الرئيسية / الأعداد / العدد الواحد والسبعون / أعمدة ثابتة / عبد الإله الحمدوشي الروائي العصامي الذي أصبح كاتب سيناريو لامعا بالصدفة أو المكناسي رائد الرواية البوليسية في العالم العربي – محمد بشار

عبد الإله الحمدوشي الروائي العصامي الذي أصبح كاتب سيناريو لامعا بالصدفة أو المكناسي رائد الرواية البوليسية في العالم العربي – محمد بشار

علم من مدينتي

 عبد الإله الحمدوشي الروائي العصامي الذي أصبح كاتب سيناريو لامعا بالصدفة أو المكناسي رائد الرواية البوليسية في العالم العربي

محمد بشار*

 

على خلاف الأربعة عشر علما الذين تطرقنا لهم سابقا في سلسلتنا، والذين ولدوا جميعا قبل الاستقلال، علم هذا الشهر يتميز بكونه من مواليد بداية الحرية، وإن كانت حرية غير مكتملة. عبد الإله الحمدوشي (عبد الإله لاحقا)، هذا المبدع المكناسي العصامي، لا يمكن الحديث عنه في إغفال لدوره الأساسي في تأسيس وطفو الرواية البوليسية المغربية على سطح المشهد الثقافي الوطني، واحتلالها لمكانة متميزة فيه، ودون استحضار لروح صديقه المرحوم المحقق ميلودي حمدوشي الذي غادرنا صيف 2019. ويعتبر الاثنان، حسب المتتبعين، المؤسسان الرئيسيان لهذا الصنف من التعبير الأدبي الحديث بالمغرب.

ولد عبد الإله بمدينة مكناس سنة 1958، وهو ابن المدينة القديمة (قبة السوق). رأى النور في درب القرسطون المقابل للجامع الكبير. أمه هي إحدى سليلات العالم والمتصوف سيدي إبراهيم بن محمد التادلي الرباطي المتوفي سنة 1894، والذي كان يقال فيه قيد حياته، “خاتمة العلماء ومجدد عصره”. يقول عنها عبد الإله بأنها كانت تريده أن يصبح عالما ليكون بذلك امتدادا لعلماء أسرتها. وقد أصبح فعلا كذلك، لكن في جنس معرفي لم تكن تتصوره أو تعرفه. أما أبوه، فينحدر من نسل الشيخ سيدي علي بن محمد الشريف العلمي العروسي، المكنى سيدي علي بنحمدوش، نسبة للقب حمدوش الذي كان يطلق على والده محمد. عاش سيدي علي في عهد السلطان مولاي إسماعيل في القرن السابع عشر الميلادي. وكان شيخا صالحا كرس كل جهوده لمحاربة البدع التي كانت سائدة في عصره. زاويته ومدفنه يقعان ببني راشد على بعد حوالي عشرين كيلومتر من مدينة مكناس. عن أبيه، يقول عبد الإله، بأنه كان الزوج الثاني لوالدته، وكان ينتمي إلى الزاوية الحمدوشية ممارسة ونسبا، وهو شيخ له كاريزما خاصة وكانت النساء وحتى الرجال يقصدونه ليمنحهم بركاته.

قضى عبد الإله، كأغلب أقرانه، طفولته بين المدرسة وأزقة المدينة القديمة وساحاتها، خاصة ساحة الهديم التاريخية. لقد كانت هذه الساحة -ساحة جامع لفنا المكناسية-بمثابة مدرسة ثانية بالنسبة إليه ولجل أطفال المدينة القديمة وغيرهم من الأطفال المكناسيين، الذين كانوا يقصدونها من أحياء أخرى، في بعض المناسبات. كان أبناء المدينة العتيقة، بعد نهاية حصص الدراسة وخلال العطل المدرسية، يحجون إلىها من أجل اللهو والفرجة والاستمتاع. لقد كانت هذه الساحة، التي تعرضت للكثير من التشويه واللامبالاة بفعل الفساد وسوء التسيير، تغص بالعديد من الحلقات، رواة الحكايات المختلفة والأزليات (سيف ذو يزن – حمزة البهلوان …)، مروضو الأفاعي، أولاد سيدي حماد وموسى – أصحاب الألعاب السحرية – مول القرد، .وغيرهم. هذه الأجواء المبهجة أثرت إيجابا في عبد الإله وما زال وقعها وذكرياتها يصاحبانه إلى الآن.

تلقى عبد الإله تعليمه الابتدائي بمدرسة درب السلاوي. عن هذه الفترة يقول: “بين تصوف شعبي يؤمن بالكرامات، وتصوف عالم يرتكز على الدراسة والتعليم، ضاعت سنوات دراستي الابتدائية حتى رسبت ثلاث مرات”. وبنبرة تطبعها روح فكاهة ومرح يضيف: ” كنت كسولا في الابتدائي”.

لما نجح في امتحان الشهادة الابتدائية، ربما بفعل بركة الأجداد، كما يحلو له أن يمزح، لم يسمح له بإتمام دراسته في سلك التعليم العصري. للإشارة خلال سنوات الستينات لم يكن يرخص للتلاميذ الذين يحصلون على الشهادة الابتدائية في عمر 15 سنة بإتمام دراستهم الثانوية. وإذا حصل العكس، يكون ذلك بالتدخلات، وغالبا ما كانوا يوجهون إلى التعليم الأصيل.

مضطرا ترك عبد الإله مقاعد الدراسة وولج مبكرا سوق الشغل، حيث مارس عدة مهن (بائع متجول، متعلم عند مصلح آلات كهربائية، خياط، نجار، زلايجي …). وهي مهن كان أغلب التلاميذ، على كل حال، يشغلونها في العطل المدرسية الصيفية. وكان هذا عرف عند الكثير من أسر المدينة العتيقة التي تعج بشتى أنواع الحرف التقليدية. في حين كانت التلميذات يرسلن لتعلم المهن النسوية كالطرز والخياطة.

شاء الحظ أن يعود علمنا إلى الدراسة، لكن في التعليم الأصيل وليس العصري، وذلك عن طريق صديق للأسرة. وهكذا التحق بالمعهد الإسلامي الواقع بعين معزة، والذي يبعد عند المدينة القديمة ببعض الكيلومترات. وما شجعه كثيرا على العودة إلى التعليم هو أنه كان قد اشترى دراجة هوائية، ولكن لم يكن يجد الوقت المناسب للركوب عليها إلا ليلا، وذلك بعد أن ينتهي من كافة أشغاله. إذن المعهد البعيد عن مقر سكناه، كان بالنسبة إليه فرصة ذهبية ليستمتع بقيادة دراجته يوميا لكلومترات عدة. الظروف الجديدة جعلته يعشق الدراسة في المعهد، خاصة وأنها أبعدته عن أجواء العمل الشاق، وأظهرت له أن الجلوس أمام الأستاذ والانتباه إليه، هو شيء سهل وجميل بالمقارنة مع العمل في ورشات الحرفيين أو التجول في الطرقات. وهكذا استطاع في ظرف وجيز أن يقطع مع كسل مرحلة الابتدائي، ويستدرك ما فاته وأن يصبح من فئة المجتهدين. من يومها أضحى يحب المعرفة والقراءة وصارتا شغفه لأنهما أسهل بكثير من العمل اليدوي الشاق أو البيع في الطرقات. هذا التحول الكبير في تفكيره واهتماماته جعله يحلم بأن يصبح كاتبا. الشيء الذي تحقق له لاحقا بامتياز.

لأنه في بعض الأحيان تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، اضطر عبد الإله، إثر الموت المفاجئ لوالده، أن ينقطع عن الدراسة في المعهد برغم تفوقه وحصوله على الدرجة الأولى، واكتسابه لتقدير وصداقة جميع أساتذته. بعد الانقطاع مباشرة شارك في مباراة تكوين المعلمين، التي التحق بعدها بمدينة تطوان لقضاء سنتين من التكوين. بهذا الانتقال انتهت المرحلة المكناسية من حياة عبد الإله، وأساسا مرحلة الطفولة الصعبة والنوسطالجية التي يعتبرها وما زال رغم ذلك جد مفيدة. لعبد الإله ذكريات عديدة عن هذه المرحلة من حياته، نعرض لبعضها فيما يلي:

  • من بين مختلف حلقات ساحة لهديم التي كان يؤمها، يحكي بأنه لا يمكن أن ينسى حلقة ذلك المهرج الاستثنائي -صاحب الدراجة الهوائية-المعروف بنداء “أيها البزاويز أيها الحازقون”. هذا الحلايقي الفوضوي كان بمجرد ما يصل إلى الساحة يبدأ بتكرار ندائه العجيب بصوت جهوري. مباشرة يترك الصغار باقي الحلقات، ويلتفون حول حلقته التي كان ينشطها بمشاركتهم، حيث يجعلهم يرددون وراءه جملا مضحكة وأغاني مرتجلة كوميدية. والغريب أنه لم يكن يتوانى في النطق بعبارات بذيئة تثير ضحك الأطفال. من خلال الصغار كان يجلب الكبار (غير الحازقين) الذين يمكن أن يمنحوه بقشيشا. للإشارة، هذا المهرج، كغيره من أغلب لحلايقية، لم يكن تواجده مقتصرا على ساحة لهديم. بل كان يتنقل بين مختلف فضاءات حلقات الفرجة المكناسية وحتى خارجها. من بين فضاءات الحلقة بمكناس، الفضاء المحاذي لسويقة الخضر القديمة ببرج مولاي عمر الذي بني فيه حي سكتور 8 الحالي. للتذكير خلال حقبة الستينات، وقبل تغول الاسمنت المسلح، كانت الحلقات تعقد في أحياء عديدة من المدينة نظرا لوجود فراغات كبيرة بها، وكذلك لانعدام وسائل التسلية والفرجة. مهرجنا هذا، لم يكن مرحبا به، في برج مولاي عمر، من طرف باقي زملاءه لحلايقية، لأنه كان يزعجهم ويستفزهم بصياحه وصياح الأطفال، ويحول بينهم وبين إنجاز عروضهم في ظروف مرضية. في نهاية عروضه كان يطلب من جمهوره أن يفسح له الطريق. بعدها كان يمتطي دراجته وينطلق كالسهم.
  • يتذكر بأنه خلال الفترة الموالية لانقطاعه عن الدراسة وولوجه حلبة العمل الشاق، كانت لديه قطة، يقول عنها بأنها كانت بدورها تقضي يومها في العمل الشاق. وكانا يلتقيان ليلا حيت كانت تتسلل وتنام بين قدميه في ليالي مكناس الباردة. فكان يدفئها بقدميه وهي تدفئه بوبرها. وفي الصباح يفترقان ويذهب كلاهما لعمله على أمل أن يلتقيا ليلا. ذات ليلة وهو نائم أحس بشيء لزج بين قدميه. لما استيقظ في الصباح وجد قدميه ملطختين بالدماء، رغم أنه لم يكن لا جريحا ولا يعاني من تقرحات. لقد كان السبب هو القطة، التي علم فيما بعد بأنها تعرضت للاعتداء من طرف عصابة من الأطفال ضربوها حتى أدموها. وحين نامت بين قدميه لطختهما -كما يقول-بدمها الشريف. بحث عن قطته فوجدها منزوية في ركن في المنزل فرعاها حتى فارقت الحياة.
  • عن الدراسة بالمعهد الإسلامي، يذكر بأنها كانت مختلطة. كان التلاميذ يدرسون جنبا إلى جنب مع فتيات جميلات وفيهن متبرجات. وكان يدرسهم فقهاء أجلاء وعلماء في الدين. ولم يسبق لأي واحد منهم أن أمر فتاة بوضع الحجاب، ولا أجبر أحدا على الصلاة، أو تدخل في شؤونه الخاصة.
  • يروي بأن تجربة العمل الشاق في الطفولة أكسبته خبرة كبيرة، وتجربة أفادته في الدراسة وفي الحياة بصفة عامة. يذكر أنه في إحدى الحصص لما طلبت منهم أستاذة اللغة العربية (يتذكر فقط اسمها العائلي، الريباني) كتابة موضوع إنشائي حر. وجد نفسه أمام عدة اختيارات. فكتب عن علاقته بقطته وبالعمل الشاق. قصة نسجها على شكل حكايات (الحلايقية)، فأبهر أستاذته حتى أن عينيها اغرورقتا بالدموع، وطلبت منه أن يقرأها على مسمع التلاميذ، وتحسرت لأن المعهد لا يملك مجلة لنشرها. ومنذ ذلك اليوم وهو مخلص لشغفه بالكتابة.

بتطوان تعرف عبد الإله على فتاة تطوانية كانت زميلة له بمركز تكوين المعلمين. عنها يقول، بأنها كانت حسناء. وكانت أول حب له. وقد جعلت منه هذه الفتاة، التي ستصبح زوجته، شاعرا يكتب قصائد ليتغنى بجمالها ولهجتها وأناقتها. عشقه لها امتزج بعشق مدينتها العريقة ذات التقاليد الأندلسية الأصيلة. إثر التخرج عين هو وزوجته التطوانية في منطقة نائية بين جبال شفشاون، بعدها انتقلا إلى مدينة المحمدية حيث قضيا ثلاث وعشرين سنة في ممارسة نفس المهنة إلى أن حصل على التقاعد النسبي وتفرغ للكتابة، ورحلت الأسرة إلى الرباط حيث تقيم إلى الآن.

أصدر عبد الإله أول رواية له سنة 1984 في المحمدية. وهي رواية” الحالم” في ألفي نسخة. وكان ذلك على حسابه الخاص رغم ميزانيته المتواضعة. لكن المفاجأة كانت جميلة، فقد نفذت هذه الرواية تقريبا في ظرف ستة أشهر. وكتبت عنها بعض الصحف الوطنية. كما أن مجلة العربي، ذات الانتشار العربي الواسع، كانت قد أفردت عددا خاصا بالأدب المغربي، وقد صنفت هذه الرواية ضمن الإصدارات الأربعة المتميزة لتلك السنة إلى جانب رواية للمرحوم محمد زفزاف الذي ربطته به فيما بعد علاقة خاصة ومتميزة. رواية للمرحوم ادريس بلمليح والرواية الرابعة لكاتب لا يتذكره. لقد كان لهذا النجاح وقع إيجابي كبير على نفسية عبد الإله، الشيء الذي دفعه ليواصل الكتابة دون انقطاع.

إذا كانت موهبة الكتابة، لدى عبد الإله، قد تفجرت إبان فترة الدراسة بالمعهد الإسلامي بمكناس، وجمرة القريض أشعلتها نار العشق، فإن لوثة كتابة السيناريو ألمت به من حيث لم يكن ينتظر. عن هذا يروي: ” وجدت صدفة سيناريو المحاكمة لأرسون ويلز المأخوذ عن رواية كافكا التي كنت قد قرأتها سابقا. السيناريو المأخوذ عن الرواية درسته بعمق وأغرمت بهذا النوع من الكتابة وبدأت أنسج على منواله. وهكذا في سنة 1985حولت روايتي الثانية (بيت الريح) إلى سيناريو وقدمته للمخرجة إيمان المصباحي، وكانت في ذلك الوقت قد درست السينما في مصر، فأعجبها وأخرجته للتلفزيون. وكان بذلك أول عمل تلفزيوني لي. هكذا واصلت، الى جانب كتابة الروايات سكة إنجاز السيناريوهات. ”

في سنة 1993 كتب روايته “التسليم” التي استلهم فيها تجربته في الطفولة مع أبيه الشريف الحمدوشي وزياراته معه لموسم جدهم سيدي علي بنحمدوش. يعتبر عبد الإله تلك الرواية بمثابة الميلاد الحقيقي له كروائي، ويصنفها بأنها من أحسن ما كتب. هذه الرواية، التي أعجب بها الكثير من القراء، بها صار عضوا في اتحاد كتاب المغرب. ولكنها لم تمنحه المكانة التي يعتقد أنه كان يستحقها. وقد كانت خيبته بذلك كبيرة. يرى عبد الإله بأن الوسط الأدبي في ذلك الوقت كان يحكمه الانتمائي السياسي والزبونية والعلاقات الحزبية، وإذا لم تكن مصطفا في اتجاه ما، فلا يمكن أن يحتفى بك.

عن انخراطه في كتابة الرواية البوليسية، يقول بأن لقاءه بالمرحوم ميلودي حمدوشي وسط سنوات التسعينات من القرن الماضي كان حاسما في أخذه لقرار التوجه نحو هذا الصنف الإبداعي الذي لم يكن يحظى بالأهمية

التي يستحقها، وذلك دون التخلي عن توجهه الإبداعي الأصلي. للتذكير المرحوم ميلودي حمدوشي ولد سنة 1947 ببوقدرة (سيدي مبارك بوقدرة) ناحية مدينة أسفي. بعد حصوله على شهادة الدراسات الجامعية العامة من كلية الآداب بالرباط التحق بسلك ضباط الأمن الوطني. خلال مساره الوظيفي تنقل بين العديد من المدن وكانت تجاربه في التتبع والتحقيق في مختلف أنواع الجريمة جد موفقة، لدرجة أن لقب ب “كولمبو”. وقد استفاد من طبيعة مهامه ومن القضايا المختلفة التي عايشها لينخرط في كتابة روايات بوليسية عديدة (ضحايا الفجر – مخالب الموت – أم طارق حوار الدموع ……) . عن سر كتاباته المستوحاة من تجارب مهنته، قال ذات مرة: “لو لم أكن شرطيا، لما كتبت روايات بوليسية، لكني سأكون حتما كاتبا”.

عن ظروف اللقاء والتعاون بين الحمدوشيين يحكي عبد الإله: ” شاءت الصدف أن ألتقي بالمرحوم ميلودي حمدوشي (كولمبو) وكنيتنا المشتركة مجرد صدفة فلا قرابة عائلية بيننا. كان الرجل يتمتع بشهرة كبيرة وإعجاب لم يسبق لبوليسي أن ناله في تاريخ المغرب. كان اللقاء صدفة عن طريق المرحوم إبراهيم زيد. وهو صديق وكاتب ترك لنا مجموعة قصصية جميلة وكتابات أخرى. في الحقيقة فوجئت برجل طويل القامة صامت وخجول ومتحفظ. لما قدمه لي محمد زفراف على أنه كولمبو لم أصدق، وأخذت أقهقه وأشير إليه وأقول أهذا هو كولمبو؟ فقهقه المرحوم بدوره، وكان قد قرأ روايتي “التسليم” وأعجب بها. من ثمة تكونت بيننا صداقة عميقة. ذات مرة خطر ببالي أن اقترح عليه أن نكتب سوية رواية بوليسية نستغل فيها شهرته الكاسحة والسمعة الرائعة التي يتمتع بها كمحقق ممتاز. في البداية بدا متحفظا وكان لتوه قد أنهى عمله في سلك الشرطة، وصار أستاذا جامعيا لعلم الاجرام بكلية الحقوق بالرباط، ويهيئ لنيل شهادة الدكتورة. بعد شهور كانت رواية (الحوت الأعمى) التي حولتها إلى سيناريو فيلم بوليسي قدمته القناة الثانية سنة 2002. وكان بذلك أول فيلم بوليسي مكتمل في تاريخ التلفزيون المغربي. هذه الرواية ترجمت إلى الإسبانية. تعاوننا أثمر رواية ثانية “القديسة جانجاه”. بعد ذلك انفرد كل واحد منا بتجربته الخاصة، بحيث صار كولمبو يكتب بالفرنسية وواصلت مسيرتي برؤيتي الخاصة”.

يعتقد عبد الإله بأن الرواية البوليسية، التي هي طبعا إنتاج حافل بالإثارة والتشويق والمفاجئات، موطنها الطبيعي هو المجتمعات الديمقراطية، حيث مبادئ القانون راسخة والحقوق مصانة والعدالة تشتغل بشكل جيد بعيدا عن الإملاءات وتكييف الملفات. لهذا السبب، يضيف، لست متأكدًا من أنه يمكن أن تطفو على السطح رواية بوليسية محترمة في بقاع يعمل فيها على تغييب هذه المبادئ. والأكيد أن الحريات الأساسية، حتى لو كان مدى احترامها يختلف من دولة عربية إلى أخرى، فهي على العموم تظل مغيبة إلى حد كبير. ثم إن كلمة “بوليس” في الدول العربية والمتخلفة، على العموم، هي مرادفة للخوف وعدم الثقة. الانطباع الأكثر انتشارًا بين الشعوب العربية هي أن الشرطة تخضع لسيطرة حكام في الغالب فاسدين، وسياسيين أقوياء وأصحاب ثروات. وأن دورها الأساسي هو حفظ النظام في حين أن مهمة مكافحة الجريمة تبقى لديها عرضية. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى هشاشة التجارب الديمقراطية في هذه الدول أو غيابها تماما. هذا الوضع-كما يقول- لا ينطبق بصفة مطلقة على المغرب ، الذي شهد في نهاية تسعينيات القرن الماضي انتقلا سياسيا متميزا تمثل في صعود المعارضة الوطنية التقليدية إلى الحكم. وقد كانت هذه التجربة الجديدة بما أفرزته من تحسن على مستوى حقوق الإنسان، وقطعها مع فترات الرصاص، مواتية إلى حد ما لكتابة النوع البوليسي.

في بداية مشروعه، يحكي بأن معرفته بالأدب البوليسي، -إن صح التعبير-كانت محدودة. لينميها بدأ في التهام كل ما يقع بين يديه. وكان أكثر ما أدهشه في قراءاته العديدة هو عامل الإثارة. بالنسبة لتوجهه الإبداعي يقول: “أنا أكتب قصة اجتماعية نوعا ما، أتوخى من خلالها توعية المواطنين بحقوقهم. إن تحقيقات الشرطة تكشف مختلف أوجه الجريمة (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية …). بخصوص الجانب “الأسود” في رواياتي فإنه يتغذى على الأحداث والوقائع التي تفرزها مناطق الفقر والجهل والتهميش، أي العناصر الشاذة التي يفرزها قهرا المجتمع المغربي العميق (الهجرة غير الشرعية، المخدرات…). أما الجريمة العقلية “الذكية” لأجاثا كريستي فلا وجود لها في رواياتي”.

بالنسبة لمعضلة السيناريو بالمغرب، يعتبر عبد الإله أن هذا المكون الرئيس في كل عمل مرئي، يظل بصفة عامة الحلقة المهمشة والضعيفة في الانتاجات السينمائية المغربية، رغم أنه لا يمكن تصور فيلم في مستوى محترم بدون سيناريو جيد. يقر بأن السينما المغربية تطورت بشكل واضح على المستويين التقني والفني… لكن بقيت فقيرة على مستوى كتابة السيناريو، التي يبدو بأن الرغبة في النهوض بها غير موجودة. وفي الإصرار على هذا التوجه كثير من الغرابة. بعبارة أخرى لا مجهودات تبدل لجعل السيناريو يرقى لما يتطلبه الإبداع السينمائي على مستويات الإخراج والتمثيل والحكاية لإفراز خطاب سينمائي واضح ومنسجم ومتماه مع المتلقي. وذلك رغم الشكاوى، التي لا مشروعية لها، من عدم وجود سيناريوهات أو كتاب سيناريو في المستوى. ما نعايشه هو تهميش السيناريست لصالح المنتج والمخرج وحتى الممثل.

يضيف عبد الإله، إذا كان الاهتمام، كما سبق، انصب على تنمية كل ما هو تقني من إنتاج ومهن فنية وإخراج، فإنه لم يتم الانكباب على النهوض بالسيناريو كتخصص قائم الذات، ذي أهمية حاسمة في جودة العمل السينمائي:

  • لم يتم إحداث مسالك تكوينية خاصة بالسيناريو، التي يمكن بواسطتها تكوين أجيال من الكتاب الشباب الأكفاء.
  • لا وجود لحوافز مادية تغري الشباب بممارسة هذا التخصص أو دراسته. أضف إلى ذلك أن الوضع الاعتباري المهترئ للسيناريست لا يغري الشباب بهذه المغامرة.
  • انعدام الفصل بين مهام السيناريست والمخرج. بين هاذان الفاعلان علاقة يشوبها الخلل وانعدام الوضوح ونزعة الهيمنة. فرغم أن منبع الفيلم هو السيناريست، فإن المخرج يتجاهل هذا المعطى، ويعمل ما في وسعه للاستحواذ على العمل وبلورته حسب رؤيته الخاصة في تغييب تام لرأي السيناريست، الذي، من المفروض بقوة الفعل، أن يكون شريكا له. نستثني هنا الحالات التي يكون فيها المخرج نفسه هو الكاتب والسيناريست.

لتجاوز هذه الاختلالات، يحث عبد الإله على خلق إطار تنظيمي مهني لكتاب السيناريو، يكون من بين مهامه التفكير والتداول في الآليات التي بوسعها إضفاء مزيد من الاحترافية على هذا الاختصاص، ومن خلاله على المنتوج البصري الوطني بصفة عامة. ويسترسل، كما هو معمول به في سينما الدول الرائدة في هذا الميدان، حان الوقت ليستعين سينمائيونا بالمفكرين والكتاب المتميزين القادرين على إنتاج نصوص في مستوى عال. فما كل متقن لتقنيات كتابة السيناريو بإمكانه أن يصبح كاتب سيناريوهات ناجحا. إن كتابة السيناريو الاحترافية تفرض أن يكون الكاتب قارء نهما وذو ثقافة عامة واسعة، وأن يكون قريبا من نبض المجتمع وتحولاته.

بالنسبة للسرد البوليسي، يرى بأنه أكثر الأجناس الأدبية جاذبية للسينما، فمن كل عشر روايات بوليسية تنشر، يتم تحويل سبعة الى أفلام. إنها نصوص متماسكة تنبني على الدقة وأحداث مؤسسة على سببية صارمة، بحيث لا تترك بياضات أو ثقوب تنال من مصداقيتها وقدرتها على صناعة التشويق لدى المشاهد.

عبد الإله، الروائي والسيناريست العصامي، كتب العديد من الروايات بين البوليسية وغير البوليسية، لكن رواياته البوليسية حظيت بإقبال كبير محليا وخاصة عالميا. وقد ترجم أغلبها إلى عدة لغات أجنبية (الانجليزية، الفرنسية، الاسبانية، الروسية، المقدونية …). حظيت تجربة عبد الإله في كتابة الرواية البوليسية باهتمام كبريات المجلات العالمية وأنجزت حولها عدة دراسات وكتب. كما أن بعضها يدخل ضمن البرامج الدراسية المقررة في بعض الجامعات الأمريكية، هارفارد مثلا، التي أعدت فيها، عن رواياته البوليسية، أول أطروحة دكتوراة عن الأدب المغربي بالعربية أنجزها أستاذ باحث يدعى جوناثان سمولين.

يعقد عبد الإله العديد من اللقاءات مع الطلبة الأمريكيين الدارسين للعربية حول رواياته المقررة في جامعاتهم. كما أنه يشرف على تأطير ورشات كتابة السيناريو بالمغرب وخارجه.

الروايات التي ألفها إلى حد الآن (أبريل 2021):

  1. الحالم 1986، وهي أول رواية له كما سبق الذكر
  2. بيت الريح 1989، الثانية التي حولها إلى فيلم تلفزي كما سلف
  3. حتى لا تنسى أمريكا
  4. الذبابة البيضاء 2000، حولها إلى فيلم تلفزي
  5. الولي الصعير 2016
  6. الحنش، حولها إلى فيلم سينمائي لاقى نجاحا منقطع النظير وحقق إيرادات استثنائية لم تكن منتظرة.
  7. تحرش 2014، حولها إلى فيلم سينمائي تحت عنوان “خلف الأبواب المغلقة” لاقى استحسانا كبيرا محليا ودوليا. وقد فاز بجائزة أحسن سيناريو في مهرجان بكاليفورنيا.
  8. شمس العشي 2016، حولها إلى فيلم سينمائي ناجح تحت عنوان “عايدة”. وقد فاز بجائزة أحسن سيناريو بمهرجان أكادير
  9. التسليم 1995
  10. الرهان الأخير 2001

ونظرا لنجاح تجربة عبد الإله وإشعاعها، في صنف تأليف الإثارة، تعاقدت دار النشر الأمريكية “هوبو” – HOBO -معه على تأليف 5 روايات. ألف منها لحدود اليوم ثلاثة:

  1. الدم اليابس. نشرت في طبعتها الأولى تحت عنوان “المستنزفون”
  2. سفاح كازابلانكا 2015
  3. الزوهرية (قيد النشر)

وكما سبقت الإشارة إليه، ألف مع المرحوم كولمبو روايتين:

  1. الحوت الأعمى 1997
  2. القديسة جانجاه 1999

بموازاة مع مواصلته لكتابة الروايات، ظل عبد الإله ينكب على كتابة السيناريوهات، التي قدم منها للتلفزيون المغربي بقناتيه أكثر من 18 عمل بين أفلام (بيت الريح، الباب الأوتوماتيكي، علاقة خاصة …) ومسلسلات (الدار الكبيرة، الساس، شجرة الزاوية ….) . ولوكان الميدان، كما يقول، تسود فيه النزاهة وتراعى فيه الكفاءة والاستحقاق، لكان قدم ضعف هذه الأعمال التي تحظى دائما بالجوائز واستحسان المشاهدين.

تجربته كانت كذلك محط تقدير أوربي، فقد استدعي إلى جانب أكبر مؤلفي الروايات البوليسية الغربية إلى لقاء من تنظيم الاتحاد الأوروبي. كما احتفى معهد العالم العربي بباريس بتجربته لما ترجمت روايته “الرهان الأخير” إلى الفرنسية. وقد جمعت الدراسات التي أعدت حول التجربة في كتاب صدر مؤخرا بباريس، وهو من إنجاز الأستاذة كاتيا غصن، التي تعتبر عبد الإله الحمدوشي “رائد الإثارة في العالم العربي” أو “رائد الرواية البوليسية في العالم العربي”.

“MAITRE DU POLAR ARABE”

عبد الإله ينتمي لتلك الكوكبة من المبدعين المغاربة المتميزين الذين حلقوا بالرواية المغربية وباسم المغرب عاليا خارج الحدود الجغرافية الوطنية. عبد الإله، الذي يحق للبلد الافتخار به، ما زالت تجربته متواصلة.

أحيي المبدع عبد الإله الحمدوشي، وأشكره على ترحيبه بدعوتنا، وتفاعله الجدي مع الموضوع بصدق وتواضع ملفتين.

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً