رجالات المسرح
لماذا علقت الحداثة في المسرح العربي؟ قراءة في كتاب: “الحداثة العالقة، مأزق الطليعة في المسرح العربي” للدكتورة أمل بنويس (الجزء الثاني)

كريم بلاد*
أما الفصل الأول من الكتاب، فقد جاء موسوما بــ: “رسم خريطة للجماليات المعاصرة”، وهو عنوان دال على الغاية التي سعت الباحثة إلى تحقيقها من خلاله، ويتعلق الأمر طبعا بمحاولة التأصيل للجماليات المسرحية الغربية تاريخيا وفنيا، بما يمكنها من بسط خريطة موسعة تظهر عليها كل الحساسيات الفنية الجمالية في المسرح الغربي أولا.
هكذا توقفت تأريخيا، وتتبعا للنصوص المسرحية الغربية والعروض المقدمة في نسخها الأولى، عند ثلاثة من هذه الجماليات، وهي: الطليعة والمعاصرة وما بعد الدراما. وتبدأ تاريخيا من مستهلّ خمسينيات القرن الماضي.

ولعل أول ما اهتمت به الباحثة هو توصيف الجماليات بالجمع لأنها تكتسب سمتها التعددية اعتبارا لكون تاريخ الفنون يتميز بالتجاور لا التجاوز. وقدمت أمثلة كثيرة على ذلك. كما اهتمت أيضا بمبدأ الفراغ مقابل الامتلاء الذي ميز تلك الجماليات، عن الفترة البورجوازية. بالإضافة إلى ارتهانها إلى المتلقي الذي يعطي لها المعنى، ويفجر الدلالات بصدق.
بناء على ذلك، ستركز الباحثة على ثلاث جماليات، أولها المسرح المعاصر، وتقصد به التجسيد العملي لفلسفة ما بعد الحداثة، من حيث كونه تصورا مفاهيميا راديكاليا نصا وعرضا، يقاوم الأفكار البورجوازية والطليعية أيضا[1]. إنه مسرح ما بعد الطليعية، وما بعد بيكيت والعبث. مثلت له بأسماء كثيرة جدا ككولتيس وشيرو وفينافير وريجي وفوس وكين وغيرهم. وعددت مميزاته في جملة من النقاط، نختصرها في:
- سمتا المسرح المعاصر التعدد والتمايز؛
- اتفق النقاد على أنه كسر قوانين التشكيل الدرامي؛
- هو مسرح التعدديات والثورات الكمونية المستترة؛
- ثار ضد الأشكال التقليدية؛
- اعتمد الفراغ المطلق وتقنية الاستنطاق الداخلي؛
- كرس تقنيات تقترب من تقنيات الرواية الجديدة، مثل الشبه – مونولوغ…
وثانيها الطليعة أو المسرح المضاد، واستندت إلى تصورات كل من رولان بارث ويوجين يونيسكو، فاعتبر الأول أن الطليعة ظاهرة منتظمة، لنشوئها لا بد من توافر شرطين تاريخيين، هما: فن سائد ذو صبغة تقليدية محافظة إلى حد ما، ونظام ذو بنية ليبيرالية. برزت بداية الخمسينات من القرن الماضي، مع أسماء ثلاثة، هم: أداموه وبيكيت ويونيسكو. وهذا الأخير يرى أن الطليعة مفهوم متغير، غير أن جوهر الطليعة هي معارضة الفنان الطليعي لعصره.
وبناء على ذلك، تعرف الباحثة المسرح المضاد بالقول بأنه الإنجاز اللغوي المفرط في كثافته، والازدراء المتطرف للغة، وتعزيز شعرية الصور المسرحية القاسية والمباشرة، ثم يتحدد هدفه في هدم كل محاولة لتفسير العالم. ولتعزز الباحثة ما ذهبت إليه، تعتمد أمثلة من مسرحيات يونسكو خاصة “المغنية الصلعاء”، فتتناولها على مستوى خطاب غلاف الكتاب، وصورة البطل، وتعويم الحدث، وتفريغ اللغة من محتوياتها وتحطيم قوانين الأسلوبية، بالإضافة إلى سمة اتصلت بالفضاء، ويتعلق الأمر بتقديم المسرحية في قاعات صغرى وأمام جمهور محدود.
ثم تعود الباحثة إلى الحديث عن التسمية التي شغلت الباحثين خلال عقد الخمسينات من القرن الماضي المتعلقة بهذا النوع من المسرح، ومسرح العبث، وتشير إلى أن روّاد هذا المسرح بأنفسهم رفضوا التسمية، واعتبروها قصورا عن فهم توجههم وتصورهم للمسرح الجديد، ولعل أبرزهم بيكيت ويونسكو وأداموف.
وتنتهي إلى أن المسرح المضاد هو ذروة الجماليات الطليعية الحديثة في المسرح.
على أنها استهلت الحديث عن المظهر الثالث من الجماليات المسرحية الحديثة بسؤال مركزي هو كيف يمكن تعريف ما بعد الدراما؟ وبنت العريف كعادتها على تصورات نقاد غربيين كبار كهانس تايز ليمان وديفيس بارنيت وكريستل فايلر، وتركز كلها على ارتباط هذه الجماليات بفنون الأداء، وتخلصها من المعايير الأدبية الدرامية شرطا لوجود الحدث، وتقويض مبدأ المحاكاة في حد ذاته. إنها فنون تقوم على الانغماس الكلي في وسائط الاتصال، وتجسدها أعمال عديدة كما عند: معوذ ولوباج وكاستيلوتشي وفابر ومروة وصانع… منها ما قدم خلال مهرجانات عالمية لها أهميتها، مثل مهرجان الما بعد – أمريكي، وخريف باريس وخريف مدريد ومهرجان طوكيو وغيرها.
لكن هذه الجماليات ستدخل مرحلة جديدة بداية الألفية الثالثة، بإدماجها لمختلف أشكال الفن المعاصر، مثل: فن الأداء، والتجهيز، وفن الفيديو، وفن الحياة، وفن النت، وفن الجسد، وفن الأرض… وهو ما حذا بمجموعة من المنظرين إلى إعطائها تسميات مختلفة مثل: ما بعد الحداثة المفرطة، وما بعد الألفية، والحداثة المفرطة، والحداثة الديجيتالية.
وعلى هذا، تعلن بداية جديدة بجماليات جديدة تتحدد معالمها في النقاط الآتية:
- التطويح بالوضع الاحتكاري للغة النصية لصالح التركيبات البصرية؛
- التشكيك في كل مناهج التمثيل النفسية؛
- اعتماد الكتابة الشذرية أو المقطعية.
ثم انتهت الباحثة إلى جملة من الخلاصات همت الجماليات المعاصرة في المسرح، وهي:
- الجماليات الحديثة في المسرح هي جماليات بالتعدد لا بالمفرد، وهي ثلاثة:
أولا: الجماليات الطليعية أو المسرح المضاد؛
ثانيا: الجماليات المعاصرة أو المسرح المعاصر؛
ثالثا: جماليات ما بعد الدراما أو المسرح ما بعد الدرامي.
وعادت الباحثة إلى تقديم خلاصات مركزة حول تعريفها ومميزاتها الفنية والتقنية. على أن المثير للانتباه اعتماد الباحثة جدولا توضيحيا مركزا، ضمنته أربع خانات، موزعة إلى ثلاث جماليات كبرى، تمت التنصيص في الخانات على التواريخ والأحداث الكبرى والأعمال المسرحية التي ظهرت فيها، ثم النصوص النظرية مسرحيا وفلسفيا ولغويا، مما واكب كل جمالية من تلك الجماليات على حدة، بما يعطي الانطباع لدى القارئ إلى أن العمل الذي قدمته الباحثة عمل رصين ومتكامل، ومتنبه إلى الجماليات وسياقاتها التاريخية والنصية على حد سواء.
أما الفصل الثاني، فقد خصصته الباحثة للحديث عن المسرح العربي والوعي بالطليعة، فتناولت فيه موقف النقد العربي من الجماليات الحديثة والمعاصرة بين القبول والرفض، متتبعة مسوغات ذلك، وكذلك الاهتمام العربي بهذه الجماليات على الصعيد العربي، ثم الوقوف عند نماذج من التجربة المسرحية المغربية، ويتعلق الأمر بالطيب الصديقي ونبيل لحلو.
على مستوى تلقي الجماليات المعاصرة والحديثة على مستوى النقد العربي، فقد تفرق اتجاهين:
الأول الاستنكار، ويمثله كل من الباحثين أنور محمد، وسعيد الناجي، وعبد الكريم برشيد وفرحان بلبل وسليمان بسام، ويوسف عبيد، وشاهين عمر، ونجيب الكيلاني، ومحمد العواني. وهم يمثلون مختلف الدول العربية.
على الذي همنا من الاتجاه هو كوامن هذا الرفض الذي تعزوه الباحثة إلى كون نظرة النقاد إلى الجماليات المعاصرة محكومة بالمسار الزمني الخطي، واعتبار الحداثة منفصلة عما بعد الحداثة، من هنا تنتصر الباحثة للجماليات المسرحية، وتعتمد تصور هيجل الفلسفي القائم على اعتبار الحداثة حركة ينبغي الانخراط فيها. كما استندت إلى تصور ناقد عربي وحيد هو الذي يمثل الاتجاه الثاني، وهو اتجاه القبول، وهو خالد أمين انطلاقا من اعتباره هذه الجماليات بمثابة استجابة لانتشار التقنيات الجديدة، والانتقال من ثقافة النص إلى ثقافة الرقمنة. ولم يبن تصوره من فراغ، بل اشتغل على جملة من الأعمال المسرحية لرواد ما بعد الدراما في الوطن العربي، ويتعلق الأمر بربيع مروة، ولينا صانع، وأسماء الهوري، ويوسف الريحاني، والفاضل الجعايبي، وجليلة بكار.
تمكنت الباحثة بعد ذلك من الوقوف عند أنموذجين من أجل تجلية مميزات مسرح ما بعد الدراما لدى رائدَيْن من رواد المسرح المغربي، وهما: الطيب الصديقي من خلال مسرحيته “سيدي ياسين في الطريق”، ونبيل لحلو من خلال عمله المكتوب باللغة الفرنسية “أوفيليا لم تمت”. كشفت من خلالهما عن قدرة النموذجين على تمثيل الجماليات المسرحية لارتباط الصديقي بالجماليات الغربية، ولقدرة لحلو على المغامرة لما قام به من قبل من إخراج مسرحيات غربية من النمط نفسه.
وبالرغم من ذلك، وصلت التجربتان إلى الفشل وإلى الباب المسدود كما حدث بالفعل للجماليات المسرحية الغربية قبل ذلك. بناء على ذلك، وجهت الباحثة جملة من المؤاخذات إلى التجربتين ختمت بها الفصل الثاني من الكتاب.
أما الفصل الثالث فجاء، من حيث الحجم، أقل من سابقيه، وضمنته الباحثة تصورها حول مَكْمَنِ خللِ تمثُّلِ الجماليات المعاصرة والحديثة في المسرح المغربي، فجاء الفصل الثالث تحت هذا العنوان “خلل التمثل المبكر”.
ولقد أقرت الباحثة في بداية الفصل بأن النموذجين المختارين ليسا الوحيدين اللذين تمثلا المسرح المضاد، بل يوجد غيرهم، وما يجمعهم جميعا هو قصور تصورهم للجماليات المسرحية. استندت الباحثة في ذلك إلى تصور محمد أديب السلاوي وحسن المنيعي. ورأت أن القصور سببه هو عدم تبرجز المجتمع المغربي. بالإضافة إلى تضخم الذات لدى الأنموذجين المختارين، وتأرجحهما بين الاستقلالية الذاتية والتبعية للسياسة المسرحية بالمغرب خلال الستينات.
كما أرجعت ذلك إلى ما أسمته بالتلفيق، وهو ما ميز رؤية الفنان المغربي للمسرح المضاد وللمجتمع المغربي على حد سواء. فقد كان هناك استيحاء من اتجاهات الطليعة، وبحث مستتر عن الذات ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، وهو ما لا يمكن الجمع بينها. وقدمت نماذج لتجارب مسرحية عند الصديقي ولحلو كشفت عن فشل في إدراك جوهر المسرح الطليعي بالمغرب. وكان من نتائج ذلك، عودة هؤلاء إلى البحث عن صيغ مسرحية مغربية تمتح من التراث خاصة، ومن الفرجات المحلية كذلك.
وبالرغم من مميزات خاصة كان يتمتع بها نبيل لحلو، إلا أنه تعرض للاندحار على مستوى تمثل الجماليات المسرحية، لما فيها من نزعة توفيقية في محاولة للتطابق مع الواقع المحلي.
وهذا الفشل لم يتعرض له الرائدان الصديقي ولحلو فقط، بل شمل مجمل المسرحيين المغاربة وحتى بعض فرق الهواة التي كانت نشيطة في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
وانتهت الباحثة إلى تقييم إيجابي لفشل كل تلك المحاولات.
[1] المرجع نفسه، ص. 39.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي