
المبدع متعددا – أحمد بلحاج آية وارهام
التعدد هو سمة الكائن الشعري، وبخاصة في ظل ثقافة الاستهلاك المنمِّطة؛ التي تُحوجنا إلى ترك المبادرات الروحية، وإلى تعطيل التفكير الجواني، والسلبية أمام اجترار القديم، أو الخضوع للوافد الملتبس. فهل أمام هذا نكون نحن؟ وتكون الذات في زمنها؟ إن الذي لا يتعدد لا يمكن أن يكون له وجودٌ، ولذلك فنحن لا ننحاز إلى الأشكال، وإنما إلى الزمن الذي في داخلنا، فهو الذي يبدع أشكالا جديدة لوجود جديد؛ إذ لا يمكن أن تكون للوجود دينامية إلا إذا كانت هناك أشكالٌ أخرى تُصاحبه، كشكل الصوفي، فهو ليس مقيما في السكون، وإنما في الاضطراب والحركة، والسرُّ في ذلك انجذابه إلى الحضرة العُلْيا. لا يتقيدُ بنعت ولا بوصف ولا بأي شيء، بل يتقيد بزمنه الداخلي. والزمن كما نعلم ليس أصلاً في الحقِّ. وإنما هو أصل في الكون، وزمن الإنسان هو ما في داخله، وحينما يتطابق زمنه مع الأشكال الموجودة في الوجود تكون هناك الجمالية. ومن ثمة فإن كل مبدع له الحق في أن يخترع الأشكال التي يُريدها، والتي تتطابق مع زمنه الداخلي، وبذلك يَفتح الذائقة على مباهج الجمال الكوني، ويُخلصها من سجن التنميط الذي وضعتها فيها المؤسساتُ والمواضعاتُ الماضوية. فالمؤسسات بكل ضروبها وأشكالها لا تتخلى عن خنجرها المقنّع، والمبدعُ لا يتخلى عن جناح الحرية. أليس غريبا أن كل الأوطان حتى المتطورة منها ملْأى بالسجون والقُموع والفظاعات؟ ولا يُخلخل هذا إلا الشاعر، فهو كالغيم محكوم بالتوالد، مادام الغيم قائما فالأسئلةُ قائمة كذلك، ومتجلية من سماء الطفولة، ومن المستحيل أن يكون هناك شاعر دون طفولة. فالإنسانية ليست رُقَعًا جغرافية وهُوِّيات مختلفة، بل ثقافة استبصارات عبر التاريخ، والشعرُ باعتباره متضمِّنا حقيقة الوجود في جَوْهَرِ جَوْهَرِهِ هو الذي يُشعرنا بهذه الاستبصارات لِتلافي تصادم الهويات، ولِتَقَبُّلِ الأشكال والتَّعَدُّدَات بعشق سام.
شاعر وناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي