
علال الحجام الشاعر المكناسي “السبعيني” المتميز المنزعـج من الانـتقـادات المجـانـيـة لـشعراء جيـلـه مـحمـد بـشار
سلسلة متواضعة عن أعلام مدينتي مكناس. أعدها تحت عنوان “علم من مدينتي”، وذلك للتذكير بهم وبأهم منجزاتهم.
علال الحجام هامة إبداعية مغربية كبيرة ساهمت بألق وتميز في إثراء المخزون الشعري الوطني والعربي. ومن حيث هو كذلك، يستحيل علينا التطرق لمساره الطويل والمضيء (الإبداعي، المهني …) في بضع صفحات. وعليه لن ندعي بأننا سنكتب سيرته الذاتية، فذلك ليس في متناولنا. لكن للتذكير بهذا العلم وقيمته الإبداعية وموقعه اللافت في الرقعة الثقافية الوطنية، وتقريبه ممن لم تتح لهم الفرصة سابقا لمعرفته، خاصة وأن الثقافي ليس همّـا “رسميـّا”، سنسلط الضوء على زوايا محددة من مساره وتأسيسا على بوحه لمنابر مختلفة، نعتقد بأنها قد تكفي لبلوغنا هذا الهدف: مساره الدراسي والمهني، وجهة نظره في الحقبة الشعرية للسبعينات (علما بأن هذه التسمية لم يكن حولها إجماع)، تصوره للكتابة وطقوسه فيها، موقع الحب والمرأة في إبداعاته، علاقته بمدينته مكناس، تجربته الأمريكية …
يعتبر الدكتور علال الحجام، أحد العناصر الوازنة ضمن مجموعة شعراء ما لقب بجيل السبعينات إلى جانب أسماء عديدة نذكر منها: محمد بنيس، أحمد بلـبـداوي، محمد الأشعري ، رشيد المومني. جيل وارب بذكاء مرحلة الرصاص بإبداعه لأشعار جلها مشحون بنفس مقاوم ورافض دون تفريط في الروح الشاعرية أو الجمالية، وجابه بجرأة وتحد شطط السلطة التي كانت الرقابة على الإبداع وحجز المنشورات أو منعها كليا أو مرحليا من أبرز أدواتها لإسكات الصوت الثقافي الصافي أو المشاكس. عن قصيدة هذه الحقبة، يقول الأكاديمي الوجدي، يحيى بن الوليد، بأنها كانت تشبه الوهج والجمر وتحقق دوامها وتداولها وتحفّز النقد على مطارحة شروطها ورؤاها ومدى اندراجها في الساخن والنابض …
وعن جيله الشعري يقول علال الحجام في أحد حواراته (القدس العربي – 12/12/2016): ” (جيل السبعينيات) بين قوسين عانى من ظلم كبير وما زال يعاني من هذا الظلم الذي لحقه من طرف (الأجيال) اللاحقة، وحينما يتأمّل المرء أساس هذا الهجوم يجده يقوم أساسا على تهمة الانغماس في السياسي، وكأن الشعراء الذين بدأوا يكتبون في السبعينيات لم يهتموا إلا بالسياسي، أو أن موضوع هذا الشعر الوحيد كان هو السياسة فقط، ما يعني أن شعراء (الأجيال) التالية ضربوا الذكر صفحاً عن طاعون السّياسة. وهذا أمر لا يستقيم منطقيّاً، لأن هذا الموضوع كان ومازال حاضرا في الإبداع على اختلاف أجناسه. ومع أنني أستغرب استبعاد الشاعر عواصف السياسي والتنصُّل من الإحساس بكثير من الأحداث والوقائع المؤثرة من هذا القبيل، وأظنّ أن ما يجب تحكيمه ليس هو حضور السياسي أو الواقعي ضرورة أو عدم حضوره، وإنما حضور الشعري أو غيابه، وهو المعيار الذي يجب الاحتكام إليه”. في نفس المنحى، يضيف: “أعتقد أن «جيل السبعينيات» هو جيل التضحيات الكبرى في الشعر المغربي، لأنه تلقى الصفعات من السابقين واللاحقين على السواء. هناك مع الأسف من لا يزال يحاول لحدّ الساعة ترسيخ الاعتقاد بأن الشّعر السّبعيـني كان مجرد بوق دعائي يُسوّغ إيديولوجيا ما، بعيداً عن أي شاغل جمالي، إلا أن النصوص تُكذّب هذا الادعاء، وأنا أظن أن الأمر لا يتعلق بانتماء إلى اليمين أو اليسار، وإنما يتعلق بوعي حاد، لذا، أظنُّ أنه لا يمكن فصل هذا التأثير وتشكُّل الوعي السياسي عن المناخ الذي كان سائداً في الجامعة المغربية في بداية السبعينيات، فقد كان مناخاً يسوده حوار متقدّم جدّاً يجعل الطالب مهما كانت مشاربه وكيفما كان انتماؤُه يُدرك أن ثمّة صراعاً بين قوتين اثنتين إحداهما تملك كلّ شيء، والأخرى يعوزها كل شيء، بما في ذلك صوتها المختنق وحريتها المعتقلة. وفي حمأة هذا الصراع المحموم تبلور فريقان أحدُهما جناحٌ وطنيٌّ يتكون من اليسار واليمين، رغم صراعهما الذي لم يخف على أحد، وجناحٌ ثانٍ تشكّله الأحزاب التي صُنِعت صنعا لمقاومة المنزع الوطني والرغبة في الإصلاح لتأسيس ديمقراطية حقيقية في البلاد”.
علال الحجام صوت شعري مغربي كبير. إبداعاته المحترمة جدا، ومشاركاته المتميزة في المحافل والملتقيات الثقافية وطنيا (العشرات من المدن المغربية)، ودوليا (العراق، الأردن، سوريا، الكويت، ليبيا، كزاخستان، فرنسا، هولاندا، أمريكا …)، وتواضعه المثير للتقدير، جعلوه ينال إجلال عشاق الشعر والمهتمين بالقول الراقي. علمنا شاعر مترو وحريص وغير مهووس بالنشر الكمي، لأنه مسكون أساسا بالكيف والإحجام عن البوح بما لا يقنعه ويرضيه مما يخطه ويمتعه شعريا. لهذا نجده، من أول ديوان نشره، وهو في سن السادسة والعشرين، وإلى حدود ماي 2020، لم يصدر إلا حوالي عشرة مجاميع شعرية، نذكر منها:

-الحلم في نهاية الحداد، (أول إصداراته سنة 1975 بمدينة فاس)
-في الساعة العاشقة مساء
-ما لم ينقشه الوشم على الشفق
-اليوم الثامن في الأسبوع
-من توقعات العاشق …
في ميدان النقد الأدبي، لعلمنا دراسة عن شعر محمود درويش تحت عنوان “الرؤية التموزية في شعر محمود درويش”.
نشر الشاعر علال الحجام نصوصه الشعرية ومقالاته في منابر عديدة، داخل المغرب وخارجه. نورد منها:
+مجلة آفاق، مجلة الثقافة الجديدة، مجلة الزمان المغربي، مجلة أقلام، مجلة الثقافة المغربية (المغرب).
+مجلة الآداب (بيروت). مجلة الكرمل (قبرص). مجلة الأقلام (بغداد)، مجلة كتابات معاصرة (بيروت).
+موقع اتحاد كتاب الإنترنيت المغربية.
+جريدة العلم، جريدة الاتحاد الاشتراكي، جريدة المحرر، جريدة الكفاح الوطني، جريدة الاختيار(المغرب).
+جريدة القدس العربي (لندن)…
جزء من هذه المنابر لم يعد له وجود مع الأسف، إما بفعل ظروف خاصة، أو لأنها تعرضت للمنع من طرف السلطات التي عارضت خطها التحريري. تجدر الإشارة إلى أن بعض نصوص شاعرنا ترجمت إلى اللغات الفرنسية والإسبانية والهولاندية والإنجليزية.
عن تصوره للكتابة يقول في حوار مع مجلة الجديد (01/04/2021): ” …. الكتابة لم تكن مفكرا فيها بالنسبة إليّ، وإنما مجرد استجابة لنداء داخلي لم أجد إليه سبيلا إلا لغة الأعماق، دعاني منذ نعومة أظافري فتداعيتُ له دون أن أعثر لسلطانه على تفسير. هو بالتأكيد ذو صلة بسحر الجميل وغوايته، لكنه لا يسلم من مؤثرات كثيرة تتفاعل فيما بينها وتخلق حاجة داخلية للبوح شعرا. كان ذلك في البدايات، أما الآن وقد أصبحت الكتابة الشعرية جزءا لا يتجزّأ من الكينونة، فقد أخذت تشكّل شرطَ وجودٍ أشعر بأنّه يمّحي تماما عندما تهجرني القصيدة ….. ليست الكتابة مجرد نزوع شخصي ودوافع ذاتية، فهي بالإضافة إلى تفاعلات السيرذاتي والمعيش اليومي والتجارب الشخصية وانصهارها في بعضها البعض بما هي روافد تشحن مخيال الكتابة، تعدّ أيضا جهدا تناصيا لا تكف القراءة عن تخصيبه. وهذا لا يعني أنها استنساخ يدور في فلك التكرار والاستعادة البئيسين. في ظني أن رحلاتي الطويلة في أدغال الشعر العربي والعالمي كانت كافية لجعل عدد لا يستهان به من الشعراء المحدثين يتركون بصمات مضيئة أثّرت في مساري، من بينهم أدونيس الذي تماهى مع أساطير الموت والانبعاث لدرجة أصبح معها أسطورة موازية دونما تنافر، ومحمود درويش الذي شكل نموذجا للشاعر الذي يستطيع صياغة القضايا الإنسانية الكبرى صياغة جمالية باهرة عارفا بحذق كبير كيف يمزج الماء بالنار، وصلاح عبدالصبور الذي ارتقى بالنص الحديث من مناجاة الذات إلى الانغمار بالدرامية، وأحمد المجـاطي الذي كان أول من تمثلته من الشعراء المغاربة، وبنسالم الدمناتي الذي هداني من حيث لا أدري إلى أدغال الحداثة، وانا أتذكر بالمناسبة أنه أول من عرّفني على مجلة “شعر اللبنانية” وأعارني بعض أعدادها … إن الكتابة محكومة بملابسات وإكراهات نفسية وجمالية تصعب الإحاطة بها، لأن الحساسية الإبداعية تتميز بانتقائية لا يستطيع معها الكاتب التقاط إشاراتها التي يشي بها غنى الواقع وزخمه وتجلياته.”…
بخصوص موضوع المرأة والحب في قصائده، يقول علال الحجام: … إن المتأمل لنصوصي التي تُعنى بخطاب المرأة والعشق والمحبة، يلاحظ ولا شك أنها نصوص تكفُّ عن أن تكون مجرد غزل أو تشبيب بالمعنى التقليدي، أو مجرد انعكاس لجرح وإحباط داخليين، لأنها تلعب دوراً تكميليّاً يلحمها بالثيمات الأخرى، ويجعلها محركا لدينامية شعرية تساهم المرأة فيها بقوة. وهكذا لا تكون المرأة حبيبة معشوقة وعاشقة فقط، بل تكون امرأة قادرة على التحدي من أجل الفعل … «من توقعات العاشق». أما في مجموعة «ما لم يرسمه الوشم على الشفق» فتبدو المرأة شريكة في مغامرة الكشف والبحث عن المجهول، بينما نجدها في «اليوم الثامن في الأسبوع» تسمي ما لم يستطع الرجل تسميته، … بل تمتلك حق تقرير مصيرها مؤكدة أنها قادرة على توجيه حياتها وفق ما تريده هي لا ما يخططه الرجل لها … المرأة… لا تكون دائما حبيبة مشتهاة، وإنما هي أيضا أم وأخت وأرض خصيبة وصديقة وشريكة في المغامرة كما في النضال ووعد بالمستقبل… لذا كان من الصعب أن نستغني عنها في كتابتنا …
وعن طقوسه في الكتابة، يرد: “في الواقع، ليس هناك من طقوس سوى احترام مخاض الحالة الشعرية الذي يبدأ بشرارة أولى قد تكون شذرةً أو مقطعاً، أو جملة معزولة، وقد تكون صورة خاطفة، في المكتبة أو في المكتب أو في المقهى، أو الحديقة، أو الشارع، أو المطار أو البيت. لا يهم المكان الذي توجد فيه بالذات الشاعرة وما يحيط بها… وإنما المهم أن أجد نفسي مسكوناً بهاجس لا سبيل إلى تلطيفه والتخلص منه إلا بإخراج كيانه نصّاً جميلاً يقنعني شعريّاً ويمتعني. من هذا المنطلق، فأنا لا أتصيد النص، بل يتصيدني ببداية بسيطة قد لا تقدم أي مؤشر على الحالة الشعرية، لكنها تبدأ في التنامي والتوسع تدريجيا باحثة عما يخلق عالماً شعريّاً متكاملاً تتلاحم أجزاؤه متماثلة أو متنافرة حسب اشتراطات الرؤية التي تحكم دلالاتها”.
أما عن مكناس فيقول: “حاولت أن أتأمل شعريّاً كل الأمكنة التي زرتها أو مررت منها، أو قضيت بها جزءاً من حياتي، غير أنّ لمكناس مذاقاً خاصّاً لأنها بالنسبة لي تشكل أكثر من مكان عابر في حياتي، فهي رحم الروح وفضاء نقشت عليه طفولتي، وولد فيها ابناي البيولوجيان، وبناتي الرمزيات، وفيها ترعرعت صداقات رائعة، بالإضافة إلى ما عشته وما استمتعت به فيها من بهاء وما توحي به أسوارها وأبوابها وأسواقها وزيتونها وماؤها ونعناعها” ٠٠٠ ولأن مكناس برموزها البارزة تقدر وتذكر ، ولأن الحجام أحد هذه الرموز، نورد مقتطفا من شهادة محبة وتقدير باذخة في حقه ، طرزها وألقاها ابن تازة، الأكاديمي بوجمعة العوفي، في الحفل التكريمي لعلمنا، الذي نظمَتْه المديرية الإقليمية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة بتازة يوم الثلاثاء 16 نونبر 2021 بمسرح تازة: “لمكناس العامرةَ، حيثُ وُلِدْتَ وتَرعرعتَ يا صديقي، أبوابُها الشامخة ورجالُها البررة، في الفكر والأدب والفن، وغيرِها من كل المجالات، وبالرغم من أن مكناس غالبا ما تُذكر عند العامة من الناس مقرونة بـ “ساحة الهديم” و”الشيخ الكامل” أو “الهادي بنعيسى”، وموسمِه الشهير بأنشطته الموزعةِ بين الطقوس الدينية والمظاهر الاحتفالية الموسيقية والمسرحية، لكنْ بالنسبة لي، أصبحتْ مكناسُ مطبوعة أو مقترنةً في ذاكرتي، وربما نفس الشيء بالنسبة للكثيرين، بمثقفيها ومبدعيها بشكل أساس أكثر من أبوابها: علال الحجام، أستاذي وصديقي هرم ومؤسس النقد المسرحي والفني الراحل حسن المنيعي، بنعيسى بوحمالة، عبد الرحمان بن زيدان، بوسلهام الضعيف، بنيونس عميروش، مصطفى الشكدالي، عبده حقي، الشاعر الزجال محمد بنعيسى.. على سبيل المثال لا الحصر، ثم هَرَمُ أو أسطورة الملحون المغربي “الحسين التولالي” الذي كان قد خلّد مكناس كذلك بصوته الفريد والشجي، ولو بالكثير من الملامة والوجع والشكوى مِنْ مكناسَ وأهلِها، في قصيدة “المكناسية” لسيدي قدور العلمي المكناسي أيضا بلازمتها المعروفة: “آش ذ العار عليكم يا رجال مكناس/ مشاتْ داري في حماكُم يا اهل الكرايَم / سبتي وهلاكي لا مان في بن آدم). هكذا دائما هُمُ الشعراء، يُخلّدون المدنَ في القصائد بالمديح أو يهجُونها حين يجأرون كذلك بالشكوى من غُبْن الجغرافيا وظُلْمِ الأهل”.
عما أضافته المرحلة الأمريكية إلى مسيرته، فيوجزه علال الحجام في البعد الإنساني الخاص لتجربته التي نهلت من عالم جديد إشكالي معقد وعسير الفهم. سيما وأن أمريكا ، كما يؤكد، تتميز بكونها كيان محكوم بالتعدد ثقافيّاً واجتماعيّاً ولغويّاً، وعليه كل تعامل مع هذا الكيان يجب أن ينطلق من أفق هذا التعدد. من وجهة نظره، أمريكا هذه، الملهمة إبداعيا، من البديهي أن تكون مرتعا خصبا لرؤية شعرية مختلفة. من هذا المنظور لم تعد أمريكا بالنسبة لعلمنا، شعريّاً على الأقل، وكما هو سائد لدى العموم، أرض الأحلام، ولا تلك القوة الكونية القاهرة. بل أصبحت شيئاً آخر بعيداً كل البعد عن هاتين الخاصيتين. أمريكا التي تغريه أكثر هي نص باذخ للقراءة والكتابة والتأمل.
ولد علمنا يوم 22 دجنبر 1949 ببرج مولاي عمر بمكناس. بدأ مرحلة التعليم الابتدائي بمدرسة ابن حزم بحيه، وأنهاها بمدرسة “لبوكل” بحمرية حيث حصل على الشهادة الابتدائية. فترة التعليم الثانوي قضاها كاملة بثانوية النهضة التي حصل بها على شهادة الباكالوريا . التحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس حيث حصل على الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها سنة 1973. بعدها حاز على دبلوم الدراسات العليا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط. أما دكتورة الدولة فقد حصل عليها من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمسقط رأسه مكناس.
إلى جانب هوسه بالإبداع الشعري ومزاولته للبحث الأكاديمي، مارس علال الحجام مهنة التعليم بشغف واحترافية إلى حدود إحالته على التقاعد:
– التعليم الثانوي
– مراكز تكوين المعلمين (الراشدية – الرباط – مكناس)
– كلية الآداب والعلوم الإنسانية –مكناس
– جامعة الأخوين – إفران.
– بموازاة مع مهامه في المغرب، عمل أستاذا زائرا في الولايات المتحدة الأمريكية في كل من جامعة ميدلبوري بولاية فيرمونت، وجامعة جورج واشنطن في واشنطن.
– آخر منصب تقلده، كان أستاذاً بقسم دراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا بجامعة إيموري بأتلانتا.
منذ أن ولج المهنة وتدرج فيها إلى أن غادرها، حافظ على تواضعه الأصيل، وتميز بتمكنه من أدواته البيداغوجية وحنكته وسلاسة كبيرة في شرح ونقل المعارف إلى طلبته وحسن تأطيرهم. عن أستاذه يقول أحد طلبته (شوقي مسطاسي): ” ذكرتني يأستاذ تميز بالتواضع وقبول أفكار طلابه مع عمق في تحليله، ذكر لي صديق درسه في مركز تكوين المعلمين أنه فهمهم دروسا في اللغة العربية كانوا يجدون مشقة في
فهمها، تحية شاعرية مع إجلال وتقدير للطيف علال الحجام”. ويقول طالب آخر (أنور رزوق): ” تتلمذت على يديه في الجامعة رغم أن العربية كانت لغة تكميلية، أذكر شرحه جزءا من رائعة السياب أنشودة المطر، إنسان يوحي بخفة الظل ولطف المعشر”.
يذكر أن شاعرنا كان قد انخرط في “اتحاد كتاب المغرب” سنة 1975، وشغل عضو مكتب فرعه بمكناس. كما أنه كان عضوا بجمعية البعث الثقافي (التي ترأسها لفترة المرحوم الدكتور حسن المنيعي)، وكذلك بجمعية العمل المسرحي.
كمسك ختام لورقتنا هذه، لن نجد أبهى من هدية الشاعر الزجال المكناسي، محمد بنعيسى، لصديقه -علمنا علال الحجام- والمتجلية في قصيدة رقيقة، تحت عنوان “علال يا علال مزّينها عشية”. هدية صادقة تعبر عن مدى معرفة بنعيسى بصاحبه ومدى التكبير الذي يخصه به، وعن صلابة الرباط الذي يجمع بين الرجلين إنسانيا وإبداعيا وفي عشقهما لمدينتهما مكناس:
“علال يا علال مزّينها عشية”.محمد بنعيسى،
مصّاب لي منّو عشورْ
نزوّدْ بهم زادي
مصّاب لي منّو حضورْ
دايمْ إلى هبّتْ زْوابعْ يكون سْنادي
مصّابْ لي هاذ الوجهْ المبشورْ
مدادْ… مدادْ
مدادْ لمدادي
لبلادي لرجالْ بلادي
السّلم والأمن والتقدّم
يا ربي احفظْ بلادي
مزّينها عشية
منارتْها الوهّاجة ودّ عتيقْ
رقّصتْ الحرف بتّدقيقْ
تشكيل… تكوين
تمثيل وسجية
# # # #
من عمق لْوْفا
علال وْفا ووفّى
فتكوين الجيلْ
والمدحْ فْ حقّو قليلْ
فلمحبّة عرْصتو نبّاتة ف البورْ
بلا منّة بلا جميلْ
حارت ليَ لدْهانْ
نركم ليكْ بلوانْ
الدنيا قصية
حارت ليَ لدهانْ
نركم ليكْ حلمْ بلا حدادْ
ساطع الثريا
حارت ليَ لدهانْ
نحتملْ كل احتمالاتْ
احتمالاتْ الترابْ
احتمالاتْ الطفولة
القصفْ المكثّفْ
وزيدْ من احتمالاتْ
شكرا على النسيان
أنت الموثوق الدّايمْ
بخصالْ ذكية
ياك كلشي مشكوكْ فيهْ
إلا عشقْها هيا
مكناسْ البهية
عنقودها مدلّي
برحيقْها محلّي
العاشقة المعشوقة
المغيارة من كلّ كعبْ معلّي
من كلّ مدينة تنفّساتْ بهاكْ
ولمساتْ ترابْ روحكْ الزّهية
أصيلة طنجة هرهورة
الرباط أتلانتا الرشيدية
شاف النورْ ف بلادْ النور
والنورْ سرّج ركابو
براية وقلامْ
للحق تميلْ ولليسارْ وفيّة
حقّاني فزمانو ومكانو
يناقضْ كلّ من
من على الحق جفيل
بالشعر بالتشكيل بالمسرح
بسلاح النقد القوية
النور قلبو والشمس عينو
لا طبع جافي لا طبع بخيلْ
ايّامو بالجودة معدودة
وسطورو ف الدنيا مزية وميات مزية
سلوا عنو درويش
سلوا عنو أدونيس
سلوا مجمعْ السّجية
سلوني أنا
ياك سردْتْ كلّ
ما ف القلب دون خفية
مزّينها عشيّة
علال يا علال مزينها عشية…
الرباط في 05 / 01 / 2022
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي