الرئيسية / الأعداد / من النص إلى العرض عوالم الإخراج المسرحي في العرض الفرجوي “غروب” ياسين الهواري

من النص إلى العرض عوالم الإخراج المسرحي في العرض الفرجوي “غروب” ياسين الهواري

أبو الفنون

من النص إلى العرض عوالم الإخراج المسرحي في العرض الفرجوي “غروب”

 

ياسين الهواري*

 

تُبنى الرؤيةُ الإخراجيّةُ للفنان “ياسين هواري” في عرضه “غروب” على نسقٍ جَماليٍّ يزاوجُ بينَ الدِّقَّةِ الفكريّةِ والتَّدفّقِ البصريِّ، مشكِّلًا بذلكَ متنًا نقديًّا يتجاوزُ السَّردَ الحكائيَّ اللحظيَّ ليلجأَ إلى تأويلِ الوجودِ الإنسانيِّ، هذا الأخيرُ يحاولُ المتلقي تفكيكَ علاماتِهِ ورموزه. وبما أنَّ العرضَ المسرحيَّ مكتوبٌ ومُؤَدَّى في الآنِ ذاتِهِ؛ فإنَّ هذه التجربةَ الإخراجيّةَ تكرّسُ لنا مفهومَ “المخرج متعدد الأدوار Actor-Director” لأنَّه يجمعُ بينَ ثلاثةِ عناصرَ أساسيّةٍ: (التَّشخص، التَّأليف، الإخراج)، إذْ لم يعدِ الإخراجُ مجرّدَ تحويلٍ أدائيٍّ للنَّصِّ على خشبةِ المسرحِ، بل ارتقى إلى مستوى التَّأليفِ البَصريِّ بواسطةِ المكوِّناتِ التَّالية: “التعبير الجسدي، الإضاءة، السينوغرافيا، لإيقاع…” تتحققُ الصّورةُ المشهديّةُ للعرضِ الفرجوي غروب.

  العرضُ، في جوهره، يمثّلُ رحلةً أنطولوجيّةً تبدأُ من “تيه النهايات” حيث الانكسارُ والضياعُ، لتستقرَّ عندَ عتبةِ “أسئلة الوجود”، عبرَ بناءٍ يعتمدُ مبدأَ التَّجريدِ السينوغرافي؛ إذْ تنقسمُ الخشبةُ إلى أشكالٍ معماريّةٍ تتمثّلُ في سلالمَ بيضاءَ شاهقةٍ توحي بالرغبةِ في الارتقاء، وتتوسطُها نقطةُ ارتكازٍ تعملُ كبؤرةٍ دلاليّةٍ ومنفذٍ بصريٍّ يربطُ بينَ الواقعِ الملموسِ والعالمِ المتخيّل.

وفي هذا الفضاءِ الهادئِ بصريًّا والصاخب دلاليًّا، تتحركُ أجسادُ الممثلينَ بوصفها أجساداً حاملةً لأوجاعِ الهويّةِ الإنسانيّةِ؛ فالملابسُ البيضاءُ والتَّحركاتُ الكوريغرافية التي تتراوحُ بينَ الرَّكضِ الهستيري تارةً والسُّكونِ التَّأمليِّ تارةً أخرى، تعكسُ حالةَ الصِّراعِ مع الزَّمنِ وحتميَّةِ الغروب. وانطلاقًا من هذا التَّصورِ الفنِّيِّ الذي يحتفي بالجسدِ لكونِهِ مدادَ الكتابةِ الركحيّة؛ إذْ تغدو الإيماءةُ والتَّوترُ العضليُّ نسقًا تعبيريًّا بديلًا، إذْ يشتغلُ خارجَ أفقِ التَّجسيدِ الصَّوتيِّ، ويعيدُ ملءَ الفضاءِ الركحيِّ، مما يساعدُ المتلقيّ على الانخراطِ  في عمليّةِ تفسيرِ الإشكالِ الوجوديِّ الذي تنتصرُ له المسرحيّةُ، محوّلًا الفعلَ الحركيَّ إلى “ممارسةٍ طقسيّة Ritualistic Crossing” للعبورِ نحوَ الذَّاتِ، مجسِّدًا بذلكَ تصوّرَ “الإنسانِ العابرِ” الباحثِ عنْ أفقٍ للاستقرارِ في عالمٍ موسومٍ بالعبث.

 ولم تكنِ اللغةُ في هذا العرضِ خارجَ دائرةِ السَّيرورةِ المسرحيّةِ، حيث برزَ “التَّعدد اللغوي” عبر المزاوجةِ بينَ العاميّة المغربيّة واللغتينِ: العربيّة الفُصحى، والفرنسيَّة،  بوصفهما أداةً نقديّةً تعمّقُ حالةَ الاغترابِ وتشظّي الهويَّة. هذا التَّشظّي اللفظيّ يتوازى مع توظيفٍ ذكيٍّ لـــ “البديل الرقمي” الذي انصهرَ بدورِه داخلَ بُنيةِ العَرضِ؛ إذ تداخلتِ الصُّورُ الرَّقميّةُ معَ الأداءِ الحيِّ لتخلقَ ازدواجيّةً مشهديَّةً تماهتْ فيها الحقيقةُ مع صورتِهَا.

وفي خطوةٍ إخراجيّةٍ لافتةٍ، لمْ يقفْ هواري عندَ حدودِ الخشبةِ، بل عمدَ إلى إقحامِ الجمهورِ في قلبِ هذا التيهِ الوجوديِّ، محطِّمًا “الجدارَ الرابعَ” بذكاءٍ دراماتورجيٍّ جعلَ من المشاهدِ شريكَا في إنتاجِ المعنى وفقَ ما يُسمَّى بــ”المتلقي الإيجابيِّ The Active Spectator”. ومنَ الواضحِ أنَّ هذا التفاعلَ الإبداعيَّ للمتلقي، سواءٌ عبرَ توزيعِ بعضِ تمفصلاتِ العرضِ في فضاءِ الصَّالةِ أو منْ خلالِ كسرِ المسافةِ الركحيَّةِ، قد حوّلَ “غروب” من فرجةٍ بصريَّةٍ إلى تجربةٍ تشاركيّةٍ جماعيّةٍ.

  وإذا كانتِ الموسيقى في سياقاتٍ أخرى دريعةً للترفيه، فإنَّها في العرض المسرحيّ “غروب” تتحولُ إلى ممثلٍ حيّ، ينسجُ خيوطَه الإيمائيّةَ، ويمنحُ المشهدَ الفرجويَّ عمقَهُ الدَّلاليَّ الكاملَ، باعتبارها سردًا صوتيًّا يحرّكُ الممثلينَ ويتحكَّمُ في إيقاعِ أجسادِهم. إنَّها موسيقى لا تصاحبُ الفعلَ بل تروّضُهُ كما يروّضُ الفارسُ حصانَهُ، محوِّلةً النَّغمةَ إلى جسدٍ سيميائيٍّ مسموعٍ يملأُ الفراغَ السينوغرافيَّ، ويمنحُ لحظةَ الغروبِ عمقًا ملحميًّا يجسّدُ التَّلاحمَ العضويَّ بينَ الرُّوحِ الصَّوتيّةِ والمادّةِ المشهديَّةِ.

وفي خاتمةِ هذه القراءةِ البسيطةِ للعرضِ الفرجويِّ “غروب”، يتبيّنُ أنَّ الفنّان ياسين هواري اشتغلَ بوعيٍ فنّيٍّ مكَّنه من الغوصِ في المنطقةِ الرَّماديَّةِ، المنطقةِ الفاصلةِ بينَ الضُّوءِ والعتمةِ، أو بينَ الحياةِ والموتِ، معتمدًا في ذلك على التَّناغمِ بينَ: “السينوغرافيا، وتفاعل جسدِ المؤدّينَ، و إشراكِ الجمهورِ في العرضِ، و إقحامِ البديل الرقمي”، بفضلِ هذه “الرؤيا الفنّيّةِ Artistic Vision” تحوَّلتِ الخشبةُ إلى مرآةٍ عاكسةٍ لقضايا الإنسانِ، مقدِّمةً بذلك تجربةً مسرحيّةً رصينةً تحتفي بالجمالِ الفنّيِّ وتناقشُ القلقَ الوجوديّ.

باحث من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً