أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / العدد الواحد والسبعون / أعمدة ثابتة / الألم …المعلم الصارم – ملا خسو أحلام ذكرى

الألم …المعلم الصارم – ملا خسو أحلام ذكرى

على مسؤوليتي

 الألم …المعلم الصارم

ملاخسو أحلام ذكرى*

 

مِمَّا لا يخفى علينا نحن البشر نفورنا وكرهنا للألم بجميع أشكاله، سواء كان جسدياً أو نفسياً أو روحياً؛ لأنه يسبب لنا عذاباً وإزعاجاً وعجزاً ويأساً كبيراً. فالألم، حتى ولو كان هدفه شفائياً كالجراحة والعمليات والحقن، أمرٌ غير محبب لنا جميعاً، ولهذا بحث الفلاسفة والمفكرون والعرفاء وحتى رجال الدين عن مصدر الألم وكيفية التخلص منه، وتعددت الطرق والهدف واحد: تحقيق الشفاء الإنساني جسدياً وروحياً لينعم الإنسان برحلة روحية سالمة.

في عز الألم، وفي موقع التجربة، تصبح الطمأنات غير مجدية والكلمات غير مسعفة؛ لأنها لا تعبر بشكل حقيقي عن شعورنا، فالآخر يبقى “الآخر” المتفرج على جراحنا، وكأن الألم يعزلك عن كل المحيطين بك عزلاً قسرياً، محاولاً تأديبك وتوضيح رسائل لم تكن تريد الاستماع لها يوماً. إن الألم هو الشيء الوحيد في الحياة صدقاً ومواجهة، فهو يخضعك أمام الأمر الواقع، لا يستطيع أحد الفرار منه بالمسكنات لأنها مؤقتة وكاذبة، تغطي العرض وتترك جوهر المعاناة موجوداً؛ ولهذا فالتخدير صديق وهمي للإنسان، يجعله يكيف الألم ويجعل ذاته متأقلمة معه.

لقد حاول العلماء والفلاسفة عبر التاريخ تسهيل حياة الإنسان بشتى الطرق، عبر الأدوية والمواساة والتوبيخ والمحاكمة الذاتية، لكن الألم ما زال موجوداً دائماً هناك، يتربص بفريسته. والغرابة كونه ضيفاً ثقيلاً علينا نرفضه، نقرأ التعاويذ لطرده، نخدره، نحمي هالتنا منه، ولكن الفلاسفة طرحوا سؤالاً وجودياً حقيقياً يشرح الألم نفسه: لماذا الألم؟

إن هذا السؤال يحمل في كينونته ألغازاً تاريخية ونفسية تتعلق بالطبيعة البشرية، فنحن لا ندرك رسالة الألم ونتعامل معه كعدو لا كمعلم صامت صارم، ولهذا تتكرر السيناريوهات والمخرج واحد، هو تقبل الأمر والعودة إلى الذات قسراً لأننا لم نعد لها اختياراً، فمواجهة ما نكره بداية مؤلمة لاستقبال ما نحب. والخطوة الأولى للتحرر هي الثبات والإيمان؛ فللإيمان دور كبير جداً في فهم الألم ليس عقلياً بل قلبياً، فكما قال باسكال: “للقلب حججه التي لا يعرفها العقل”. والشجاعة ليست غياب الخوف، بل أقوى حضور له متعرياً أمام إيمان البشر بأنهم يمتلكون حق الاختيار، وأن عدم اختيارهم أيضاً كان اختياراً منهم. ولهذا فلنسأل سؤالاً محدداً: لماذا جئت أيها الألم؟ ما هو الدرس الذي تريد مني أن أتعلمه؟ أيها الألم أنت جزء من الرحلة ولكنك لست الرحلة.

عليك أن تعرف أمراً وهو أنك لست الألم ولا الفرح ولا الصحة ولا المرض، أنت لا تملك شيئاً بشكل مطلق، أنت شاهد عليهم فقط في “عالم الشهادة”؛ ولهذا دورك أن تثق في الخالق وتسلم أمورك بيقين لما لا تستطيع تغييره، وتعمل بجد لما تستطيع تغييره، فالألم وقود فعال يتعلم منه البشر سريعا لأنه المعلم الصارم. والتعلم هنا ليس مجرد نظريات تقال أو عبارات مشجعة، بل هي معايشة حية تظهر فيها كل مكبوتات خوفنا وجزعنا ويأسنا إلى السطح، في انتظار روحنا لأخذ موقف إيماني وعزم عقلي لتجاوز الألم والتعلم في الرحلة.

خطوة بخطوة في جسدنا، عقلنا، نفسنا، أفكارنا وعلاقاتنا، يبدأ التحول والاستيقاظ بعد أن كنا منومين بفعل الترفيه الزائف، نشبه كثيراً “الهامستر” الراكض في العجلة وسط القفص؛ نركز على عدم التركيز، نتشتت في فسيفساء تصطادنا جميعاً دون أن تخبرنا بذلك حتى ونحن محنطون. الإشكالية المحيرة في هذا الزمن هي “اللاتوقف”، التقدم المعطل والغاية الموسلة (أو المستهدفة)، كل شيء صار وسيلة لتبرير أطماعنا ومادة لتوظيف استهلاكنا. في خضم كل هذا، يعلمنا الألم التوقف قسراً، حتى نعيد مراجعة الحسابات في إرغام منه لتوجيهنا نحو الداخل، واستكمال الاستبطان الروحي لفهم حقيقتنا الكلية كتجلٍ للمصدر الخالق. وكما ذكر في سفر الحكمة: “وَبَعْدَ تَأْدِيبٍ يَسِيرٍ لَهُمْ ثَوَابٌ عَظِيمٌ، لأَنَّ اللهَ امْتَحَنَهُمْ فَوَجَدَهُمْ أَهْلاً لَهُ. مَحَّصَهُمْ كَالذَّهَبِ فِي الْبُودَقَةِ، وَقَبِلَهُمْ كَذَبِيحَةِ مُحْرَقَةٍ. فَهُمْ فِي وَقْتِ افْتِقَادِهِمْ يَتَلأْلأُونَ، وَيَسْعَوْنَ سَعْيَ الشَّرَارِ بَيْنَ الْقَصَبِ”.

كاتبة من الجزائر

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً