حاسة البصر قائلا: ” من الصفحة الأولى لهذا الكتاب البديع، يتبادر إلى الذهن سؤال: أي شاعر لم يحلم بالكتابة عبر سكب كلماته في وسيط متعدد الألوان؟ يبدو أن الكلمات نفسها ليست جامدة كما نتصور، بل تحمل في طياتها توترًا خفيًا، وسعيًا لا يُقاوم نحو وفرة الأشكال والألوان.. ”

ولا يخفى على أحد دور العنوان الذي شغل الباحثين خاصة بعد الثمانينات على اعتبار أن وظيفته تختلف فقد يكون إيحائيا أو وصفا أو توصيفا أو خادعا كما يساعد على توضيح الغاية السردية للرسام إذا كان الأمر يقتضي ذلك أو أحيانا يختفي (دون عنوان ). وإذا كثر الحديث عن الهوية البصرية فلا بدأن أن تحدث عن الهوية اللسانية اللغوية للعمل الفني ، لأنه لا يمكن التطرق لأعمال فنية في المحاضرات والندوات أو في حديث عابر عن أعمال فنية دون ذكر عناوينها . ولعل أهم بحث مختص في هذا المجال هو “مصنع العنوان .  تسمية الأعمال الفنية” لماريان جاكوبي أستاذة تاريخ الفن المعاصر في جامعة كليرمون أوفرن (UCA)، ونائبة مدير مركز التاريخ “الفضاءات والثقافات” (CHEC).والفنان بيير مارك دي بياسي وكذلك سيغولين لومين الأستاذة الفخرية في جامعة باريس نانتير.  ويعتبر هذا المجلد من أهم الدراسات التي تجيب عن الكثير من الأسئلة عن العنوان أو انعدامه في مجال الفن . وفي نفس السياق الزمني لابد أن نشير إلى أطروحة الباحثة Sylvie Ollivier سنة 1992 في جامعة مونريال بكندا حول دور العنوان في فن الرسم الأمريكي من سنة 1940 إلى سنة 1960

فيمكن تقسيم هذه العناوين وكذلك اللوحات المرتبطة بها إلى قسمين :قسم أول يمتح فيه الفنان مواضيعه من الأحاسيس والمشاعر كاللوحات المعونة ب (حنين ، رغبة ،تردد ،اندماج. ارتباك ،عشق  ، حلم ،  أمل  ،  ليلة نار ، حيرة ، سراب ، أضواء …) أما القسم الثاني فمرتبط بحقل دلالي ذي علاقة بالطبيعة  كالربيع ، عودة الربيع، الكواكب القزحية ، انفجار نجوم، موطن الفراشة ،ربيع  ،  ،شعلة نار   زهرة ، والنفس ،والنار بشرارتها وما يميز هذه العناصر أنها تعبر عن الطبيعة في مظهرها الخارجي وعن طبيعة الإنسان في مظهرها الباطني وكذلك سريعة التحول كما هو الشأن في الأحاسيس والمشاعر ولذلك نجد أن الفنان يعبر عن تناقضاتها  بألوان حارة وباردة حسب طبيعة الموضوع ،تسكن تارة وتشتعل أحيانا موظفا صياغة الاكريليك التي يوزعها على فضاء اللوحات بالفرشاة أو بالضغط عليها كمادة صباغية قابلة للتمدد وتشكيل نتوءات و فراغات تسمح بتنويع الظل والنور ولو بشكل باهت .

هي عموما مواضيع مستمدة من الفلسفة القديمة التي تركز على العناصر الأربعة الماء والأرض والهواء والنور ،هذه العناصر الأصول بتناقضاتها قد تكون  مصدر طاقة إبداعية وكذلك قوة تخريبية ،وهو الموضوع الذي اشتغل عليه الفنان حيث تبدو العناوين حاملة لهذه التناقضات و المتغيرات .ولكنها في العمق تعبر عن أحاسيس عميقة تخضع لتقلبات ، ونلمسها بقوة في لوحات الفنان التي تبدو في أغلبها تجريدية كمشاعر الإنسان تماما وإن كانت أحيانا تحاكي مناظر طبيعية إلا أنها بعيدة جدا عن نقل المرئي ..وموازاة مع هذه العناوين نجد قصائد الشاعرة بعناوين تتعلق بالحب والمشاعر: (الإلهام ، الانصهار  ،بهجة ، حبك  ، نفس  ،ليلة العطاء ، الطريق إليك ، الغموض، يدك علي، الرقة – الارتعاش، موسم العاطفة ، التردد  ) .وما يميز هذه العناوين أنها تتقاطع إلى درجة التطابق الكلي أحيانا أو تكون متقاربة في المعنى.

وهذه العناصر الأربعة خاصة في لوحات الفنان محمد جدير شغلت الكثير من الفنانين وتذكر منهم الفنان الفرنسي أندريه ماسون André Masson الذي انجز عملا في نفس الموضوع “العناصر الأربعة ” بين سنتي1923 و1924 .. وكذلك المعرض الجماعي حول نفس هذه العناصر الذي قدم فيه فنانون وفنانات من مختلف أنحاء العالم أعمالهم التي تعكس رمزيتها كمكونات إبداعية وأحيانا تخريبية تدميرية . ، دون أن ننسى فن الأرض Land Art الذي ظهر كحركة إبداعية في الستينيات التي كانت فترة انطلاق الفن المعاصر .

وفي علاقة مع موضوع هذه العناصر خاصة النار التي تحضر في عناوين اللوحات سواء بالتصريح أو بالتلميح التي ترتبط بالاحتراق الداخلي نستحضر رأي الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار – Gaston Bachelard الذي كتبه في مقاله الفلسفي التحليل النفسي للنار حيث يرى أن النار والحرارة وفرت وسائل تفسير في شتى المجالات، إذ تُتيح لنا فرصة تكوين ذكريات خالدة، وخوض تجارب شخصية بسيطة وحاسمة. لذا، تُعدّ النار ظاهرة فريدة قادرة على تفسير كل شيء. فإذا كان كل ما يتغير ببطء يُفسَّر بالحياة، فإن كل ما يتغير بسرعة يُفسَّر بالنار. النار هي الكائن الحيّ بامتياز. النار حميمة وعالمية. تسكن قلوبنا. تسكن السماء. تنبع من أعماق المادة وتُقدّم نفسها حبًّا. ثم تعود إلى المادة وتختبئ، كامنة، محتواه كالكراهية والانتقام. من بين جميع الظواهر، هي الوحيدة القادرة على استيعاب القيمتين المتناقضتين بوضوح تام: الخير والشر. تُشرق في الجنة. تحترق في الجحيم. هي اللطف والعذاب. هي الطبخ ونهاية العالم. هي متعة الطفل.  ”

ونفس الشيء في النار كموضوع وأحيانا كعنوان للوحات فتجمع بدورها بين النقيضين وهما الألم واللذة لأنها نار العشق ، فلا عشق دون ألم ولذة ولذلك يأبى ترجمتها للفرنسية ويتركها بلفظها العربي رغم أن العناوين كلها مكتوبة بالفرسية ونفس الشيء تفعل الشاعرة زهرة لهيوي ليستمر الاشتعال .

تظل هذه التجربة بين مبدعين وارفة الظلال ومنيرة تنضاف إلى تجارب أخرى في الإبداع المغربي حيث حضور الصورة يلقي بثقله من خلال اللوحات جنبا إلى جنب مع الإبداع المكتوب في حوار إبداعي يراعي خصوصية هذا العصر متجاوزا البعد التزييني للوحات في الكثير من الدواوين .

 

الكتب المشار إليها في المقال للاطلاع أو الاستزادة في البحث:

– Zohra lhioui et Mohammed Jadir + Des  mots  et  des  toiles Ombres  et lumières impression : Afrique Orient  éditions marsam – 2025

ـMarianne Jakobi, Pierre-Marc de Biasi, Ségolène : Le Men La Fabrique du titre Nommer les œuvres d’art Date 2025l Editeur Cnrs Eds Collection Biblis Nombre de pages 672

ـ Sylvie Ollivier · Le rôle du titre dans la peinture américaine de 1940 à 1960 Publication : 1992 Éditeur : Thèse (M.A.)–Université de Montréal Nombre de pages : 288

ـ – Gaston Bachelard, La psychanalyse du feu.  Paris : Éditions Gallimard, 1992, 192 pp. Collection : Folio/Essais. Première édition : 1949, Gallimard.

فنان تشكيلي وناقد فني من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً