الرئيسية / الأعداد / عدسة ليندا الخفاف.. حين تتنفس صروح الموصل من خلال الضوء – أنور الدرويش

عدسة ليندا الخفاف.. حين تتنفس صروح الموصل من خلال الضوء – أنور الدرويش

ضوء على الفوتوغرافيا

عدسة ليندا الخفاف.. حين تتنفس صروح الموصل من خلال الضوء

أنور الدرويش*

خلال جولتي في أروقة معرض الربيع الثامن، الذي احتضنته قاعة المركز الطلابي في جامعة الموصل، استوقفتني التجربة البكر للمصورة الشابة ليندا خالد الخفاف؛ وهي مشاركة لم تكن لتمر كحضور عابر في سجل المعرض، بل فرضت نفسها كوقفة تأمل واستكشاف أمام لغة بصرية واعدة، تنبئ عن ولادة موهبة تدرك جيدًا أبعاد العدسة. حين يقترن اسم المصورة الشابة ليندا خالد الخفاف بهذه اللقطات، ندرك أننا لسنا فقط أمام تجربة فوتوغرافية في بداية مشوارها الفني، أو أنها انطلاقة لمصورة صاعدة؛ بل نحن أمام موهبة متميزة تحسن قراءة المشاهد في بيئتها الخصبة ومحيطها بعين المحب المتجذرة فيها، ما جعلها تتعامل مع المكان بحنين، زاد في ذلك قدرتها على توظيف الضوء واختيار الزوايا المناسبة للالتقاط.

هكذا هي ليندا التي تحمل في جعبتها مواهب متعددة، وتبرهن من خلال هذه الصور أن الفن بجميع محاوره وحدة متكاملة؛ وهي لا تلتقط الصورة فحسب، بل تبني مشهدًا دراميًا يستمد قوته من ثقافتها الشاملة، وقيمته الكلية من جماليات المكان التي نشأت بين أحضانها. في نظرتها لمدينة الموصل، يظهر واضحًا تأثرها بروح الفن الشمولي؛ حيث تجيد توظيف الإضاءة واختيار الزوايا بطريقة تجعل المتلقي يشعر بعظمة الصروح، مثل صورة كنيسة الدومينيكان في منطقة الساعة، وكذلك مآذن مدينة الموصل العتيقة، محولة إياها من مجرد معالم سياحية إلى كائنات حية تتنفس البيئة من خلال عدستها. إن قدرة ليندا على الانتقال بسلاسة ويسر بين التصوير الملون، الذي يبرز دفء الشمس على المشاهد عمومًا، وبين التصوير باللونين الأبيض والأسود، الذي يختزل المسافات الزمنية المتباعدة، تعكس نضجًا فنيًا مبكرًا، ينم عن ذائقة بصرية مدربة على تذوق الجمال في أبسط تفاصيله؛ حتى في ركام الأبنية والأزقة القديمة والأسلاك المتقاطعة التي جعلت من بعضها سيمفونية بصرية متناغمة. إن تجربة ليندا الخفاف الأولى في عالم التصوير الفوتوغرافي هي بمثابة إعلان للحضور، واكتشاف هوية فنية واعدة؛ حيث يتداخل فيها شغف التوثيق مع لمسة الإبداع الفني الذي يميز أصحاب المواهب المتعددة. وهي لا تكتفي بنقل الواقع، بل تضفي عليه من روحها الهادئة والعميقة في آن واحد، لتقدم لنا الموصل ليس كمدينة للذكريات فقط، بل كلوحة فنية مستمرة العطاء. وهذه التجربة تؤكد أن عدسة ليندا ستكون في المستقبل جسرًا يربط بين أصالة المكان وحداثة الرؤية المتجددة. تمامًا كما ربطت في صورها بين عراقة الجسور، وانعكاس السماء الصافية على وجه الماء

فنان فوتوغرافي من العراق

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً