من الوسيط الفني إلى الفضاء الاحتوائي: دراسة في آليات التعبير غير اللفظي وتأطير الورشة الفنية العلاجية

أريج ذيبي*
ملخص: يهدف هذا البحث إلى استجلاء الأبعاد العلاجية للوسائط الفنية المختلفة واستكشاف دورها في دعم الصحة النفسية من خلال مقاربة تكاملية تجمع بين الفنون التشكيلية والأدائية والأدبية إلى جانب توظيفها ضمن السياق العلاجي الأسري، كما يسعى إلى تحليل أثر فضاء الورشة من حيث طبيعته (مغلق/مفتوح) وشكل تنظيمه (فردي/جماعي) في توجيه سيرورة العملية العلاجية وتعزيز فعاليتها. تنبع أهمية هذا الموضوع من تزايد الحاجة إلى آليات تواصل بديلة تتجاوز الاستعصاء اللفظي ، خاصة لدى الأفراد الذين يعانون من صعوبات في التعبير اللغوي مثل الأطفال أو ذوي الاضطرابات النفسية العميقة. وفي هذا الإطار، يبرز العلاج بالفن كوسيط يتيح ترجمة التجارب الانفعالية والتمثلات اللاواعية إلى صيغ رمزية بصرية أو جسدية أو سمعية مما يسهم في تفكيك الصراعات الداخلية وإعادة تنظيمها ضمن أفق علاجي وعليه تم الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي من خلال تصنيف الوسائط الفنية وفق مجالاتها التطبيقية، بدءًا بالفنون التشكيلية بما تتضمنه من ممارسات كالرسم، والتلوين، والتشكيل، واللصق، والنسيج، مرورًا بالفنون الأدائية كالمسرح والرقص والموسيقى، وصولًا إلى الفنون الأدبية والأنشطة القرائية والكتابية. كما يولي البحث اهتمامًا خاصًا بالعلاج الفني الأسري لتقديم إضافة نوعية من خلال الربط بين هذه الوسائط ووظيفة الاحتواء النفسي ذات البعد “الأمومي”، بما يتيح للفضاء العلاجي أن يتحول إلى حاوية رمزية آمنة تحتضن التعبير الحر وتدعم تشكّل المعنى. وقد تم تدعيم التحليل بالإحالة إلى بعض المرجعيات السيكولوجية إلى جانب توظيف الملاحظة الإكلينيكية في فهم آليات تنظيم الورشات الفنية. ثم تخلص الدراسة إلى أن فاعلية العلاج بالفن لا تُقاس بقيمة المنتج الفني في حد ذاته بل بمدى قدرته على تمثيل الذات وبجودة الإطار الذي يحتضن هذا التعبير، وكذلك بطبيعة العلاقة العلاجية القائمة على التفاعل. وعليه، فإن نجاح العملية العلاجية يظل رهين تكامل هذه العناصر ضمن بنية دينامية توازن بين الإبداع والتأطير العلاجي.
الكلمات المفاتيح: العلاج بالفن – الوسائط الفنية – الورشة العلاجية – هندسة الفضاء – الوظيفة الأمومية – التواصل غير اللفظي – الفنون التشكيلية – الفنون الأدائية – التحالف العلاجي – الصحة النفسية.
- مقدمة:
يبرز الفن وعلم النفس في الظاهر كحقلين متباينين في المنطلقات والأدوات إلا أن القراءة المتأنية لمساراتهما تكشف عن تقاطعات جوهرية أدت إلى تبلور استراتيجيات علاجية حديثة تستثمر الوسائط الإبداعية في الحقل الطبي والنفسي. ومن هذا المنطلق، يمثل العلاج بالفن حلقة الوصل المنهجية التي تعيد صياغة العملية الإبداعية لتتحول من مجرد نشاط جمالي أو ترفيهي إلى أداة علاجية ناجعة قادرة على استنطق المكنونات النفسية وتجسيدها في قوالب رمزية. إن هذا التلاقي بين الفن والبروتوكول العلاجي يمنح الأفراد لا سيما من يواجهون استعصاءً في التواصل اللفظي لغة بديلة تعتمد اللون والشكل والإيقاع والجسد كوسائل للتعبير عن الصراعات الداخلية، ومع ذلك فإن إقحام الفن في السياق العلاجي يظل تجربة محفوفة بالتعقيد والغموض إذ يمثل هذا اللقاء بين الإبداع والعلاج رهاناً مفتوحاً على احتمالات شتى تتراوح بين النجاح في تحقيق تحولات نفسية غير مسبوقة وبين مواجهة تحديات وعقبات قد تعتري مسار التعافي.
هذا البعد الاحتمالي يفرض ضرورة وجود إطار علاجي محكم ومعالج متخصص يمتلك الأدوات السيكولوجية لمرافقة المريض عبر مسارات التعبير الفني نحو الاستبصار والشفاء. وبناءً عليه، لم يعد دور الوساطة الفنية مقتصرًا على الجوانب الذاتية بل امتد ليشمل أبعاد التنمية الاجتماعية والعلائقية. ومن هنا، تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن التساؤلات التالية: ما هو مفهوم العلاج بالفن؟ وكيف تتنوع وسائطه التطبيقية بين الفنون التشكيلية والأدائية والأدبية؟ وكيف تساهم طبيعة الفضاء وشكل الورشة في دعم سيرورة العملية العلاجية؟
- مفهوم العلاج بالفن
يُترجم مصطلح “العلاج بالفن” إلى Art-thérapie بالفرنسية وArt Therapy بالإنجليزية وهو مصطلح يُمثّل إشكاليةً بحثيةً ومجالاً خصباً للنقاش السيكولوجي والجمالي نظراً لما ينطوي عليه من دمجٍ بين حقلين متمايزين: الفن بآفاقه التعبيرية، والعلاج بمرتكزاته الإكلينيكية. ويثير هذا التقاطع المفاهيمي جملةً من التساؤلات حول طبيعة العلاقة الرابطة بين المجالين الطبي والفني ومدى إمكانية استنطاق التعبير الإبداعي بوصفه أداةً منهجية ذات أبعاد علاجية ونفسية. ومن هذا المنطلق، يفتح المفهوم أفقاً استقصائياً يستوجب فحص الأسس النظرية والآليات التطبيقية التي تُشرعن إدماج الممارسة الفنية ضمن مقاربات علاجية تهدف إلى تعزيز الصحة النفسية وتفعيل ديناميات التعبير والتفريغ الانفعالي. فكيف يمكن للعملية الإبداعية أن تتشكل وتكتسب فاعليتها ضمن سياق العلاقة العلاجية؟
عند تفكيك المفهوم لغوياً واصطلاحاً، نجد أن كلمة فن “Art” تشير وفقاً لما أورده معجم LE ROBERT & COLLINS SENIOR إلى: “الاتقان والبراعة اليدوية في إنجاز عمل ما.. فعندما نقول فعل شيء ببراعة فنية، نعني أنه أُنجز بمهارة فائقة.” (Atkins et al : 1995, p. 48) أما في سياقه المعاصر، فقد انتقل المفهوم ليشمل مجمل الأنشطة الإنسانية الموجّهة نحو النزعة الجمالية، وتحديداً ما يندرج تحت مظلة الفنون الجميلة. ويتسق هذا التصور مع تعريف سامي بن عامر الذي يختزل الفن في كونه: “جملة الوسائل التي يستعملها الإنسان لإثارة المشاعر والعواطف وبخاصة عاطفة الجمال كالتصوير والموسيقى والشعر”. (بن عامر: 2021، ص 408)
وعليه، يمكن تعريف الفن بوصفه مهارةً إنسانية تتراوح بين الاكتساب المنهجي عبر التعلم والتدفق التلقائي للمواهب الفطرية ورغم غلبة اقتران هذا المفهوم بالإنتاج الجمالي إلا أن الجمالية لا تشكّل غايته القصوى في هذا السياق لاسيما وأن مفهوم الجمال يظل قيمةً نسبيةً متغيرة، وهو ما برهنت عليه بوضوح ممارسات الفن المعاصر. ومع تنامي الوعي بقدرة الفن على تجاوز الأطر التزيينية نحو وظائف إنسانية أعمق اتجه الاهتمام لتوظيفه في أبعاد نفسية واجتماعية مما مهد لظهور مقاربة رائدة تُسند للفن دوراً جوهرياً في منظومة الصحة النفسية واضعةً إياه في خدمة العملية الاستشفائية تحت مسمى «العلاج بالفن».
يستمد مصطلح “العلاج بالفن” شرعيته من كونه تقنية علاجية نوعية تتجاوز الأطر التقليدية القائمة على الوساطة الكيميائية أي الأدوية، لتطرح بديلاً يتناسب مع مختلف الفئات العمرية والحالات السيكولوجية. وقد تشكلت بذور هذا التوجه مع أبحاث مورغنثالر وبرينزهورن (W. Morgenthaler & H. Prinzhorn) عامي 1920 و1921، حيث أثبتت دراساتهما أن “الفعل الإبداعي لدى المرضى النفسيين قد يصل أحياناً إلى مستوى فني، مما يثري الأبحاث في علم الأمراض النفسية ويحفز الميل نحو الشفاء.” (Doron & Parot, 1991, p. 61) أما تاريخياً، يُعزى الفضل في صياغة المصطلح عام 1938 إلى الرسام أدريان هيل Adrian Hill الذي استنبط القيمة الاستشفائية للفن من تجربته الشخصية مع مرض السل وتوجت مبادرته رسمياً عام 1941 تحت مسمى “Art Therapy”. وقد حظي هذا المسار بدعم مؤسساتي وصحي واسع، لاسيما من الطبيب الفرنسي بول برنارد Paul Bernard الذي أدرج المفهوم عام 1974 في مؤلفه “دليل ممرض الطب النفسي”، مُعرّفاً إياه بأنه: “نمط من العلاجات النفسية يستخدم التعبير التشكيلي بما في ذلك الرسم والتصوير والنحت كوسيلة للتعبير عن مشاكل المريض وكأسلوب للتواصل بينه وبين المعالج. ” (Klein, 2012, p. 86)
يقوم العلاج بالفن على فلسفة المرافقة الداعمة إذ يرى جان بيير كلاين Jean-Pierre Klein أنه يمثل مرافقة للأشخاص الذين يواجهون صعوبات نفسية أو اجتماعية “من خلال إنتاجاتهم الفنية سواء كانت أعمالاً تشكيلية، صوتية، مسرحية، أدبية، جسدية أو راقصة.” (Klein, 2012, p. 106) وتتجلى خصوصية هذا النوع من العلاج في كونه علاجاً ذاتياً يتم عبر وسيط مادي حيث يغدو العمل الفني لغة وسيطة تكسر حدة المواجهة المباشرة بين المريض والمعالج، بالتالي تبرز طبيعة العلاقة الرابطة بين الأطراف الثلاثة (المريض، المادة، المعالج) فيتحول الفن في السياق العلاجي من مجرد أداة للتنفيس إلى منهج علمي لاستكشاف الذات وإعادة بناء الهوية. ويؤكد عبد المطلب القريطي على هذا البعد المهني بوصفه: “تطويعاً للأنشطة الفنية التشكيلية وتوظيفها بأسلوب منظم ومخطط لتحقيق أغراض تشخيصية وعلاجية تنموية نفسية.” (عبد العزيز وفراج: 2023، ص 8)
وقد انعكس هذا النضج المعرفي في الاعتراف الأكاديمي الدولي، ففي فرنسا تم تبني التخصص رسمياً في مؤتمر ليموج عام 1986، تزامناً مع إنشاء شهادة جامعية في كلية الطب بجامعة تورز. أما في المملكة المتحدة فقد صُنّف العلاج بالفن كمهنة “شبه طبية” ضمن هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) مما منحه مكانة تكميلية أساسية في الفرق الطبية متعددة التخصصات. ثم كاستجابة للمستجدات العلمية، شهد مفهوم العلاج بالفن عديد التحولات وهو ما يظهر في تعريفات الجمعية الأمريكية للعلاج بالفن (AATA)[1]
في عام 1994 ركز التعريف على كونه وسيلة لـ “التعبير عن الصراعات الانفعالية، وتحقيق النمو الإدراكي والشخصي.” (القريطي: 2012، ص3) وفي عام 2002 اتسع النطاق ليشمل الأفراد الساعين للنمو الشخصي، معرفاً إياه بـ “الاستخدام العلاجي للإنتاج الفني في إطار علاقة مهنية.. لزيادة الوعي بالذات وبالآخرين، والتأقلم مع الأعراض المرضية.” (القريطي: 2012، ص4) أما في عام 2016 قدم هيوت وهولتوم (Huet & Holttum) صياغة تربط بين البصري واللفظي معتبرين أن “عملية خلق إبداع مرئي والفحص والترجمة اللفظية لهذا الإبداع يسهل الوعي المعرفي والانفعالي والنمو.” (نصير: 2019، ص 255)
خلاصة القول، إن العلاج بالفن يمثل سيرورة تطورية انتقلت من التعبير العفوي إلى الممارسة المنهجية التي تدمج بين الفعل الإبداعي والوعي المعرفي. وهو بذلك لا يقتصر على كونه “أداة لتفريغ الدوافع الغريزية اللاواعية” (بن عبد الله: 2024، ص 15) كما رآه فرويد قديماً بل هو جسر إبستمولوجي يربط الوعي باللاوعي ويطوع المادة الفنية لتحفيز التغيير الإيجابي وإعادة خلق الذات في بيئة علاجية آمنة. وعلى ضوء هذا الدور الجوهري للوساطة الفنية تتعدد المسارات التطبيقية لهذا المنهج بتعدد الوسائط التعبيرية المستخدمة إذ لا يتخذ العلاج بالفن شكلاً أحادياً بل يتفرع إلى مجالات تخصصية دقيقة يستجيب كل منها لاحتياجات سيكولوجية محددة، فتبرز مختلف المجالات بدءاً من الفنون التشكيلية وصولاً إلى الوسائط السمعية والحركية لاستجلاء خصائص كل منها وآليات اشتغالها في السياق العلاجي.
- الوسائط التطبيقية للفن ومجالات التوظيف العلاجي
اكتسبت الممارسة الفنية في الفضاء السيكولوجي أبعاداً وظيفية تجاوزت حدود الترفيه أو التزيين لتستقر كمنهج علاج تكميلي يتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع مختلف المتغيرات العمرية والإكلينيكية، فالهدف الجوهري من دمج الفن في العملية العلاجية يتمثل في قدرته على تجسيد التفاعلات الذهنية المعقدة وتحويلها من مدركات مجردة إلى نتائج ملموسة مما يتيح للفرد فرصة استكشاف ذاته وإعادة صياغة تجربته الإنسانية عبر وسائط غير لفظية. وترتبط فاعلية هذه المرافقة العلاجية على كفاءة المعالج في المزاوجة بين المهارة التقنية والمعرفة المعمقة بخصائص المواد والأدوات الفنية إذ إن لكل مادة طاقة تعبيرية وإمكانات علاجية متباينة يجب تطويعها بدقة لتلائم الاحتياجات النفسية للحالة، وبناءً على طبيعة الأداة المستخدمة وآلية التعبير المتبعة يتفرع هذا الحقل إلى مجالات تخصصية تتوزع بين الفنون التشكيلية التي تركز على المادة والبصر، والفنون الأدائية القائمة على الحركة والإيقاع، والفنون الأدبية التي تستثمر طاقة الكلمة، وصولاً إلى العلاج الفني الأسري الذي يستهدف إصلاح المنظومات العلاقاتية داخل الأسرة.
- الفنون التشكيلية:
- الرسم والتلوين Le dessin et la peinture
يُعتبر الرسم والتصوير وسائل فعالة لتحفيز التفكير حيث تترجم العمليات الذهنية إلى صور فنية ملموسة، وذلك من خلال بناء خطوط تتجمع لتصوير هيكل وشكل محدد. وتكتسب الفراغات بينها أهمية في تكوين كيان متكامل للعمل الفني، حيث يتسم كل أثر بمحيط يميزه وتوفر هذه الفراغات مساحة بصرية تسمح للعين بالتجول بأريحية في فضاء اللوحة. ويمكن للوحة نفسها أن تكشف عن إمكانيات تعبيرية واسعة، على سبيل المثال يمكن تحويل ورقة عادية إلى عمل فني من خلال التجاعيد والطيات والتمزقات. ومن خلال الخطوط المحفورة يظهر شكل يمكن تحديده وتوضيحه باستخدام أدوات التصوير المتنوعة كأقلام الرصاص، والألوان، والباستيل. لكن في سياق الورشة العلاجية الفنية، يواجه المشاركون في كثير من الأحيان تحديات نفسية أمام الورقة البيضاء حيث تنشأ عديد التساؤلات حول نقطة البداية وكيفية تمثيل الأفكار باستخدام اللون أو أثر قلم الرصاص. وقد يشعر البعض بالعجز والتقليل من قيمتهم خاصة إذا كانوا يفتقرون إلى الخبرة في الرسم، ولكن الهدف من العلاج بالفن لا يكمن في تحقيق الكمال التصويري بل في استكشاف الذات والتعبير عنها حيث تؤكد “جولييت فافيز بوتونير Juliette Favez Boutonie” في كتابها “رسومات الأطفال” “أن رسم الأطفال يعبر عن شيء آخر غیر ذكائه ومستوى نموه الذهني، فهو نوع من الإسقاط لوجوده ولوجود الآخرين أو للطريقة التي يحس بها بوجوده وبوجود الآخرين.” (بن عبد الله: 2016، ص 9)
أما اختيار المواد فيعتمد على احتياجات الفرد اذ لكل مادة تقنياتها وخصائصها التي تثير أحاسيس لمسية مختلفة ويمكن أن يستجيب لها الأفراد بدرجات متفاوتة. على سبيل المثال، يمكن لأقلام الباستيل أن تتفتت تحت ضغط الأصابع بينما يتطلب إنتاج الألوان تركيزًا وبحثًا مستمرين. وبمجرد اختيار المادة يتم تصميم نهج علاجي يتماشى مع كل فرد فتتنوع بذلك التمارين العلاجية وفقًا للأساليب الفنية وتشمل التصوير الحر والرسم انطلاقا من نماذج والخربشات والصور الظلية والقصص المصورة واللوحات الجدارية.
التصوير الحر:
في ورشة العلاج بالفن تعتمد تقنية “التصوير الحر” كوسيط يربط بين الطفل وعالمه الداخلي، يتم تشجيع الأطفال على التعبير عن أنفسهم بحرية تامة من خلال الرسم بلا قيود أو حدود. ولا توجد ورشة عمل بالمعنى التقليدي للكلمة بل تهيأ مساحات إبداعية مفتوحة تتوزع في كافة الأرجاء والأسطح المتاحة ليتحول كل ركن إلى مرسم خاص بالطفل فينساب اللون على الورق أو الطاولة أو الجدار حاملاً معه ما لا يمكن للكلمات أن تعبر عنها. ضمن هذه الورشة يكتفي المعالج بدور الشاهد والمُيسِّر حيث يقتصر دوره على توفير الأدوات والمواد اللازمة وتهيئة بيئة آمنة ومشجعة للتعبير الذاتي. أي انه لا يتدخل في الممارسات الفنية للأطفال، لا في تكويناتهم ولا اختياراتهم للألوان ولا في الخلطات التي يصنعونها. بالتالي، تكون الأعمال التصويرية الناتجة لغةً صامتة تكشف عن مكنونات الطفل وتساعده في التغلب على صراعاته الداخلية.
ومن الأمثلة على ذلك، حالة جوليان التي وصفها آلان جيليسAlain Gillis في سياق عمله مع الأطفال الذين يعانون من اضطرابات التواصل. كان جوليان الذي قضى اثني عشر عامًا في عزلة يميل إلى تجنب الامتثال للقواعد، ومع ذلك فإنه يمارس الرسم بدقة متناهية ملتزمًا بالأطر والحدود المحددة. عكست رسوماته حيوية وحركة، وغالبًا ما كان يواصل الرسم بعنف حتى يصل إلى مرحلة التشبع أو التدمير(صورة1). كان جوليان يفضل التعامل مع رسوماته إما بالقبول التام أو الرفض المطلق دون الحاجة إلى أي تعليقات، الا انه لوحظت عليه علامات التأثر خلال أحد المعارض عندما رأى لوحاته معروظة وقد أظهر اهتمامًا واضحًا بهذه الظاهرة.

|
صورة1: عمل جوليان التصويري، طلاء على ورق، 72 × 106 صم. |
يبدو جوليان وجد في “الورقة البيضاء ملاذا آمنا واعتبرهل الجسم الوحيد الصامت والمحايد بما فيه الكفاية ليتسع لأفكاره ومشاعره ويتقبل علاماته المضطربة.” (Gillis : 1994, p. 79). اذن، يمكن اعتبار التصوير الحر أداة علاجية يسمح للأطفال بالتعبير عن أنفسهم بحرية تامة واكتشاف جوانب جديدة من شخصياتهم وتساعدهم على تعزيز ثقتهم بأنفسهم.
الرسم من النماذج:
ضمن ورشة العلاج بالرسم والتصوير يمثل البدء بنسخ نموذج بصري مرحلة أولية مطمئنة تسهم في تعزيز التواصل بين المريض والمعالج وتمهد الطريق لبناء علاقة ثقة بينهما مما يهيئ ظروف مناسبة لمرافقة علاجية فنية فعال، ثم لاحقاً يتم تشجيع المشاركين على حرية إبداع أشكال فنية أقل نمطية.
غالباً ما يكون اعتماد النماذج دعامة أساسية للذين يواجهون صعوبات في التعامل مع مخيلتهم سواء كانت تعتبر متقدة أو راكدة، فعندما يخشى الأفراد هذا الجانب من ذواتهم يجدون في النماذج البصرية ملاذاً آمناً. ومع ذلك، فان الانطلاق من الأشكال الجاهزة وأخذ دور المقلد قد يكون سلاحًا ذا حدين فالصورة التي يجب إعادة تمثيلها وإن كانت توفر منطلقا مطمئناً، قد تصبح أيضاً عاملاً سلبيا عندما يعجز المريض عن انجاز النسخة كما يريد. هنا يكون دور المعالج بالفن كموجه حيث يقدم إرشادات تقنية ويشارك المريض خبرته بتعديل الخطوط وإعادة توازن الأشكال. بالتالي، الاعتماد على نماذج تصويرية لا يقتصر دوره على كونه مجرد عملية نسخ بل يمكن أن يشهد تعديلات أثناء العملية الإبداعية مما يفتح آفاقاً جديدة للتعبير الفني والعلاج النفسي.
الخربشات squiggles :Les
يُعدّ أسلوب الخربشة Squiggle أحد تقنيات العلاج بالرسم والتصوير حيث يصفه المحلل النفسي الإنجليزي دونالد وينيكوت بأنه “لعبة تفاعلية يتبادل فيها المريض والمعالج الفني رسم خطوط عشوائية على ورقة.” (Basté et autre : 2017, p. 25) يتم انجاز هذا التمرين في حالة الفرد اما بعينين مفتوحتين أو مغمضتين الا انه غالبًا ما يكون بشكل الثنائي اذ لا يهدف إلى تحقيق غاية جمالية بل الى العمل التفاعلي فهو يقترح مشاركة تجربة حسية تتداخل فيها خطوط المشاركين اللذان يتمتع كل منهما بحرية تعديل خطوط الآخر أو تغطيتها أو تغييرها. وبالتالي، يمكن ان يتحول هذا النشاط إلى نوع من الصراع أو إلى لحظة بناء من خلال التناوب في الرسم وبين تقبل أو رفض رسم الآخر. انه عمل يسير فيه كل طرف مع الآخر والقيام به يسهم في تخفيف حدة التوتر لدى الأفراد غير المعتادين على الرسم ويضفي شعورًا بالطمأنينة في نفوس الأشخاص الذين يعانون من الكبت، كما يعد أداة قياس فعّالة لتقييم قدرتهم على الابداع وملاحظة سلوكهم خاصة عند الجلوس المشترك حول طاولة رسم واحدة اذ يخلق هذا أجواءًا ملائمة للتواصل. وانطلاقا من وجود الورقة أمام كل مشارك يترك لهم حرية اختيار أداة الرسم مثل أقلام التلوين والباستيل أو الطلاء، وهي فرصة لتطوير طريقة استخدامهم للمواد والألوان وتحسين مهاراتهم في إنشاء الأشكال من خلال خربشة خطوط ملونة ومتفاوتة السماكة وكثيرا ما تظهر هذه الأشكال صورة ما بطريقة تقريبية، تارة يكون وجهًا وتارة أخرى منظرًا طبيعيًا أو حيوانًا.
في هذا الاطار نستحظر عينة من ورشة الخربشة التي اشرفت عليها جودیث آرون روبن Judith Aron Rubin فالسيد «ف» كما سمته، اشار الى أن الرسم الخاص به (صورة2) “قد يكون من الأفضل اعتباره يجسد متشردا ثم مهرجا، لكنه وضع له عنوانًا في النهاية هو «مهرج»، وركّز وأبرز أيضًا تلك العناصر الخاصة بالمرح والخلو من الهموم في تلك الشخصية ثم قام بعد ذلك بالإيحاء بوجود بعض التناقض الوجداني في صورته عن ذاته، كما دعم ذلك الانطباع بأنه يستخدم الفكاهة بصفتها آلية دفاعية في مواجهة مشاعر قوية أخرى موجودة لديه وخاصة الاكتئاب.” (روبن: 2021، ص 324)كثيرًا ما تستخدم “الخربشة” في بداية العلاج لتقبل المرافقة الفنية أو عندما يمر الشخص بلحظات مؤلمة، ويحتاج إلى الدعم والاحتواء بالإضافة إلى القدرة على الإبداع مع الآخرين.

|
صورة2: رسم الخربشة للسيد “ف”. |
الصور الظلية Les silhouettes :
يقصد بالصور الظلية silhouettes الخطوط الخارجية المحددة للجسم، وفي مجال العلاج النفسي للأطفال تُستخدم هذه التقنية من خلال توفير مجسمات ورقية جاهزة مسبقا تصور الخطوط الخارجية للجسم البشري بأحجام وأوضاع متنوعة. يُطلب من الأطفال نسخ هذه المجسمات واستخدامها كنماذج أو قوالب لإنشاء مختلف الشخصيات سواء كانت فردية أو ضمن مجموعات، ثم لصقها على ورقة أخرى وسرد قصة من خلال تصوير عائلاتهم أو أصدقائهم. بعد ذلك، يمكن تطوير هذه الصور الظلية إلى دمى متحركة عن طريق تثبيتها على عصا داعمة وتغليفها بالقماش.

|
صورة3: رسم صورة ظلية شخصية دون تضمين أذنين لها. |
وفي بعض الأحيان، يتم تتبع الخطوط الخارجية لجسم الطفل نفسه على ورقة كبيرة مثبتة على الحائط أو على الأرض. ويُعدّ العمل على الداخل والخارج للصورة الظلية وتتبع هذه الخطوط بمثابة عمل على حدود جسم الطفل وبيئته وعلى الصورة الذهنية التي يحملها عن جسده. بالتالي، فهو عمل على الذات كمرآة تعكس الأحاسيس الداخلية أو الخارجية التي يتم تصويرها.في إحدى الحالات التي ذكرتها سيلفي باستي Sylvie Basté في تجربتها (صورة3) “قام طفل صغير برسم صورة ظلية لشخصيته لكنه لم يقم بتضمين أذنين لها. وعندما سُئل عن ذلك، أجاب ببساطة أن شخصيته لا ترغب في سماع ما يقوله الكبار.” (Basté et autre : 2017, p. 28)وكان ذلك تعبيرا واضحا عن التوتر العائلي الذي يعيش فيه.
تقنية القصص المصورة:
في إطار ورشة التصوير العلاجية يمكن هيكلة ورقة العمل بتقسيمها إلى مربعات متتالية كما هو الحال في القصص المصورة فتتوالى الرسومات وتسرد قصة تتطور وتتحول أحداثها، حيث يمر الطفل بمراحل نمو مختلفة من الطفولة إلى المراهقة ثم البلوغ ويتغلب على العقبات طوال رحلته. تتيح هذه الآلية تنظيم مساحة الورقة وفقًا لمحتوى الصور والسرد القصصي والأجواء الحسية والحالات العاطفية التي يتم التعبير عنها من خلال عناصر في العالم الخيالي للمريض، وتعد ملائمة بشكل خاص للمراهقين الذين يميلون في بيئاتهم الى القصص المصورة والمجلات وألعاب الفيديو. وكمثال على ذلك نذكر حالة “راندي”، وهو طفل في العاشرة من عمره يعاني من البداغة أو التغوط اللاإرادي encopresis، قاده الرسم ضمن الورشة العلاجية الى تأليف كتابا بعنوان «رحلتنا إلى الفضاء الخارجي» (صورة4)، وذلك على امتداد خمس جلسات حيث تأكد المعالجة بالفن التي ترافقه أنه “أنتج سلسلة من الصور التي تدور حول حياة أحد سكان المريخ وحول المعالجة بالفن “أنا” وحياتها في الفضاء الخارجي … وجعل لها غلافا محيطا يشتمل على الأرض الجديدة وكذلك علي وقد صففت شعري بطريقة جديدة تتناسب مع العيش في الفضاء، وأيضًا «أنا» وزميلي المريخي القديم، كذلك «راندي» وهو يرتدي بدلات ملابس الفضاء.” (روبن: 2021، ص 282-283)
من خلال قصة راندي يتضح تعلقه بالاطار المرافق له في جلساته العلاجية والعلاقة الحميمية بينه وبين المعالجة بالفن. اذن التصوير العلاجي وخاصة في تمارين القصص المصورة يمكن أن يكون أداة فعالة للتعبير عن المشاعر والتحديات بشكل إبداعي.

اللوحة الجدارية La fresque
يتمثل هذا التمرين العلاجي في تنظيم ورشة تصوير جماعية للأطفال، يتم خلالها إنجاز لوحة جدارية مشتركة باستخدام تقنيات متنوعة كالرسم والتلوين والتجميع بما في ذلك الملصقات والقصاصات. تهدف هذه الورشة إلى تمكين الأطفال من التعاون في فضاء مشترك وفرض وجودهم داخل المجموعة من خلال تحديد مناطق الرسم الخاصة بهم مما يعزز ثقتهم بأنفسهم. كما يمكن أن يتيح هذا الأسلوب للأطفال الأمان الكافي للتعبير عن ذواتهم وصراعاته بشكل رمزي غير مباشر وذلك من خلال الاختباء خلف رسومات أقرانهم من المشاركين الاخرين في العمل. تختلف أساليب إنشاء الصور الجدارية في ورشة العلاج بالفن اذ يمكن أن تكون مرسومة، ملونة أو ملصوقة. كما تتنوع مواضيعها من رسم الذات الى الحيوان المفضل، أو رسم وحشك وهو موضوع يسهل الكثير من النقاش حول المخاوف والصعوبات في حياة الفرد.
- لصق وتجميع القصاصات الفنية Le collage et l’assemblage
القصاصات الفنية هي عبارة عن خلق عالم خاص من خلال التلاعب بقطع الأوراق الملونة أو الصور الممزقة وباستخدام مختلف المواد والخامات التي تتراوح بين صفحات الصحف والمجلات وبقايا الأقمشة والخيوط وقطع الخشب والخرز والرمل، وحتى شظايا المرايا والأسلاك. يقوم هذا الفن على مبدأ التجميع بين مواد تبدو للوهلة الأولى غير متجانسة وتنسيقها ثم توليفها معا لإنشاء تكوينات مسطحة أو بارزة وغائرة، بالتالي اعادة خلق عمل فني جديد قائم بذاته.
تتميز هذه التقنية بالبساطة حيث لا تتطلب مهارات تقنية مسبقة، فقبل عملية اللصق النهائية يمكن تجربة تركيبات مختلفة واستكشاف الاحتمالات دون الوقوع في الخطأ. في عالم الكولاج كل شيء يمكن أن يتحول إلى قصاصة فنية وكل قصاصة يمكن أن تصبح جزءًا من وحدة متكاملة. وغالبا ما يقترح فن الكولاج في الجلسات الأولى من ورشة العلاج بالفن حيث يتيح للمشاركين سهولة الانسياق إلى عالم الإبداع فهو لا يتطلب مواهب أو مهارات فنية مسبقة، لكنه يكشف عن المشاعر والأفكار بشكل عفوي من خلال انتقاء الفرد المواد والألوان وتحديد ما يسمح لنفسه بقصه أو تجميعه. مثلا الأطفال الذين يعانون من صدمات الحروب أو العنف قد يقومون بفرز الصور التي تمثل الموت والانغلاق والرعب وانتقاءهم للكلمات غالبا ما بعبر عن سوء الفهم والظلم. عادة يمتد إنشاء القصاصات الفنية على مدار عدة جلسات مما يضطر المشاركين إلى الانفصال المؤقت عن أعمالهم وتركها قيد الإنجاز حتى يعودو بعد مدة انقطاع لاكمالها. هذا الانقطاع يدفعهم للتفكير في أعمالهم وإعادة تقييمها، فعند استئناف العمل يعود بعض المشاركين لإعادة قص الصور أو إنشاء أشكال جديدة أو إخفاء أجزاء منها أو البحث عن مواد أخرى. اذن، تعكس هذه العملية أهمية القص والتجميع في استدعاء اللاوعي ونقل التعبيرات التي تعيد اثارة الذكريات والمشاعر الباطنية للطفل.
يذكرنا هذا بالحوار الذي دار بين الرسام بابلو بيكاسو والشاعر جاك بريفير، حيث قال بيكاسو لبريفير الذي كان يصنع أعمالًا فنية من الصحف والمجلات: “أنت لا تعرف كيف ترسم لكنك رسام”. وأكد بريفير ذلك قائلًا: “يمكن صنع صور بالمقص والغراء وهذا يشبه النص، إنه يقول الشيء نفسه.” (Basté et autre : 2017, p. 31)
اذن يؤكد هذا الحوار أن القص والتلصيق يمثلان وسيلة فعالة للتعبير عن الذات بطرق غير تقليدية، تسمح للأفراد بالتصريح عن خوالجهم بطرق ملموسة. وقد عدد مصطفى محمد عبد العزيز حسن في كتابه “سيكولوجية التعبير الفني عند الأطفال” عديد البحوث والتجارب في هذا السياق نذكر من بينها عمل إنجلباوغ ديبي Englebaugh, Debi (2003) الذي اعتمد علي ورق المجلات الملون وبطاقات السياحة بهدف الربط والتكامل بين الفن واللغة من خلال أدب الأطفال(صورة5)، وكذلك البحث الذي قام به ماهر جرجس تحت إشراف أ.د. عفاف أحمد فراج (2006) حول إعداد برنامج لتنمية القدرة الابتكارية من خلال أشغال الورق الملون لعينة من تلاميذ المرحلة الإعدادية (صورة6). (عبد العزيز حسن: 2014، ص 92)

كذلك أكدت إيرين بارتريدج Erin Partridge على قيمة ورشات العلاج بفن الكولاج بالنسبة لكبار السن وذلك من خلال الاشارة الى مختلف الحالات في كتابها “علاج كبار السن بالفن: تعزيز التواصل معهم والارتقاء بقدراتهم” (بارتريدج: 2020) من بينها نذكر “ماريان” وهي مسنة شغوفة بالبستنة اصبحت تقيم في دار رعاية المسنين بعد أن أصيبت بسكتة دماغية على اثر وفاة زوجها، وعلى الرغم من عدم تسبب السكتة في شلل دائم إلا أنها أثرت سلبًا على وظائفها الداخلية وإدراكها وحالتها العاطفية مما فاقم معاناتها من الاكتئاب والأمراض النفسية، حيث أدى الانتقال وفقدانها لحديقتها واستقلاليتها إلى تفاقم اكتئابها وعزلتها. في البداية أبدت “ماريان” عدم اهتمام بالأنشطة الفنية لكنها أظهرت انجذابا الى كتالوج المشتل وشكل حصولها عليه نقطة تحول حيث أبدت تفاعلاً إيجابيًا وقامت بقص صور الزهور منه، ثم بدأت تدريجيا بالمشاركة في الورشات الجماعية والفردية واستكشاف المواد الفنية ليضم أول عمل فني لها بعض الأقمشة والأوراق وصور الكولاج (صورة 7).

|
صورة7: عمل ماريان الفني: منظر لحديقة، كولاج صور مع قماش، الألوان الأكريليك (يسيطر اللون البرتقالي والأخضر والأصفر). |
- الفسيفساء La mosaïque
تُعد ورشة الفسيفساء نشاطًا علاجيًا موازيًا لفنون التصوير والقص والتلصيق، حيث تتيح استخدام طيف واسع من الخامات مثل الحصى وقطع الزجاج والبلاط، والسيراميك المزجج، فضلًا عن مواد غير تقليدية مثل قصاصات الأوراق الملونة لتسهيل العملية الإبداعية وتعزيز أمان اكثر للمرضى. يمكن استعمال هذه الخامات كاملة أو مجزأة لكن غالبا ما يفضل استخدامها في قطع صغيرة متجانسة من حيث السماكة لتحقيق الانسجام البصري في المنتج النهائي، وعادة ما يتم التركيز على انجاز زخارف بسيطة أو حروف كبيرة بهدف تشجيع المريض وتعزيز ثقته بنفسه مع تجنب الزخارف المعقدة التي قد تفضي إلى الإحباط في حال عدم التمكن من تحقيق نتائج مُرضية. ومن خلال الإيماءات الحركية المصاحبة لإنشاء الفسيفساء تُعزز جلسات العلاج بالفن استكشاف البعد التخيلي لدى المرضى، وهو جانب غالبًا ما يُهمل لدى فئات معينة كمرضى فقدان الشهية العصبي الذين يميلون للتفكير العقلاني. وتساهم هذه الورش في تغذية الخيال من خلال توفير مواد حسية مرحة. وعلى الصعيد الرمزي، يتيح الإبداع دمج الجوانب الإيجابية والسلبية مما يعزز القدرة على تقبل العناصر غير المرغوب فيها وتحويلها. كما تمثل الفسيفساء عملية إبداعية متكاملة تمنح المريض القدرة على تجسيد مشاعره وأحاسيسه على وسائط متنوعة، مما يساعد في إثارة أحاسيس جديدة. تعد هذه الأنشطة اليدوية بديلا للأفكار المتسلطة ووسيلة لتوجيه الطاقة والحد من الانفعالات وتجنب العدوانية المفرطة، وهي تلبي حاجة ملحة لدى مرضى الهشاشة النرجسية لتفادي لحظات الفراغ التي يرونها مرادفة للهجر. بالتالي تتميز ممارسة الفسيفساء بهيكليتها وتنظيمها عبر مراحل وتقنيات محددة، وغالبًا ما تؤدي إلى إعادة تقييم الذات كونها نشاطًا إسقاطيًا يسمح للمريض بالتعبير عن مختلف المشاعر مثل التنفيس عن الغضب والعنف من خلال كسر البلاطات، مما قد يستدعي ذكريات أو صورًا تحفز على التعبير اللفظي.
يُستحسن للمرضى ذوي النزعة النكوصية اقتراح تمارين مُحددة زمنيًا مع مراعاة وتيرة الفرد ومقاومته للتغيير، اذ يتطور العمل الفني بالتوازي مع التمثيلات الذهنية المصاحبة له سواء من خلال المادة المُشكّلة أو الخبرات والذكريات المرتبطة بالإنجاز، ليمثل العمل النهائي الذات وما يعتملها من صراعات داخلية. كذلك تكتسب لوحات الفسيفساء قيمة علاجية خاصة لمرضى طيف التوحد، حيث تُعزز التركيز والصبر والشعور بالإنجاز وتُتيح لهم القدرة على استكشاف ذواتهم. فالانغماس المطوّل في عمل الفسيفساء يُبعدهم عن مُشتتات الانتباه ويُركز طاقاتهم الذهنية والجسدية على الإبداع وتحقيق الذات. كما يُساعد ذلك في تحسين التحكم الحركي والمعرفي وتفعيل مختلف أعضاء الجسم من اليد والأصابع والدماغ، مما يُسهم في استعادة الوعي بالذات والتركيز وتطوير القدرات العقلية والحركية.
النسيج والخياطة Le tissage et la couture
إن للنسيج والخياطة فوائد علاجية جمة تشمل جوانب نفسية وبدنية واجتماعية خاصة للأفراد الذين تستدعي ظروفهم الصحية إقامة مطولة في المرافق العلاجية إذ يشغل وقت فراغ المريض بإنتاج عمل فني ذي طابع نفعي. وقد ثبتت فعاليته في العمل على ورشات العلاج بالفن مع ذوي الاحتباجات الخاصة والمعاقين حيث تساهم هذه الأنشطة في رفع الروح المعنوية لدى المرضى وكبار السن وتمنحهم إحساسًا بالإنتاجية والجدوى بدلًا من الشعور بالعجز والعوز، وقد تدر عليهم نفعًا ماديًا نظرًا لبساطتها وإمكانية ابتكار منتجات متنوعة ذات مردود مادي.
على الصعيد النفسي، يمثل النسيج والخياطة أدوات فعالة لتصفية الذهن والاسترخاء والتمعن الداخلي والتدرب على اتباع التعليمات، مما يساعد في ترتيب الانفعالات بطريقة غير مباشرة ويسرع من تحسين الحالة النفسية والبدنية. كما أن الاشتغال عليهما بحركة تكرارية ذات مدى زمني متفاوت يعتبر آلية لتفريغ الوعي من خلال نسج الصور والذكريات. وتتنوع تفضيلات الأفراد للأقمشة والخيوط تبعًا لخصائصهم العمرية والثقافية، فالأصغر سنًا قد يميلون الى أقمشة ناعمة وذات لمعان. كما تتجاوز تجربة النسيج الحواس البصرية واللمسية لتشمل الشم خاصة فيما يتعلق بالجلد. أما من الناحية البدنية، فيساهم النسيج والخياطة في تمرين العضلات الدقيقة وتقوية الإبصار والتآزر الحركي البصري، خاصة من خلال أنشطة النسيج بالورق والخياطة والحياكة التي تعد تمارين علاجية محببة خصوصا للمصابين بشلل الأطراف العليا الذين يستحسنونها مقارنة بالتمارين الرياضية التي قد تكون مؤلمة.
كما تتيح الخامات والأدوات المتنوعة البدائية منها أو الحديثة، استفادة شريحة واسعة من المرضى باختلاف خلفياتهم وخبراتهم المحلية مما قد يعيدهم بالذاكرة إلى مجتمعاتهم الأصلية ويحفزهم على التفكير في البحث عن الصفاء الذهني. فالنسيج والخياطة اذن انشطة تثير الخيال وتحفز على السرد، لتصبح لغة بحد ذاتها يستثمرها المعالج بالفن في ورشات العلاج لتمكين الفرد من تمثيل الفجوات والنواقص والمشاعر التي يصعب التعبير عنها لفظيًا. فالأقمشة بملمسها اللين وقابليتها للتطويع تتيح تغليف وتشكيل مختلف الدعائم، كما أن تجميعها وحشوها يمكّن من تكوين أشكال متنوعة باستخدام مواد متعددة تشمل مختلف أنواع الأقمشة والخيوط والدانتيل، وأدوات خياطة متنوعة كالأزرار والخرز والأشرطة بطرق مبتكرة لتزيين الإبداعات وتحويلها عن وظائفها المعتادة، فتبرز في هذا الاطار نتائج فنية علاجية مغايرة كما في تمرين صناعة منسوجة في الفضاء وكتاب النسيج.
منسوجة في الفضاء

|
صورة8: منسوجة في الفضاء، الخيش، الصوف، الورق، المواد الطبيعية. |
تستدعي الحِياكة والنسيج ضمن الفضاء (صورة8) سلسلة من الحركات المتكررة ومفاهيم مكانية كالأعلى والأسفل والأمام والخلف، ويساهم الايقاع المتكرر للنسيج في تهدئة التوتر ويُحفز الفرد على استيعاب الأوجه المتعددة للقطعة النسيجية قيد الإنجاز. لكن تصور موضوع في الفضاء وتصميم داخله عملية يمثل عملية معقدة بالنسبة لفئات معينة مثل المرضى الذين يعانون من اضطرابات في إدراك صورة أجسادهم أو صعوبات في تقدير الأحجام الجسمانية. وعلى الرغم من اندراج هذه التقنيات كجزء من أساليب المعالج بالفن، إلا أنها تُستخدم بوتيرة أقل مقارنة بالرسم والتلوين والطين نظرًا لما تتطلبه من إتقان ووقت وجهد تحضيري مثل إدخال الخيط في الإبرة وعقده وتكوين الغرز على إبر الحياكة وإنشاء النول. إن إنجاز المراحل الدقيقة والمنظمة التي تقتضيها هذه الورشة تستلزم فهمًا واضحًا للعمل المطلوب ودرجة عالية من الانتباه والتركيز الذهني للحفاظ على تسلسل النسيج وعدم الانزلاق عن مسار العمل. وعلى الرغم من أن وتيرة الإنجاز قد تكون أبطأ مقارنة بتقنيات أخرى كالتلوين أو النمذجة، وقد يستشعر الفرد شيئًا من الإرهاق الذهني أو البدني أثناء الممارسة إلا أنَّ هذا البطء يمنح اكتشاف الذات وتعزيز الوعي الداخلي، ففي خضم التركيز على تفاصيل النسيج أو الحياكة يجد الفرد فسحة للتأمل في أفكاره ومشاعره مما يفتح آفاقًا جديدة للفهم الذاتي والنمو الشخصي.
كتاب النسيج Le livre-textile
يبدو أن الطفل الأصم الذي يعتمد على الإشارات يحتاج إلى مرجع تواصل حتى يتمكن من التعبير عن نفسه بسهولة أكبر وتعريف احتياجاته، لذلك صناعة كتاب النسيج مثلت تقنية علاجية فنية مصممة خصيصًا لهذه الفئة من الأطفال. يتخذ هذا الكتاب هيئة وسادة ناعمة محشوة باللباد(صورة9)، وتثبت عليه أشكال نسيجية متنوعة بواسطة سطح من الفيلكرو. “يهدف هذا النشاط إلى تحقيق ثلاثة مقاصد أساسية أولها تعزيز التعبير عن المشاعر بفضل الخصائص السردية للتي يتيحها النسيج، وتيسير التواصل بلغة الإشارة من خلال استخدام الأشكال النسيجية، بالإضافة إلى توفير إحساس بالسيطرة والاستقلالية في بيئة تفاعلية آمنة.” (Blanchet: 2015, p. 24) وتتسم الصفحات النسيجية لهذا الكتاب بحيادية بصرية تجعلها بمثابة “شاشة فارغة” تتيح للطفل فرصة للإبداع الحركي والمعرفي والحسي والإدراكي، حيث يمكنه إسقاط تصوراته وتكوين رواياته النسيجية الخاصة ومن ثم التعبير عنها حركيًا عبر لغة الإشارة. كما أن خاصية فتح وإغلاق الكتاب تخلق فضاءً لعبويًا واسعا بينما يساهم ملمسه الناعم وامكانياته السردية في تعزيز إدراك الطفل الأصم بجسده وماديته وبيئته المحيطة.

في هذا التمرين تتوفر مجموعة متنوعة من الأشكال النسيجية الجاهزة ذات الألوان المتناسقة، والتي تلتصق بسهولة بسطح الكتاب مما يلبي حاجة الطفل للتعبير والتواصل الفوري الذي قد يعيقه التأخر اللغوي والانفصال عن عالم السامعين. يمكن أن تتضمن هذه المجموعة تصنيفات للشخصيات البشرية والحيوانية والنباتية، بالإضافة إلى الإكسسوارات اليومية.(صورة10). وتسمح هذه الأشكال النسيجية بتكوين وتفكيك عوالم سردية بصرية من خلال ترتيبها. فعلى سبيل المثال، “يمكن استخدام أشكال مختلفة تمثل ملامح الوجه بما في ذلك الأذنين للتعبير عن المشاعر والحالات الانفعالية التي يمر بها الطفل الأصم.” (Blanchet : 2015, p. 30) (صورة11) كما أن خاصية تكرار هذه الأشكال عبر صفحات الكتاب تمكن الطفل من بناء سرد متتابع من خلال تعديل الأحداث السابقة واللاحقة، وهو ما يعزز قدراته على التفكير الإبداعي والمنطقي. وعلاوة على ذلك، فإن منحه حرية الاختيار في تكوين صوره يعزز إحساسه بالاستقلالية. بالتالي، يمثل هذا التفاعل مع الخامات النسيجية فرصة قيمة للأطفال ذوي الإعاقة السمعية لاستكشاف مراحل نموهم الحسي الحركي حيث تحمل المواد الناعمة المكونة للكتاب دلالات عاطفية تجعل منه بديلاً رمزيًا للأم، مما يوفر للطفل شعورًا بالأمان والراحة أثناء الانفصال والتطور نحو الاستقلالية. وقد ترمز أفعال الحياكة والخياطة المرتبطة بصناعته إلى الخلق والرعاية الأمومية، في حين أن فعل لصق الأشكال النسيجية وفصلها يمكن أن يعكس ديناميكية التعلق والانفصال التي قد يختبرها الطفل الأصم في تفاعله مع العالم.
النحت والتشكيل Le modelage et la sculpture
يُمثل التشكيل النحتي أحد الركائز الجوهرية في العلاج بالفنون التشكيلية، حيث يعتمد على وسائط مادية متنوعة كالحجر، الخشب، والطين. ويحتل الطين والصلصال مكانة أثيرية لدى المعالجين لا سيما في العمل مع الأطفال والمراهقين نظراً لخصائصهما اللمسية والحركية التي تتيح للفرد فرصة التعبير المباشر من خلال صناعة مجسمات ثلاثية الأبعاد، وتعد هذه المواد الطيعة مثالية للأفراد الذين يواجهون تحديات في التخيل الذهني إذ تمنحهم وسيطاً ماديا لتجسيد أفكارهم.
وعلى الرغم من أن التلامس المباشر مع الصلصال قد يثير استجابات دفاعية كالنفور أو الاشمئزاز لدى بعض الفئات مثل المصابين باضطراب طيف التوحد أو ذوي النزعات الوسواسية، إلا أن الممارسة المستمرة تساعدهم على إدراك حدود أجسادهم وتفريغ شحناتهم الانفعالية بطرق رمزية. فمن خلال حركات التكوير، التسطيح، البرم، أو حتى التمزيق العنيف للمادة يجد المريض منفذاً آمناً لتصريف المشاعر المكبوتة فالسلوك العدواني مثلاً قد يتسامى في شكل مجسمات ذات زوايا حادة مما يحول المادة إلى وعاء احتواء للتوترات الداخلية. كذلك تعتمد ورشات التشكيل العلاجية على تمارين إسقاطية موجهة كدعوة الفرد لتجسيد شخصية محورية في حياته سواء كانت موضوع حب أو كراهية، أو تشكيل مجسم يمثل الذات كما يدركها أو كما يطمح أن تكون، وتلي هذه المرحلة عملية “الاستبصار اللفظي” حيث يُدعى الفرد للحديث عن منتجه الفني. وفي هذا الصدد، توثق المحللة النفسية جوديث آرون روبن Judith A. Rubin حالات دالة منها الطفلة “إيفلين” التي جسدت صراعها مع الانعزال بمنحوتة لـ “سلحفاة” تعكس خوفها الوجودي من مغادرة صدفتها الحمائية، وحالة المراهقة التي شكلت “كلباً مهجناً مطروداً” كاستعارة لتمثيل صدمة التخلي والضياع الهوياتي. إن التشكيل النحتي استناداً إلى هذه المقاربات يتجاوز كونه نشاطاً يدوياً ليصبح منهجاً استكشافياً للرغبات اللاواعية عبر وسيط غير لفظي. وبما أن تشكيل الوجه وصياغة ملامحه يمثلان ذروة التعبير عن الهوية والانفعالات في العمل النحتي، فإن هذا يقودنا منطقياً إلى استكشاف آلية علاجية أكثر تخصيصاً وتعمقاً في مفهوم “الوجه المستعار” أو “الأنا البديلة” وهو ما يتجسد بوضوح في ورشة الأقنعة.
- الأقنعةLes masques
يمثل القناع غطاءً للوجه الذي يعتبر الجزء الأكثر انكشافًا وحساسية في جسد الانسان، وقد يمثل وجهًا ثانيًا أو “جلدًا ثانيًا” (Lesoeurs : 1985) على حد تعبير المحلل النفسي ديدييه انزيو Didier Anzieu. يعمل هذا الجلد على تحديد ملامح الوجه فيخفي تعابيره الدالة على الهوية الداخلية ويكشف عنها على حد سواء. وبذلك، يمثل القناع بمختلف أنشطته من صنع وتشكيل وتفاعل، درعا يمنح الفرد قدرًا من الأمان والحرية ويحفز وظائف نفسية وجسدية متعددة لعل أبرزها وظيفة الاحتواء التي تتيح له مجالا للتنفيس عن أحزانه أو غضبه وعدوانيته. وعلى الصعيد الاجتماعي، يسهل القناع على مرتديه التواصل مع الآخرين ويمنحه حرية اكبر في التفاعل محميا بوجه شخصيته. فالقناع يسمح بفهم أعمق للجسد واستعادة الوعي به، حيث تحفز تعابيره الجامدة الحركة والتعبير عن المشاعر والأحاسيس التي يعجز الوجه والكلمات عن إيصالها. وقد اكتسبت لغة القناع التعبيرية أهمية بالغة في العلاج بالفن خاصة لدى المراهقين أي الأفراد الذين في طور البحث عن هويتهم، فعندما يرتدي المراهق قناعا يمكنه أن يخفي ويُموِّه جوانب معينة ولكنه يعلن ويكشف عن أخرى. اذ ما يصوغه الفرد على هيئة وجهه يصبح موضوعًا لإسقاط جوانب من ذاته تتجسد في شخصيات خيالية ذات سمات مادية ولونية محددة. وفي هذا الاطار، تتنوع تقنيات إنجاز الأقنعة ضمن ورش العلاج بالفن لتشمل تمارينها القولبة بالضمادات الجبسية والتشكيل بالأوراق الكرتونية.
تقنية القولبة بالضمادات الجبسية:
يعتمد هذا التمرين على إنتاج قناع باستخدام بصمة الوجه وتقنية “بلاتريكس” (Platre X)، وهي عبارة عن ضمادات علاجية تتألف من لفائف رطبة مخصصة للاستخدام الطبي. توفر هذه الطريقة تجربة حسية قائمة على الاحتواء حيث تسمح الضمادات الجبسية بتشكيل دقيق لملامح الوجه وتجاويفه. كما تتميز بسهولة التطبيق وإمكانية التعديل على البصمة. يتطلب الإجراء تثبيت المريض وإغلاق عينيه بعد دهن الوجه بالفازلين وحماية العينين والفم. ثم توضع طبقتان من الضمادات الجبسية المشبعة بالماء الدافئ على البشرة، حيث تجف بسرعة لتكوين قالب دقيق لملامح الوجه خلال دقائق معدودة. يستلزم إنجاز هذا القناع استثمارًا من كل من القائم بالقولبة والشخص الخاضع لها مما يعزز التواصل الحميم بين المريض والمعالج. يُعد وضع الضمادات مريحًا وقد يسهم في تعزيز التركيز الذاتي، بينما تتطلب إزالة القالب عناية ولطفًا. عقب ذلك، تُدعَّم البصمة الجبسية قبل الشروع في عملية التحويل وانشاء الشخصية المنشودة، تكمن أهمية هذه البصمة في أنها تتطابق مع الوجه بدقة بالغة. في هذا السياق، يؤدي القناع وظيفة المرآة الداخلية MIROIR INTÉRIEUR التي تعكس خصائص الفرد الذاتية. بالتالي يتبدى العمل الفني عبر القناع بوصفه تفاعلاً ديناميكياً بين تمظهرين للجسد: أحدهما جسد خيالي (يتمثل في صورة القناع)، والآخر جسد واقعي ملموس (صورة الذات المنعكسة). إن هذا المواجهة البصرية بين الصورتين قد تثير مستويات متفاوتة من القلق لدى المستفيدين فبينما يجد البعض صعوبة في التماهي مع ذواتهم عبر البصمة الجبسية لوجوههم قد ينغمس آخرون في تأمل هذه الصورة الحميمة إلى حد الاغتراب، حيث يصبح المريض أسيراً لانعكاسه الذاتي مما قد يفضي إلى نوع من الانفصال عن المحيط الخارجي.
تتجلى فاعلية هذا التمرين في سياق العلاج بالفن من خلال عملية “إعادة التغليف” باستخدام الضمادات الجبسية وما تتيحه من ملامسة حسية لهشاشة المادة وتكرار للفعل الترميمي، كما يمكن توظيف العجينة الطينية لإنتاج نسخ متعددة تعزز من سيرورة التعبير وتعد هذه التقنية ذات أثر بالغ لا سيما في مرحلة المراهقة. وتستشهد الباحثة سيلفي باستي Sylvie Basté بحالة “فيوليتا” (19 عاماً) التي أنتجت خلال ورشة علاجية سبعة أقنعة كان من أبرزها قناع “الأمير العربي” وقناع “ميتاليكور”. وعلى الرغم من افتقار “فيوليتا” للمهارة التقنية الطوعية في تطويع الخامات إلا أن منجزها كان غزيراً بالرؤى التصورية حول شخصية القناع التي تتشكل تدريجياً، فقد اتسم القناع الأول بسمات تدميرية تجسدت في وجود ندبة وعين مغلقة وأخرى مفتوحة إحالةً إلى إصابة صادمة مع اعتماد ألوان تمنح إيحاءً بالجلد المحروق وتتويجه بعمامة مرتفعة (صورة12). أما القناع الثاني فقد استغرق وقتاً طويلاً في صياغة هيئته الهجينة وتلوينه بتضاد لوني حاد بين الأحمر والأسود (صورة13). إن هذه الوجوه الغرائبية، وبالرغم من انفصالها الظاهري عن واقع الطفلة تم استثمارها في ألعاب الأقنعة كآلية إسقاطية كشفت عن رواسب من طفولتها إذ وصفت تلك المرحلة بأنها كانت تعيش “في خضم حرب صوتية” (Basté et autre: 2017, p. 58) وهو تعبير استعاري يشير إلى بيئة مشبعة بالضجيج أو العنف اللفظي والانفعالي، مما يجعل من القناع وسيطاً رمزياً لتصريف تلك الصراعات الدفينة. يُستشف من تعبير فيوليتا عن طفولتها بوصفها حرباً صوتية حالة من الانتهاك الحسي الذي أعيد تدويره تشكيلياً عبر مسام القناع. فالندبات والحروق البصرية التي أسبغتها على منجزها الفني ليست إلا انعكاساً لندبات نفسية غير مرئية سببتها البيئة الصوتية العنيفة. إن القناع في هذه الحالة يعمل كـغلاف جلدي ثانٍ يسعى لترميم الذات التي تفتتت بفعل الصدمة محولاً العجز عن الكلام إلى قدرة على التجسيد المرئي. في هذا التمرين يمكن أيضًا استعمال دعامات أخرى غير بصمة الوجه وذلك من خلال تشكيل الهيئة التقريبية له باستخدام شبكة سلكية تُغطى لاحقًا بلصق الورق أو باستعمال ضمادات جبسية أو مواد أخرى متنوعة كالصوف والأقمشة، وذلك لابراز الملامح يدويا. كما يمكن تطبيق هذه الضمادات أو الملصقات على قناع بلاستيكي أو بالون أو وعاء لتسهيل تشكيل تعابير الوجه. ان هذا النوع من الأقنعة غير قابل للارتداء انما يُستخدم كنموذج مجسم يُوضع بعيدًا لعدم اريحيته.

تقنية التشكيل بالأوراق الكرتونية:
تُعدُّ هذه التقنية وسيلةً علاجية وترفيهيةً قيّمةً للأطفال حيث تتيح لهم إمكانية ابتكار أقنعة بسيطة باستخدام علب كرتونية، وذلك عن طريق إحداث فتحتين مخصصتين للعينين والفم فيها ومن ثم تشكيلها باستخدام الملصقات الورقية المتنوعة. يمكن كذلك إضافة تفاصيل وعناصر أخرى لابراز ملامح القناع مثل الأنف والتجاعيد أو حتى البثور والقرون، مما يضفي طابعًا خصوصيا على العمل، “كما في حالة الفتاة المصابة بفقدان الشهية العصبي التي قد تضفي على قناعها سماتٍ قتاليةً كجمجمةٍ بارزةٍ تعكس استثمارها الفكري المفرط.” (Basté et autre: 2017, p. 59)
يتميز تمرين صنع الأقنعة بهذا الأسلوب بسهولته وفاعليته خاصةً الشكل المكعب الذي يلقى استحسانًا لدى الأطفال إذ يذكرهم بالروبوت ويمكن ارتداؤه على الرأس كهيئة الخوذة. كما يمكن أن يُمثل القناع “قرينًا” يعتبر إسقاطًا لاضطراب داخلي أو صراع أو شعور بالذنب، حيث يلجأ المريض إلى حماية ذاته بالانفصال عن أجزاء منها واسقاطها على ذات أخرى هي “القرين” الذي يمثله القناع. وبمجرد الدخول في اللعب المقنع، ينخرط المريض و”قرينه” في علاقة تهدف إِلى مواجهة التخيلات الخاصة من خلال آليات الإخفاء والإظهار. في هذا الاطار نستحضر عينة من ورشة جودیث آرون روبن Judith A. Rubin، لوري كانت طفلة في عمر الخمس سنوات وتحب لعبة الغميضة لذلك تم ادماجها ضمن هذا التمرين على انه لعبة اختباء اخرى لكنها خلف قناع. وتبعا لذلك صنعت البنت قناعًا من الكرتون لوحش غاضب ورسمت على ظهره صورة آخر مبتهج (صورة14)، ثم استخدمته للتمثيل فكانت تقلب القناع تارة تجسد دور وحش سعيد يحاول مصالحتي وتارة أخرى تمثل دور وحش مخيف يكرر التهديد بالقتل. انخرطت لوري في تقمص دوري الغضب والرضا من خلال القناع، وخلال ذلك التمثيل عبرت عن استيائها بخصوص حالة الغضب الشديد وبدا عليها الخوف من أن يكون ذلك سببا في تخلي أمها عنها كما فعل أبوها. من أول جلسة في ورشة الأقنعة ظهر القلق من الفقد وتجلى الغضب من خلال دراما القناع. بالتالي تمكنت الطفلة من التعبير عن مشاعرها الداخلية المعقدة والمتضاربة بطريقة آمنة وغير مباشرة. فالقناع الكرتوني الذي يحمل وجهي الغضب والرضا أصبح بمثابة وسيط سمح للوري بتجسيد أدوار مختلفة تعكس صراعها الداخلي.

اذن تعد تمارين الأقنعة أسلوبًا علاجيًا يتجاوز حدود اللعب، حيث يُمكّن الأفراد من التعبير عن مشاعرهم المكبوتة. وتُمارس هذه التمارين ضمن مجموعات، على غرار الألعاب المسرحية، اذ تبدأ الجلسة باحماءات تهدف إلى تعزيز وعي المشاركين بأجسادهم ليتمكن كل فرد من تجسيد شخصيته المقنّعة. فارتداء القناع يتطلب تهيئة حسية من خلال عدة تجارب ملمسية لتكييفه مع وجه حامله، وهي غالبًا لحظة تتسم بالحساسية فقد يشعر البعض بضيق أو اختناق في البداية، ويمكن تجاوز ذلك الشعور بتوسيع فتحات العينين أو تبطين الأجزاء الداخلية غير المريحة بالقطن أو قص الزوائد والنتوءات الداخلية لتخفيف التصاق القناع بالوجه. كما يمكن استخدام القناع على أجزاء أخرى من الجسم كاليد أو القدم أو الركبة أو البطن، وفي هذه الحالة يكتسب التعبير الجسدي أهمية مضاعفة نظرًا لاختلاف تنظيمه في الشخصية. ويُقترح هذا النوع من الأساليب الإبداعية للأفراد الذين يخشون ارتداء القناع بشكل مباشر حيث يمكنهم استخدامه كدمية.
صفوة القول، يمثل القناع وسيطًا فريدًا يقع في منتصف الطريق بين الفنون التشكيلية وفنون الأداء إذ يتصالح الجسد مع الوجه الجامد للقناع عن طريق تحريكه على غرار الدمى التي تستلزم تفكيكًا بين جسد الممثل المحرك و”جسد الدمية” الذي يبث فيه الحياة.
- الفنون الأدائية:
- دمى العرائس Les marionnettes

صورة15: دمية جسد الروح لميشيل نيدجار (1976)، متحف الفن الحديث والمعاصر، تولوز.
منذ الخطوات الأولى للحضارة، حضرت الدمى في مختلف أساليب التمثيل الإنساني مما يثير التساؤلات حول جوهر إنسانيتنا اذ نجدها تدمج ضمن الأساطير في كل عصر وفي كل مجتمع. وفي علم النفس أيضا، يلاحظ ميل الأطفال التلقائي للتحدث مع دمائهم ويمكن استغلال هذا السلوك كوسيلة للتعبير فحتى الأطفال الأكثر صمتا يمكنهم أن يعبرو بطلاقة من خلال الفن، وخاصة فكرة الدمى حيث تحمل قوة تأثيرية من خلال مرور الفرد بمراحل تشكيل الشخصية والتعايش معها في بيئة تفاعلية مرحة مما يمنحه الوقت للتكيف والتأقلم معها. يعتبر هذا النشاط أداة علاجية قيمة، إذ يتيح الوصول إلى جوانب قد لا يبلغها المعالج بالطرق التقليدية فالدمى تعيدنا إلى حميميتنا الحسية والعاطفية وتجبرنا على التفكير في أجسادنا كما يتطلب تصميمها تقنيات فنية وحرفية متنوعة كالنحت والتشكيل والرسم والخياطة والمسرح. وكما هو الحال في الفنون التشكيلية والأقنعة، يمارس المعالج بالفن فن الدمى حسب الحالة وتعتبر دمى القماش الخاصة بميشيل نيدجار Michel Nedjar (صورة15) مصدر إلهام في الورشات العلاجية الفنية حيث توحي هذه الأشكال بمعاناة عميقة عبر المواد المستخدمة (ملابس قديمة، وأقمشة ملطخة، وممزقة، ومثقوبة، ومربوطة) حيث يقوم نيدجار بعجن هذه الدمى ويغمرها بالطين ليتصبح بالكاد تتخذ شكلاً بشريًا. وفي ورشات الدمى كذلك قد يسيء الأطفال معاملة دمائهم بإسقاط العدوانية ومشاعر الغضب والخوف عليها وحتى في بعض الأحيان تجاربهم الأليمة كأطفال تعرضوا للعنف.
ينطوي صنع الدمى على تقنيات متعددة، بدءًا من رسم الشكل وتشكيل الهيكل وتغطيته مرورًا بالتواصل الحميمي مع المواد لتكوين أجزاء الجسم، وصولًا إلى تلوين الوجه وصناعة الملابس. وبفضل تعدد أشكالها وموادها وقدرتها على الحركة وإثارة فضاء اللعب، توفر الدمية مساحة للتعبير عن الذات وتستدعي قدرات وآليات متنوعة لدى المريض كالنقد والتجريب والمجازفة والملاحظة وإدراك الذات والتركيز والتفكير. وتتنوع أشكال الدمى لتناسب التلاعب والمساحة التعبيرية من أبرزها دمية القفاز (Marionnette à gaine) التي تعتمد على يد ومعصم محركها فهما اللذان يخلقان حجم الدمية داخل غلاف قد يكون جوربا يشكل الجسم والرأس مع أطراف مخيطة، تتميز هذه الدمية ببساطتها وسرعة إعدادها للعب الحركي. أما دمية الخيوط (Marionnette à fil) فتعد الأكثر تعقيدًا وتكاملاً، حيث تُصنع أجزاء الجسم منفصلة ثم تجمع المفاصل بدقة، ليتم تحريكها بواسطة خيوط يمسك بها المحرك فوق الدمية مما يتيح تحكمًا دقيقا بحركاتها. هذا النوع ذو قيمة علاجية خاصة إذ يتطلب تقنيات دقيقة في تشكيل وتنظيم عناصر الدمى ويستدعي تصورًا للجسد وتاريخه الحميم وأحيانا النظرة التي يحملها الشخص عن نفسه. في حين أن الدمية ذات العصا (Marotte) تتميز بشكل مجسم وأطراف متحركة بواسطة عصا مثبتة في الرأس أو مقبض خلف الظهر، مما يسهل التلاعب بها على مستوى مرئي أو خلف ستار. قد يكون بناء هذه الدمية أسهل بالنسبة للأطفال إلا أن حركتها قد تكون محدودة مقارنة بدمى الخيوط. مهما كان شكل الدمية فانها مثل أي عمل فني، تشارك في خلق عالم وقصة تنطلق من إدراكنا لأجسادنا حتى تصبح وسيلة تعريفية ذات أهمية خاصة للأطفال الذين يجدون صعوبة في بناء هويتهم وتنظيم فضائهم النفسي من أفكار ومشاعر. فمن خلال تخيل شخصية محددة الهوية سواء كانت بشرية، حيوانية، خيالية أو وحشية، ومنحها ملامح مميزة وسمات اجتماعية وثقافية ثم إحيائها في فضاء مسرحي للتعبير والتفاعل، يصبح تمثيل هذا العالم تحديًا خاصة لمن يعانون من اضطرابات نفسية حادة أو اضطراب طيف التوحد. ويساهم تنظيم جسد الدمية في إرساء هذا الفضاء النفسي لدى المراهقين الذين يعانون جسدا مضطربا بفعل التحولات والضغط الغريزي الذين يمرون به، ولدى البالغين الذين تنعكس صراعاتهم عبر اضطرابات جسدية. كما أن تفاعل الدمية مع شخصيات أخرى وتبادل الكلمات والإيماءات يسمح بالتعبير عن جوانب يصعب البوح بها مباشرة. بالتالي، يعزز اللعب المشترك مع هذه الشخصيات تمثيل المشاعر والصراعات مما يساعد في تنظيم الفضاء النفسي للذات خاصة بالنسبة للأطفال والأفراد ذوي الإعاقة. إن صنع الدمية هو خلق جسد، وبما أنها مُعدة للتلاعب بها وتحريكها في فضاء ما فإنها تستحضر أحاسيس المريض وخياله وصورة جسده مشيرة إلى تجارب حميمية، فتعكس الدمى جوانب وحشية أو تكون مساحة لإسقاط المخاوف والصراعات أو تمثل أشخاصًا من المحيط للتفاعل معهم مثل الأم أو الجدة فتحفز الفرد للتعبير عن الآلام من خلال التحدث معها، هذا ما يساهم في تطوير اللغة واستكشاف أنماط تواصل مختلفة. اذن تساهم ورشة الدمى العلاجية في جعلنا نتأمل العلاقة بين الحي والميت والإنساني وغير الإنساني والواقع والخيال، ثم تقبل هذا التناقض. ورغم البساطة الظاهرية التي غالبا ما تجعلها تعتبر فنًا طفوليًا الا ان الدمية تتيح لمن يعانون هشاشة نرجسية الانخراط بسهولة في صنعها والتفاعل معها. بالتالي، تشارك الدمية في خلق عالم وقصة تبدأ بالجسد الذي يجب تمثيله وتحريكه والتعبير به عن المشاعر وسرد الحكايات، وهو ما يربطها بفن المسرح.
- المسرح Le théâtre
يستثمر اخصائي العلاج بالفن قوة المسرح في تحقيق أهداف نفسية علاجية من خلال تصميم برنامج متكامل، بدءًا من كتابة القصة وتصميم عناصرها المحيطة التي تشمل الفضاء والملابس وإشراك بعض المرضى في أدوار ثانوية لتعزيز تفاعلهم وفهمهم. يتم عرض العمل على المجموعة المشاركة في العلاج ثم يعدل السيناريو ليناسب الحالة النفسية لكل مريض، كذلك يقرأ المريض نصه ويتعمق في معانيه مدركا أهمية النشاط في رحلة تعافيه وذلك بمساعدة مرافقه ثم يتم تحديد موعد للعرض أمام جمهور واعٍ بأهداف البرنامج العلاجية. في هذه المرحلة يشجع المريض على تقمص الدور بشكل كامل حيث تتبع العرض جلسة علاجية جماعية لمناقشة التجربة وما اكتسبه المشاركون ليتم بعدها تقييم النتائج. يرتكز العلاج المسرحي على التمثيل الرمزي والتواصل والتحويل مستفيدًا من تقنيات مسرحية متنوعة ضمن إطار آمن وممتع. تهدف الورشة إلى تجاوز الواقع اليومي عبر اللعب بالذات والآخر، وبما انه ليس من السهل دائمًا العودة إلى اللعب عندما لم نعد أطفالًا تتضمن التمارين احماءات جسدية وحسية وعاطفية لتفعيل التعبير الحركي وإدراك الجسد وحدوده وقدراته. يعقب ذلك عمل مسرحي ارتجالي باستخدام مواد ملموسة كالنصوص لتحفيز الإبداع بمختلف اشكاله. ورغم صعوبة إقناع بعض المرضى بأهمية الإحماء إلا أنه ضروري لاكتساب الأدوات اللازمة للاندماج في العمل المسرحي وتقمص الشخصيات. اذ تعمل التمارين التي تشمل التقليد مثلا على تعزيز صورة الجسد وتوحيدها والانتقال من الذات اليومية إلى الذات التمثيلية الخيالية. يعتمد العمل في الورشة على الارتجال عبر أدوات ووسائط ملموسة لدعم التواصل والتعبير عن المشاعر والقلق وتعزيز الانفتاح العاطفي وتوفير دعائم للدخول إلى العمل الخيالي والخروج منه، مما يساعد على الفصل بين الشخصية والذات. فبناء الشخصية هو بمثابة رسم بالجسد، انه خلق لذات أخرى ولكن بصورة مختلفة. وعلى خشبة المسرح هو مواجهة للنقص والغياب مما يحفز التفكير والتفاعل بين المشاركين. أما في الإطار العلاجي، يعد المسرح أداة تتيح للمرضى استكشاف أجسادهم وقدراتهم التعبيرية المختلفة، وتكسبهم مرونة أكبر في التكيف مع الذات والآخر والواقع. كما يمنحهم فرصة فهم بيئتهم بشكل مختلف وتعلم التواجد معًا واحترام الذات والآخر، وتجربة أشكال تواصل جديدة في فضاء علاجي آمن. بالنسبة لمن يواجهون صعوبات لغوية يعيد العمل المسرحي معنى الكلمات والإيماءات والحركات ويربطها بالعواطف والأحاسيس ويوفر طرقًا بديلة تعتمد على تحريك الحواس وتنفيذ أشكال استعارية، مما يوفر دعائم قوية للذات والاخر ويعزز التقارب العاطفي.
- الموسيقى La musique
تعد إتاحة الفرص للأطفال للتعبير عن آرائهم وميولهم من خلال الأنشطة المتنوعة كالرسم والتشكيل والتمثيل والموسيقى، أمرًا ضروريًا لتعزيز احترامهم لذاتهم وثقتهم بأنفسهم، مما يُسهم في تكوين شخصية سوية ومتوازنة. وتؤكد عواطف عبد الكريم على “الدور الخاص للموسيقى في تحقيق النمو الشامل للطفل في مختلف النواحي الجسمية والانفعالية والاجتماعية والعقلية، بالإضافة إلى دورها في تحقيق التوافق مع البيئة المحيطة وتعزيز المفاهيم الدينية والقومية، فضلاً عن تنمية الاعتماد على النفس والشعور بالقيمة. (عبد الكريم: 1982، ص 16)
وفي مرحلة المراهقة، تتجلى أهمية الموسيقى في حضورها القوي في حياة الشباب حيث تتجاوز كونها مجرد تناغم صوتي لتصبح الايقاعات وسيلة للتعارف والتلاقي وبناء الهوية الفردية والجماعية. وقد أثرت التقنيات الحديثة والرقمنة بشكل عميق على علاقة المراهقين بالموسيقى التي ترافقهم في مختلف أوقاتهم على مدار اليوم. أما في السياقات العلاجية، فتستخدم كجسر للمرضى الشباب في البيئة المدرسية المتغيرة مما يُتيح لهم الحفاظ على مساحتهم الخاصة ويُساعدهم على التكيف مع الواقع الانتقالي ودخول مرحلة البلوغ. كما يُمكن أن يُساهم الاستماع الموسيقي ضمن الورشات العلاجية في خلق فاصل بين باطن المراهق وخارجه الذي يمكن ان يكون عدوانيا أو منعزلا مما يُساعده على تحديد ذاته.
اذن العلاج بالموسيقى هو تعزيز للقدرات البشرية من خلال استثمار التأثيرات الموسيقية على وظائف الدماغ، مما يؤثر إيجابًا على الجوانب الإدراكية والانفعالية والعاطفية وقدرات الفرد بشكل عام. وتعد الموسيقى أسلوبا فعالًا وسهل القبول في الورشات العلاجية نظرًا لتغلغل هذا الفن في ثقافة المجتمع المعاصر. وبناءا على ذلك يستطيع المعالجون بالفن تطبيق الموسيقى المناسبة كعلاج تكميلي لعديد من الأمراض بشكل أسرع وأكثر تأثيرًا من الطرق غير الموسيقية. فعلى سبيل المثال يُمكن للموسيقى أن تُساعد في إعادة تأهيل الكلام لدى مرضى الحبسة وفي التعبير العاطفي لدى الأشخاص المصابين بالاكتئاب، وقد أشار تشارلز جورجي Charles Gourgey إلى أن هذا الأسلوب يمثل دمجا بين العلاج النفسي وفن الموسيقى، اذ “يراعى العلاج بالموسيقى خصوصية الحالة من حيث العمر والثقافة… وخاصة الأطفال الذين لم تتكون مهاراتهم الكلامية بعد، فهؤلاء مثلا يستجيبون بفاعلية أكبر إلى طرق العلاج التي لا تعتمد على الكلمات.” (نجله: 2006، ص 21) وعلى الرغم من أن المعالجين هنا هم في الأساس موسيقيون، إلا أنهم يعملون على صياغة الأهداف العلاجية باستخدام النغمات لتلبية مختلف الاحتياجات مثل التدريب على الاندماج الاجتماعي واستخدام اللغة وتنمية المهارات الحركية. وقد يتعاون المختصون في العلاج بالموسيقى مع غيرهم من المعالجين والمعلمين لوضع برامج علاجية فردية تُستخدم فيها الموسيقى كمصدر دائم للمساعدة في إعادة تأهيل ونمو الأطفال خاصة منهم ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث يُساعد الدعم المناسب من الوالدين والمعلمين على ربط هؤلاء الأطفال ذوي الإعاقات ببيئتهم من خلال الأصوات والتعامل مع مجموعة متنوعة من الآلات الموسيقية. كذلك أظهرت الدراسات مدى فعالية العلاج بالموسيقى في التعامل مع مختلف الحالات المرضية، مثل آلام الأطراف والأطفال المبتسرين أي المولودين قبل أوانهم وكذلك الأمراض المزمنة والإعاقات الجسدية والعقلية ومرض الزهايمر والأمراض الذهانية مثل التوحد. ويتم تشجيع الأفراد الخاضعين لبرامج العلاج بالموسيقى على الاستفادة من قدراتهم من خلال المشاركة في نشاطات موسيقية متنوعة بأهداف علاجية محددة، مما يساعدهم على توفير مستويات أعلى من الاستقلالية ويحفز استجابات سلوكية ونفسية واعية اكثر. كما يعد هذا الأسلوب ناجحًا في تسهيل وضمان نشاط مرضى الزهايمر حيث ويستخدم المعالجون أنشطة أخرى مصاحبة للموسيقى لتعزيز الاستقلالية والمشاركة كالغناء والرقص. أما في المراحل المتأخرة من هذا المرض يزداد التركيز على تحسين جودة الحياة المتبقية للمريض، ويُعدّ نموذج “موسيقى علم الموت” جزءا من تمارين العلاج بفن الموسيقى حيث عرفه شرودر(1994) على أنه “شكل طبى مسكن توظف الموسيقى فيه حتى تخدم الاحتياجات الجسدية والروحية المعقدة” (نجله: 2006، ص 38) بالتالي يشير الى دور الموسيقى في علاج الاضطرابات النفسية لدى مرضى الزهايمر، حيث يُعدّ وسيلة مؤثرة في الجوانب السلوكية وقد يُساعد في تخفيف اعراض الاكتئاب وتوفير الراحة للمرضى، خاصة الذين يرقدون في المستشفى فقد أصبح العلاج بالموسيقى أسلوبًا شائع الاستخدام لمساعدتهم على إدارة مشاعر القلق لما يتمتع به هذا الفن من قدرة على تحسين الحالة المزاجية وصرف الانتباه عن الألم الجسدي.
- الرقص La danse
إن تمارين الرقص اكثر ما يستقطب الأفراد في ورشات العلاج بالفن لقدرتها الفريدة على ملامسة أعماقهم الوجدانية من خلال تجربة حسية حركية مفعمة بالنشوة والانسجام والفيض العاطفي المتبادل مما يمنحهم شعورًا عميقًا بالرضا. في هذا السياق، يتجاوز فعل الرقص الغايات الوظيفية ليستمّد قيمته من جوهره محدثًا حالة انفعالية مميزة تؤدي إلى التقاء روحي بين الراقص والمتفرج. فعلى عكس النحات الذي يطوع مادة خارجية، نجد المادة الأساسية في هذا الفن هي جسد الراقص ذاته الذي يشكل أداة يتم من خلالها التعبير باتخاذ وضعيات متنوعة. فالجهاز الحركي والحسي يشكلان جزءًا لا يتجزأ من كيان الراقص وهما أساس قدرته على خلق صور حركية. تتضمن الحصص العلاجية في جزء منها ارتجال حركي موجه حيث تشكل التمارين السابقة قاموسًا إيمائيًا يستفيد منه المشاركون عند الحاجة فيستطيعون ببساطة إعادة أداء الحركات التي تم استكشفها سابقًا، مما يحررهم من هاجس الفراغ الإبداعي ويشجعهم على استكشاف حركاتهم الخاصة دون ضغط لتحقيق نجاح معين. كما تتطور التمارين نحو استخدام متعدد الاتجاهات للفضاء والتفاعل العفوي بين المشاركين للانتقال من تقليد حركات المعالج إلى الخيارات الشخصية، ومن الثبات المكاني إلى الحركة الحرة والتموقع داخل الفضاء، ومن الوعي بالجسد الخاص إلى الوعي بحضور الآخرين، وفي بعض الأحيان تستخدم ضخمات حسية كالأقمشة لمساعدة الفرد على الإصغاء إلى جسده.وتحفيز الحواس المختلفة وتعزيز التفاعلات بين المشاركين، مما يعزز الحرية والإبداع والانفتاح على العالم الخارجي. بالتالي لتمارين الرقص أثر علاجي تكميلي من منظور التجربة الحميمة والجسدية، حيث يوفر التعبير الجسماني وسيلة للتجاوب والتنسيق الحركي ويعد الإحساس بالجسد معادلا للشعور بالوجود والوعي الذاتي وتكوين الهوية، ويكتمل هذا الإدراك بالتفاعل مع العالم الخارجي مما يؤدي الى تجاوز حالات الانطواء والاكتئاب وتعزيز متعة الوجود. كما يتمثل دور المعالج بالفن في مرافقة الفرد في رحلة اعادة اكتشافه لذاته وهويته من خلال الوعي الحسي الجسدي وذلك عبر تمارين يقترح فيها الرقص كوسيط فني، ولكن مع مراعات الاحتياجات الفردية لكل مشارك. في هذا الصدد تؤكد آني بوير-لابروش Annie Boyer-Labrouche أنه “من الضروري دراسة دواعي استخدام طريقة معينة لكل مريض بعينه، مع الأخذ في الاعتبار المقاومات المحتملة وتوقع نشوء عوامل القلق، علمًا أن الموسيقى تتيح قدرًا أكبر من العفوية.”(Boyer-Labrouche : 1992, p. 63) أي أن التعبير الجسدي من خلال العلاج بالرقص قد يثير مقاومة ربما تكون ناتجة عن ضعف تقبل الجسم أو رفض نظرات الآخرين. في هذه الحالة، يتمثل دور المعالج بالفن في مساعدة المريض على تجاوز هذه العوائق فمن ضمن أهداف الورشات العلاجية بالرقص هو تمكين الفرد من تقبل جسده والاستمتاع بما يقوم به من حركات.
- الفنون الأدبية:
- القراءة والكتابة La lecture et l’écriture
لقد أتاحت الفنون التشكيلية والأدائية لبعض المرضى التعبير عن تصوراتهم الذاتية بأساليب غير لفظية متنوعة بينما يجد آخرون في تدوين الكلمات شعراً أو نثراً منفذاً أسهل للتعبير عن مكنوناتهم. ومن هذا المنطلق تبلورت فكرة إنشاء ورشة متخصصة في القراءة والكتابة بهدف خلق نمط بديل للكلام وتيسير انبثاق أساليب تعبير جديدة لدى المشاركين، وهو ما يتماشى مع بدايات الاهتمام بالعلاج بالقراءة حيث “اعترف قاموس دورلاند الطبي المصور لأول مرة بالعلاج بالقراءة عام 1941، وعرف مصطلح “بيبليوثيرابي” بأنه استخدام قراءة الكتب في علاج الأمراض العصبية.” (شلتوت: 2019) لا تحمل هذه الورشة غرضا أدبيا بل تنطوي على جملة من الأهداف العلاجية تتصدرها مساعدة الأفراد على استشعار جمالية اللغة ومتعة الكلمات ودقتها ثم إقامة تفاعل حسي مع الكتابة، فضلاً عن تمكينهم من تقاسم قدراتهم الفكرية والإبداعية وتحفيزها، كما تهدف إلى توفير بيئة للتأمل وتحليل الذات وتنمية التفكير النقدي بالإضافة إلى تبادل التصورات والرؤى حول القضايا التي تشغلهم. ويجري التحضير لكل جلسة بعناية تشمل مراجعة دقيقة للنصوص المنتجة وتقديم تعليقات موجهة تهدف إلى تطوير أدائهم اللغوي والإبداعي. وتتخلل الورشة أنشطة كتابية متنوعة بدءاً من كلمات تصف عملاً فنياً وصولاً إلى صياغة قصائد تعكس المشاعر والأفكار أو سرد قصصي متكامل يحمل رؤاهم وتجاربهم ثم تنتقل هذه النصوص بين المشاركين لتعم الاستفادة. تمنح قراءة الحكايات بأسلوب الحكواتي الحياة للقصص ويغذي خيال الفرد ويعرفه على الهياكل السردية والشعرية الكامنة في اللغة بينما يحفز استحضارها في الكتابة فضوله ويمنحه نقاطاً مرجعية لهيكلة قصائده وقصصه الخاصة. كما أن صياغة الحكايات والسيناريوهات والنصوص الشعرية المصاحبة للإبداعات الفنية تتيح للمرضى مواجهة مواقفهم الصعبة والمؤلمة في فضاء إبداعي آمن، وتنمية الروح النقدية لديهم وقدرتهم على التعبير عن الذات في كلمات شعرية أو سردية، مما يعزز فهمهم لذواتهم وما يحيط بهم ويمنحهم صوتاً فريداً للتعبير عن عالمهم الداخلية. في هذا السياق قال بودلير عن الشاعر: “يتمتع بامتياز لا يُضاهى ألا وهو قدرته على أن يكون ذاته والآخرين كما يشاء.”(Klein : 2012, p. 69) أي أن العلاج بالفن من خلال الشعر يسمح لنا بلمس الآخر الكامن في أعماق الذات وإدراك الازدواجيات التي تتعايش وراء الهوية.
- العلاج الفني الأسري:
يرتبط مصطلح “أسرة” أو “عائلة” في الوعي الاجتماعي بوجود الطفل، ويجمع المختصون على دورها المحوري في تشكيل شخصية الفرد إذ تمثل أول بيئة ينشأ فيها ويتأثر بها. ومن خلال تفاعل الطفل مع والديه تتشكل هويته وتنمو شخصيته مما يجعل سلوكياته انعكاسًا لبيئته الأسرية. بناءً على ذلك، يمكن إرجاع السمات الأساسية للسلوك الاجتماعي للفرد إلى علاقاته بأفراد أسرته، ومن الطبيعي أن يؤثر كل فرد في الأسرة على الآخرين حيث تحدث الاضطرابات النفسية التي تظهر منذ الطفولة تأثيرا على الأداء الوظيفي للأفراد وعلى الإطار العائلي ككل. على سبيل المثال، يكون مستوى القلق والاكتئاب لدى آباء الأطفال المصابين باضطرابات أو إعاقات أعلى من المعدل الطبيعي وغالبًا ما يضطرون إلى تعديل مساراتهم المهنية لمواكبة متطلبات رعاية أطفالهم. وهذا يسلط الضوء على التأثير الكبير لاضطراب طيف التوحد ليس فقط على الفرد المصاب بل يمتد ليشمل أسرته والمجتمع أيضا. فعلى الصعيد الأسري يواجه أولياء أمور الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد ضغوطًا نفسية هائلة وتغييرات جذرية في نمط حياتهم اليومية، بالإضافة إلى أعباء مالية متزايدة إذ تتطلب هذه الفئة من الأطفال رعاية خاصة تستلزم القدرة على مرافقتهم وتخصيص الوقت لهم، وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى تحولات في حياة الأسرة. أما على الصعيد المجتمعي، فتتزايد التكاليف المباشرة وغير المباشرة للرعاية الصحية والاجتماعية وتبرز الحاجة إلى توفير خدمات تعليمية وتأهيلية متخصصة.
وفي حالات أخرى، قد يؤدي هذا الكم من الضغط على الأسرة إلى نفور من الطفل. فعندما يستبد الألم بالوالدين ويقضي الاضطراب النفسي على الآمال ويمحو الآفاق المشرقة التي يتمنونها لأبنائهم، لا يبقى سوى شعور الألم يربط الآباء بالطفل في يأس يضطرون لمكافحته باستمرار وقد يأخذهم ذلك إلى التخلي عن طفلهم المضطرب ليعيش في ظروف مغايرة. بالتالي، لا بد أن تتشكل شخصيته على نحو يعكس الأثر الذي يسببه غياب الدعم العائلي فأثر الوالدين يكون واضحا خاصة اتجاهاتهما الشعورية واللاشعورية نحو أبنائهما، فالسلوك الأبوي ليس ذا أهمية فقط في التأثير على كيفية إدراك الطفل لعالمه كالحب والعدوان ولكنه أيضا عامل أساسي يؤثر في كيفية إدراك وتقييم الطفل لذاته. وما من شك في أهمية المكانة التي تلعبها العائلة لضمان النمو المتوازن للطفل حيث يكون بحاجة لتواجدها كمصدر للمحبة والعاطفة وكمصدر للإحساس بالأمن، وهي كذلك مصدر رئيسي لاكتساب المعايير والقيم الاجتماعية والأخلاقية. كما يخلف فقدانها آثارًا سلبية على مستوى تقدير الذات وعلى حمل صورة سلبية عنها تؤدي لتصاعد المشكلات والصراعات الداخلية لديه، كما يمكن أن تخلف ظهور سلوكيات عنيفة موجهة نحو الذات، كما ينجر عن فقدان السند العائلي الإحساس بالذنب. “وترى آنا فرويدAnna Freud أن للفصل عن العائلة آثار سلبية حيث يحدث هزة عنيفة ناجمة عن الحرمان من الإتصال الوجداني بوالدية وهو مؤثر أيضا على مسألة الإحساس بالأمن. كما يؤثر فقدان العائلة على مستوى تأمين حاجيات الطفل الأساسية ، ويعتبر غيابها تهديدا للكيان يخلف عديد الاضطرابات السلوكية.” (بن عبد الله: 2016، ص 44)
يواجه بعض المعالجين بالفن صعوبات جمة في التكيف مع سلوكيات الأطفال المختلفة خلال ورش العلاج حيث يتعلق الطفل احيانا بمعالجيه اكثر من أسرته، مما يجعلهم يميلون إلى التماهي مع دور الوالدين وهو ما قد يدفعهم دون وعي إلى التنافس مع الأم على مكانتها. هذا التنافس يخلق لدى الطفل وهمًا بوجود أم معالجة جيدة مقابل أم سيئة في الواقع الخارجي مما يثير لديهم مشاعر القلق. لذلك يستحسن أن يكون هناك حد أدنى من المعلومات حول الأسرة قبل عملية التشخيص باعتبارها البيئة الأولى للطفل وتهيئ الظروف اللازمة لتكوين حياته النفسية. فالإطار العائلي الذي يعاني من صدمات لا يكون قادرًا على توفير حاضنة نفسية سليمة لاحتواء طفلها. هنا يبرز دور المعالجين الذين تكمن مهمتهم في تخفيف حدة هذا الإحباط وإضفاء ألوان زاهية على هذا الوضع الرمادي.
يمكن للتدخل العلاجي المناسب أن يحسن جودة حياة الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية وأن يحرر آبائهم من آلامهم، حيث أصبحت الورشات الفنية العلاجية لا تقتصر على المرضى إنما تشمل عائلاتهم أيضًا. فالعلاج الأسري حسب ما ورد في قاموس التحليل النفسي: “هو أسلوب علاج نفسي جماعي ينطلق من التاريخ العائلي للفرد ويستند على اشراك أسرته في معالجة الاضطرابات النفسية، بالتالي تُعتبر العائلة إما بنية تُشكل هوية الفرد أو بيئة مُمرضة تهيمن عليها قيود نظامية وتحكمها قواعدها الخاصة. (Roudinesco et Plon : 1997, p. 1075) لذلك تعمل هذه العلاجات على توفير راحة للآباء وتساعدهم على التعامل بفعالية أكبر مع وضع أبنائهم ويقلل من تأثير اضطرابات الأبناء على جودة حياتهم. وهذا ما أكدته دراسة بونتري Ponter 2001 التي بحثت في تأثير العلاج بالفن الجماعي على الحالة النفسية للأمهات وطبيعة تفاعلهن مع أطفالهن، “شارك في الجلسات العلاجية أربع أمهات وأطفالهن، وكانت الأمهات لديهن أعراض اكتئابية أثرت على رعايتهن لأطفالهن، واتضح من الدراسة أن الأمهات سجلن مستويات عالية من تقدير الذات، وصورة ذات موجبة أكثر بعد العلاج بالفن، وأصبح لديهن اتجاهات تفاؤل انعكست على علاقاتهن بأطفالهن.” (عبد النبي: 2008، ص 9) وتتنوع تمارين العلاج بالفن المخصصة للأسرة، منها تمثيل صورة عائلية شخصية أو العمل الجماعي على جدار مشترك.
صورة شخصية للأسرة:
يعتبر تمثيل العائلة في العلاج بالفن أداة تشخيصية وتحليلية، يعكس الفرد من خلالها علاقاته الأسرية ويبين تصوراته ونظرته الخاصة تجاهها. عادة ما يجسد الأطفال الأبوين بترتيب يعكس اهميتهما ويبرز تثمين الشخصية من خلال تكبير حجمها والإهتمام بتفاصيلها مقارنة ببقية الشخوص، كما أن اهمال أو حذف شخصيات أخرى قد يكون تعبيرا عن المشاعر السلبية تجاهها، وأيضا من المهم ملاحظة التوزيع المكاني للشخصيات ومدى قرب أو بعد الشخصيات عن بعضها. وهو الذي يعتبره المختصون مهما لذلك يطلب في هذه الورشة من كل فرد في العائلة أن يمثل صورة شخصية للأسرة، ان كانت واقعية أو يتخيلها، من خلال عمل ثنائي أو ثلاثي الأبعاد باستخدام وسائط فنية متنوعة كالرسم أو النحت. هذا النوع من التمارين يعد بمثابة اختبارات نفسية تكشف عن أحاسيس ودوافع لا واعية للفرد وتقيّم العلاقات الأسرية، كما يمكن أن تكشف عن صورة الفرد نفسه لذاته في الوسط العائلي. في هذا السياق “يرى كل من بولونجي ومورفال (1975) أن رسم العائلة يمكننا من تقييم تمثله الداخلي لها من حيث تنظيمها وبنية ونوعية علاقاتها الداخلية وهو يعكس بعض الخصائص المميزة لعائلة كل طفل.” (بن عبد الله: 2016، ص 35-36)
هذا التمرين يكشف عن تمثلات كل فرد تجاه وسطه العائلي وقد أثبتت الدراسات وجود فروقات بين رسومات الأطفال ذوي الدعم الأسري المستقر وأولئك الذين يفتقرون إليه. ففي حين تميل الفئة الأولى إلى تصوير العائلة بصورة متماسكة وسعيدة تظهر الأخرى قلقاً واضطراباً وهو ما يصور آثار هذا الحرمان. على سبيل المثال نذكر دراسة باناريس فاسكيز وريفاس مارتينيز؛ بورتيجو & Banares Vasquez & Rivas Martinez ; 1969) (portejo “الذين درسوا رسم العائلة مع أطفال فاقدين للسند العائلي بميتم بالبرتغال في سن 9 سنوات، أطفال حرموا من آبائهم وأمهاتهم منذ الولادة حيث بينت النتائج أن الأطفال يرسمون عناصر غريبة ليست لها علاقة بموضوع الرسم الأساسي وهو العائلة مع وجود عناصر دالة على العنف والقلق وتضخيم صورة الأب.” (بن عبد الله: 2016، ص 37).

الجدار المشترك:
يُعد هذا التمرين بمثابة منصة تفاعلية تجمع أفراد الأسرة في نشاط فني واحدة حيث يُطلب منهم التعاون لإنتاج عمل مشترك على جدار أو لوحة كبيرة. بالتالي يتجاوز هذا التمرين مجرد التعبير الفني فيتيح لأفراد العائلة فرصة للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم بطريقة أفضل ويسهل التواصل فيما بينهم، كما يساهم في تعزيز الروابط الأسرية من خلال العمل الجماعي المشترك ويشجع على التعاون والتفاهم المتبادل. أما بعد الانتهاء من العمل الفني يُشجع أفراد الأسرة على مناقشة تجربتهم الجماعية وتبادل الآراء حول المنتج النهائي مما يساعد في فهم ديناميكيات الأسرة وتحديد نقاط القوة والتحديات وتساهم في تطوير استراتيجيات فعالة للتعامل مع المشكلات الأسرية. ويكتسب هذا النشاط بعدًا إضافيًا عندما يُطبق في سياق العلاقة بين الأم وطفلها إذ أثبتت الدراسات أن الأمهات والأطفال الذين يعانون من صعوبات نفسية يستفيدون بشكل خاص من ورشة العلاج بالفن، فمن خلال استخدام مواد فنية بسيطة والتلوين واللعب معًا يتمكنون من بناء علاقة ارتباطية أقوى وأكثر إيجابية ويكتشفون طرقًا جديدة للتواصل في بيئة خالية من الضغوط. حيث يبدي الأطفال اهتماما بالمشاركة مع أمهاتهم في هذه الأنشطة وهو ما يحفز تجاوب الأمهات. كما أن إنتاج الصور ومشاهدتها يدعم معنى الهوية والانتماء لدى كل من الأم والطفل، فالتعبير المباشر عن الأحاسيس من خلال محتوى العمل الفني وطريقة تنفيذه يساعد كلا منهما على فهم بعضهما البعض بشكل أفضل. بالتالي تعدّ الصور بمثابة راع للذكريات والأنشطة المشتركة اذ يُشعر التصوير في عمل مشترك الأفراد بالمساواة، ويُمكن حتى للأطفال الصغار إنتاج صور بارزة مثل البالغين مما يترك تأثيرًا قويًا حتى وإن لم يتم التعبير عنها لفظيًا. اذن هذا النوع من الأنشطة يرتكز أساسا على الاتصال الجسدي اذ يميل الأطفال إلى التفاعل المباشر مع المواد الى جانب الاستجابة الحسية للأم.
صفوة القول، تكمن القيمة العلاجية للفن بمختلف مجالاته في عملية الإبداع نفسها وليس في المنتج النهائي. فمن خلال التعبير الحر عن الذات يكتشف الفرد جوانب متعددة من شخصيته ويعزز ثقته بنفسه، لذا يتجاوز اعتماد الوساطة الفنية حدود التنشيط والترفيه ليصبح نهجًا علاجيا شاملا يسهم في تطوير جوانب متعددة من شخصية الفرد سواء كان طبيعيًا أو من ذوي الاحتياجات الخاصة فهو يستهدف تنمية القدرات الكامنة وتمكينه من النمو والتطور على المستوى النفسي والعاطفي والأسري. كما أن الفنون تدعم انماط التعلم المختلفة حيث تترسخ المعلومات لدى من يعانون من صعوبة التعلم المباشر من خلال الصور والرسومات والبراعات اليدوية، هذا بالإضافة لدورها في دعم المهارات الحسية الحركية الكبرى والدقيقة من خلال انشطة المسرح والتعبير الايقاعي والتشكيلي. تعتمد التقنيات المستخدمة في العلاج بالفن على اتصال مباشر بالمادة مع اشراك البصر واللون والخيال والحركة مما يوفر مصدرًا للتجريب والاستكشاف. ففي العلاج بالفن لا توجد قواعد ثابتة بل يعتمد الأمر على التجريب والحدس في إطار مساحة الورشة، حيث يساعد المعالج بالفن الأفراد على استعادة عوالمهم الداخلية تدريجيًا وإعادة تشكيلها بطريقة أكثر احتمالا للعيش. ومن خلال الرسم والتلوين والنحت والتشكيل والكولاج والتجميع والموسيقى والرقص والمسرح والقراءة والكتابة، يوفر العلاج بالفن مساحة آمنة للأفراد للتعبير عن أنفسهم واستكشاف مشاعرهم وتطوير مهاراتهم في التأقلم والتواصل. إنها رحلة نحو الشفاء والنمو الشخصي حيث يتحول الفن إلى لغة للتعبير عن الذات وتحقيق التوازن النفسي. كما أن المشاركة في التجارب الفنية المناسبة والتفاعل معها تمنح الفرد فرصة للتأمل في تجاربه الخاصة ومقارنتها بتجارب الآخرين والاستفادة من الاختلاف، بالإضافة إلى تنمية الحس الجمالي والذوق السليم مما يساعدهم على الاندماج الاجتماعي والاستعداد ليكونوا فاعلين في النسيج المجتمعي. ومن هنا ننتقل إلى الإطار العام وطبيعة الورشة الفنية العلاجية التي قد تكون جماعية أحيانا وفردية أحيانا أخرى وقد تنجز في فضاء مغلق أو مفتوح على حسب الحالة.
الاطار العام وطبيعة الورشة الفنية العلاجية
تعد الورشة الفنية العلاجية مساحة للتعبير عن الذات واستكشاف المشاعر والمكنونات الداخلية من خلال الابداع الفني، وللغوص في تفاصيلها لا بد من تحديد الإطار الذي يوجه مسارها ويشكل قوامها المنهجي.
فمصطلح “الإطار” Le cadre المشتق لغويًا من الفعل الفرنسي “أطر” cadrer والذي يعود أصله إلى الكلمة الإيطالية “quadro” بمعنى شكل المربع، يتجاوز في سياق الورشة الفنية مجرد كونه حدودًا مادية. ففي الفنون التشكيلية، يُعرف الإطار بكونه الحيز الذي يحتضن الأعمال ثنائية الأبعاد، ويفصلها عن الفضاء المحيط بها، مانحًا إياها استقلاليتها وتركيزًا خاصًا سواء كانت لوحة، صورة فوتوغرافية أو نقش بارز. وتحديدًا في الرسم، أشار سامي بن عامر الى أن “الاطار يفصل الصورة المرسومة عن الفضاء الموضوعة فيه بطريقة تجعلها مستقلة عنه مثلما هو شأن القاعدة فى النحت، وبذلك يتسنى التركيز عليها باعتبارها فضاء موحدا مختلفا عن الفضاء الواقعي.” (بن عامر: 2021، ص 74) كما عُرّف في معجم مفردات الجماليات Vocabulaire d’esthétique على أنه “ما يحيط مباشرة بشخص أو شيء ما في الإدراك الحسي له، أي ما يحيط به بطريقة تُبرزه تمامًا كما يُشكّل المنظر الطبيعي إطارًا للمبنى، ويمثل إطار حياة الشخص مجموع الأشياء التي تُشكّل بيئته اليومية.” (Souriau : 1990, p. 310) ويمتد مفهوم الإطار في علم النفس ليشمل النسق أو المخطط الذي يحدد موضوعًا أو تصميم فكرة عمل. (Doron et Parot : 1991, p. 287) وقد أسهمت المدرسة الأرجنتينية للتحليل النفسي، خاصة خوسيه بليجر في تعميق فهم ديناميكيات هذا الإطار موضحةً أنه ” ليس مجرد خلفية محايدة بل هو موقع لإيداع المريض وربما المحلل النفسي لتثبيتاته التكافلية المبكرةFixations symbiotiques ” (Kaës et autres : 1997, p. 205) أي أنه يمثل مساحة آمنة تُودع فيها المشاعر العميقة واحتياجات التعلق والاعتماد على الآخر، المرتبطة غالبًا بالتجارب الأولية في الحياة. اذن يتطلب المسار العلاجي في علم النفس سواء كان فرديًا أو جماعيًا، تأسيس إطار ثابت ومحدد مسبقا تتبلور ضمن حدوده إمكانية نشأة وتطور العملية التحليلية النفسية وإحداث تغيير جوهري في بنية الذات. حيث يصبح هذا الاطار بمثابة حاوية آمنة تمكن المعالج من المضي قدمًا في عملية التحليل وتتيح للمريض الانخراط بفاعلية في المسار العلاجي لاضطراباته. ومع فهم ديناميكية الإطار التحليلي النفسي والوعي بأهمية التغيير تم بناء مساحات علاجية جديدة كورش العلاج بالفن، فعدم قدرة المريض على التكيف مع الإطار التقليدي تستدعي ضرورة ابتكار إطار خاص يمثل وسيطًا بين الإطار العلاجي الكلاسيكي والإطار التكميلي الذي يضبط لتعويض نواقص المريض. في هذا السياق يصبح الفضاء العلاجي الذي توفره الورشة الفنية حاضنة للإبداع وإطارا محركًا للتعبير عن الذات اذ يستهدف مختلف الحواس مساهمًا في تحقيق التوازن النفسي والاجتماعي لكل فرد، وكما تشير آني بوير-لابروش Annie Boyer-Labrouche في كتابها “Manuel d’art-thérapie”: “هذا الفضاء الذي ستحدث فيه الأفعال هو من نفس طبيعة ما يسميه وينيكوت ‘الفضاء الانتقالي’. إنه المساحة الوحيدة التي يُمكن فيه اللعب، وهذا اللعب يؤدي إلى ضبط النفس وثبات الأشياء.” (Boyer-Labrouche : 1992, p. 67) ويتجلى ذلك في مختلف الفنون فمن خلال الرسم يتم تنشيط حاسة البصر وعلاقتها بالجسد أثناء التلاعب بالمواد، أما جلسات العلاج بالموسيقى فتنمي حاسة السمع وكذلك الجسد عبر الحركة مع الإيقاع، بينما في العلاج بالرقص يكون الهدف هو تحرير الجسد والتعبير من خلال حركاته وايماءاته.
اذن الإطار هنا لا يقتصر على تحديد الزمان والمكان بل يصبح بمثابة القاعدة النظرية والعملية التي تُبنى عليها الورشة. “يتكون الإطار الذي يقترحه المعالج بالفن من مجموعة من العناصر التي تسمح بوضع آلية علاجية للفرد أو المجموعة ويعتبر بمثابة وعاء غير توجيهي يهدف إلى تعزيز التعبير، ويجب أن يكون مرنًا وصلبًا في آن واحد لاحتواء الشخص دون تقييده. (Zerroual : 2017, p. 9) أي أن كل شيء يحدث تلقائيًا، فيشعر المشاركون ويدركون أنهم موجودون للتعبير عن أنفسهم، وهذا يُمثل أحد الفروق الجوهرية بين الورشة التعليمية والورشة العلاجية. فالأخيرة لا تتضمن تعلم تقنيات فنية متقنة بل تسمح بالاستكشاف والتعبير الحر. فتجمع الورشة بين الاطار الفني والعلاجي، الإطار الداخلي والخارجي، المُحكم والمرن في الوقت ذاته بما يكفي لاستيعاب التعبير الفني الفردي والجماعي.
بالتالي، يهدف هذا الإطار العام إلى توضيح طبيعة الورشة ومكوناتها الأساسية، بدءًا من تحديد الفضاء الذي ستُقام فيه وصولًا إلى تحديد شكل الورشة ذاتها. ولكن كيف يتجلى هذا الإطار في تحديد طبيعة الفضاء الذي تحتضنه الورشة، هل يُفضل أن يكون مغلقًا لتعميق التركيز أم مفتوحًا لتشجيع التفاعل؟ وكيف يؤثر ذلك على اختيار الورشة كجماعية لتبادل الخبرات أم فردية لتقديم دعم مخصص يُناسب الاحتياجات الدقيقة لكل فرد؟
الفضاء: مغلق أم مفتوح؟
يُعدّ اختيار الفضاء المناسب لورشة العلاج بالفن عنصرًا يؤثر مباشرةً في ديناميكية التعبير وتفاعل المشاركين. فالمساحات المغلقة توفر بيئة آمنة تشجع على التعبير الفردي دون تشتت مما يمنح اللمشاركين لا سيما الأطفال حرية وطمأنينة أكبر في الكشف عن مشاعرهم وتجاربهم في فضاء خاص. بالإضافة إلى ذلك، تتعدد الخيارات المتاحة للوسائط الفنية والموضوعات التعبيرية وتتنوع معها بيئات العمل السيكولوجي مما يمنح المرضى مرونة في استغلال الحيز المكاني بأساليب تعكس حالتهم الوجدانية وطبيعة تفاعلاتهم البينية مع المعالج. فعلى سبيل المثال تبرز المسافة المكانية لدى الطفل سواء بالاقتراب أو الابتعاد وموضعية الجسد بالمواجهة أو الإعراض كمؤشرات دلالية على نمط العلاقة العلاجية، إذ يميل البعض إلى الثبات الحركي في موقع محدد بينما يفضل آخرون التنقل الحر داخل الفضاء وتجدر الإشارة إلى أن استراتيجية عدم المواجهة المباشرة غالبًا ما تعزز من شعور المستفيد بالاسترخاء مما يقلل من حدة المقاومة النفسية ويسهل عملية التدفق الإبداعي. وتُبرز حالة دانيال كما أشار مرافقه في كتاب “العلاج بالفن للأطفال” أهمية هذا الجانب، اذ كان يُظهر سلوكًا خياليًا مبالغا فيه تجاه الملاحظين له ويظل طوال الجلسة مُديرًا ظهره مُبررًا ذلك بقوله: “إنهم قد يتجسسون علي”. وعند سؤاله عن هويتهم همس للمعالج: “الأمهات”. ورغم طمأنته قضى دانيال الوقت المتبقي في تغطية نافذة الملاحظة بورقة رسم عليها قضبانًا فولاذية لمنع أي رؤية أو سماع لما يحدث داخل الغرفة. (روبن: 2021، ص 214) وفي سياق مشابه ورد في كتاب “فن الطفل”، تُظهر حالة عائشة المصابة باضطراب طيف التوحد حساسيتها تجاه الفضاء فقد كانت تلتف حول أجساد الآخرين مولدة مشاعر عدوان ورفض. وفي الورشة كانت يداها غالبًا مثقلتين بالفرش وكانت تعض اللوحة أحيانًا، خاصةً إذا كان عليها لون أحمر. “وطالما أن باب الورشة ليس مغلقًا تغمر عائشة حالة من الرعب، فترتجف وتتحرك كفراشة محبوسة في كوب وترتمي على الجدران. ولكن بمجرد إغلاق الباب كانت تهدأ وكأنها حيوان صغير يمكن ترويضه، وأنها نجت من الفوضى الاضطهادية.” (Nakov et al.: 2013, p. 90)
بالتالي، تُجمع هذه الحالات بمجملها على الدور الجوهري لـهندسة الفضاء في إرساء دعائم بيئة علاجية حاضنة تمنح المشاركين الأمان النفسي اللازم للتعبير الحر عن الذات إذ يتيح هذا الشعور بالاستقرار انفتاحًا على آفاق سيكولوجية جديدة تتماهى فيها الحدود بين الممارسة الفنية والعملية العلاجية مما يفضي بالتدريج إلى سبر أغوار العوالم الداخلية حيث تتردد أصداء تمثيلاتهم الإبداعية وتستثير تفاعلات نفسية عميقة. وفي هذا السياق يبرز طرح دونالد ميلتزر Donald Meltzer الذي يؤكد فيه أن: “الجوهر يكمن في الدلالة النفسية للإطار، وفي حالة ذهن المحلل النفسي، وفي جو الغرفة…” (Nakov et al. : 2013, p. 25) مؤكدًا بذلك أهمية البيئة المحيطة والتفاعل النفسي في العملية العلاجية.
على النقيض، يمكن أن يكون الفضاء المفتوح أكثر تعزيزا للتفاعل لما يتيحه من حرية في الحركة والتعبير الجسدي، الأمر الذي يجعله أكثر ملاءمة للورش الفنية التي تهدف إلى التعبير الجماعي وبناء العلاقات وتنمية المهارات الاجتماعية. على سبيل المثال، في ورشات الفنون الأدائية يوفر هذا النوع من الفضاءات مجالًا رحبًا ومساحة كافية تمكّن المشاركين من التفاعل بحرية مما يسهم في تطوير مهارات التواصل غير اللفظي وتوثيق روابط العلاقات بينهم. كما يُعدّ هذا الفضاء مناسبًا للأنشطة القائمة على العمل الجماعي إذ يُسهم في الحد من الشعور بالازدحام ويمنح شعورًا بالراحة والانفتاح، ما يُشجّع على المشاركة النشطة وتبادل الأفكار بشكل أكثر عفوية. وفضلًا عن ذلك، يسهّل الفضاء المفتوح عمليات التعبير التلقائي ويُسهم في تقليل الحواجز النفسية مما يتيح للمشاركين استكشاف أساليب فنية جديدة والانخراط في ممارسات وتجارب جماعية مبتكرة.
بناءً عليه، فإن اختيار طبيعة الفضاء سواء كان مغلقًا أم مفتوحًا يعتمد على الأهداف العلاجية المحددة لكل ورشة وعلى طبيعة التعبير الفني المراد تحقيقه. ولكن بما أن الفضاء ليس سوى أحد أبعاد الإطار العلاجي الشامل فكيف يتحدد شكل الورشة بحد ذاتها؟ وما مدى فعالية الدعم العلاجي المُقدّم فيها، هل يكون أكثر تأثيرًا في السياقات الفردية أم الجماعية؟
شكل الورشة: فردية أم جماعية ؟
تُعد البنية التنظيمية للورشة العلاجية محددًا رئيسًا لآليات تقديم الدعم السيكولوجي حيث يتأرجح الخيار بين الورشات الفردية والجماعية بناءً على طبيعة الاضطرابات والأهداف العلاجية المرجوة ومدى جاهزية المرضى للتفاعل البيني.
تمنح الورشة الفردية إطارًا علاجيًا خصوصيًا يركز بدقة على الاحتياجات الذاتية مما يساهم في توطيد التحالف العلاجي مع المختص ويسمح باستغوار القضايا الشخصية في بيئة آمنة، وفي هذا الصدد “يعتمد نموذج المرافقة الفردية على أسلوب العلاج النفسي التقليدي الذي يعمل فيه الشخص على تطوير ذاته باتخاذ نفسه موضوعًا للتأمل، ويكمن الاختلاف بينه وبين العلاج بالفن في تقديم الوسائط الفنية لكن الهدف واحد.” Klein : 2012, p. 105)) فبدلاً من الاتكاء الكلي على الخطاب اللفظي حول السلوك والذاكرة يتم التركيز ابتداءً على التمثيلات غير اللفظية التي تجسد كينونة الشخص عبر الوسيط الفني دون إكراهه على كشف أسراره بشكل مباشر.
يُعد هذا النمط مثاليًا للحالات التي تتطلب رعاية مركزة أو تعاني من ممانعة في الاندماج الجماعي، فبالنسبة لمرضى الرهاب الاجتماعي مثلاً من الضروري إرجاء الانخراط الجماعي لصالح بيئة فردية تهدف إلى استعادة الطمأنينة وتوطيد الثقة تمهيدًا للانتقال المستقبلي نحو المجموعات العلاجية لتوسيع النطاق العلائقي. إن التفاعل داخل هذا الإطار يحاكي العلاقة الأولية بين الطفل والأم حيث يتم إعادة إدماج الفرد في مسار الحياة عبر حوار متبادل وهو ما اصطلحت عليه آني بوير-لابروش Annie Boyer-Labrouche ب“الوظيفة الأمومية” (Boyer-Labrouche : 1992, p. 66) ويُقصد بها قدرة المعالج على خلق فضاء نفسي احتوايي يوفر الدعم والحماية، بما يشبه دور الأم في احتواء عالم طفلها الداخلي، دون أن يقتصر ذلك على البعد العاطفي المجرد.
في المقابل، تُعدّ الورشة الجماعية شكلاً من أشكال التفعيل الجماعي للعمل الفني اذ تخرجه من إطاره الفردي لتضعه ضمن نسق اجتماعي متكامل يُسهم فيه كل فرد من خلال معارفه وكفاءاته التقنية في تكوين فريق لا يقتصر على مجرد تجميع الأشخاص، بل يُمثل بنية نفسية اجتماعية مترابطة. وهذا التفاعل لا يعني بالضرورة تماثلا أو تطابقًا في الأعمال المنجزة، بقدر ما يُفضي إلى تكامل إبداعي يُغني التجربة الفنية الجماعية. في هذا السياق، يُعرّف الفريق وفق “معجم مفردات علم نفس الطفل والطب النفسي” بأنه اجتماع لعدد محدود من الأفراد، ويُستعمل في مجال إعادة التأهيل كمفهوم مرادف لمصطلحات مثل “القسم” أو “المجموعة”. ويمكن تصنيف الفرق إلى نوعين رئيسيين: الفريق العمودي الذي يضم أطفالًا من أعمار مختلفة فيحاكي بذلك ديناميكية الأسرة المصغرة. والفريق الأفقي، الأكثر شيوعًا في المؤسسات ويتكون من أطفال متقاربين في السن أو من الجنس نفسه أو خليط من كليهما. (Lafon : 2010, p. 389) وغالبًا ما لا يتجاوز تشكيل هذه المجموعات ستة إلى ثمانية أفراد لضمان جودة الرعاية واستدامة الروابط الاجتماعية بين المشاركين، ولهذا يُفضّل الحفاظ على تركيبة المجموعة المشكلة منذ بداية الورشات حتى نهايتها لتعزيز استقرارها.
يعتبر العمل الجماعي ممارسة رائجة في المؤسسات وذلك لضرورته خاصة في الورشات الفنية التي تتطلب التفاعل المباشر مثل المسرح أو الرقص أو الموسيقى. ويكتسب هذا النمط أهمية خاصة بالنسبة للأفراد الذين يعانون اضطرابات في التواصل إذ يسمح لهم بالتعبير عن مشاعرهم ورغباتهم وانفعالاتهم بعفوية داخل المجموعة مما يُخفّف من حدة الشعور بالذنب أو الخوف من المواجهة. بالتالي، يهدف هذا العمل الجماعي إلى تنظيم التوترات بين الأطفال وتنمية قدراتهم على المبادرة والتعبير عن الذات كما يمنح كل مشارك فرصة لقبول الآخر وخلق مكانه ضمن العلاقة مع المجموعة التي قد تمثل سندًا للفرد وبيئة حاضنة له. هذا التفاعل يعزز الشعور بالانتماء ويقلص الاحساس بالعزلة، ويمكن للمجموعة من خلال انعكاساتها النفسية أن تكون بمثابة مرآة يبصر من خلالها الشخص جوانب في ذاته يصعب إدراكها فرديًا. كما يمكن أن تشكل حافزا له فيقلد ما يلاحظه من تجارب فنية ليبرز هنا دور المعالج بالفن كموجه يرشد كل فرد نحو اكتشاف أسلوبه الخاص. وفي هذا الاطار، تشير المعالجة بالفن “ليبمان” Liebmann إلى أن “العلاج ضمن الجلسات الجماعية ضروري لتعزيز التفاعل والتواصل اللفظي وغير اللفظي بين الأشخاص وهو مفيد للمجموعات التي تعمل نحو أهداف متشابهة، وكذلك تعتبر أن العمل الجماعي يسمح للأشخاص الذين لديهم حاجات مشتركة أن يمنحوا التدعيم القوي لبعضهم البعض.” (عبد النبي: 2008، ص 7) وعليه، فإن العلاج بالفن ذو فاعلية خاصة مع المجموعات التي تتقاسم أهدافًا علاجية مشتركة حيث يتيح للأفراد تطوير مهاراتهم والتقدّم في المسار العلاجي من خلال تبادل الخبرات والتجارب. وتُعدّ المجموعة في هذا السياق العلاجي حاملة لوظيفة مزدوجة تتمثل في احتواء الأفراد واحتواء العملية العلاجية نفسها، اذ تتيح الأنشطة الفنية الجماعية فرصا للتجربة والتخيّل مع الإبقاء على درجة من الحماية والاختباء الضروريين للشعور بالأمان. فمثلًا، في ورشة عمل المسرح تكون المجموعة عنصرا أساسيا لإنشاء فضاء مسرحي وفضاء للمتفرجين إلا انه قد يبقى بعض الأفراد متفرجين لأسابيع قبل المخاطرة بالصعود إلى خشبة المسرح ومواجهة الجمهور بجرأة.
إجمالاً، يتضح أن العلاج بالفن هو اطار علاجي يتجاوز الحدود المادية ليجتمع فيه الفن وعلم النفس مؤسسين بيئة آمنة للإبداع والتعبير. ويعد اختيار المجال الفني والفضاء سواء كان مغلقًا لتعزيز التركيز أو مفتوحًا لتشجيع التفاعل، بالإضافة إلى تحديد زمن الورشة وشكلها بين الدعم الفردي المخصوص والتفاعل الجماعي، قرارات تعتمد أساسا على الأهداف العلاجية وتؤثر فيها بشكل مباشر. لهذا السبب يُعدّ تحديد الإطار أمرًا بالغ الأهمية فالمعالج هو ضامن المساحات الزمنية والاستمرارية، وبغض النظر عن التقنية المستخدمة من الضروري احترام الإطار المختار ليتم تحفيز القدرات التعبيرية لكل فرد. هذا الفهم المنهجي لأسس الورشة الفنية العلاجية يمهد الطريق لاستكشاف كيفية تطبيقها في علاج حالات معينة وكيف يمكن لوسائط فنية محددة أن تُحدث فارقًا في المسار العلاجي خاصة بالنسبة للفئات ذات الاحتياجات الخاصة.
قائمة المصادر والمراجع:
المراجع العربية:
بن عامر، سامي، (2021)، معجم مصطلحات الفنون البصرية، (د.ط)، دار المقدمة، (د.ب)، ص 74، 408.
بن عبد الله، أنيس، (2016)، دراسة ميدانية: خصائص رسم العائلة لدى الأطفال الفاقدين للسند العائلي، محمد عمار (مشرف)، (د.ط)، مؤسسة هديل للنشر، (د.ب)، ص 9، 35-36، 44.
بن عبد الله، أنيس، (2024)، توظيف الوسائط الفنية لدعم اكتساب الطفل المهارات الحياتية، ط1، مؤسسة هديل للنشر، صفاقس، ص 15.
روبن، جوديث آرون، (2021)، العلاج بالفن للأطفال، شاكر عبد الحميد (مترجم)، ط1، دار معنى للنشر والتوزيع، (د.ب)، ص 214، 282-283، 324.
شلتوت، أحمد رجب، (2019)، فن البحث عن الإنسان… قراءات في الرواية، (د.ط)، وكالة الصحافة العربية، مصر.
عبد العزيز حسن، مصطفى محمد، (2014)، سيكولوجية التعبير الفني عند الأطفال، (د.ط)، مكتبة الأنجلو المصرية، (د.ب)، ص 92.
عبد العزيز، مصطفى محمد وفراج، عفاف أحمد محمد، (2023)، مدخل للعلاج بالفن، (د.ط)، مكتبة الأنجلو المصرية، (د.ب)، ص 8.
عبد الكريم، عواطف، (1982)، طفل الحضانة والموسيقى: دراسات وبحوث عن الطفل المصرى والموسيقى، (د.ط)، كلية التربية الموسيقية بالزمالك – جامعة حلوان (المؤتمر العلمي الأول)، (د.ب)، ص 16.
عبد النبي، سامية محمد صابر محمد، (2008)، فاعلية استخدام العلاج بفن الرسم في التخفيف من الوحدة النفسية لدى عينة من طلاب الجامعة “دراسة كلينيكية – علاجية”، مجلة كلية التربية، مج 2، ع 39، ص 7، 9.
القريطي، عبد المطلب أمين، (2012)، العلاج بالفن مفهومه وأسسه، وأهدافه وفنياته، المجلة المصرية للدراسات النفسية، ع 77، ص 3، 4.
نجله، عبد الفتاح، (2006)، العلاج النفسي بالموسيقى، ط1، عالم الكتب، القاهرة، ص 21، 38.
نصير، تماره، (2019)، فاعلية استخدام العلاج بالرسم في التخفيف من الضغط النفسي لدى عينة من طالبات المدارس الثانوية في لواء بني كنانة، المجلة الدولية للدراسات التربوية والنفسية، ع 2، ص 255.
Les références :
Atkins, Beryl T. et autres, (1995), Dictionnaire le Robert & Collins Senior : français anglais- anglais français, 4éme éd, Dictionnaires Le Robert, Paris, p. 48.
Basté, Sylvie et autre, (2017), Pratiques d’une art-thérapeute, 1re éd, Les éditions d’ithaque, Paris, p. 25, 28, 31, 58, 59.
Blanchet, Marie-Soleil, (2015), Le livre-textile: Un outil d’intervention facilitant l’expression et la communication de l’enfant sourd gestuel en art-thérapie, (N.D), Université Concordia (Maîtrise és arts), Canada, p. 24, 30.
Boyer-Labrouche, Annie, (1992), Manuel d’art-thérapie, 1er éd, Dunod, Paris, p. 63, 66, 67.
Doron, Roland et Parot, Françoise, (1991), Dictionnaire de psychologie, 1er éd, Presses Universitaires de France, Paris, p. 61, 287.
Gillis, Alain, (1994), Peinture D’origine : encontre esthétique avec des enfants présentant des troubles de la communication, (N.R), Societé Nouvelle Adam Biro, Paris, p. 79.
Kaës, René et Anzieu, Didier et autres, (1997), Crise Rupture et Dépassement, 1er éd, Dunod, Paris, p. 205.
Klein, Jean-Pierre, (2012), Penser l’art-thérapie, 1er éd, Presses Universitaires de France, Paris, p. 69, 86, 105, 106.
Lafon, Robert, (2010), Vocabulaire de psychopédagogie et de psychiatrie de l’enfant, 3ème édition, PUF, France, p. 389.
Lesoeurs, Guy, (1985), Analyse d’ouvrage « Le MOI-PEAU : Didier Anzieu », (N.R), Editions Dunod (Psychaanalyse.com), Paris.
Nakov, Anastasia, Bablet, Dominique et Desnot, Dominique, (2013), L’art de l’enfant ; l’enfance de l’art : art-thérapie ; autisme ; supervision, (N.R), Presses Universitaires de France, Paris, p. 25, 90.
Roudinesco, Élisabeth et Plon, Michel, (1997), Dictionnaire de la Psychanalyse, (N.R), Librairie Arthème Fayard, (N.D), p. 1075.
Souriau, Étienne, (1990), Vocabulaire d’esthétique, 1er éd, Presses Universitaires de France, Paris, p. 310.
Zerroual, Naima, (2017), Intervention en Art-thérapie : Médiation Tissage, (N.R), l’association Art-Thérapie Virtus (Formation DEAES), (N.D), p. 9.
| راندي وهو يتشبث أو يمسك بالمعالجة بالفن بواسطة حزام، تم رسمها بقلم من أقلام التلوين. |
| راندي وهو يعطي المعالجة بالفن هدية، رسمت بقلم تحديد الخطوط. |
باحثة في الجماليات من تونس
| صورة4: بعض الرسومات من سلسلة صور راندي. |
اللوحة الجدارية La fresque
يتمثل هذا التمرين العلاجي في تنظيم ورشة تصوير جماعية للأطفال، يتم خلالها إنجاز لوحة جدارية مشتركة باستخدام تقنيات متنوعة كالرسم والتلوين والتجميع بما في ذلك الملصقات والقصاصات. تهدف هذه الورشة إلى تمكين الأطفال من التعاون في فضاء مشترك وفرض وجودهم داخل المجموعة من خلال تحديد مناطق الرسم الخاصة بهم مما يعزز ثقتهم بأنفسهم. كما يمكن أن يتيح هذا الأسلوب للأطفال الأمان الكافي للتعبير عن ذواتهم وصراعاته بشكل رمزي غير مباشر وذلك من خلال الاختباء خلف رسومات أقرانهم من المشاركين الاخرين في العمل. تختلف أساليب إنشاء الصور الجدارية في ورشة العلاج بالفن اذ يمكن أن تكون مرسومة، ملونة أو ملصوقة. كما تتنوع مواضيعها من رسم الذات الى الحيوان المفضل، أو رسم وحشك وهو موضوع يسهل الكثير من النقاش حول المخاوف والصعوبات في حياة الفرد.
- لصق وتجميع القصاصات الفنية Le collage et l’assemblage
القصاصات الفنية هي عبارة عن خلق عالم خاص من خلال التلاعب بقطع الأوراق الملونة أو الصور الممزقة وباستخدام مختلف المواد والخامات التي تتراوح بين صفحات الصحف والمجلات وبقايا الأقمشة والخيوط وقطع الخشب والخرز والرمل، وحتى شظايا المرايا والأسلاك. يقوم هذا الفن على مبدأ التجميع بين مواد تبدو للوهلة الأولى غير متجانسة وتنسيقها ثم توليفها معا لإنشاء تكوينات مسطحة أو بارزة وغائرة، بالتالي اعادة خلق عمل فني جديد قائم بذاته.
تتميز هذه التقنية بالبساطة حيث لا تتطلب مهارات تقنية مسبقة، فقبل عملية اللصق النهائية يمكن تجربة تركيبات مختلفة واستكشاف الاحتمالات دون الوقوع في الخطأ. في عالم الكولاج كل شيء يمكن أن يتحول إلى قصاصة فنية وكل قصاصة يمكن أن تصبح جزءًا من وحدة متكاملة. وغالبا ما يقترح فن الكولاج في الجلسات الأولى من ورشة العلاج بالفن حيث يتيح للمشاركين سهولة الانسياق إلى عالم الإبداع فهو لا يتطلب مواهب أو مهارات فنية مسبقة، لكنه يكشف عن المشاعر والأفكار بشكل عفوي من خلال انتقاء الفرد المواد والألوان وتحديد ما يسمح لنفسه بقصه أو تجميعه. مثلا الأطفال الذين يعانون من صدمات الحروب أو العنف قد يقومون بفرز الصور التي تمثل الموت والانغلاق والرعب وانتقاءهم للكلمات غالبا ما بعبر عن سوء الفهم والظلم. عادة يمتد إنشاء القصاصات الفنية على مدار عدة جلسات مما يضطر المشاركين إلى الانفصال المؤقت عن أعمالهم وتركها قيد الإنجاز حتى يعودو بعد مدة انقطاع لاكمالها. هذا الانقطاع يدفعهم للتفكير في أعمالهم وإعادة تقييمها، فعند استئناف العمل يعود بعض المشاركين لإعادة قص الصور أو إنشاء أشكال جديدة أو إخفاء أجزاء منها أو البحث عن مواد أخرى. اذن، تعكس هذه العملية أهمية القص والتجميع في استدعاء اللاوعي ونقل التعبيرات التي تعيد اثارة الذكريات والمشاعر الباطنية للطفل.
يذكرنا هذا بالحوار الذي دار بين الرسام بابلو بيكاسو والشاعر جاك بريفير، حيث قال بيكاسو لبريفير الذي كان يصنع أعمالًا فنية من الصحف والمجلات: “أنت لا تعرف كيف ترسم لكنك رسام”. وأكد بريفير ذلك قائلًا: “يمكن صنع صور بالمقص والغراء وهذا يشبه النص، إنه يقول الشيء نفسه.” (Basté et autre : 2017, p. 31)
اذن يؤكد هذا الحوار أن القص والتلصيق يمثلان وسيلة فعالة للتعبير عن الذات بطرق غير تقليدية، تسمح للأفراد بالتصريح عن خوالجهم بطرق ملموسة. وقد عدد مصطفى محمد عبد العزيز حسن في كتابه “سيكولوجية التعبير الفني عند الأطفال” عديد البحوث والتجارب في هذا السياق نذكر من بينها عمل إنجلباوغ ديبي Englebaugh, Debi (2003) الذي اعتمد علي ورق المجلات الملون وبطاقات السياحة بهدف الربط والتكامل بين الفن واللغة من خلال أدب الأطفال(صورة5)، وكذلك البحث الذي قام به ماهر جرجس تحت إشراف أ.د. عفاف أحمد فراج (2006) حول إعداد برنامج لتنمية القدرة الابتكارية من خلال أشغال الورق الملون لعينة من تلاميذ المرحلة الإعدادية (صورة6). (عبد العزيز حسن: 2014، ص 92)
| صورة5: نموذج من تجربة إنجلباوغ ديبي لاستخدام ورق المجلات وبطاقات السياحة. |
| صورة6: نماذج من أعمال أطفال عينة بحث أ.د. عفاف أحمد فراج. |
كذلك أكدت إيرين بارتريدج Erin Partridge على قيمة ورشات العلاج بفن الكولاج بالنسبة لكبار السن وذلك من خلال الاشارة الى مختلف الحالات في كتابها “علاج كبار السن بالفن: تعزيز التواصل معهم والارتقاء بقدراتهم” (بارتريدج: 2020) من بينها نذكر “ماريان” وهي مسنة شغوفة بالبستنة اصبحت تقيم في دار رعاية المسنين بعد أن أصيبت بسكتة دماغية على اثر وفاة زوجها، وعلى الرغم من عدم تسبب السكتة في شلل دائم إلا أنها أثرت سلبًا على وظائفها الداخلية وإدراكها وحالتها العاطفية مما فاقم معاناتها من الاكتئاب والأمراض النفسية، حيث أدى الانتقال وفقدانها لحديقتها واستقلاليتها إلى تفاقم اكتئابها وعزلتها. في البداية أبدت “ماريان” عدم اهتمام بالأنشطة الفنية لكنها أظهرت انجذابا الى كتالوج المشتل وشكل حصولها عليه نقطة تحول حيث أبدت تفاعلاً إيجابيًا وقامت بقص صور الزهور منه، ثم بدأت تدريجيا بالمشاركة في الورشات الجماعية والفردية واستكشاف المواد الفنية ليضم أول عمل فني لها بعض الأقمشة والأوراق وصور الكولاج (صورة 7).
| صورة7: عمل ماريان الفني: منظر لحديقة، كولاج صور مع قماش، الألوان الأكريليك (يسيطر اللون البرتقالي والأخضر والأصفر). |
- الفسيفساء La mosaïque
تُعد ورشة الفسيفساء نشاطًا علاجيًا موازيًا لفنون التصوير والقص والتلصيق، حيث تتيح استخدام طيف واسع من الخامات مثل الحصى وقطع الزجاج والبلاط، والسيراميك المزجج، فضلًا عن مواد غير تقليدية مثل قصاصات الأوراق الملونة لتسهيل العملية الإبداعية وتعزيز أمان اكثر للمرضى. يمكن استعمال هذه الخامات كاملة أو مجزأة لكن غالبا ما يفضل استخدامها في قطع صغيرة متجانسة من حيث السماكة لتحقيق الانسجام البصري في المنتج النهائي، وعادة ما يتم التركيز على انجاز زخارف بسيطة أو حروف كبيرة بهدف تشجيع المريض وتعزيز ثقته بنفسه مع تجنب الزخارف المعقدة التي قد تفضي إلى الإحباط في حال عدم التمكن من تحقيق نتائج مُرضية. ومن خلال الإيماءات الحركية المصاحبة لإنشاء الفسيفساء تُعزز جلسات العلاج بالفن استكشاف البعد التخيلي لدى المرضى، وهو جانب غالبًا ما يُهمل لدى فئات معينة كمرضى فقدان الشهية العصبي الذين يميلون للتفكير العقلاني. وتساهم هذه الورش في تغذية الخيال من خلال توفير مواد حسية مرحة. وعلى الصعيد الرمزي، يتيح الإبداع دمج الجوانب الإيجابية والسلبية مما يعزز القدرة على تقبل العناصر غير المرغوب فيها وتحويلها. كما تمثل الفسيفساء عملية إبداعية متكاملة تمنح المريض القدرة على تجسيد مشاعره وأحاسيسه على وسائط متنوعة، مما يساعد في إثارة أحاسيس جديدة. تعد هذه الأنشطة اليدوية بديلا للأفكار المتسلطة ووسيلة لتوجيه الطاقة والحد من الانفعالات وتجنب العدوانية المفرطة، وهي تلبي حاجة ملحة لدى مرضى الهشاشة النرجسية لتفادي لحظات الفراغ التي يرونها مرادفة للهجر. بالتالي تتميز ممارسة الفسيفساء بهيكليتها وتنظيمها عبر مراحل وتقنيات محددة، وغالبًا ما تؤدي إلى إعادة تقييم الذات كونها نشاطًا إسقاطيًا يسمح للمريض بالتعبير عن مختلف المشاعر مثل التنفيس عن الغضب والعنف من خلال كسر البلاطات، مما قد يستدعي ذكريات أو صورًا تحفز على التعبير اللفظي.
يُستحسن للمرضى ذوي النزعة النكوصية اقتراح تمارين مُحددة زمنيًا مع مراعاة وتيرة الفرد ومقاومته للتغيير، اذ يتطور العمل الفني بالتوازي مع التمثيلات الذهنية المصاحبة له سواء من خلال المادة المُشكّلة أو الخبرات والذكريات المرتبطة بالإنجاز، ليمثل العمل النهائي الذات وما يعتملها من صراعات داخلية. كذلك تكتسب لوحات الفسيفساء قيمة علاجية خاصة لمرضى طيف التوحد، حيث تُعزز التركيز والصبر والشعور بالإنجاز وتُتيح لهم القدرة على استكشاف ذواتهم. فالانغماس المطوّل في عمل الفسيفساء يُبعدهم عن مُشتتات الانتباه ويُركز طاقاتهم الذهنية والجسدية على الإبداع وتحقيق الذات. كما يُساعد ذلك في تحسين التحكم الحركي والمعرفي وتفعيل مختلف أعضاء الجسم من اليد والأصابع والدماغ، مما يُسهم في استعادة الوعي بالذات والتركيز وتطوير القدرات العقلية والحركية.
- النسيج والخياطة Le tissage et la couture
إن للنسيج والخياطة فوائد علاجية جمة تشمل جوانب نفسية وبدنية واجتماعية خاصة للأفراد الذين تستدعي ظروفهم الصحية إقامة مطولة في المرافق العلاجية إذ يشغل وقت فراغ المريض بإنتاج عمل فني ذي طابع نفعي. وقد ثبتت فعاليته في العمل على ورشات العلاج بالفن مع ذوي الاحتباجات الخاصة والمعاقين حيث تساهم هذه الأنشطة في رفع الروح المعنوية لدى المرضى وكبار السن وتمنحهم إحساسًا بالإنتاجية والجدوى بدلًا من الشعور بالعجز والعوز، وقد تدر عليهم نفعًا ماديًا نظرًا لبساطتها وإمكانية ابتكار منتجات متنوعة ذات مردود مادي.
على الصعيد النفسي، يمثل النسيج والخياطة أدوات فعالة لتصفية الذهن والاسترخاء والتمعن الداخلي والتدرب على اتباع التعليمات، مما يساعد في ترتيب الانفعالات بطريقة غير مباشرة ويسرع من تحسين الحالة النفسية والبدنية. كما أن الاشتغال عليهما بحركة تكرارية ذات مدى زمني متفاوت يعتبر آلية لتفريغ الوعي من خلال نسج الصور والذكريات. وتتنوع تفضيلات الأفراد للأقمشة والخيوط تبعًا لخصائصهم العمرية والثقافية، فالأصغر سنًا قد يميلون الى أقمشة ناعمة وذات لمعان. كما تتجاوز تجربة النسيج الحواس البصرية واللمسية لتشمل الشم خاصة فيما يتعلق بالجلد. أما من الناحية البدنية، فيساهم النسيج والخياطة في تمرين العضلات الدقيقة وتقوية الإبصار والتآزر الحركي البصري، خاصة من خلال أنشطة النسيج بالورق والخياطة والحياكة التي تعد تمارين علاجية محببة خصوصا للمصابين بشلل الأطراف العليا الذين يستحسنونها مقارنة بالتمارين الرياضية التي قد تكون مؤلمة.
كما تتيح الخامات والأدوات المتنوعة البدائية منها أو الحديثة، استفادة شريحة واسعة من المرضى باختلاف خلفياتهم وخبراتهم المحلية مما قد يعيدهم بالذاكرة إلى مجتمعاتهم الأصلية ويحفزهم على التفكير في البحث عن الصفاء الذهني. فالنسيج والخياطة اذن انشطة تثير الخيال وتحفز على السرد، لتصبح لغة بحد ذاتها يستثمرها المعالج بالفن في ورشات العلاج لتمكين الفرد من تمثيل الفجوات والنواقص والمشاعر التي يصعب التعبير عنها لفظيًا. فالأقمشة بملمسها اللين وقابليتها للتطويع تتيح تغليف وتشكيل مختلف الدعائم، كما أن تجميعها وحشوها يمكّن من تكوين أشكال متنوعة باستخدام مواد متعددة تشمل مختلف أنواع الأقمشة والخيوط والدانتيل، وأدوات خياطة متنوعة كالأزرار والخرز والأشرطة بطرق مبتكرة لتزيين الإبداعات وتحويلها عن وظائفها المعتادة، فتبرز في هذا الاطار نتائج فنية علاجية مغايرة كما في تمرين صناعة منسوجة في الفضاء وكتاب النسيج.
منسوجة في الفضاء
| صورة8: منسوجة في الفضاء، الخيش، الصوف، الورق، المواد الطبيعية. |
تستدعي الحِياكة والنسيج ضمن الفضاء (صورة8) سلسلة من الحركات المتكررة ومفاهيم مكانية كالأعلى والأسفل والأمام والخلف، ويساهم الايقاع المتكرر للنسيج في تهدئة التوتر ويُحفز الفرد على استيعاب الأوجه المتعددة للقطعة النسيجية قيد الإنجاز. لكن تصور موضوع في الفضاء وتصميم داخله عملية يمثل عملية معقدة بالنسبة لفئات معينة مثل المرضى الذين يعانون من اضطرابات في إدراك صورة أجسادهم أو صعوبات في تقدير الأحجام الجسمانية. وعلى الرغم من اندراج هذه التقنيات كجزء من أساليب المعالج بالفن، إلا أنها تُستخدم بوتيرة أقل مقارنة بالرسم والتلوين والطين نظرًا لما تتطلبه من إتقان ووقت وجهد تحضيري مثل إدخال الخيط في الإبرة وعقده وتكوين الغرز على إبر الحياكة وإنشاء النول. إن إنجاز المراحل الدقيقة والمنظمة التي تقتضيها هذه الورشة تستلزم فهمًا واضحًا للعمل المطلوب ودرجة عالية من الانتباه والتركيز الذهني للحفاظ على تسلسل النسيج وعدم الانزلاق عن مسار العمل. وعلى الرغم من أن وتيرة الإنجاز قد تكون أبطأ مقارنة بتقنيات أخرى كالتلوين أو النمذجة، وقد يستشعر الفرد شيئًا من الإرهاق الذهني أو البدني أثناء الممارسة إلا أنَّ هذا البطء يمنح اكتشاف الذات وتعزيز الوعي الداخلي، ففي خضم التركيز على تفاصيل النسيج أو الحياكة يجد الفرد فسحة للتأمل في أفكاره ومشاعره مما يفتح آفاقًا جديدة للفهم الذاتي والنمو الشخصي.
كتاب النسيج Le livre-textile
يبدو أن الطفل الأصم الذي يعتمد على الإشارات يحتاج إلى مرجع تواصل حتى يتمكن من التعبير عن نفسه بسهولة أكبر وتعريف احتياجاته، لذلك صناعة كتاب النسيج مثلت تقنية علاجية فنية مصممة خصيصًا لهذه الفئة من الأطفال. يتخذ هذا الكتاب هيئة وسادة ناعمة محشوة باللباد(صورة9)، وتثبت عليه أشكال نسيجية متنوعة بواسطة سطح من الفيلكرو. “يهدف هذا النشاط إلى تحقيق ثلاثة مقاصد أساسية أولها تعزيز التعبير عن المشاعر بفضل الخصائص السردية للتي يتيحها النسيج، وتيسير التواصل بلغة الإشارة من خلال استخدام الأشكال النسيجية، بالإضافة إلى توفير إحساس بالسيطرة والاستقلالية في بيئة تفاعلية آمنة.” (Blanchet: 2015, p. 24) وتتسم الصفحات النسيجية لهذا الكتاب بحيادية بصرية تجعلها بمثابة “شاشة فارغة” تتيح للطفل فرصة للإبداع الحركي والمعرفي والحسي والإدراكي، حيث يمكنه إسقاط تصوراته وتكوين رواياته النسيجية الخاصة ومن ثم التعبير عنها حركيًا عبر لغة الإشارة. كما أن خاصية فتح وإغلاق الكتاب تخلق فضاءً لعبويًا واسعا بينما يساهم ملمسه الناعم وامكانياته السردية في تعزيز إدراك الطفل الأصم بجسده وماديته وبيئته المحيطة.
| صورة9: كتاب النسيج، في هيئة وسادة ناعمة محشوة باللباد. |
في هذا التمرين تتوفر مجموعة متنوعة من الأشكال النسيجية الجاهزة ذات الألوان المتناسقة، والتي تلتصق بسهولة بسطح الكتاب مما يلبي حاجة الطفل للتعبير والتواصل الفوري الذي قد يعيقه التأخر اللغوي والانفصال عن عالم السامعين. يمكن أن تتضمن هذه المجموعة تصنيفات للشخصيات البشرية والحيوانية والنباتية، بالإضافة إلى الإكسسوارات اليومية.(صورة10). وتسمح هذه الأشكال النسيجية بتكوين وتفكيك عوالم سردية بصرية من خلال ترتيبها. فعلى سبيل المثال، “يمكن استخدام أشكال مختلفة تمثل ملامح الوجه بما في ذلك الأذنين للتعبير عن المشاعر والحالات الانفعالية التي يمر بها الطفل الأصم.” (Blanchet : 2015, p. 30) (صورة11) كما أن خاصية تكرار هذه الأشكال عبر صفحات الكتاب تمكن الطفل من بناء سرد متتابع من خلال تعديل الأحداث السابقة واللاحقة، وهو ما يعزز قدراته على التفكير الإبداعي والمنطقي. وعلاوة على ذلك، فإن منحه حرية الاختيار في تكوين صوره يعزز إحساسه بالاستقلالية. بالتالي، يمثل هذا التفاعل مع الخامات النسيجية فرصة قيمة للأطفال ذوي الإعاقة السمعية لاستكشاف مراحل نموهم الحسي الحركي حيث تحمل المواد الناعمة المكونة للكتاب دلالات عاطفية تجعل منه بديلاً رمزيًا للأم، مما يوفر للطفل شعورًا بالأمان والراحة أثناء الانفصال والتطور نحو الاستقلالية. وقد ترمز أفعال الحياكة والخياطة المرتبطة بصناعته إلى الخلق والرعاية الأمومية، في حين أن فعل لصق الأشكال النسيجية وفصلها يمكن أن يعكس ديناميكية التعلق والانفصال التي قد يختبرها الطفل الأصم في تفاعله مع العالم.
| صورة10: أشكال نسيجية جاهزة، الشخصيات البشرية والحيوانية والنباتية، والإكسسوارات اليومية. |
| صورة11: أشكال النسيج: مثال على تعبيرات الوجه. |
- النحت والتشكيل Le modelage et la sculpture
يُمثل التشكيل النحتي أحد الركائز الجوهرية في العلاج بالفنون التشكيلية، حيث يعتمد على وسائط مادية متنوعة كالحجر، الخشب، والطين. ويحتل الطين والصلصال مكانة أثيرية لدى المعالجين لا سيما في العمل مع الأطفال والمراهقين نظراً لخصائصهما اللمسية والحركية التي تتيح للفرد فرصة التعبير المباشر من خلال صناعة مجسمات ثلاثية الأبعاد، وتعد هذه المواد الطيعة مثالية للأفراد الذين يواجهون تحديات في التخيل الذهني إذ تمنحهم وسيطاً ماديا لتجسيد أفكارهم.
وعلى الرغم من أن التلامس المباشر مع الصلصال قد يثير استجابات دفاعية كالنفور أو الاشمئزاز لدى بعض الفئات مثل المصابين باضطراب طيف التوحد أو ذوي النزعات الوسواسية، إلا أن الممارسة المستمرة تساعدهم على إدراك حدود أجسادهم وتفريغ شحناتهم الانفعالية بطرق رمزية. فمن خلال حركات التكوير، التسطيح، البرم، أو حتى التمزيق العنيف للمادة يجد المريض منفذاً آمناً لتصريف المشاعر المكبوتة فالسلوك العدواني مثلاً قد يتسامى في شكل مجسمات ذات زوايا حادة مما يحول المادة إلى وعاء احتواء للتوترات الداخلية. كذلك تعتمد ورشات التشكيل العلاجية على تمارين إسقاطية موجهة كدعوة الفرد لتجسيد شخصية محورية في حياته سواء كانت موضوع حب أو كراهية، أو تشكيل مجسم يمثل الذات كما يدركها أو كما يطمح أن تكون، وتلي هذه المرحلة عملية “الاستبصار اللفظي” حيث يُدعى الفرد للحديث عن منتجه الفني. وفي هذا الصدد، توثق المحللة النفسية جوديث آرون روبن Judith A. Rubin حالات دالة منها الطفلة “إيفلين” التي جسدت صراعها مع الانعزال بمنحوتة لـ “سلحفاة” تعكس خوفها الوجودي من مغادرة صدفتها الحمائية، وحالة المراهقة التي شكلت “كلباً مهجناً مطروداً” كاستعارة لتمثيل صدمة التخلي والضياع الهوياتي. إن التشكيل النحتي استناداً إلى هذه المقاربات يتجاوز كونه نشاطاً يدوياً ليصبح منهجاً استكشافياً للرغبات اللاواعية عبر وسيط غير لفظي. وبما أن تشكيل الوجه وصياغة ملامحه يمثلان ذروة التعبير عن الهوية والانفعالات في العمل النحتي، فإن هذا يقودنا منطقياً إلى استكشاف آلية علاجية أكثر تخصيصاً وتعمقاً في مفهوم “الوجه المستعار” أو “الأنا البديلة” وهو ما يتجسد بوضوح في ورشة الأقنعة.
- الأقنعةLes masques
يمثل القناع غطاءً للوجه الذي يعتبر الجزء الأكثر انكشافًا وحساسية في جسد الانسان، وقد يمثل وجهًا ثانيًا أو “جلدًا ثانيًا” (Lesoeurs : 1985) على حد تعبير المحلل النفسي ديدييه انزيو Didier Anzieu. يعمل هذا الجلد على تحديد ملامح الوجه فيخفي تعابيره الدالة على الهوية الداخلية ويكشف عنها على حد سواء. وبذلك، يمثل القناع بمختلف أنشطته من صنع وتشكيل وتفاعل، درعا يمنح الفرد قدرًا من الأمان والحرية ويحفز وظائف نفسية وجسدية متعددة لعل أبرزها وظيفة الاحتواء التي تتيح له مجالا للتنفيس عن أحزانه أو غضبه وعدوانيته. وعلى الصعيد الاجتماعي، يسهل القناع على مرتديه التواصل مع الآخرين ويمنحه حرية اكبر في التفاعل محميا بوجه شخصيته. فالقناع يسمح بفهم أعمق للجسد واستعادة الوعي به، حيث تحفز تعابيره الجامدة الحركة والتعبير عن المشاعر والأحاسيس التي يعجز الوجه والكلمات عن إيصالها. وقد اكتسبت لغة القناع التعبيرية أهمية بالغة في العلاج بالفن خاصة لدى المراهقين أي الأفراد الذين في طور البحث عن هويتهم، فعندما يرتدي المراهق قناعا يمكنه أن يخفي ويُموِّه جوانب معينة ولكنه يعلن ويكشف عن أخرى. اذ ما يصوغه الفرد على هيئة وجهه يصبح موضوعًا لإسقاط جوانب من ذاته تتجسد في شخصيات خيالية ذات سمات مادية ولونية محددة. وفي هذا الاطار، تتنوع تقنيات إنجاز الأقنعة ضمن ورش العلاج بالفن لتشمل تمارينها القولبة بالضمادات الجبسية والتشكيل بالأوراق الكرتونية.
تقنية القولبة بالضمادات الجبسية:
يعتمد هذا التمرين على إنتاج قناع باستخدام بصمة الوجه وتقنية “بلاتريكس” (Platre X)، وهي عبارة عن ضمادات علاجية تتألف من لفائف رطبة مخصصة للاستخدام الطبي. توفر هذه الطريقة تجربة حسية قائمة على الاحتواء حيث تسمح الضمادات الجبسية بتشكيل دقيق لملامح الوجه وتجاويفه. كما تتميز بسهولة التطبيق وإمكانية التعديل على البصمة. يتطلب الإجراء تثبيت المريض وإغلاق عينيه بعد دهن الوجه بالفازلين وحماية العينين والفم. ثم توضع طبقتان من الضمادات الجبسية المشبعة بالماء الدافئ على البشرة، حيث تجف بسرعة لتكوين قالب دقيق لملامح الوجه خلال دقائق معدودة. يستلزم إنجاز هذا القناع استثمارًا من كل من القائم بالقولبة والشخص الخاضع لها مما يعزز التواصل الحميم بين المريض والمعالج. يُعد وضع الضمادات مريحًا وقد يسهم في تعزيز التركيز الذاتي، بينما تتطلب إزالة القالب عناية ولطفًا. عقب ذلك، تُدعَّم البصمة الجبسية قبل الشروع في عملية التحويل وانشاء الشخصية المنشودة، تكمن أهمية هذه البصمة في أنها تتطابق مع الوجه بدقة بالغة. في هذا السياق، يؤدي القناع وظيفة المرآة الداخلية MIROIR INTÉRIEUR التي تعكس خصائص الفرد الذاتية. بالتالي يتبدى العمل الفني عبر القناع بوصفه تفاعلاً ديناميكياً بين تمظهرين للجسد: أحدهما جسد خيالي (يتمثل في صورة القناع)، والآخر جسد واقعي ملموس (صورة الذات المنعكسة). إن هذا المواجهة البصرية بين الصورتين قد تثير مستويات متفاوتة من القلق لدى المستفيدين فبينما يجد البعض صعوبة في التماهي مع ذواتهم عبر البصمة الجبسية لوجوههم قد ينغمس آخرون في تأمل هذه الصورة الحميمة إلى حد الاغتراب، حيث يصبح المريض أسيراً لانعكاسه الذاتي مما قد يفضي إلى نوع من الانفصال عن المحيط الخارجي.
تتجلى فاعلية هذا التمرين في سياق العلاج بالفن من خلال عملية “إعادة التغليف” باستخدام الضمادات الجبسية وما تتيحه من ملامسة حسية لهشاشة المادة وتكرار للفعل الترميمي، كما يمكن توظيف العجينة الطينية لإنتاج نسخ متعددة تعزز من سيرورة التعبير وتعد هذه التقنية ذات أثر بالغ لا سيما في مرحلة المراهقة. وتستشهد الباحثة سيلفي باستي Sylvie Basté بحالة “فيوليتا” (19 عاماً) التي أنتجت خلال ورشة علاجية سبعة أقنعة كان من أبرزها قناع “الأمير العربي” وقناع “ميتاليكور”. وعلى الرغم من افتقار “فيوليتا” للمهارة التقنية الطوعية في تطويع الخامات إلا أن منجزها كان غزيراً بالرؤى التصورية حول شخصية القناع التي تتشكل تدريجياً، فقد اتسم القناع الأول بسمات تدميرية تجسدت في وجود ندبة وعين مغلقة وأخرى مفتوحة إحالةً إلى إصابة صادمة مع اعتماد ألوان تمنح إيحاءً بالجلد المحروق وتتويجه بعمامة مرتفعة (صورة12). أما القناع الثاني فقد استغرق وقتاً طويلاً في صياغة هيئته الهجينة وتلوينه بتضاد لوني حاد بين الأحمر والأسود (صورة13). إن هذه الوجوه الغرائبية، وبالرغم من انفصالها الظاهري عن واقع الطفلة تم استثمارها في ألعاب الأقنعة كآلية إسقاطية كشفت عن رواسب من طفولتها إذ وصفت تلك المرحلة بأنها كانت تعيش “في خضم حرب صوتية” (Basté et autre: 2017, p. 58) وهو تعبير استعاري يشير إلى بيئة مشبعة بالضجيج أو العنف اللفظي والانفعالي، مما يجعل من القناع وسيطاً رمزياً لتصريف تلك الصراعات الدفينة. يُستشف من تعبير فيوليتا عن طفولتها بوصفها حرباً صوتية حالة من الانتهاك الحسي الذي أعيد تدويره تشكيلياً عبر مسام القناع. فالندبات والحروق البصرية التي أسبغتها على منجزها الفني ليست إلا انعكاساً لندبات نفسية غير مرئية سببتها البيئة الصوتية العنيفة. إن القناع في هذه الحالة يعمل كـغلاف جلدي ثانٍ يسعى لترميم الذات التي تفتتت بفعل الصدمة محولاً العجز عن الكلام إلى قدرة على التجسيد المرئي. في هذا التمرين يمكن أيضًا استعمال دعامات أخرى غير بصمة الوجه وذلك من خلال تشكيل الهيئة التقريبية له باستخدام شبكة سلكية تُغطى لاحقًا بلصق الورق أو باستعمال ضمادات جبسية أو مواد أخرى متنوعة كالصوف والأقمشة، وذلك لابراز الملامح يدويا. كما يمكن تطبيق هذه الضمادات أو الملصقات على قناع بلاستيكي أو بالون أو وعاء لتسهيل تشكيل تعابير الوجه. ان هذا النوع من الأقنعة غير قابل للارتداء انما يُستخدم كنموذج مجسم يُوضع بعيدًا لعدم اريحيته.
| صورة 12: القناع الأول. |
| صورة13: القناع الثاني. |
تقنية التشكيل بالأوراق الكرتونية:
تُعدُّ هذه التقنية وسيلةً علاجية وترفيهيةً قيّمةً للأطفال حيث تتيح لهم إمكانية ابتكار أقنعة بسيطة باستخدام علب كرتونية، وذلك عن طريق إحداث فتحتين مخصصتين للعينين والفم فيها ومن ثم تشكيلها باستخدام الملصقات الورقية المتنوعة. يمكن كذلك إضافة تفاصيل وعناصر أخرى لابراز ملامح القناع مثل الأنف والتجاعيد أو حتى البثور والقرون، مما يضفي طابعًا خصوصيا على العمل، “كما في حالة الفتاة المصابة بفقدان الشهية العصبي التي قد تضفي على قناعها سماتٍ قتاليةً كجمجمةٍ بارزةٍ تعكس استثمارها الفكري المفرط.” (Basté et autre: 2017, p. 59)
يتميز تمرين صنع الأقنعة بهذا الأسلوب بسهولته وفاعليته خاصةً الشكل المكعب الذي يلقى استحسانًا لدى الأطفال إذ يذكرهم بالروبوت ويمكن ارتداؤه على الرأس كهيئة الخوذة. كما يمكن أن يُمثل القناع “قرينًا” يعتبر إسقاطًا لاضطراب داخلي أو صراع أو شعور بالذنب، حيث يلجأ المريض إلى حماية ذاته بالانفصال عن أجزاء منها واسقاطها على ذات أخرى هي “القرين” الذي يمثله القناع. وبمجرد الدخول في اللعب المقنع، ينخرط المريض و”قرينه” في علاقة تهدف إِلى مواجهة التخيلات الخاصة من خلال آليات الإخفاء والإظهار. في هذا الاطار نستحضر عينة من ورشة جودیث آرون روبن Judith A. Rubin، لوري كانت طفلة في عمر الخمس سنوات وتحب لعبة الغميضة لذلك تم ادماجها ضمن هذا التمرين على انه لعبة اختباء اخرى لكنها خلف قناع. وتبعا لذلك صنعت البنت قناعًا من الكرتون لوحش غاضب ورسمت على ظهره صورة آخر مبتهج (صورة14)، ثم استخدمته للتمثيل فكانت تقلب القناع تارة تجسد دور وحش سعيد يحاول مصالحتي وتارة أخرى تمثل دور وحش مخيف يكرر التهديد بالقتل. انخرطت لوري في تقمص دوري الغضب والرضا من خلال القناع، وخلال ذلك التمثيل عبرت عن استيائها بخصوص حالة الغضب الشديد وبدا عليها الخوف من أن يكون ذلك سببا في تخلي أمها عنها كما فعل أبوها. من أول جلسة في ورشة الأقنعة ظهر القلق من الفقد وتجلى الغضب من خلال دراما القناع. بالتالي تمكنت الطفلة من التعبير عن مشاعرها الداخلية المعقدة والمتضاربة بطريقة آمنة وغير مباشرة. فالقناع الكرتوني الذي يحمل وجهي الغضب والرضا أصبح بمثابة وسيط سمح للوري بتجسيد أدوار مختلفة تعكس صراعها الداخلي.
| صورة14: ثنائية قناع الوحش الغاضب والمبتهج، ورق كارتون. |
اذن تعد تمارين الأقنعة أسلوبًا علاجيًا يتجاوز حدود اللعب، حيث يُمكّن الأفراد من التعبير عن مشاعرهم المكبوتة. وتُمارس هذه التمارين ضمن مجموعات، على غرار الألعاب المسرحية، اذ تبدأ الجلسة باحماءات تهدف إلى تعزيز وعي المشاركين بأجسادهم ليتمكن كل فرد من تجسيد شخصيته المقنّعة. فارتداء القناع يتطلب تهيئة حسية من خلال عدة تجارب ملمسية لتكييفه مع وجه حامله، وهي غالبًا لحظة تتسم بالحساسية فقد يشعر البعض بضيق أو اختناق في البداية، ويمكن تجاوز ذلك الشعور بتوسيع فتحات العينين أو تبطين الأجزاء الداخلية غير المريحة بالقطن أو قص الزوائد والنتوءات الداخلية لتخفيف التصاق القناع بالوجه. كما يمكن استخدام القناع على أجزاء أخرى من الجسم كاليد أو القدم أو الركبة أو البطن، وفي هذه الحالة يكتسب التعبير الجسدي أهمية مضاعفة نظرًا لاختلاف تنظيمه في الشخصية. ويُقترح هذا النوع من الأساليب الإبداعية للأفراد الذين يخشون ارتداء القناع بشكل مباشر حيث يمكنهم استخدامه كدمية.
صفوة القول، يمثل القناع وسيطًا فريدًا يقع في منتصف الطريق بين الفنون التشكيلية وفنون الأداء إذ يتصالح الجسد مع الوجه الجامد للقناع عن طريق تحريكه على غرار الدمى التي تستلزم تفكيكًا بين جسد الممثل المحرك و”جسد الدمية” الذي يبث فيه الحياة.
- الفنون الأدائية:
- دمى العرائس Les marionnettes
| صورة15: دمية جسد الروح لميشيل نيدجار (1976)، متحف الفن الحديث والمعاصر، تولوز. |
منذ الخطوات الأولى للحضارة، حضرت الدمى في مختلف أساليب التمثيل الإنساني مما يثير التساؤلات حول جوهر إنسانيتنا اذ نجدها تدمج ضمن الأساطير في كل عصر وفي كل مجتمع. وفي علم النفس أيضا، يلاحظ ميل الأطفال التلقائي للتحدث مع دمائهم ويمكن استغلال هذا السلوك كوسيلة للتعبير فحتى الأطفال الأكثر صمتا يمكنهم أن يعبرو بطلاقة من خلال الفن، وخاصة فكرة الدمى حيث تحمل قوة تأثيرية من خلال مرور الفرد بمراحل تشكيل الشخصية والتعايش معها في بيئة تفاعلية مرحة مما يمنحه الوقت للتكيف والتأقلم معها. يعتبر هذا النشاط أداة علاجية قيمة، إذ يتيح الوصول إلى جوانب قد لا يبلغها المعالج بالطرق التقليدية فالدمى تعيدنا إلى حميميتنا الحسية والعاطفية وتجبرنا على التفكير في أجسادنا كما يتطلب تصميمها تقنيات فنية وحرفية متنوعة كالنحت والتشكيل والرسم والخياطة والمسرح. وكما هو الحال في الفنون التشكيلية والأقنعة، يمارس المعالج بالفن فن الدمى حسب الحالة وتعتبر دمى القماش الخاصة بميشيل نيدجار Michel Nedjar (صورة15) مصدر إلهام في الورشات العلاجية الفنية حيث توحي هذه الأشكال بمعاناة عميقة عبر المواد المستخدمة (ملابس قديمة، وأقمشة ملطخة، وممزقة، ومثقوبة، ومربوطة) حيث يقوم نيدجار بعجن هذه الدمى ويغمرها بالطين ليتصبح بالكاد تتخذ شكلاً بشريًا. وفي ورشات الدمى كذلك قد يسيء الأطفال معاملة دمائهم بإسقاط العدوانية ومشاعر الغضب والخوف عليها وحتى في بعض الأحيان تجاربهم الأليمة كأطفال تعرضوا للعنف.
ينطوي صنع الدمى على تقنيات متعددة، بدءًا من رسم الشكل وتشكيل الهيكل وتغطيته مرورًا بالتواصل الحميمي مع المواد لتكوين أجزاء الجسم، وصولًا إلى تلوين الوجه وصناعة الملابس. وبفضل تعدد أشكالها وموادها وقدرتها على الحركة وإثارة فضاء اللعب، توفر الدمية مساحة للتعبير عن الذات وتستدعي قدرات وآليات متنوعة لدى المريض كالنقد والتجريب والمجازفة والملاحظة وإدراك الذات والتركيز والتفكير. وتتنوع أشكال الدمى لتناسب التلاعب والمساحة التعبيرية من أبرزها دمية القفاز (Marionnette à gaine) التي تعتمد على يد ومعصم محركها فهما اللذان يخلقان حجم الدمية داخل غلاف قد يكون جوربا يشكل الجسم والرأس مع أطراف مخيطة، تتميز هذه الدمية ببساطتها وسرعة إعدادها للعب الحركي. أما دمية الخيوط (Marionnette à fil) فتعد الأكثر تعقيدًا وتكاملاً، حيث تُصنع أجزاء الجسم منفصلة ثم تجمع المفاصل بدقة، ليتم تحريكها بواسطة خيوط يمسك بها المحرك فوق الدمية مما يتيح تحكمًا دقيقا بحركاتها. هذا النوع ذو قيمة علاجية خاصة إذ يتطلب تقنيات دقيقة في تشكيل وتنظيم عناصر الدمى ويستدعي تصورًا للجسد وتاريخه الحميم وأحيانا النظرة التي يحملها الشخص عن نفسه. في حين أن الدمية ذات العصا (Marotte) تتميز بشكل مجسم وأطراف متحركة بواسطة عصا مثبتة في الرأس أو مقبض خلف الظهر، مما يسهل التلاعب بها على مستوى مرئي أو خلف ستار. قد يكون بناء هذه الدمية أسهل بالنسبة للأطفال إلا أن حركتها قد تكون محدودة مقارنة بدمى الخيوط. مهما كان شكل الدمية فانها مثل أي عمل فني، تشارك في خلق عالم وقصة تنطلق من إدراكنا لأجسادنا حتى تصبح وسيلة تعريفية ذات أهمية خاصة للأطفال الذين يجدون صعوبة في بناء هويتهم وتنظيم فضائهم النفسي من أفكار ومشاعر. فمن خلال تخيل شخصية محددة الهوية سواء كانت بشرية، حيوانية، خيالية أو وحشية، ومنحها ملامح مميزة وسمات اجتماعية وثقافية ثم إحيائها في فضاء مسرحي للتعبير والتفاعل، يصبح تمثيل هذا العالم تحديًا خاصة لمن يعانون من اضطرابات نفسية حادة أو اضطراب طيف التوحد. ويساهم تنظيم جسد الدمية في إرساء هذا الفضاء النفسي لدى المراهقين الذين يعانون جسدا مضطربا بفعل التحولات والضغط الغريزي الذين يمرون به، ولدى البالغين الذين تنعكس صراعاتهم عبر اضطرابات جسدية. كما أن تفاعل الدمية مع شخصيات أخرى وتبادل الكلمات والإيماءات يسمح بالتعبير عن جوانب يصعب البوح بها مباشرة. بالتالي، يعزز اللعب المشترك مع هذه الشخصيات تمثيل المشاعر والصراعات مما يساعد في تنظيم الفضاء النفسي للذات خاصة بالنسبة للأطفال والأفراد ذوي الإعاقة. إن صنع الدمية هو خلق جسد، وبما أنها مُعدة للتلاعب بها وتحريكها في فضاء ما فإنها تستحضر أحاسيس المريض وخياله وصورة جسده مشيرة إلى تجارب حميمية، فتعكس الدمى جوانب وحشية أو تكون مساحة لإسقاط المخاوف والصراعات أو تمثل أشخاصًا من المحيط للتفاعل معهم مثل الأم أو الجدة فتحفز الفرد للتعبير عن الآلام من خلال التحدث معها، هذا ما يساهم في تطوير اللغة واستكشاف أنماط تواصل مختلفة. اذن تساهم ورشة الدمى العلاجية في جعلنا نتأمل العلاقة بين الحي والميت والإنساني وغير الإنساني والواقع والخيال، ثم تقبل هذا التناقض. ورغم البساطة الظاهرية التي غالبا ما تجعلها تعتبر فنًا طفوليًا الا ان الدمية تتيح لمن يعانون هشاشة نرجسية الانخراط بسهولة في صنعها والتفاعل معها. بالتالي، تشارك الدمية في خلق عالم وقصة تبدأ بالجسد الذي يجب تمثيله وتحريكه والتعبير به عن المشاعر وسرد الحكايات، وهو ما يربطها بفن المسرح.
- المسرح Le théâtre
يستثمر اخصائي العلاج بالفن قوة المسرح في تحقيق أهداف نفسية علاجية من خلال تصميم برنامج متكامل، بدءًا من كتابة القصة وتصميم عناصرها المحيطة التي تشمل الفضاء والملابس وإشراك بعض المرضى في أدوار ثانوية لتعزيز تفاعلهم وفهمهم. يتم عرض العمل على المجموعة المشاركة في العلاج ثم يعدل السيناريو ليناسب الحالة النفسية لكل مريض، كذلك يقرأ المريض نصه ويتعمق في معانيه مدركا أهمية النشاط في رحلة تعافيه وذلك بمساعدة مرافقه ثم يتم تحديد موعد للعرض أمام جمهور واعٍ بأهداف البرنامج العلاجية. في هذه المرحلة يشجع المريض على تقمص الدور بشكل كامل حيث تتبع العرض جلسة علاجية جماعية لمناقشة التجربة وما اكتسبه المشاركون ليتم بعدها تقييم النتائج. يرتكز العلاج المسرحي على التمثيل الرمزي والتواصل والتحويل مستفيدًا من تقنيات مسرحية متنوعة ضمن إطار آمن وممتع. تهدف الورشة إلى تجاوز الواقع اليومي عبر اللعب بالذات والآخر، وبما انه ليس من السهل دائمًا العودة إلى اللعب عندما لم نعد أطفالًا تتضمن التمارين احماءات جسدية وحسية وعاطفية لتفعيل التعبير الحركي وإدراك الجسد وحدوده وقدراته. يعقب ذلك عمل مسرحي ارتجالي باستخدام مواد ملموسة كالنصوص لتحفيز الإبداع بمختلف اشكاله. ورغم صعوبة إقناع بعض المرضى بأهمية الإحماء إلا أنه ضروري لاكتساب الأدوات اللازمة للاندماج في العمل المسرحي وتقمص الشخصيات. اذ تعمل التمارين التي تشمل التقليد مثلا على تعزيز صورة الجسد وتوحيدها والانتقال من الذات اليومية إلى الذات التمثيلية الخيالية. يعتمد العمل في الورشة على الارتجال عبر أدوات ووسائط ملموسة لدعم التواصل والتعبير عن المشاعر والقلق وتعزيز الانفتاح العاطفي وتوفير دعائم للدخول إلى العمل الخيالي والخروج منه، مما يساعد على الفصل بين الشخصية والذات. فبناء الشخصية هو بمثابة رسم بالجسد، انه خلق لذات أخرى ولكن بصورة مختلفة. وعلى خشبة المسرح هو مواجهة للنقص والغياب مما يحفز التفكير والتفاعل بين المشاركين. أما في الإطار العلاجي، يعد المسرح أداة تتيح للمرضى استكشاف أجسادهم وقدراتهم التعبيرية المختلفة، وتكسبهم مرونة أكبر في التكيف مع الذات والآخر والواقع. كما يمنحهم فرصة فهم بيئتهم بشكل مختلف وتعلم التواجد معًا واحترام الذات والآخر، وتجربة أشكال تواصل جديدة في فضاء علاجي آمن. بالنسبة لمن يواجهون صعوبات لغوية يعيد العمل المسرحي معنى الكلمات والإيماءات والحركات ويربطها بالعواطف والأحاسيس ويوفر طرقًا بديلة تعتمد على تحريك الحواس وتنفيذ أشكال استعارية، مما يوفر دعائم قوية للذات والاخر ويعزز التقارب العاطفي.
- الموسيقى La musique
تعد إتاحة الفرص للأطفال للتعبير عن آرائهم وميولهم من خلال الأنشطة المتنوعة كالرسم والتشكيل والتمثيل والموسيقى، أمرًا ضروريًا لتعزيز احترامهم لذاتهم وثقتهم بأنفسهم، مما يُسهم في تكوين شخصية سوية ومتوازنة. وتؤكد عواطف عبد الكريم على “الدور الخاص للموسيقى في تحقيق النمو الشامل للطفل في مختلف النواحي الجسمية والانفعالية والاجتماعية والعقلية، بالإضافة إلى دورها في تحقيق التوافق مع البيئة المحيطة وتعزيز المفاهيم الدينية والقومية، فضلاً عن تنمية الاعتماد على النفس والشعور بالقيمة. (عبد الكريم: 1982، ص 16)
وفي مرحلة المراهقة، تتجلى أهمية الموسيقى في حضورها القوي في حياة الشباب حيث تتجاوز كونها مجرد تناغم صوتي لتصبح الايقاعات وسيلة للتعارف والتلاقي وبناء الهوية الفردية والجماعية. وقد أثرت التقنيات الحديثة والرقمنة بشكل عميق على علاقة المراهقين بالموسيقى التي ترافقهم في مختلف أوقاتهم على مدار اليوم. أما في السياقات العلاجية، فتستخدم كجسر للمرضى الشباب في البيئة المدرسية المتغيرة مما يُتيح لهم الحفاظ على مساحتهم الخاصة ويُساعدهم على التكيف مع الواقع الانتقالي ودخول مرحلة البلوغ. كما يُمكن أن يُساهم الاستماع الموسيقي ضمن الورشات العلاجية في خلق فاصل بين باطن المراهق وخارجه الذي يمكن ان يكون عدوانيا أو منعزلا مما يُساعده على تحديد ذاته.
اذن العلاج بالموسيقى هو تعزيز للقدرات البشرية من خلال استثمار التأثيرات الموسيقية على وظائف الدماغ، مما يؤثر إيجابًا على الجوانب الإدراكية والانفعالية والعاطفية وقدرات الفرد بشكل عام. وتعد الموسيقى أسلوبا فعالًا وسهل القبول في الورشات العلاجية نظرًا لتغلغل هذا الفن في ثقافة المجتمع المعاصر. وبناءا على ذلك يستطيع المعالجون بالفن تطبيق الموسيقى المناسبة كعلاج تكميلي لعديد من الأمراض بشكل أسرع وأكثر تأثيرًا من الطرق غير الموسيقية. فعلى سبيل المثال يُمكن للموسيقى أن تُساعد في إعادة تأهيل الكلام لدى مرضى الحبسة وفي التعبير العاطفي لدى الأشخاص المصابين بالاكتئاب، وقد أشار تشارلز جورجي Charles Gourgey إلى أن هذا الأسلوب يمثل دمجا بين العلاج النفسي وفن الموسيقى، اذ “يراعى العلاج بالموسيقى خصوصية الحالة من حيث العمر والثقافة… وخاصة الأطفال الذين لم تتكون مهاراتهم الكلامية بعد، فهؤلاء مثلا يستجيبون بفاعلية أكبر إلى طرق العلاج التي لا تعتمد على الكلمات.” (نجله: 2006، ص 21) وعلى الرغم من أن المعالجين هنا هم في الأساس موسيقيون، إلا أنهم يعملون على صياغة الأهداف العلاجية باستخدام النغمات لتلبية مختلف الاحتياجات مثل التدريب على الاندماج الاجتماعي واستخدام اللغة وتنمية المهارات الحركية. وقد يتعاون المختصون في العلاج بالموسيقى مع غيرهم من المعالجين والمعلمين لوضع برامج علاجية فردية تُستخدم فيها الموسيقى كمصدر دائم للمساعدة في إعادة تأهيل ونمو الأطفال خاصة منهم ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث يُساعد الدعم المناسب من الوالدين والمعلمين على ربط هؤلاء الأطفال ذوي الإعاقات ببيئتهم من خلال الأصوات والتعامل مع مجموعة متنوعة من الآلات الموسيقية. كذلك أظهرت الدراسات مدى فعالية العلاج بالموسيقى في التعامل مع مختلف الحالات المرضية، مثل آلام الأطراف والأطفال المبتسرين أي المولودين قبل أوانهم وكذلك الأمراض المزمنة والإعاقات الجسدية والعقلية ومرض الزهايمر والأمراض الذهانية مثل التوحد. ويتم تشجيع الأفراد الخاضعين لبرامج العلاج بالموسيقى على الاستفادة من قدراتهم من خلال المشاركة في نشاطات موسيقية متنوعة بأهداف علاجية محددة، مما يساعدهم على توفير مستويات أعلى من الاستقلالية ويحفز استجابات سلوكية ونفسية واعية اكثر. كما يعد هذا الأسلوب ناجحًا في تسهيل وضمان نشاط مرضى الزهايمر حيث ويستخدم المعالجون أنشطة أخرى مصاحبة للموسيقى لتعزيز الاستقلالية والمشاركة كالغناء والرقص. أما في المراحل المتأخرة من هذا المرض يزداد التركيز على تحسين جودة الحياة المتبقية للمريض، ويُعدّ نموذج “موسيقى علم الموت” جزءا من تمارين العلاج بفن الموسيقى حيث عرفه شرودر(1994) على أنه “شكل طبى مسكن توظف الموسيقى فيه حتى تخدم الاحتياجات الجسدية والروحية المعقدة” (نجله: 2006، ص 38) بالتالي يشير الى دور الموسيقى في علاج الاضطرابات النفسية لدى مرضى الزهايمر، حيث يُعدّ وسيلة مؤثرة في الجوانب السلوكية وقد يُساعد في تخفيف اعراض الاكتئاب وتوفير الراحة للمرضى، خاصة الذين يرقدون في المستشفى فقد أصبح العلاج بالموسيقى أسلوبًا شائع الاستخدام لمساعدتهم على إدارة مشاعر القلق لما يتمتع به هذا الفن من قدرة على تحسين الحالة المزاجية وصرف الانتباه عن الألم الجسدي.
- الرقص La danse
إن تمارين الرقص اكثر ما يستقطب الأفراد في ورشات العلاج بالفن لقدرتها الفريدة على ملامسة أعماقهم الوجدانية من خلال تجربة حسية حركية مفعمة بالنشوة والانسجام والفيض العاطفي المتبادل مما يمنحهم شعورًا عميقًا بالرضا. في هذا السياق، يتجاوز فعل الرقص الغايات الوظيفية ليستمّد قيمته من جوهره محدثًا حالة انفعالية مميزة تؤدي إلى التقاء روحي بين الراقص والمتفرج. فعلى عكس النحات الذي يطوع مادة خارجية، نجد المادة الأساسية في هذا الفن هي جسد الراقص ذاته الذي يشكل أداة يتم من خلالها التعبير باتخاذ وضعيات متنوعة. فالجهاز الحركي والحسي يشكلان جزءًا لا يتجزأ من كيان الراقص وهما أساس قدرته على خلق صور حركية. تتضمن الحصص العلاجية في جزء منها ارتجال حركي موجه حيث تشكل التمارين السابقة قاموسًا إيمائيًا يستفيد منه المشاركون عند الحاجة فيستطيعون ببساطة إعادة أداء الحركات التي تم استكشفها سابقًا، مما يحررهم من هاجس الفراغ الإبداعي ويشجعهم على استكشاف حركاتهم الخاصة دون ضغط لتحقيق نجاح معين. كما تتطور التمارين نحو استخدام متعدد الاتجاهات للفضاء والتفاعل العفوي بين المشاركين للانتقال من تقليد حركات المعالج إلى الخيارات الشخصية، ومن الثبات المكاني إلى الحركة الحرة والتموقع داخل الفضاء، ومن الوعي بالجسد الخاص إلى الوعي بحضور الآخرين، وفي بعض الأحيان تستخدم ضخمات حسية كالأقمشة لمساعدة الفرد على الإصغاء إلى جسده.وتحفيز الحواس المختلفة وتعزيز التفاعلات بين المشاركين، مما يعزز الحرية والإبداع والانفتاح على العالم الخارجي. بالتالي لتمارين الرقص أثر علاجي تكميلي من منظور التجربة الحميمة والجسدية، حيث يوفر التعبير الجسماني وسيلة للتجاوب والتنسيق الحركي ويعد الإحساس بالجسد معادلا للشعور بالوجود والوعي الذاتي وتكوين الهوية، ويكتمل هذا الإدراك بالتفاعل مع العالم الخارجي مما يؤدي الى تجاوز حالات الانطواء والاكتئاب وتعزيز متعة الوجود. كما يتمثل دور المعالج بالفن في مرافقة الفرد في رحلة اعادة اكتشافه لذاته وهويته من خلال الوعي الحسي الجسدي وذلك عبر تمارين يقترح فيها الرقص كوسيط فني، ولكن مع مراعات الاحتياجات الفردية لكل مشارك. في هذا الصدد تؤكد آني بوير-لابروش Annie Boyer-Labrouche أنه “من الضروري دراسة دواعي استخدام طريقة معينة لكل مريض بعينه، مع الأخذ في الاعتبار المقاومات المحتملة وتوقع نشوء عوامل القلق، علمًا أن الموسيقى تتيح قدرًا أكبر من العفوية.”(Boyer-Labrouche : 1992, p. 63) أي أن التعبير الجسدي من خلال العلاج بالرقص قد يثير مقاومة ربما تكون ناتجة عن ضعف تقبل الجسم أو رفض نظرات الآخرين. في هذه الحالة، يتمثل دور المعالج بالفن في مساعدة المريض على تجاوز هذه العوائق فمن ضمن أهداف الورشات العلاجية بالرقص هو تمكين الفرد من تقبل جسده والاستمتاع بما يقوم به من حركات.
- الفنون الأدبية:
- القراءة والكتابة La lecture et l’écriture
لقد أتاحت الفنون التشكيلية والأدائية لبعض المرضى التعبير عن تصوراتهم الذاتية بأساليب غير لفظية متنوعة بينما يجد آخرون في تدوين الكلمات شعراً أو نثراً منفذاً أسهل للتعبير عن مكنوناتهم. ومن هذا المنطلق تبلورت فكرة إنشاء ورشة متخصصة في القراءة والكتابة بهدف خلق نمط بديل للكلام وتيسير انبثاق أساليب تعبير جديدة لدى المشاركين، وهو ما يتماشى مع بدايات الاهتمام بالعلاج بالقراءة حيث “اعترف قاموس دورلاند الطبي المصور لأول مرة بالعلاج بالقراءة عام 1941، وعرف مصطلح “بيبليوثيرابي” بأنه استخدام قراءة الكتب في علاج الأمراض العصبية.” (شلتوت: 2019) لا تحمل هذه الورشة غرضا أدبيا بل تنطوي على جملة من الأهداف العلاجية تتصدرها مساعدة الأفراد على استشعار جمالية اللغة ومتعة الكلمات ودقتها ثم إقامة تفاعل حسي مع الكتابة، فضلاً عن تمكينهم من تقاسم قدراتهم الفكرية والإبداعية وتحفيزها، كما تهدف إلى توفير بيئة للتأمل وتحليل الذات وتنمية التفكير النقدي بالإضافة إلى تبادل التصورات والرؤى حول القضايا التي تشغلهم. ويجري التحضير لكل جلسة بعناية تشمل مراجعة دقيقة للنصوص المنتجة وتقديم تعليقات موجهة تهدف إلى تطوير أدائهم اللغوي والإبداعي. وتتخلل الورشة أنشطة كتابية متنوعة بدءاً من كلمات تصف عملاً فنياً وصولاً إلى صياغة قصائد تعكس المشاعر والأفكار أو سرد قصصي متكامل يحمل رؤاهم وتجاربهم ثم تنتقل هذه النصوص بين المشاركين لتعم الاستفادة. تمنح قراءة الحكايات بأسلوب الحكواتي الحياة للقصص ويغذي خيال الفرد ويعرفه على الهياكل السردية والشعرية الكامنة في اللغة بينما يحفز استحضارها في الكتابة فضوله ويمنحه نقاطاً مرجعية لهيكلة قصائده وقصصه الخاصة. كما أن صياغة الحكايات والسيناريوهات والنصوص الشعرية المصاحبة للإبداعات الفنية تتيح للمرضى مواجهة مواقفهم الصعبة والمؤلمة في فضاء إبداعي آمن، وتنمية الروح النقدية لديهم وقدرتهم على التعبير عن الذات في كلمات شعرية أو سردية، مما يعزز فهمهم لذواتهم وما يحيط بهم ويمنحهم صوتاً فريداً للتعبير عن عالمهم الداخلية. في هذا السياق قال بودلير عن الشاعر: “يتمتع بامتياز لا يُضاهى ألا وهو قدرته على أن يكون ذاته والآخرين كما يشاء.”(Klein : 2012, p. 69) أي أن العلاج بالفن من خلال الشعر يسمح لنا بلمس الآخر الكامن في أعماق الذات وإدراك الازدواجيات التي تتعايش وراء الهوية.
- العلاج الفني الأسري:
يرتبط مصطلح “أسرة” أو “عائلة” في الوعي الاجتماعي بوجود الطفل، ويجمع المختصون على دورها المحوري في تشكيل شخصية الفرد إذ تمثل أول بيئة ينشأ فيها ويتأثر بها. ومن خلال تفاعل الطفل مع والديه تتشكل هويته وتنمو شخصيته مما يجعل سلوكياته انعكاسًا لبيئته الأسرية. بناءً على ذلك، يمكن إرجاع السمات الأساسية للسلوك الاجتماعي للفرد إلى علاقاته بأفراد أسرته، ومن الطبيعي أن يؤثر كل فرد في الأسرة على الآخرين حيث تحدث الاضطرابات النفسية التي تظهر منذ الطفولة تأثيرا على الأداء الوظيفي للأفراد وعلى الإطار العائلي ككل. على سبيل المثال، يكون مستوى القلق والاكتئاب لدى آباء الأطفال المصابين باضطرابات أو إعاقات أعلى من المعدل الطبيعي وغالبًا ما يضطرون إلى تعديل مساراتهم المهنية لمواكبة متطلبات رعاية أطفالهم. وهذا يسلط الضوء على التأثير الكبير لاضطراب طيف التوحد ليس فقط على الفرد المصاب بل يمتد ليشمل أسرته والمجتمع أيضا. فعلى الصعيد الأسري يواجه أولياء أمور الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد ضغوطًا نفسية هائلة وتغييرات جذرية في نمط حياتهم اليومية، بالإضافة إلى أعباء مالية متزايدة إذ تتطلب هذه الفئة من الأطفال رعاية خاصة تستلزم القدرة على مرافقتهم وتخصيص الوقت لهم، وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى تحولات في حياة الأسرة. أما على الصعيد المجتمعي، فتتزايد التكاليف المباشرة وغير المباشرة للرعاية الصحية والاجتماعية وتبرز الحاجة إلى توفير خدمات تعليمية وتأهيلية متخصصة.
وفي حالات أخرى، قد يؤدي هذا الكم من الضغط على الأسرة إلى نفور من الطفل. فعندما يستبد الألم بالوالدين ويقضي الاضطراب النفسي على الآمال ويمحو الآفاق المشرقة التي يتمنونها لأبنائهم، لا يبقى سوى شعور الألم يربط الآباء بالطفل في يأس يضطرون لمكافحته باستمرار وقد يأخذهم ذلك إلى التخلي عن طفلهم المضطرب ليعيش في ظروف مغايرة. بالتالي، لا بد أن تتشكل شخصيته على نحو يعكس الأثر الذي يسببه غياب الدعم العائلي فأثر الوالدين يكون واضحا خاصة اتجاهاتهما الشعورية واللاشعورية نحو أبنائهما، فالسلوك الأبوي ليس ذا أهمية فقط في التأثير على كيفية إدراك الطفل لعالمه كالحب والعدوان ولكنه أيضا عامل أساسي يؤثر في كيفية إدراك وتقييم الطفل لذاته. وما من شك في أهمية المكانة التي تلعبها العائلة لضمان النمو المتوازن للطفل حيث يكون بحاجة لتواجدها كمصدر للمحبة والعاطفة وكمصدر للإحساس بالأمن، وهي كذلك مصدر رئيسي لاكتساب المعايير والقيم الاجتماعية والأخلاقية. كما يخلف فقدانها آثارًا سلبية على مستوى تقدير الذات وعلى حمل صورة سلبية عنها تؤدي لتصاعد المشكلات والصراعات الداخلية لديه، كما يمكن أن تخلف ظهور سلوكيات عنيفة موجهة نحو الذات، كما ينجر عن فقدان السند العائلي الإحساس بالذنب. “وترى آنا فرويدAnna Freud أن للفصل عن العائلة آثار سلبية حيث يحدث هزة عنيفة ناجمة عن الحرمان من الإتصال الوجداني بوالدية وهو مؤثر أيضا على مسألة الإحساس بالأمن. كما يؤثر فقدان العائلة على مستوى تأمين حاجيات الطفل الأساسية ، ويعتبر غيابها تهديدا للكيان يخلف عديد الاضطرابات السلوكية.” (بن عبد الله: 2016، ص 44)
يواجه بعض المعالجين بالفن صعوبات جمة في التكيف مع سلوكيات الأطفال المختلفة خلال ورش العلاج حيث يتعلق الطفل احيانا بمعالجيه اكثر من أسرته، مما يجعلهم يميلون إلى التماهي مع دور الوالدين وهو ما قد يدفعهم دون وعي إلى التنافس مع الأم على مكانتها. هذا التنافس يخلق لدى الطفل وهمًا بوجود أم معالجة جيدة مقابل أم سيئة في الواقع الخارجي مما يثير لديهم مشاعر القلق. لذلك يستحسن أن يكون هناك حد أدنى من المعلومات حول الأسرة قبل عملية التشخيص باعتبارها البيئة الأولى للطفل وتهيئ الظروف اللازمة لتكوين حياته النفسية. فالإطار العائلي الذي يعاني من صدمات لا يكون قادرًا على توفير حاضنة نفسية سليمة لاحتواء طفلها. هنا يبرز دور المعالجين الذين تكمن مهمتهم في تخفيف حدة هذا الإحباط وإضفاء ألوان زاهية على هذا الوضع الرمادي.
يمكن للتدخل العلاجي المناسب أن يحسن جودة حياة الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية وأن يحرر آبائهم من آلامهم، حيث أصبحت الورشات الفنية العلاجية لا تقتصر على المرضى إنما تشمل عائلاتهم أيضًا. فالعلاج الأسري حسب ما ورد في قاموس التحليل النفسي: “هو أسلوب علاج نفسي جماعي ينطلق من التاريخ العائلي للفرد ويستند على اشراك أسرته في معالجة الاضطرابات النفسية، بالتالي تُعتبر العائلة إما بنية تُشكل هوية الفرد أو بيئة مُمرضة تهيمن عليها قيود نظامية وتحكمها قواعدها الخاصة. (Roudinesco et Plon : 1997, p. 1075) لذلك تعمل هذه العلاجات على توفير راحة للآباء وتساعدهم على التعامل بفعالية أكبر مع وضع أبنائهم ويقلل من تأثير اضطرابات الأبناء على جودة حياتهم. وهذا ما أكدته دراسة بونتري Ponter 2001 التي بحثت في تأثير العلاج بالفن الجماعي على الحالة النفسية للأمهات وطبيعة تفاعلهن مع أطفالهن، “شارك في الجلسات العلاجية أربع أمهات وأطفالهن، وكانت الأمهات لديهن أعراض اكتئابية أثرت على رعايتهن لأطفالهن، واتضح من الدراسة أن الأمهات سجلن مستويات عالية من تقدير الذات، وصورة ذات موجبة أكثر بعد العلاج بالفن، وأصبح لديهن اتجاهات تفاؤل انعكست على علاقاتهن بأطفالهن.” (عبد النبي: 2008، ص 9) وتتنوع تمارين العلاج بالفن المخصصة للأسرة، منها تمثيل صورة عائلية شخصية أو العمل الجماعي على جدار مشترك.
صورة شخصية للأسرة:
يعتبر تمثيل العائلة في العلاج بالفن أداة تشخيصية وتحليلية، يعكس الفرد من خلالها علاقاته الأسرية ويبين تصوراته ونظرته الخاصة تجاهها. عادة ما يجسد الأطفال الأبوين بترتيب يعكس اهميتهما ويبرز تثمين الشخصية من خلال تكبير حجمها والإهتمام بتفاصيلها مقارنة ببقية الشخوص، كما أن اهمال أو حذف شخصيات أخرى قد يكون تعبيرا عن المشاعر السلبية تجاهها، وأيضا من المهم ملاحظة التوزيع المكاني للشخصيات ومدى قرب أو بعد الشخصيات عن بعضها. وهو الذي يعتبره المختصون مهما لذلك يطلب في هذه الورشة من كل فرد في العائلة أن يمثل صورة شخصية للأسرة، ان كانت واقعية أو يتخيلها، من خلال عمل ثنائي أو ثلاثي الأبعاد باستخدام وسائط فنية متنوعة كالرسم أو النحت. هذا النوع من التمارين يعد بمثابة اختبارات نفسية تكشف عن أحاسيس ودوافع لا واعية للفرد وتقيّم العلاقات الأسرية، كما يمكن أن تكشف عن صورة الفرد نفسه لذاته في الوسط العائلي. في هذا السياق “يرى كل من بولونجي ومورفال (1975) أن رسم العائلة يمكننا من تقييم تمثله الداخلي لها من حيث تنظيمها وبنية ونوعية علاقاتها الداخلية وهو يعكس بعض الخصائص المميزة لعائلة كل طفل.” (بن عبد الله: 2016، ص 35-36)
هذا التمرين يكشف عن تمثلات كل فرد تجاه وسطه العائلي وقد أثبتت الدراسات وجود فروقات بين رسومات الأطفال ذوي الدعم الأسري المستقر وأولئك الذين يفتقرون إليه. ففي حين تميل الفئة الأولى إلى تصوير العائلة بصورة متماسكة وسعيدة تظهر الأخرى قلقاً واضطراباً وهو ما يصور آثار هذا الحرمان. على سبيل المثال نذكر دراسة باناريس فاسكيز وريفاس مارتينيز؛ بورتيجو & Banares Vasquez & Rivas Martinez ; 1969) (portejo “الذين درسوا رسم العائلة مع أطفال فاقدين للسند العائلي بميتم بالبرتغال في سن 9 سنوات، أطفال حرموا من آبائهم وأمهاتهم منذ الولادة حيث بينت النتائج أن الأطفال يرسمون عناصر غريبة ليست لها علاقة بموضوع الرسم الأساسي وهو العائلة مع وجود عناصر دالة على العنف والقلق وتضخيم صورة الأب.” (بن عبد الله: 2016، ص 37).
| صورة16: بعض النماذج من رسومات الأطفال. |
الجدار المشترك:
يُعد هذا التمرين بمثابة منصة تفاعلية تجمع أفراد الأسرة في نشاط فني واحدة حيث يُطلب منهم التعاون لإنتاج عمل مشترك على جدار أو لوحة كبيرة. بالتالي يتجاوز هذا التمرين مجرد التعبير الفني فيتيح لأفراد العائلة فرصة للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم بطريقة أفضل ويسهل التواصل فيما بينهم، كما يساهم في تعزيز الروابط الأسرية من خلال العمل الجماعي المشترك ويشجع على التعاون والتفاهم المتبادل. أما بعد الانتهاء من العمل الفني يُشجع أفراد الأسرة على مناقشة تجربتهم الجماعية وتبادل الآراء حول المنتج النهائي مما يساعد في فهم ديناميكيات الأسرة وتحديد نقاط القوة والتحديات وتساهم في تطوير استراتيجيات فعالة للتعامل مع المشكلات الأسرية. ويكتسب هذا النشاط بعدًا إضافيًا عندما يُطبق في سياق العلاقة بين الأم وطفلها إذ أثبتت الدراسات أن الأمهات والأطفال الذين يعانون من صعوبات نفسية يستفيدون بشكل خاص من ورشة العلاج بالفن، فمن خلال استخدام مواد فنية بسيطة والتلوين واللعب معًا يتمكنون من بناء علاقة ارتباطية أقوى وأكثر إيجابية ويكتشفون طرقًا جديدة للتواصل في بيئة خالية من الضغوط. حيث يبدي الأطفال اهتماما بالمشاركة مع أمهاتهم في هذه الأنشطة وهو ما يحفز تجاوب الأمهات. كما أن إنتاج الصور ومشاهدتها يدعم معنى الهوية والانتماء لدى كل من الأم والطفل، فالتعبير المباشر عن الأحاسيس من خلال محتوى العمل الفني وطريقة تنفيذه يساعد كلا منهما على فهم بعضهما البعض بشكل أفضل. بالتالي تعدّ الصور بمثابة راع للذكريات والأنشطة المشتركة اذ يُشعر التصوير في عمل مشترك الأفراد بالمساواة، ويُمكن حتى للأطفال الصغار إنتاج صور بارزة مثل البالغين مما يترك تأثيرًا قويًا حتى وإن لم يتم التعبير عنها لفظيًا. اذن هذا النوع من الأنشطة يرتكز أساسا على الاتصال الجسدي اذ يميل الأطفال إلى التفاعل المباشر مع المواد الى جانب الاستجابة الحسية للأم.
صفوة القول، تكمن القيمة العلاجية للفن بمختلف مجالاته في عملية الإبداع نفسها وليس في المنتج النهائي. فمن خلال التعبير الحر عن الذات يكتشف الفرد جوانب متعددة من شخصيته ويعزز ثقته بنفسه، لذا يتجاوز اعتماد الوساطة الفنية حدود التنشيط والترفيه ليصبح نهجًا علاجيا شاملا يسهم في تطوير جوانب متعددة من شخصية الفرد سواء كان طبيعيًا أو من ذوي الاحتياجات الخاصة فهو يستهدف تنمية القدرات الكامنة وتمكينه من النمو والتطور على المستوى النفسي والعاطفي والأسري. كما أن الفنون تدعم انماط التعلم المختلفة حيث تترسخ المعلومات لدى من يعانون من صعوبة التعلم المباشر من خلال الصور والرسومات والبراعات اليدوية، هذا بالإضافة لدورها في دعم المهارات الحسية الحركية الكبرى والدقيقة من خلال انشطة المسرح والتعبير الايقاعي والتشكيلي. تعتمد التقنيات المستخدمة في العلاج بالفن على اتصال مباشر بالمادة مع اشراك البصر واللون والخيال والحركة مما يوفر مصدرًا للتجريب والاستكشاف. ففي العلاج بالفن لا توجد قواعد ثابتة بل يعتمد الأمر على التجريب والحدس في إطار مساحة الورشة، حيث يساعد المعالج بالفن الأفراد على استعادة عوالمهم الداخلية تدريجيًا وإعادة تشكيلها بطريقة أكثر احتمالا للعيش. ومن خلال الرسم والتلوين والنحت والتشكيل والكولاج والتجميع والموسيقى والرقص والمسرح والقراءة والكتابة، يوفر العلاج بالفن مساحة آمنة للأفراد للتعبير عن أنفسهم واستكشاف مشاعرهم وتطوير مهاراتهم في التأقلم والتواصل. إنها رحلة نحو الشفاء والنمو الشخصي حيث يتحول الفن إلى لغة للتعبير عن الذات وتحقيق التوازن النفسي. كما أن المشاركة في التجارب الفنية المناسبة والتفاعل معها تمنح الفرد فرصة للتأمل في تجاربه الخاصة ومقارنتها بتجارب الآخرين والاستفادة من الاختلاف، بالإضافة إلى تنمية الحس الجمالي والذوق السليم مما يساعدهم على الاندماج الاجتماعي والاستعداد ليكونوا فاعلين في النسيج المجتمعي. ومن هنا ننتقل إلى الإطار العام وطبيعة الورشة الفنية العلاجية التي قد تكون جماعية أحيانا وفردية أحيانا أخرى وقد تنجز في فضاء مغلق أو مفتوح على حسب الحالة.
- الاطار العام وطبيعة الورشة الفنية العلاجية
تعد الورشة الفنية العلاجية مساحة للتعبير عن الذات واستكشاف المشاعر والمكنونات الداخلية من خلال الابداع الفني، وللغوص في تفاصيلها لا بد من تحديد الإطار الذي يوجه مسارها ويشكل قوامها المنهجي.
فمصطلح “الإطار” Le cadre المشتق لغويًا من الفعل الفرنسي “أطر” cadrer والذي يعود أصله إلى الكلمة الإيطالية “quadro” بمعنى شكل المربع، يتجاوز في سياق الورشة الفنية مجرد كونه حدودًا مادية. ففي الفنون التشكيلية، يُعرف الإطار بكونه الحيز الذي يحتضن الأعمال ثنائية الأبعاد، ويفصلها عن الفضاء المحيط بها، مانحًا إياها استقلاليتها وتركيزًا خاصًا سواء كانت لوحة، صورة فوتوغرافية أو نقش بارز. وتحديدًا في الرسم، أشار سامي بن عامر الى أن “الاطار يفصل الصورة المرسومة عن الفضاء الموضوعة فيه بطريقة تجعلها مستقلة عنه مثلما هو شأن القاعدة فى النحت، وبذلك يتسنى التركيز عليها باعتبارها فضاء موحدا مختلفا عن الفضاء الواقعي.” (بن عامر: 2021، ص 74) كما عُرّف في معجم مفردات الجماليات Vocabulaire d’esthétique على أنه “ما يحيط مباشرة بشخص أو شيء ما في الإدراك الحسي له، أي ما يحيط به بطريقة تُبرزه تمامًا كما يُشكّل المنظر الطبيعي إطارًا للمبنى، ويمثل إطار حياة الشخص مجموع الأشياء التي تُشكّل بيئته اليومية.” (Souriau : 1990, p. 310) ويمتد مفهوم الإطار في علم النفس ليشمل النسق أو المخطط الذي يحدد موضوعًا أو تصميم فكرة عمل. (Doron et Parot : 1991, p. 287) وقد أسهمت المدرسة الأرجنتينية للتحليل النفسي، خاصة خوسيه بليجر في تعميق فهم ديناميكيات هذا الإطار موضحةً أنه ” ليس مجرد خلفية محايدة بل هو موقع لإيداع المريض وربما المحلل النفسي لتثبيتاته التكافلية المبكرةFixations symbiotiques ” (Kaës et autres : 1997, p. 205) أي أنه يمثل مساحة آمنة تُودع فيها المشاعر العميقة واحتياجات التعلق والاعتماد على الآخر، المرتبطة غالبًا بالتجارب الأولية في الحياة. اذن يتطلب المسار العلاجي في علم النفس سواء كان فرديًا أو جماعيًا، تأسيس إطار ثابت ومحدد مسبقا تتبلور ضمن حدوده إمكانية نشأة وتطور العملية التحليلية النفسية وإحداث تغيير جوهري في بنية الذات. حيث يصبح هذا الاطار بمثابة حاوية آمنة تمكن المعالج من المضي قدمًا في عملية التحليل وتتيح للمريض الانخراط بفاعلية في المسار العلاجي لاضطراباته. ومع فهم ديناميكية الإطار التحليلي النفسي والوعي بأهمية التغيير تم بناء مساحات علاجية جديدة كورش العلاج بالفن، فعدم قدرة المريض على التكيف مع الإطار التقليدي تستدعي ضرورة ابتكار إطار خاص يمثل وسيطًا بين الإطار العلاجي الكلاسيكي والإطار التكميلي الذي يضبط لتعويض نواقص المريض. في هذا السياق يصبح الفضاء العلاجي الذي توفره الورشة الفنية حاضنة للإبداع وإطارا محركًا للتعبير عن الذات اذ يستهدف مختلف الحواس مساهمًا في تحقيق التوازن النفسي والاجتماعي لكل فرد، وكما تشير آني بوير-لابروش Annie Boyer-Labrouche في كتابها “Manuel d’art-thérapie”: “هذا الفضاء الذي ستحدث فيه الأفعال هو من نفس طبيعة ما يسميه وينيكوت ‘الفضاء الانتقالي’. إنه المساحة الوحيدة التي يُمكن فيه اللعب، وهذا اللعب يؤدي إلى ضبط النفس وثبات الأشياء.” (Boyer-Labrouche : 1992, p. 67) ويتجلى ذلك في مختلف الفنون فمن خلال الرسم يتم تنشيط حاسة البصر وعلاقتها بالجسد أثناء التلاعب بالمواد، أما جلسات العلاج بالموسيقى فتنمي حاسة السمع وكذلك الجسد عبر الحركة مع الإيقاع، بينما في العلاج بالرقص يكون الهدف هو تحرير الجسد والتعبير من خلال حركاته وايماءاته.
اذن الإطار هنا لا يقتصر على تحديد الزمان والمكان بل يصبح بمثابة القاعدة النظرية والعملية التي تُبنى عليها الورشة. “يتكون الإطار الذي يقترحه المعالج بالفن من مجموعة من العناصر التي تسمح بوضع آلية علاجية للفرد أو المجموعة ويعتبر بمثابة وعاء غير توجيهي يهدف إلى تعزيز التعبير، ويجب أن يكون مرنًا وصلبًا في آن واحد لاحتواء الشخص دون تقييده. (Zerroual : 2017, p. 9) أي أن كل شيء يحدث تلقائيًا، فيشعر المشاركون ويدركون أنهم موجودون للتعبير عن أنفسهم، وهذا يُمثل أحد الفروق الجوهرية بين الورشة التعليمية والورشة العلاجية. فالأخيرة لا تتضمن تعلم تقنيات فنية متقنة بل تسمح بالاستكشاف والتعبير الحر. فتجمع الورشة بين الاطار الفني والعلاجي، الإطار الداخلي والخارجي، المُحكم والمرن في الوقت ذاته بما يكفي لاستيعاب التعبير الفني الفردي والجماعي.
بالتالي، يهدف هذا الإطار العام إلى توضيح طبيعة الورشة ومكوناتها الأساسية، بدءًا من تحديد الفضاء الذي ستُقام فيه وصولًا إلى تحديد شكل الورشة ذاتها. ولكن كيف يتجلى هذا الإطار في تحديد طبيعة الفضاء الذي تحتضنه الورشة، هل يُفضل أن يكون مغلقًا لتعميق التركيز أم مفتوحًا لتشجيع التفاعل؟ وكيف يؤثر ذلك على اختيار الورشة كجماعية لتبادل الخبرات أم فردية لتقديم دعم مخصص يُناسب الاحتياجات الدقيقة لكل فرد؟
- الفضاء: مغلق أم مفتوح؟
يُعدّ اختيار الفضاء المناسب لورشة العلاج بالفن عنصرًا يؤثر مباشرةً في ديناميكية التعبير وتفاعل المشاركين. فالمساحات المغلقة توفر بيئة آمنة تشجع على التعبير الفردي دون تشتت مما يمنح اللمشاركين لا سيما الأطفال حرية وطمأنينة أكبر في الكشف عن مشاعرهم وتجاربهم في فضاء خاص. بالإضافة إلى ذلك، تتعدد الخيارات المتاحة للوسائط الفنية والموضوعات التعبيرية وتتنوع معها بيئات العمل السيكولوجي مما يمنح المرضى مرونة في استغلال الحيز المكاني بأساليب تعكس حالتهم الوجدانية وطبيعة تفاعلاتهم البينية مع المعالج. فعلى سبيل المثال تبرز المسافة المكانية لدى الطفل سواء بالاقتراب أو الابتعاد وموضعية الجسد بالمواجهة أو الإعراض كمؤشرات دلالية على نمط العلاقة العلاجية، إذ يميل البعض إلى الثبات الحركي في موقع محدد بينما يفضل آخرون التنقل الحر داخل الفضاء وتجدر الإشارة إلى أن استراتيجية عدم المواجهة المباشرة غالبًا ما تعزز من شعور المستفيد بالاسترخاء مما يقلل من حدة المقاومة النفسية ويسهل عملية التدفق الإبداعي. وتُبرز حالة دانيال كما أشار مرافقه في كتاب “العلاج بالفن للأطفال” أهمية هذا الجانب، اذ كان يُظهر سلوكًا خياليًا مبالغا فيه تجاه الملاحظين له ويظل طوال الجلسة مُديرًا ظهره مُبررًا ذلك بقوله: “إنهم قد يتجسسون علي”. وعند سؤاله عن هويتهم همس للمعالج: “الأمهات”. ورغم طمأنته قضى دانيال الوقت المتبقي في تغطية نافذة الملاحظة بورقة رسم عليها قضبانًا فولاذية لمنع أي رؤية أو سماع لما يحدث داخل الغرفة. (روبن: 2021، ص 214) وفي سياق مشابه ورد في كتاب “فن الطفل”، تُظهر حالة عائشة المصابة باضطراب طيف التوحد حساسيتها تجاه الفضاء فقد كانت تلتف حول أجساد الآخرين مولدة مشاعر عدوان ورفض. وفي الورشة كانت يداها غالبًا مثقلتين بالفرش وكانت تعض اللوحة أحيانًا، خاصةً إذا كان عليها لون أحمر. “وطالما أن باب الورشة ليس مغلقًا تغمر عائشة حالة من الرعب، فترتجف وتتحرك كفراشة محبوسة في كوب وترتمي على الجدران. ولكن بمجرد إغلاق الباب كانت تهدأ وكأنها حيوان صغير يمكن ترويضه، وأنها نجت من الفوضى الاضطهادية.” (Nakov et al.: 2013, p. 90)
بالتالي، تُجمع هذه الحالات بمجملها على الدور الجوهري لـهندسة الفضاء في إرساء دعائم بيئة علاجية حاضنة تمنح المشاركين الأمان النفسي اللازم للتعبير الحر عن الذات إذ يتيح هذا الشعور بالاستقرار انفتاحًا على آفاق سيكولوجية جديدة تتماهى فيها الحدود بين الممارسة الفنية والعملية العلاجية مما يفضي بالتدريج إلى سبر أغوار العوالم الداخلية حيث تتردد أصداء تمثيلاتهم الإبداعية وتستثير تفاعلات نفسية عميقة. وفي هذا السياق يبرز طرح دونالد ميلتزر Donald Meltzer الذي يؤكد فيه أن: “الجوهر يكمن في الدلالة النفسية للإطار، وفي حالة ذهن المحلل النفسي، وفي جو الغرفة…” (Nakov et al. : 2013, p. 25) مؤكدًا بذلك أهمية البيئة المحيطة والتفاعل النفسي في العملية العلاجية.
على النقيض، يمكن أن يكون الفضاء المفتوح أكثر تعزيزا للتفاعل لما يتيحه من حرية في الحركة والتعبير الجسدي، الأمر الذي يجعله أكثر ملاءمة للورش الفنية التي تهدف إلى التعبير الجماعي وبناء العلاقات وتنمية المهارات الاجتماعية. على سبيل المثال، في ورشات الفنون الأدائية يوفر هذا النوع من الفضاءات مجالًا رحبًا ومساحة كافية تمكّن المشاركين من التفاعل بحرية مما يسهم في تطوير مهارات التواصل غير اللفظي وتوثيق روابط العلاقات بينهم. كما يُعدّ هذا الفضاء مناسبًا للأنشطة القائمة على العمل الجماعي إذ يُسهم في الحد من الشعور بالازدحام ويمنح شعورًا بالراحة والانفتاح، ما يُشجّع على المشاركة النشطة وتبادل الأفكار بشكل أكثر عفوية. وفضلًا عن ذلك، يسهّل الفضاء المفتوح عمليات التعبير التلقائي ويُسهم في تقليل الحواجز النفسية مما يتيح للمشاركين استكشاف أساليب فنية جديدة والانخراط في ممارسات وتجارب جماعية مبتكرة.
بناءً عليه، فإن اختيار طبيعة الفضاء سواء كان مغلقًا أم مفتوحًا يعتمد على الأهداف العلاجية المحددة لكل ورشة وعلى طبيعة التعبير الفني المراد تحقيقه. ولكن بما أن الفضاء ليس سوى أحد أبعاد الإطار العلاجي الشامل فكيف يتحدد شكل الورشة بحد ذاتها؟ وما مدى فعالية الدعم العلاجي المُقدّم فيها، هل يكون أكثر تأثيرًا في السياقات الفردية أم الجماعية؟
- شكل الورشة: فردية أم جماعية ؟
تُعد البنية التنظيمية للورشة العلاجية محددًا رئيسًا لآليات تقديم الدعم السيكولوجي حيث يتأرجح الخيار بين الورشات الفردية والجماعية بناءً على طبيعة الاضطرابات والأهداف العلاجية المرجوة ومدى جاهزية المرضى للتفاعل البيني.
تمنح الورشة الفردية إطارًا علاجيًا خصوصيًا يركز بدقة على الاحتياجات الذاتية مما يساهم في توطيد التحالف العلاجي مع المختص ويسمح باستغوار القضايا الشخصية في بيئة آمنة، وفي هذا الصدد “يعتمد نموذج المرافقة الفردية على أسلوب العلاج النفسي التقليدي الذي يعمل فيه الشخص على تطوير ذاته باتخاذ نفسه موضوعًا للتأمل، ويكمن الاختلاف بينه وبين العلاج بالفن في تقديم الوسائط الفنية لكن الهدف واحد.” Klein : 2012, p. 105)) فبدلاً من الاتكاء الكلي على الخطاب اللفظي حول السلوك والذاكرة يتم التركيز ابتداءً على التمثيلات غير اللفظية التي تجسد كينونة الشخص عبر الوسيط الفني دون إكراهه على كشف أسراره بشكل مباشر.
يُعد هذا النمط مثاليًا للحالات التي تتطلب رعاية مركزة أو تعاني من ممانعة في الاندماج الجماعي، فبالنسبة لمرضى الرهاب الاجتماعي مثلاً من الضروري إرجاء الانخراط الجماعي لصالح بيئة فردية تهدف إلى استعادة الطمأنينة وتوطيد الثقة تمهيدًا للانتقال المستقبلي نحو المجموعات العلاجية لتوسيع النطاق العلائقي. إن التفاعل داخل هذا الإطار يحاكي العلاقة الأولية بين الطفل والأم حيث يتم إعادة إدماج الفرد في مسار الحياة عبر حوار متبادل وهو ما اصطلحت عليه آني بوير-لابروش Annie Boyer-Labrouche ب“الوظيفة الأمومية” (Boyer-Labrouche : 1992, p. 66) ويُقصد بها قدرة المعالج على خلق فضاء نفسي احتوايي يوفر الدعم والحماية، بما يشبه دور الأم في احتواء عالم طفلها الداخلي، دون أن يقتصر ذلك على البعد العاطفي المجرد.
في المقابل، تُعدّ الورشة الجماعية شكلاً من أشكال التفعيل الجماعي للعمل الفني اذ تخرجه من إطاره الفردي لتضعه ضمن نسق اجتماعي متكامل يُسهم فيه كل فرد من خلال معارفه وكفاءاته التقنية في تكوين فريق لا يقتصر على مجرد تجميع الأشخاص، بل يُمثل بنية نفسية اجتماعية مترابطة. وهذا التفاعل لا يعني بالضرورة تماثلا أو تطابقًا في الأعمال المنجزة، بقدر ما يُفضي إلى تكامل إبداعي يُغني التجربة الفنية الجماعية. في هذا السياق، يُعرّف الفريق وفق “معجم مفردات علم نفس الطفل والطب النفسي” بأنه اجتماع لعدد محدود من الأفراد، ويُستعمل في مجال إعادة التأهيل كمفهوم مرادف لمصطلحات مثل “القسم” أو “المجموعة”. ويمكن تصنيف الفرق إلى نوعين رئيسيين: الفريق العمودي الذي يضم أطفالًا من أعمار مختلفة فيحاكي بذلك ديناميكية الأسرة المصغرة. والفريق الأفقي، الأكثر شيوعًا في المؤسسات ويتكون من أطفال متقاربين في السن أو من الجنس نفسه أو خليط من كليهما. (Lafon : 2010, p. 389) وغالبًا ما لا يتجاوز تشكيل هذه المجموعات ستة إلى ثمانية أفراد لضمان جودة الرعاية واستدامة الروابط الاجتماعية بين المشاركين، ولهذا يُفضّل الحفاظ على تركيبة المجموعة المشكلة منذ بداية الورشات حتى نهايتها لتعزيز استقرارها.
يعتبر العمل الجماعي ممارسة رائجة في المؤسسات وذلك لضرورته خاصة في الورشات الفنية التي تتطلب التفاعل المباشر مثل المسرح أو الرقص أو الموسيقى. ويكتسب هذا النمط أهمية خاصة بالنسبة للأفراد الذين يعانون اضطرابات في التواصل إذ يسمح لهم بالتعبير عن مشاعرهم ورغباتهم وانفعالاتهم بعفوية داخل المجموعة مما يُخفّف من حدة الشعور بالذنب أو الخوف من المواجهة. بالتالي، يهدف هذا العمل الجماعي إلى تنظيم التوترات بين الأطفال وتنمية قدراتهم على المبادرة والتعبير عن الذات كما يمنح كل مشارك فرصة لقبول الآخر وخلق مكانه ضمن العلاقة مع المجموعة التي قد تمثل سندًا للفرد وبيئة حاضنة له. هذا التفاعل يعزز الشعور بالانتماء ويقلص الاحساس بالعزلة، ويمكن للمجموعة من خلال انعكاساتها النفسية أن تكون بمثابة مرآة يبصر من خلالها الشخص جوانب في ذاته يصعب إدراكها فرديًا. كما يمكن أن تشكل حافزا له فيقلد ما يلاحظه من تجارب فنية ليبرز هنا دور المعالج بالفن كموجه يرشد كل فرد نحو اكتشاف أسلوبه الخاص. وفي هذا الاطار، تشير المعالجة بالفن “ليبمان” Liebmann إلى أن “العلاج ضمن الجلسات الجماعية ضروري لتعزيز التفاعل والتواصل اللفظي وغير اللفظي بين الأشخاص وهو مفيد للمجموعات التي تعمل نحو أهداف متشابهة، وكذلك تعتبر أن العمل الجماعي يسمح للأشخاص الذين لديهم حاجات مشتركة أن يمنحوا التدعيم القوي لبعضهم البعض.” (عبد النبي: 2008، ص 7) وعليه، فإن العلاج بالفن ذو فاعلية خاصة مع المجموعات التي تتقاسم أهدافًا علاجية مشتركة حيث يتيح للأفراد تطوير مهاراتهم والتقدّم في المسار العلاجي من خلال تبادل الخبرات والتجارب. وتُعدّ المجموعة في هذا السياق العلاجي حاملة لوظيفة مزدوجة تتمثل في احتواء الأفراد واحتواء العملية العلاجية نفسها، اذ تتيح الأنشطة الفنية الجماعية فرصا للتجربة والتخيّل مع الإبقاء على درجة من الحماية والاختباء الضروريين للشعور بالأمان. فمثلًا، في ورشة عمل المسرح تكون المجموعة عنصرا أساسيا لإنشاء فضاء مسرحي وفضاء للمتفرجين إلا انه قد يبقى بعض الأفراد متفرجين لأسابيع قبل المخاطرة بالصعود إلى خشبة المسرح ومواجهة الجمهور بجرأة.
إجمالاً، يتضح أن العلاج بالفن هو اطار علاجي يتجاوز الحدود المادية ليجتمع فيه الفن وعلم النفس مؤسسين بيئة آمنة للإبداع والتعبير. ويعد اختيار المجال الفني والفضاء سواء كان مغلقًا لتعزيز التركيز أو مفتوحًا لتشجيع التفاعل، بالإضافة إلى تحديد زمن الورشة وشكلها بين الدعم الفردي المخصوص والتفاعل الجماعي، قرارات تعتمد أساسا على الأهداف العلاجية وتؤثر فيها بشكل مباشر. لهذا السبب يُعدّ تحديد الإطار أمرًا بالغ الأهمية فالمعالج هو ضامن المساحات الزمنية والاستمرارية، وبغض النظر عن التقنية المستخدمة من الضروري احترام الإطار المختار ليتم تحفيز القدرات التعبيرية لكل فرد. هذا الفهم المنهجي لأسس الورشة الفنية العلاجية يمهد الطريق لاستكشاف كيفية تطبيقها في علاج حالات معينة وكيف يمكن لوسائط فنية محددة أن تُحدث فارقًا في المسار العلاجي خاصة بالنسبة للفئات ذات الاحتياجات الخاصة.
قائمة المصادر والمراجع:
المراجع العربية:
بن عامر، سامي، (2021)، معجم مصطلحات الفنون البصرية، (د.ط)، دار المقدمة، (د.ب)، ص 74، 408.
بن عبد الله، أنيس، (2016)، دراسة ميدانية: خصائص رسم العائلة لدى الأطفال الفاقدين للسند العائلي، محمد عمار (مشرف)، (د.ط)، مؤسسة هديل للنشر، (د.ب)، ص 9، 35-36، 44.
بن عبد الله، أنيس، (2024)، توظيف الوسائط الفنية لدعم اكتساب الطفل المهارات الحياتية، ط1، مؤسسة هديل للنشر، صفاقس، ص 15.
روبن، جوديث آرون، (2021)، العلاج بالفن للأطفال، شاكر عبد الحميد (مترجم)، ط1، دار معنى للنشر والتوزيع، (د.ب)، ص 214، 282-283، 324.
شلتوت، أحمد رجب، (2019)، فن البحث عن الإنسان… قراءات في الرواية، (د.ط)، وكالة الصحافة العربية، مصر.
عبد العزيز حسن، مصطفى محمد، (2014)، سيكولوجية التعبير الفني عند الأطفال، (د.ط)، مكتبة الأنجلو المصرية، (د.ب)، ص 92.
عبد العزيز، مصطفى محمد وفراج، عفاف أحمد محمد، (2023)، مدخل للعلاج بالفن، (د.ط)، مكتبة الأنجلو المصرية، (د.ب)، ص 8.
عبد الكريم، عواطف، (1982)، طفل الحضانة والموسيقى: دراسات وبحوث عن الطفل المصرى والموسيقى، (د.ط)، كلية التربية الموسيقية بالزمالك – جامعة حلوان (المؤتمر العلمي الأول)، (د.ب)، ص 16.
عبد النبي، سامية محمد صابر محمد، (2008)، فاعلية استخدام العلاج بفن الرسم في التخفيف من الوحدة النفسية لدى عينة من طلاب الجامعة “دراسة كلينيكية – علاجية”، مجلة كلية التربية، مج 2، ع 39، ص 7، 9.
القريطي، عبد المطلب أمين، (2012)، العلاج بالفن مفهومه وأسسه، وأهدافه وفنياته، المجلة المصرية للدراسات النفسية، ع 77، ص 3، 4.
نجله، عبد الفتاح، (2006)، العلاج النفسي بالموسيقى، ط1، عالم الكتب، القاهرة، ص 21، 38.
نصير، تماره، (2019)، فاعلية استخدام العلاج بالرسم في التخفيف من الضغط النفسي لدى عينة من طالبات المدارس الثانوية في لواء بني كنانة، المجلة الدولية للدراسات التربوية والنفسية، ع 2، ص 255.
Les références :
Atkins, Beryl T. et autres, (1995), Dictionnaire le Robert & Collins Senior : français anglais- anglais français, 4éme éd, Dictionnaires Le Robert, Paris, p. 48.
Basté, Sylvie et autre, (2017), Pratiques d’une art-thérapeute, 1re éd, Les éditions d’ithaque, Paris, p. 25, 28, 31, 58, 59.
Blanchet, Marie-Soleil, (2015), Le livre-textile: Un outil d’intervention facilitant l’expression et la communication de l’enfant sourd gestuel en art-thérapie, (N.D), Université Concordia (Maîtrise és arts), Canada, p. 24, 30.
Boyer-Labrouche, Annie, (1992), Manuel d’art-thérapie, 1er éd, Dunod, Paris, p. 63, 66, 67.
Doron, Roland et Parot, Françoise, (1991), Dictionnaire de psychologie, 1er éd, Presses Universitaires de France, Paris, p. 61, 287.
Gillis, Alain, (1994), Peinture D’origine : encontre esthétique avec des enfants présentant des troubles de la communication, (N.R), Societé Nouvelle Adam Biro, Paris, p. 79.
Kaës, René et Anzieu, Didier et autres, (1997), Crise Rupture et Dépassement, 1er éd, Dunod, Paris, p. 205.
Klein, Jean-Pierre, (2012), Penser l’art-thérapie, 1er éd, Presses Universitaires de France, Paris, p. 69, 86, 105, 106.
Lafon, Robert, (2010), Vocabulaire de psychopédagogie et de psychiatrie de l’enfant, 3ème édition, PUF, France, p. 389.
Lesoeurs, Guy, (1985), Analyse d’ouvrage « Le MOI-PEAU : Didier Anzieu », (N.R), Editions Dunod (Psychaanalyse.com), Paris.
Nakov, Anastasia, Bablet, Dominique et Desnot, Dominique, (2013), L’art de l’enfant ; l’enfance de l’art : art-thérapie ; autisme ; supervision, (N.R), Presses Universitaires de France, Paris, p. 25, 90.
Roudinesco, Élisabeth et Plon, Michel, (1997), Dictionnaire de la Psychanalyse, (N.R), Librairie Arthème Fayard, (N.D), p. 1075.
Souriau, Étienne, (1990), Vocabulaire d’esthétique, 1er éd, Presses Universitaires de France, Paris, p. 310.
Zerroual, Naima, (2017), Intervention en Art-thérapie : Médiation Tissage, (N.R), l’association Art-Thérapie Virtus (Formation DEAES), (N.D), p. 9.
[1] الجمعية الأمريكية للعلاج بالفن (AATA) هي منظمة مهنية وتعليمية غير ربحية أسسها كل من ميرا نيفيك، وروبرت أولت، ودون جونز والينور أولمان، وفيليس كوهين سنة 1969 بهدف تطوير العلاج بالفن ووضع معايير للتدريب والممارسة لتوسيع نطاق الوصول إلى المعالجين بالفن المحترفين. تعتبر AATA المنظمة الرائدة المكرسة للنهوض بالعلاج بالفن كمهنة راسخة في مجال الصحة النفسية والخدمات الإنسانية حيث تستخدم عملية الإبداع الفني والأساليب النفسية في علاقة علاجية لتحسين الصحة النفسية ورفاه الأفراد.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي