الرئيسية / الأعداد / العدد السادس والخمسون / فاطمة الزهراء الناقي جسد فرجوي خلّاق – كريم بلاد*

فاطمة الزهراء الناقي جسد فرجوي خلّاق – كريم بلاد*

فاطمة الزهراء الناقي جسد فرجوي خلّاق كريم بلاد

تحولتُ عن قصد من الرجال إلى النساء…

ومن حقهن علينا ذلك، فحتى لو كان هذا العمود مخصصا لرجالات المسرح دون شقيقاتهم من النساء، فإن العدل ومقاربة النوع والتمييز الإيجابي يفرض الالتفات إلى العطاء الأنثوي في المجال المسرحي، يجب في كل مرة أن نتوقف فنقول: “طيب.. وماذا عن المرأة؟” في المسرح والسينما والتشكيل والكتابة والتدريس والتكوين، وغير ذلك من المجالات التي أظهرت في عقود سابقة بأنها قادرة أن تبزّ الرجل وتنافحه، بجسدها الفرجوي المتميز، بأدوارها السينمائية المتقدمة، بريشتها الفنية الخلاقة، بقلمها الإبداعي والفكري الجارح والمجترح للكائن والممكن والمحال، بأريحيتها في التعليم، بكل ما تملكه من قدرات ومهارات وكفايات، لا يزال الرجل يُعمل فيها الحصد لكي لا تثمر، ويوغل في الوطء لكي لا تسير، ويعمق الحفر في أساسات الحصون دونها، وأبواب الإبداع في كل ضروبها مما ذكرت ومما لم أذكر.

وإذا لم تستطع المرأة أن تكتب كلمتها، أي أن تتحدث عن تجربتها في كل ما ذكرت، فإنا قادرون ومستطيعون دونها، ومن أجلها.

ظهرت الفنانة الشابة فاطمة الزهراء الناقي إلى الوجود الفني عن طريق مخرجين هاوين، وفي إطار جمعيات ثقافية نشطة في المسرح خاصة، ولم يكن لها أن تظهر لولا أنها كانت التلميذة النشطة، المفعمة بالحياة، المتحولة من هموم اليومي إلى فسحات المسرح والأنشطة الثقافية بمؤسستها، وكأني قد درستها، وعايشتها من كثب، فهي المقتحمة من دون خوف، والمقبلة من دون تردد، والهيّابة من دون تقهقر، والعازمة على إبراز مكامن القوة من جسدها وصوتها وتعابيرها الحركية المتحكم فيها، وتأتى لها ذلك في اختبار عصيب، هو تولي الدور الواحد في العمل المسرحي الذي استهلت به تجربتها، وهو دور ميديا في مسرحية “هكذا تكلمت ميديا” لمؤلفها إبراهيم الهنائي، ومخرجها مولاي الحسن الإدريسي، المسرحية التي أتقنت فيها تقمص أكثر من خمس شخصيات متفاوتة الرؤيا، ومتباينة الموقف، ومتنازعة المشاعر، خلال جريان الأحداث في قصتين اثنتين، حضرتا جنبا إلى جنب في المسرحية، وهما قصة الحاكية وقصة ميديا المحكي عنها.

توفقت الناقي لأنها ممثلة موهوبة، تقدم توجيهات المخرج على نزعاتها الفردية، وتصر على شد انتباه المتفرجين، بصوتها وتعابير وجهها وحركاتها المتناغمة وقدرتها على التحول من وضع إلى آخر، من حكي إلى تشخيص، من ضحك إلى بكاء، من جد إلى هزل، بمعنى أنها تتلون وفق ما يتطلبه المشهد المسرحي والموقف الدرامي.

وظهرت الممثلة في عمل مسرحي لا يقل جودة عن “هكذا تكلمت ميديا”، وهو “رماد” لمخرجه يونس رونا، ولعبت دورا مخالفا تماما، في إطار فريق متكامل، هو دور البنت الشريرة، وكان إلى جانبها الفنان المقتدر محمد أوراغ.

تحولت الناقي إلى التلفزة، شاركت بأدوار لا تقل جمالا عن أدوارها السابقة، وذلك في ملحمة “نوستالجيا أكادير أوفلا” للمخرج المقتدر أمين ناسور خلال صيف العام المنصرم 2024.

وبكل تأكيد ستستمر الفنانة الصاعدة في الحضور في المشهد المسرحي المغربي، مادامت قادرة على تمثل مقومات الفرجوية من خلال جسدها وصوتها وحركتها على وجه الخصوص.

ولا يمكن أن ننهي هذه الالتفاتة دون الإشارة إلى أن العرض المسرحي “هكذا تكلمت ميديا” حاز الجائزة الكبرى بمهرجان سبو للمونودراما الذي اختتم يوم 14 دجنبر 2024، بمدينة القنيطرة، وترأس لجنة تحكيمه الكاتب الكبير عبد الكريم برشيد، وما وجدنا التتويج إلا من أجل الجسد الفرجوي الخلاق الذي تلعب به الناقي.

انتهى

البيضاء يوم 25 دجنبر 2024م.

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

لماذا علقت الحداثة في المسرح العربي؟ قراءة في كتاب: “الحداثة العالقة، مأزق الطليعة في المسرح العربي” للدكتورة أمل بنويس (الجزء الثاني)- كريم بلاد

رجالات المسرح كريم بلاد* أما الفصل الأول من الكتاب، فقد جاء موسوما بــ: “رسم خريطة …

اترك تعليقاً