الرئيسية / ملف خاص / ملف خاص بالمرحوم الشاعر محمد الشحات دراسات: الاختزال الشعري  في قصائد الشاعر العربي محمد الشحات ديوان مكاشفة انموذجا – عبد الحسين بريسم

ملف خاص بالمرحوم الشاعر محمد الشحات دراسات: الاختزال الشعري  في قصائد الشاعر العربي محمد الشحات ديوان مكاشفة انموذجا – عبد الحسين بريسم

الاختزال الشعري  في قصائد الشاعر العربي محمد الشحات ديوان مكاشفة انموذجا  عبد الحسين بريسم

 

مدخل

كيف يكتب الشاعر الآن؟ او بالأصح كيف يكتبنا الشعر ونحن في هذا القرن المسرع دائما في كل أشيائه والمتطور حد اللعنة بهذه البرامجيات التي تطوي العالم في قرصها الصغير. هذه الآفات الحبيبة والرائعة تأخذ إليها كل اشيائنا الجميلة وبدون رحمة.. وحيال ذلك ماذا يفعل الشاعر هل يدير ظهره إليها ويقابل الحائط فلا يرى الأشياء الجميلة كما قال ذات مرة كونفوشيوس؟ وعلى الرغم من هذا التطور لابد للشعر ان يدافع عن ملكوته ولابد له ان يستوعب التطورات المعاصرة خاصة بعدما تخلص من كل الزوائد والترهلات التي صاحبت تجربة قصيدة لغة تفكر والتغريب والتجريب الذي صاحب القصيدة الثمانينية العراقية.

وهذا ما يدل على ان الشعر حالة روحية سرمدية وهو قابل للتمدد والانكماش حسب درجة حرارة الكون والطقس الأدبي السائد في فترة ما. وهذا أيضا ما يربط علاقة الشعر بالروحي- هذا المعنى الشعري الذي لا يعرف إلا من خلال نفسه –هذا الشعر- إذ ليس للإنسان ان يحيا دون هذه الا معينة التي تسمى الروح وهذا إلا معين يدعى الشعر. وهذا الوجود للشعر العراقي ولا أعني هنا المحدودية لأني أرى الشعر العراقي هو خير مقياس للشعر في الكون وذلك لتوفره على روحية صادقة يضاف إليها هذا الكم الهائل من المعاناة ولدتها الحروب والكوارث التي أصابت بالصميم هذا الكائن الشعري- العربي- وبعدما تفجر الشعر هنا – – أعلن إنسانية الشعرية التي اختزلت الكثير من هذا الانفجار الشعري. ليضعه الشعراء في قوالب غير محدودة المعنى ولكن مختزلة للسود من خلال الإيجاز اللفظي والعبور الى قارات شاسعة في بناء العالم من جديد على شكل قصائد لا تتعدى الورقة الواحدة في أغلبها يتكلم البياض مرد وصدى سواد الحروف وفي المتن مما يلي نماذج من قصائد شعراء أجادوا في اختزال الزوائد والترهلات من أغطية القصائد التي خلفت كل ما هو فائض عن الحاجة لتظهر على شاطئ الشعر بثوب شفاف أظهر مفاتن قصيدة الشعر المختزلة حد الانفجار.

بما ان الشاعر محمد الشحات قد اشتغل على موضوعه الاختزال الشعري  في ديوانه مكاشفه فنحاول الدخول له من هدا الباب

مُكَاشَفَةٌ

يجلسُ النَّهرُ

في لغةِ الماءِ

يخرجُ

في زينة المُلك

يحملُ كلَّ الذي يرتضِيهِ

وتمضِي بهِ ذكرياتِي

غنَائِي الطفُولِي

يحمِلُ رائِحَتِيْ

حينَ أسلمْتُ نفسِي إليهِ

فكيفَ إذا هدَّهُ السيرُ

مالَ..

علىَ شاطِئَيْهِ

فضاعتْ بهِ

ذكريَاتِيْ..

كيف يمكن للشاعر المعاصر الذي عصفت به رياح التغيير وحداثة قصيدة النثر والنظريات الأدبية المتوالدة في كل حين وما فعله الشعراء بعد قصيدة لغة تفكر واصحابها الثمانينيون وبعدهم جاؤوا شعراء قصيدة الحرب والحصار الذين هدموا ما ورثوه من رواد الشعر الحر والأجيال اللاحقة وبنوا قصائد تحكي بالدم مأساة شعوب  اختارها القدر ليتحمل كل أوجاع البشرية وجنونها في وقت سكن الناس في بقية أصقاع الارض الى العقل والبناء والتمتع.. كيف يمكن للشاعر ان يعود الى أدراجه الى قرون خلت ليكتب القصيدة العمودية. هل يتخلص من ظل عملاق تركه أمرؤ القيس والمتنبي والحمداني  وآخرهم ظل الجواهري، ماذا يأتي به هذا الشاعر وهو يرى أمامه وخلفه جبالا من قصائد أصبحت جزء مهما من ذاكرة المتلقي، ربما لا توجد إجابة سوى لدى الشاعر الذي خاض هذه التجربة في غابات الشعر المسحورة وعفاريتها التي لا ترحم.

وفي قصيدة اخرى نرى فيها هده الاشتغالات

مغادرة

 

أحب الخيول إلي

التي تتمايل في رئتي

وتمرحُ مسرعةً في ربوعي

وترقصُ

حين يراقصني الشوقُ

كنتُ أكاشِفُهَا

ساعةً حينَ أدركنِيْ وهَجَهَا

والخيولُ تُلملمُ أصواتَها

نازلتنِي الهواجِسُ

غادرنِي في العراءِ غبارُ الخيولِ.

من هذا الحديث والمغاير  يجيب على أول الأسئلة.. أنه يمكن ان تكتب شعرا مغايرا يستوعب كل انقلابات الحداثة والخروج على المألوف بالمألوف. لقد اسقطت الشاعر في هذه الأبيات الحداثة الشعرية على الموروث التأريخي الشعري في استعارة القالب الجاهز- الصدر والعجز- مثلما فعل الأقدمون من أصحاب المعلقات وغيرهم من الشعراء الذين لم تعلق قصائدهم، ولكن أزخمة بكل ما هو معاصر متجدد مع صورة شعرية تؤكد جنون الشعر حينما ينطلق من عقاله الى ربات الشعر الساحرات بالأسود منه والأحمر وكما تنص عليه أدبيات السحر والسحرة وكيف تسافر الأوطان يمكن ان تفعل هذا الا من خلال الشعر بقلب شاعر لا يخاف الصعود الى هاوية

يقول الشاعر الشحات في ثلاثيته

ثلاثية

 

1-       سقوط:

كيفَ لا يسقُطُ وَجهِي ؟

حينَ تدعُو طفلتِي كفِّي

لكيْ ينزعَ عنْهَا

خوفَهَا الجَاثِمَ دومًا

فوقَ عينيهَا

لمْ يعدُ كفِّي

كمَا كنتُ صبيًا

صار يجثُوُ

فوقَ صدريْ وعُيونِي

كلَّمَا حاولتُ

أنْ أنزعَ خوفِي

آهِ يا كفِّي الذِي يسْكُنُنِي

كيفَ لا تنزعُ مِنِّي

خوفَ أطفالٍ

وخوفِي   ..  ..  .. ..  ..  ..  ..

 

2- هبوطٌ

 

حينَ فاجَأتُ وجْهِي

علىَ صفحةِ المَاءِ

فاجأنِي اهتزازُ ملامِحِه

ضياعُ التقاسِيِمِ

أجلسَنِي ارتجافُ العيونِ

عليَ الشَّطِ

فارتعشَ الماءُ

ضاعتْ ملامحُ وجهِي

 

2-       الصعود

 

الرِّياحُ التيْ في فؤادِي

تصعدُ

حينَ القلبُ يخفِقُ

والطيورُ العائداتُ

بعضُ أحلامِي

ورائحةُ ارتحالِ الشَّمسِ

تصعدُ فيْ دمِيْ

حينَ اخترقتُ حواجزَ الأشياءِ

كانَ النَّهرُ يجلسُ

والنَّهارُ يُعاودُ الترحَالَ

والأصواتُ تسقُطُ

خلفَ غولِ الصَّمتِ

تسقُطُ في دمِي

فيشُدُّنِي خوفِي؛ فأصعدُ

أستظلُّ ببعضِ أحلامِي قليِلاً

ثمَّ أصعَدُ

من صمت الشعر ينطلق الصوت لتفجير المعاني الصامتة وهذا ما يدعو إليه الشعر في ثوبه الجديد الذي ألبسوه شعراء ما وراء العقد التسعيني وحاولوا الوصول به الى ما لا يمكن الوصول به من معنى لا يمت الى المعنى إلا من خلال الربط ما بين ما هو واقعي وميتافيزيقي. والحلقات الشعرية العربية  قد اصلبت عود الشعر وجعلته مقاوما الى العواصف والاستلاب والضعف وهذا ما نراه في متون النصوص الشعرية على المدى العصور الماضية وتجلى في نصوص الاخيرة التي أنجبها شعراء  والتي حظيت باهتمام النقاد والجوائز المهمة والترجمة الى لغات حية في مختلف بلدان العالم.

والشاعر محمد الشحات  قد أمسك عصا الشعر من الوسط شعر أي نحو تارة الى عموده العتيق وتارة أخرى نحو القصيدة السيابية وملحقاتها من التجربة الشعرية العراقية التي تلت ذلك السياب وغربته على الخليج منشدا مطر الشعر وهذا ما نجده في قصائد أخرى

ترى هل أجاب الشاعر في قصائده على أسئلة طالما شغلت الشعراء والنقاد والمتلقين سنوات طويلة من الشعر وانزوى هذا العملاق في الظل بعدها أخذت الرواية مكانه الأولي…؟ وهل أجاب الشاعر فعلا عن كل ما يريد من الشعر  هذا ما نتركه للمتلقي ليبحث عنه  في ديوان مكاشفه

انتِصَافٌ

النَّهارُ انتصَفْ

وبعضُ ثِمَاري التِي

أينعَتْ سقَطتْ

قبلَ أنْ تُقْتَطفْ

فرحتُ ألملمُ

أشلاءَ نفسِيْ

وأمضي بها

قبْلَ أنْ أُختَطَفْ

النهارُ انتصفْ

نهارُ انتصفْ

 

شاعر وناقد من العراق

 

عن madarate

شاهد أيضاً

في رثاء المرحوم إبراهيم أوحسين-  لطيفة أثر رحمة الله

مرثيــــــــــات   لطيفة أثر رحمة الله* نَام َالْكَلاَمُ، وَفِي الْمَدَى صَمْتُ الْأَسَى وَتَكَسَّرَتْ فِينَا الْوُعُودُ …

اترك تعليقاً